أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - شريف حتاتة - انجيلا ديفيس















المزيد.....

انجيلا ديفيس


شريف حتاتة

الحوار المتمدن-العدد: 7150 - 2022 / 1 / 31 - 00:19
المحور: الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
    


--------------------------------

رائحة زهور البرتقال يحملها النسيم ، من البساتين الخضراء المُمتدة على الجانبين . يتسلل عطرها الخفيف من النافذة المفتوحة للسيارة المسرعة فوق الطريق ، تأتينى كالسكرة اللذيذة أستنشقها فى لحظة ، ثم تهرب مِنى بعد قليل ، ولكن سرعان ما تعود من جديد ، تراوغنى كما يراوغنى الربيع . تبث فى جسمى إحساساً بتيار الحياة القوى ، وتذكرنى بأننى تجاوزت سن الستين ، دون أن أشعر بالزمن وهو يجرى ، فكأنه مرً فى غمضة عين .
أضغط على منظم الوقود بقدمى ، تمرق السيارة إلى جوار شاحنة كبيرة تتراقص فوق الطريق وتطلق أنوارها الحمراء والصفراء كالنذير . شعرة رفيعة تفصل بين الحياة والموت فى كل دقيقة . خطأ واحد بسيط ليس إلا ، وينتهى كل شىء . كلما سافرت إلى قريتى وعدت منها أرى السيارات المهشمة ، والزجاج المنثور كالأرز يلمع عند آخر النهار فى الضوء الوردى . أتذكر "زكى مراد" ، صديقى المناضل ، الذى مات فى حادثة سيارة ، وأتساءل ترى ماذا دار فى ذهنه أثناء اللحظات الأخيرة ؟ . وفيما كان يفكر وهو يقود سيارته فى ذلك اليوم الذى يبدو بعيداً ، غارقاً فى ضباب كثيف ، ضائعاً فى لاشىء . كانت بشرته فى سواد الليل ، وملامحه عصبية . ينتابنى الإحساس المضنى بالأشياء المهمة التى ضاعت ولا رجعة فيها ، فنحن لم نكن نهتم بما يدور فى أغوار النفس العميقة . نلتقى ، ونتحاور ونقوم بأعمال كثيرة ، ولكن التبادل الفكرى ، والعاطفى والإنسانى يظل بينا قليلاً .
فى الأفق أرى المآذن ، والمداخن يتصاعد منها الدخان وينتشر فى الجو بحركته الثقيلة . على يسارى السكة الحديد ، وعلى يمينى الورش ، والمبانى القديمة تغزو حقول القمح ، والكرنب ، والخس ، والبرسيم ، وتأكل فيها بنهم العصر الحديث . ولكنى أتنفس بارتياح الآن رغم تلوث البيئة . بضعة دقائق وأكون فى قلب المدينة .
أعود إلى صورته . تتحرك فى ذهنى تقاطيعه . اختلفنا أحياناً ، واتفقنا أحياناً ، ثم سافرت أنا بعيداً . أعود إلى بشرته السوداء وشمس الصحراء ، ولمعة العرق الغزير . إلى سنين قضيتها فى أفريقيا ، إلى كل الوجوه السمراء التى أضاءت على طريقى . إلى شاب يافع العود ، كان اسمه عبد الخالق محجوب ، شنقه النميرى بمساعدة السادات فى 1971 . إلى منابع النيل .. إلى السودان .. إلى إمرأة زنجية سألتقى بها هذا المساء فى بيتى . لم أرها من قبل ، ولكنها لعبت دوراً فى حياتى منذ سنين .. كان عمرها آنذاك خمسة وعشرين سنة . شابة تخوض المعارك ضد التفرقة العنصرية ، ضد حضارة رأسمالية تضطهد الإنسان الذى يولد زنجياً ، وتؤمن أن لون البشرة هو مقياس ارتقاء البشرية . حضارة قضت على سكان أفريقيا حيث عاش الأسلاف حياة ساذجة ، بدائية فى قراهم البعيدة . فشحنهم الرجال البيض فى المراكب ، والسفن ليعملوا فى حقول القطن ، والذرة ، والتبغ ، وقصب السكر ، يد عاملة رخيصة تباع ، وتشترى فى سوق النخاسة .. عبيد ، كانوا جزءاً من الملكية كالدواب ، والقطعان ، والأرض الزراعية . أكبر عملية استنزاف للبشر فى تاريخ الإنسانية. ستين مليوناً من شباب ، وبنات إفريقيا الاستوائية مات منهم ملايين فى المسالك الأرضية ، أو فى الموانىء أو فى قاع السفن البحرية التى عبرت المحيطات إلى جنوب أمريكا الشمالية وجزء من الهند الغربية ، والكاريبى ، وجزء من أمريكا اللاتينية .
