أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شريف حتاتة - رجل على - دراعه -















المزيد.....

رجل على - دراعه -


شريف حتاتة

الحوار المتمدن-العدد: 7164 - 2022 / 2 / 16 - 00:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


رجل على " دراعه"
---------------------------------
فى حياتى حدثت أشياء كثيرة لم أكن أتوقعها .. ومن بينها أننى أصبحت مالكا لتسعة فدادين من الأرض الزراعية قرب ، " عزبة الكوادى " التابعة " لصالحجر" وبيتانا ريفيا فى " القضابة " وهما قريتان من قرى مركز " بسيون " بمحافظة الغريبة .
الأولى ترقد فوق آثار مدينة فرعونية ، كانت فى يوم ما إحدى عواصم الملك رمسيس الأول أو الثانى لا أذكر .. أما الثانية فظلت لسنين طويلة ، مركزا نشطا هاما للتجارة بسبب محالجها الأربعة التى لم يبق منها إلا واحد الآن ، ومواصلاتها النهرية بصنادلها المتجهة من ترعة " الباجورية " خلال الهاويس إلى النيل ، وحلت محلها الآن بعض زوارق الصيد .
وعلاقتى بالملكية معقدة .. فيها ذلك المزيج من القلق والحب والكراهية ، غالبا ما يتخلل الأشياء التى يربطنا بها رباط قوى . فى البداية كانت الكراهية ولكنها خفت مع الزمن مع تقدم السن ومطالب الحياة الملحة ، وانحصار موجة الثورة الاشتراكية فزاد حبى لها ، واقتربت منها . فهذه المساحة البسيطة المحدودة ، تعطينى إلى جانب المعاش الشهرى ، ذلك القدر من الحماية المادية والاستقرار الذى احتاج إليهما .
هكذا استطعت أن أتفرغ فى السنين الأخيرة ، للأشياء التى أعتبرها أساسية بالنسبة لى ، وأن أرتبط بالقرية ، ومجتمع الفلاحين ، مما فتح ذهنى على جوانب من الحياة كنت جاهلا بها . فأنا لم أنشأ نشأة ريفية مثل مثقفى الجيل الذى أنتمى إليه .
أوحت إلىً بكثير من الأشياء التى انعكست فى رواياتى ، مثل روايات كريمة والرئيسة ، وأتاحت لى متنفسا ألجأ إليه عندما أشعر بإرهاق المدينة ، وإحباطها .. أشق الحقول الخضراء سائرا إلى جوار الترعة .. أو أمارس العمل اليدوى فى حديقة الدار فيزول التوتر .. ولكن أحياناً تعود إلىً الكراهية القديمة وذلك عندما أضطر للدفاع عن حقوق الملكية ضد مستأجرى الأرض ، فتحتل المتناقضات فى حياتى مكان الصدارة من جديد . والحفاظ على الملكية له منطق ومتطلبات لا سبيل إلى تفاديها . أن أكون عكس ما أدعيه .. أن أمارس استغلالا تحميه القوانين . والفلاح يجيد الصراع ضد المالك بحكم خبرته الطويلة رغم ضعف أسلحته ، خصوصا الملاك أمثالى الذين لم ينشأوا فى الريف ، أو يريدون الحفاظ على بعض التوازن ، بين المصلحة والمبادئ التى يؤمنون بها .
هذه الصراعات ُسنة الحياة فى الريف . ثارت أيضا مع عدد من أقاربى ، وخصوصا أولئك الذين تجمع بينى وبينهم حدود مشتركة . فقد أقمت بيتا ريفيا على جزء من الأرض الزراعية ، التى وضع جدى الكبير يوسف بك يده عليها قبل الحرب العالمية الأولى ، بعد أن نزح بأسرته من الصعيد . وأنا أقيم جزءا من السنة فى هذا البيت بهدف الكتابة أو الراحة والابتعاد عن جو القاهرة الملوث بالتوتر ، والسموم ، والضجيج ، ولأطل منه على حياة المجتمع القروى الذى ظللت بعيدا عنه .
لكنى اكتشفت أن حلم الراحة والعلاقات الودية ، يتبدد فى مواجهة حقيقة الملكية الصلبة صلابة الأرض نفسها ، تضرب بجذورها إلى أيام الفراعنة وتقود إلى سلسلة من المعارك حول بضعة أشبار من الأرض ، أو ظل أشجار علت بجوار السور ، أو منافذ فُتحت بغير حق لتطل على أرضى خلال السنين ، التى قرر فيها حكام البلاد أن سلامة الوطن ، وازدهاره يتطلبان أن أظل غائبا فى السجن .
عدت لأكتشف عكس ما ظننت أنه صحيح .. أن التنازل طلبا للود فى مجتمع يسوده المنطق الطبقى يقود إلى تكرار الاعتداء علىً .. وأنه فى الحياة كما فى السياسة ، لا تساوى المثل شيئا إن لم تسندها القوة .
يعد أن استقرت الأمور ، وحتى أضع فاصلا بينى وبين أولئك الذين لم يكفوا عن الزحف البطىء، قررت أن أبنى سورا من الطوب والأسمنت .. وهنا قامت القيامة .. فهذا يعنى توجيه ضربة قسمة للمخططين .. فقررت أن أبقى فى بلدتنا حتى ينتهى كل شىء .