دق جرس الباب ودخلت طويلة ممشوقة القوام . تجلس القرفصاء على الشلت فى حجرة الاستقبال . بشرتها ليست سوداء تماماً . أقرب إلى القهوة المخلوطة باللبن . أنفها عريض ، وشعرها جدائل متعرجة خشنة تلمع فى ضوء المصباح ببريق نحاسى . عيناها واسعتان نطلان من الوجه بذلك السواد الثابت العميق لامرأة عركت الحياة ، وتحملتها ، وتأملتها ، فتخطت مرحلة القلق . واستقرت على طريقها .
أحسست بالراحة أمام الوجه الهادىء ، والعينين يطل منهما عالمها العميق ، وتساءلت .. نرى أين البركان الذى تصورته فى الخيال ، وأنا أسرع بالسيارة فوق الطريق . أم أن النار التى تحترق تحت السطح هادئة مثل كل ما فيها .. ؟.
قررت ألا أستخدم الورقة والقلم وألا أخرج شريط التسجيل ، لا يهم إن عجزت عن كتابة الحديث . أريد أن يتم ذلك التبادل الذى كثيراً ما نضيع فرصته فى زحمة الأشياء اليومية .. فى تسديد الخانات ، وملء العواميد ، وإذاعة البرامج الإعلامية .. فى تلك العناوين التى يسمونها بصراحة ، أو بهدوء أو من القلب .. أن أصل قدر ما أستطيع إلى أعماق هذه المرأة الهادئة القوية ، كالنهر يسير نحو هدفه البعيد .
سمعت عنها لأول مرة منذ سنين .. ربما فى أواخر الستينات ، تقول : " ولدت فى ولاية ، ألاباما ، فى قلب الجنوب حيث استقر العبيد عندما وصلوا إلى القارة الجديدة .. عند نهر ، المسيسيبى ، الذى يتكرر ذكره فى أغانيهم .. فى ذلك الوقت كان الحصار مضروباً حول الأحياء ، فلا اختلاط بين البيض والسود . ما عدا أعضاء الحزب الشيوعى كسروا حواجز اللون ودخلوا إليها . دفعوا الثمن غالياً . الضرب ، والإهانات ، والمقاطعة من قبل أقرانهم البيض ، كانت تعتبر مسائل بسيطة . كان يحدث ما هو أفظع من ذلك بكثير ، مثل تعليقهم من شجرة ثم شنقهم بحبل طويل عادة فى جنح الليل ، وأحياناً فى وضح النهار . فتكتشف جثثهم وهى تتدلى من الأغصان الخضراء ، وقد وضعت عليها ورقة تقول ، هذا جزاء الذين يعشقون الزنوج ، كما كانت تحرق بيوتهم بالمشاعل ، والبنزين ، وهم بداخلها .....