كنت أستيقظ مع طلوع النهار .. استنشق عطر الياسمين ، والورود التى زرعناها فى الحديقة . أدور حولها بعين البستانى يتفقد صنع يديه .. فى أنفى رائحة الأرض الطازجة ، وحول قدمى بلولة الندى فى الحشيش ، لم أصعد درجات السلم إلى الشرفة .. أتناول كوبا من الشاى والحليب وأطل على أشجار البرتقال والليمون .. وعندما يحضر العمال أراهم يدخلون من البوابة وأسمع أصواتهم تتردد صباح الخَير .. أروح وأجىء حتى تغيب الشمس كرة حمراء تسقط فى بحور الأرز . تلفحنى أشعتها فيتحول جلدى إلى سمرة البن .. أقف بين الرجال أتوا من قرية أسمها " بر الحمام " يخلطون الزلط ، والرمل ، والأسمنت ، يشدون على الحبل المربوط فى الجاروف ، ويقلبونهما بينا يلقى عليها أحدهم بجرادل المياه لتخميرها ، أتتبع حركة الأذرع ، والسيقان ، وحركة الأسنان ، والضحك والكلمات تجىء وتروح ، و أتتبع الجاروف يرتفع بالأسمنت فى الفضاء الأزرق ، والرؤوس ، والأقدام والأكتاف المحنية تلقى بأحمالها ، والجهد الذى لا يبدو جهداً رغم العضلات المشدودة للظهر ، والقميص الملتصق بالعرق حول الجسم ، ألمح البساطة الوحشية فى تقاطيع الوجه ، والقوة تتدفق من كل المسام لم تفسدها سفسطة الكلمات المحفوظة ، فأتذكر الفعل المقتول فى حياتنا . أشاهد البنا يصف الطوب خطوطا حمراء ، والبنات يحملن أصاعى الأسمنت . القدم ثابتة فوق الأرض ، وخطوط الجسم موجة كامنة ، أو قدرة محبوسة تحت الثوب ، وردف نحيل بلا شحم . ألمح نظرة العين الهادئة ، والرمش أسود ، وثقة اعتداد بالنفس ، وجمال ولادة الجهد ، ليس فيه طراوة ولا ليونة ، ولا تأرجح فوق كعوب عالية مستوردة لتدعيم أنوثتهن .
لمحت أظافر إحداهن تلمع بطلاء أحمر فسألتها . ضحكت قاتلة وهل هذا عيب ؟ .. قلت لا ولكنه يبدو لى غريبا وسط الرمل ، والأسمنت . فكرت لحظة ثم قالت ببطء وكأنها تقلب الأمر .. معك حق .. سأرفعه ، إنه التليفزيون ، ثم ابتعدت بخطوتها الثابتة تحملها بعيدا عنى .
قررت أن أعيد تخطيط الأرض .. أن أقطع فى الخطوط المتعرجة حتى تستقيم .. أن أختصر المشايات وأستعيد المساحات الضائعة فى الزوائد والأركان .. ظللنا نعمل أنا واثنان من فلاحى القرية طوال الأسابيع التى قضيتها هناك .. إنهما لا يملكان أرضا زراعية وإنما يستأجران فدانا أو أقل فى موسم القمح أو الأرز . والأرز الآن ينمو وحده ولا يحتاج سوى للرى ..أما بقية الوقت فيعمل كل منهما على دراعه ، أى بالفأس . أحدهما يدعى " سعد " .. عيناه العسليان فيهما حزن أخضر كأنه يفكر فيما ضاع .. يرفع رأسه فوق عنق طويل مثل الشىء الثمين الذى ينبغى أن يحمله بحرص .. ليس فيه خضوع الأجير ، وليس فيه عناد فهو دائم الاستعداد للتفكير فى الأشياء .. فيه طبيعة آسرة كأنه ولد طفلاً .. كلمته القليلة يقولها بعد صمت .. وفأسه تشبهه ، و مثل كلماته قليل الضربات ولكنه كالسحر يقطع فى الأرض ويعيد خطوطه .. يزيل الزائد والأعشاب ، والتضاريس المعوجة بحركة دموية ، منتظمة فتتحول إلى حالة جديدة فيها جمال الوضوح . فالجمال وظيفة .. الشىء الذى لا يؤدى الغرض فيه قبح .. الزخرفة تنتمى إلى عهود التكرار والزمن الضائع ، والسلاطين ، والحريم .. نحن فى عصر الخطوط الواضحة والنحنيات الخالية من الزوائد ، عهد الفضاء ، والسرعة ، والصواريخ وقطع المسافات .
أحب أن أقف إلى جوار " سعد " وهو يقطع الأرض بالفأس .. أن أرى خطوطه المستقيمة بلا التواء .. أن أتأمل كلماته يقولها فى اقتضاب . ذهنه مثل فأسه يبحث فى الأعماق ، وبين يديه تتحول الأرض إلى خطوط عارية ، سمراء تتساب فيها المياه .
أخرج من تحت العفش ، والأعشاب العطنة خمسة ثعابين .. رفض أن يقطع رؤوسها . ترك هذه المهمة لغيره ، كأن وظيفته كشف الثعابين وليس إعدامها ، وقفت أشاهدها وهى تتلوى مثل الأقلام التى تدور حول الحقائق فى عواميد الصحف .. بعد قليل صرخت امرأة فى السويقة القريبة من دارنا فرفع رأسه كأنه ينصت ثم ألقى بفأسه على الأرض .. وفى اللحظة التالية فوجئت به يجتاز المسافة حتى البوابة فى لمح البصر ، ثم عاد بعد قليل بخطوته البطيئة الوثابة .
سألته فأجاب .. رجل اعتدى على امرأة بالضرب فمنعته . ثم أمسك بالفأس وانحنى . عادت ضرباته تتردد فى أذنى بغضب مكتوم .
صورته مازلت أمامى وأنا أقود سيارتى عائدا إلى القاهرة .. نسيت الصراعات والمعارك الصغيرة ، وبقى هو " رجل على دراعه " ، يشق القنوات أمام تيار ليروى الأرض .
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002
-------------------------------------------------------------