ولدت فى هذا الجو لأبوين من السود انضما للحزب الشيوعى .. كان من الطبيعى أن أنضم أنا أيضاً للحزب الوحيد الذى لم يكن يفرق بين السود ، والبيض . دخلت تنظيمات الشباب وسنى لم يتعد الخمسة عشرة عاماً .. لم أكن أعرف الكثير عن الأفكار اليسارية . كنت متأثرة أساساً بموقف أبى وأمى ، وبهذه الروح الإنسانية التى تجعل هؤلاء الناس يخترقون الحصار ليصلوا إلينا ، ويتحملون الأذى ليدافعوا عن الذين يضطهدون ، ويعذبون رغم أنهم ليسوا من أصول زنجية .. ولكن هذه المظاهر غرست عندى رغبة للمعرفة . رغبة لاكتشاف تلك المذاهب والأفكار التى تجعل الناس يتحمسون ويضحون من أجلها ، للاقتراب من القضايا الإنسانية منذ كنت صغيرة . لذلك عندما أنهيت دراستى الثانوية سعيت إلى الالتحاق بالجامعة ، ومن حسن حظى كان من أول الذين درست على أيديهم الفيلسوف " ماركوز " الذى لعب دوراً مهماً فى بلورة نظريات اليسار الجديد الأمريكى .. وقد تبينت فيما بعد خطاً بعض الأفكار التى كان يدافع عنها ، وتأثيرها الضار على النضال السياسى ومع ذلك فأنا مدينة له بالكثير . كان أستاذاً متميزاً غرس فى ّ حباً للعلم ، والمعرفة ، وللفلسفة بالذات ، وساعدنى على أن أكون آرائى بشكل مستقل ، وأن أثق فى قدراتى .. وهذا مهم لتدعيم العمل الجماعى ورفع مستواه الفكرى .. وبالإضافة فإن " ماركوز" فى رأيى قد لعب دوراً فى كشف بعض نواحى القصور فى اليسار الماركسى .. مثل قلة الاهتمام بالمسائل الفلسفية والفكرية ، وبما يمكن أن نسميها الثورة الثقافية .. مما دفعنى إلى بذل مزيد من الجهود ، فسافرت إلى ألمانيا والتحقت بالجامعة فى " فرانكفورت " وواصلت الدراسة فى مجال الفلسفة ، وعلم الجمال ( الاستطيقا ) ثم انتقلت إلى فرنسا وظللت هناك مدة سنتين ركزت أثناءها على دراسة الأدب الفرنسى .. وبعد ذلك عدت إلى أمريكا من جديد " .
تنبهت إلى أنها لم تتعرض حتى تلك اللحظة لنضالها السياسى ، رغم أنها اشتهرت على نطاق واسع من خلاله .. فسألتها .. تنظر إلى بهدوء كأنها تبحث فى وجهى عن أثر كلماتها .. عندما نتحدث لا يتغير صوتها . ولا يبدو عليها الانفعال . تبتسم بين الحين والآخر ، أو تضحك بنبرات فيها طفولة ، أو تخفض عينيها لحظة كأنها تفكر فى أمر من الأمور .. أقول لنفسى .. هذه المرأة تعودت أن تكتم فى نفسها أشياء ، أو ربما هو خيال الكاتب .. يبحث دائماً عما هو وراء الغطاء ، الذى يفرزه الاحتكاك اليومى بالحياة . أسمعها تقول :
" طوال هذه السنين ظللت عضواً فى الحزب الشيوعى الأمريكى . كنت أنشط فى مختلف المجالات مع الآخرين ، ولكن نشاطى الأساسى تركز فى العمل مع الزنوج ، وتنظيماتهم فى مواجهة صنوف التفرقة ، التى يمارسها النظام الرأسمالى الأمريكى ضدهم ، وضد أجناس أخرى مثل الهنود الحمر ، والتشيكانو ( حركة الحقوق المدنية للأميركيين المكسيك أومنْ لهم أصول لاتينية ) و الآسيويين ، وحدث بعد عودتى أن وجهت إلىً السلطات الجامعية خطاباً رسمياً سألتنى فيه عما إذا كنت عضوة فى الحزب الشيوعى .. كنت إذ ذاك أعمل أستاذة فى جامعة لوس أنجيلوس بولاية كاليفورنيا .. فاستبد بى الغضب ، وغمرنى إحساس بالمهانة العميقة .. فلم يسبق أن سئل أى أستاذ فى الجامعة عن أنتماءاته الحزبية .. وجدتنى أسيرة رغبة عارمة فى أن أرد الصاع الذى وجه إلىً .. فتصرفت بطريقة تلقائية منبعها هذا الغضب القادر على تدمير أى شىء آخر غيره ، وأرسلت رداً مكتوباً قلت فيه إننى أحتج على توجيه مثل هذا السؤال.. ومع ذلك فإن ردى بالإيجاب .. نعم أنا عضوة فى الحزب الشيوعى الأمريكى ....
لم أكن أتوقع ما حدث بعد ذلك . نشر الخبر فى صحيفة لوس أنجيلوس تايمز ومعه الرد الذى بعثت به إلى السلطات الجامعية ، لا أعرف من أين حصلوا عليه .. وعلى أثر ما نشر قامت ضجة تفوق الخيال .. فقد نظمت حملة واسعة دفاعاً عن موقفى ، وعن حقى فى الانضمام إلى الحزب الذى أبتغيه ، وتعاونت هيئات عديدة للحيلولة دون اتخاذ السلطات أى إجراء يضر بى ، أو يفقدنى منصبى الجامعى . وتحمس الناس لهذه القضية لا فى ولاية كاليفورنيا فحسب ، ولكن على نطاق البلاد عموماً ، دفاعاً عن حقى فى الانتماء إلى الموقف الفكرى ، والنضالى الذى أومن به . ويبدو أن المكارثية ، كانت قد تركت جروحاً غائرة فى نفوس الناس ، ففاض بهم الكيل ....
هكذا بين يوم وليلة وجدت نفسى سياسية مشهورة ، بعد أن كنت أستاذة لا يعرفها إلا القليلون ، وهم منْ يعملون فى المحيط الجامعى لولاية كاليفورنيا ..فلسبب ما أشعل هذا الحدث خيال ، وغضب الناس ، وأصبحت أنا رمزاً لكثير من الأشياء .. وترتب على هذا الموقف البسيط الذى أخذته ، نتائج لم أكن أتوقعها أبدا .. وأول هذه النتائج أنه دفع بى إلى صدارة العمل السياسى ، وأصبح علىّ أن أقوم بمسئوليات ، ومهام الشخصية العامة .. وأن ألقى بنفسى فى خضم النشاط الجماهيرى الواسع النطاق .. بينما أنا ميالة بطبيعتى إلى الانسحاب بعيداً عن الناس ، ولا أعشق الضجة .. فأنا لا أجيد دور الناشط السياسى ".
سألتها :
" والآن ؟ " .
قالت :
" الآن تعلمت ، ولكنى لا أحبه " .
قررت أن أخوض معها أبعد من ذلك ، وأن أعلق على ما قالته .
" هذا ما يقوله كثير من الذين يعملون بالسياسة . ولكنهم يعبرون عنه ربما بطريقة مختلفة . يقولون لا أحب الأضواء ، ولا الزعامة . أنا لست مقتنعاً بذلك .. هناك فارق بين الزعامة الكاذبة وبين القدرة فى التأثير على الناس ، وهناك متعة فى مخاطبة الجماهير بالقول والكتابة ، وتوصيل الأفكار التى نحن مقتنعون بها إليهم . وهذا شىء طبيعى للغاية . الأ يصيبك الرضى عندما تشعرين أن المحطين بك اقتنعوا بأفكارك ، وبشخصيتك ؟ ، أنهم معجبون بك ، وبما تمثلين ؟ أو عندما تستقبلك الجماهير بحماس ويبدى الآلاف استحساناً لما تقولينه ؟ " .
صمتت لحظة كأنها تفكر .. عيناها تنظران إلىً مباشرة ، كالطفلة تتأملنى بجدية ..
" نعم لك حق ، ولكن قبل الاجتماعات ، ينتابنى اضطراب وقلق شديدان .. " .
انه شعور بالمسئولية .. والرغبة فى النجاح .. وهذا يؤكد الحقيقة التى وافقتينى عليها " .
تضحك ضحكة مسترسلة طبيعية .. تبسط ساقيها الطويلتين فوق البساط . أشعر أن فى جسمها قوة غير عادية .. فأنا أعرف أنه منذ اللحظة التى وصلت فيها ، لم تكف عن العمل .. ومع ذلك لا تبدو عليها أدنى علامة من علامات التعب . استطردت ..
" وما قصة السجن ؟ " .