#شريف_حتاتة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتحار أستاذ جامعة
- انجيلا ديفيس
- مدينة العبادة والفساد .. من يوميات خبير سابق
- حماية النيل من الحسد
- قضية لا تموت
- امرأة من ايران
- خواطر فى سرادق العزاء
- بلد فوق قمة العالم
- الوجه الآخر من القمر
- إنهم لا يزالون الخطر الأكبر: عن «الإخوان المسلمين» أتحدث
- عن حال العرب في ظل «الفوضى الخلاقة»
- تمرد الطبقة الوسطى لا يصنع ثورة
- اليسار وإنقاذ الرأسمالية
- العولمة والعولمة البديلة
- شقة إلي جوار الكنيسة
- العولمة والأصولية يُدعمان الأسرة الأبوية
- هذا الكلام الجميل عن الديمقراطية
- افساح الطريق امام السيطرة الامريكية الاسرائيلية الامبريالية ...
- الخطاب الاصولي والمرأة وفكر ما بعد الحداثة


المزيد.....




- محامي ترامب السابق يكشف لـCNN أكثر ما يخافه رئيس أمريكا السا ...
- زيلينسكي يتوعد بالرد على قصف روسي أودى بحياة 14 مدنيا ومجلس ...
- تطورات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا /11.08.2022/
- شاهد: جان روز يعبر نهرا بطول 625 مترًا بين أعلى المباني في ر ...
- زعيم كوريا الشمالية يعلن -الانتصار- على كوفيد وشقيقته تحذر س ...
- 10 آلاف مقاتل بين بلدين.. حقيقة أرقام -داعش-
- الهجرة الدولية: التغير المناخي يمثل تهديداً جدياً على العراق ...
- اللجنة التنظيمية لـ-دعم الشرعية- تدعو لتظاهرات قرب الخضراء
- السفير الأمريكي في إسرائيل: نؤيد محاربة -الأشرار- في غزة
- مقتل 4 مدنيين بقصف أوكراني في جمهورية دونيتسك اليوم الماضي


المزيد.....

- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم
- الإنسان المتعثر في مثاليته . / سامى لبيب
- مقال في كتاب / علي سيف الرعيني
- قضايا وطن / علي سيف الرعيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - شريف حتاتة - رجل على - دراعه -