قالت :
" قصة أخرى غريبة . كان ، ومازال لى نشاط واسع فى تنظيمات السود . وفى السبعينات برزت حركة "الليوث السود " للمقدمة ، فحدثت معارك عديدة بينها وبين السلطات استخدم فيها السلاح ، كما تعددت الاغتيالات ، فأصر زملائى على أن يكون لى حارس خاص . شاب أسود يدعى " جوناثان جاكسون " .. وحصلت على عدة تراخيص بحمل السلاح .. وكان الأخ الأكبر لجوناثان يدعى " جورج " .. وقد كان مسجوناً بتهمة قتل رجل بوليس .. وأثناء محاكمته حاول جوناثان أن يختطف القاضى حتى يسهل هروب أخيه من قاعة المحكمة ، ولكن البوليس فتح عليهم نار أسلحته وقتل الأخوين أثناء المعركة .. واتهمتنى السلطات بأننى كنت ضالعة ، فى محاولة تهريب " جورج جاكسون" لأن ترخيص السلاح الذى ضبط مع " جوناثان " ، كان مسجلاً بأسمى فأودعت السجن لمدة ثمانية عشرة شهراً .. لكن الحملة القومية التى قامت فى العالم وفى أمريكا ، أدت إلى الإفراج عنى ، خصوصاً وأنه لم يكن هناك دليل ثابت علىً " ..
ترددت لحظة قبل أن أبادر بالسؤال الذى كان فى ذهنى .. ربما أثرت فيها أحزاناً
قديمة .. ثم ان هذا أول لقاء بينها وبينى .. أحسست بها تنظر إلىً ، كأنها تشجعنى على الاستمرار فيما يراودنى .
" جورج جاكسون .. هل نشأت بينكما قصة حب ؟ " .
" نعم .. من خلال المراسلات " .
" أحببته من خلال المرسلات فقط ؟ ! " .
ضحكت فى انطلاق كأن الجراح التأمت ..
" نعم لم أره إلا مرتين أو ثلاث . زرته على أننى من الأقوياء .. ولما رأيته وجدته جميلاً ، جذاباً للغاية . سرنا نتبادل الرسائل .. فأكتشفت فيه شخصية غير عادية .. حاد الذكاء ، مبدع فى تفكيره ، وصلب كالصخر . استطاع أثناء السجن أن يثقف نفسه ثقافة عالية .. ان يتحول من شخص عادى إلى قائد سياسى .. خلق مدرسة داخل السجن وألف كتاباً وكتب رسائل تتحدث عن أعمق أعماق الإنسان الأسود المضطهد " .
" ولما مات .. ؟ " .
" مت معه لبعض الوقت ، ثم عدت إلى الحياة " .
" والآن ، ماذا تفعلين ؟ " .
" أقوم بالتدريس فى جامعة " لوس أنجيلوس " .. أعطى محاضرات فى الفلسفة وعلم الجمال ، وكذلك فى قضايا المرأة ".
" وكيف تجمعين بين هذه المجالات الثلاث ؟ " .
" أعتقد أن هذا الجمع مهم . فقد يساعد التخصص على تحقيق قدر كبير من التقدم فى مختلف المجالات ، ولكن فروع المعرفة تغذى بعضها .. والفلسفة فى رأيى مهمة لأى إنسان .. إنها تحدد نظرته للحياة ، والكون ، للطبيعة ، والإنسان ، القيم ، والأخلاق . لكل منا فلسفته ، ولكن ينبغى أن تبنى على الوعى ، والإدراك ، وليس مجرد الوراثة من الآباء ، ومن البيئة ، ومن الماضى .. أن نفكر فيها بعقل ناضج مبنى على التجربة ، والتأمل ، قادر على اكتشاف الثغرات . أما علم الجمال فهو يضفى على حياتى بعداً فنياً مهماً .
" والمرأة " .
" قضية زج بها إلى الخلف سنين طويلة ، ولكنها الآن أصبحت إحدى قضايا العصر ، وإحدى الحركات الهامة التى ستطور النظرية ، والفكر . قضية ينبغى أن يهتم بها اليسار لأنه ضد كل مظاهر الاضطهاد . فالمرأة يقع عليها اضطهاد مزدوج ، طبقى وجنسى . والأٍسرة ينبغى أن تبنى على أسس من المساواة وكذلك الحياة . وقد فوجئت عندما وجدت أن القيادات النسائية فى مصر ، ترفض التعرض لقضية الجنس وكأن الجنس مقصود به فقط العلاقات الجسدية بين الرجال والنساء ، وليس سائر القضايا الخاصة بالعلاقة بين الرجل والمرأة . بوضع المرأة المتدنى فى المجتمع ، بوضعها الطبقى طبعاً ولكن بوضعها الجنسى أيضاً ، فالاشتراكية تعنى العمل على كل الجبهات ، ضد كل أنواع التفرقة ، وهذا فى جوهره موقف إنسانى " .
" الذلك قمت بتأليف كتابك " المرأة والعِرق ، والطبقة ؟ " .
أشرق وجهها قبل أن تسأل :
" هل قرأته .. ؟ " .
" نعم " .
"إذن ربما تكون قد لاحظت أننى حاولت أن أبين العلاقة القائمة بين هذه المجالات الثلاث ، فى نضال المرأة الأمريكية سواء كانت من البيض أو السود، وأن أى إهمال لجانب من هذه الجوانب الثلاثة ، يؤدى إلى ابعاد قوة من قوى الشعب عن معركة الحرية والمساواة".
" وما هو نشاطك العام الآن ؟ " .
" مازلت عضوة فى الحزب الشيوعى .. ومجال نشاطى الأساسى بين الزنوج ، وإلى قدر أقل فى صفوف حركة تحرير النساء .. " .
" والمستقبل ؟ " .
" أريد أن أعطى جهداً أكبر للفلسفة والدراسات الفكرية . هناك حاجة ملحة للربط بين الفكر ، والنشاط العلمى ، ومازال عندنا نوع من التقسيم التعسفى ، بين الفكر ، والعمل ، بين الذين يكرسون جهودهم لجانب منهما أكثر من الآخر .. وكأن فى الحزب يوجد نوعان من الأعضاء ، نوع ينشط فى النضال اليومى ، ونوع يهتم أساساً بالمسائل الفكرية . نحن فى حاجة إلى تدعيم الرباط بينهما ".
" بقى سؤال واحد يا " انجيلا " ، فقد اقتربنا على منتصف الليل " .
رأيتها تحملق ناحيتى بعينيها الواسعتين . قلت : " يبدو أن لديكِ قدرة غير عادية على تحمل العمل المتواصل ، والجهد .. هل جاءتك من السجن .. ؟ " .
" ربما إلى حد ما .. ولكنه أساساً بسبب عاداتى فى الحياة .. فأنا نباتية . أمارس رياضة الجرى فى الصباح ، والرقص ثلاث مرات أسبوعياً فى المساء .. " .
ودعتها عند أسفل العمارة .. سارت بخطوات طويلة فوق الرصيف . لمحت قوامها الممشوق ، ورأسها المرفوعة .. لمع شعرها بوهج نحاسى فى ضوء أحد المصابيح .. ثم اختفت فى جوف الليل .
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002
---------------------------------------------------------------------------



#شريف_حتاتة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مدينة العبادة والفساد .. من يوميات خبير سابق
- حماية النيل من الحسد
- قضية لا تموت
- امرأة من ايران
- خواطر فى سرادق العزاء
- بلد فوق قمة العالم
- الوجه الآخر من القمر
- إنهم لا يزالون الخطر الأكبر: عن «الإخوان المسلمين» أتحدث
- عن حال العرب في ظل «الفوضى الخلاقة»
- تمرد الطبقة الوسطى لا يصنع ثورة
- اليسار وإنقاذ الرأسمالية
- العولمة والعولمة البديلة
- شقة إلي جوار الكنيسة
- العولمة والأصولية يُدعمان الأسرة الأبوية
- هذا الكلام الجميل عن الديمقراطية
- افساح الطريق امام السيطرة الامريكية الاسرائيلية الامبريالية ...
- الخطاب الاصولي والمرأة وفكر ما بعد الحداثة


المزيد.....




- لواء سابق بالجيش المصري: شارون كشف عن سبب غير مجرى حرب أكتوب ...
- الكرملين يعلق على تصريح البنتاغون بشأن إمكانية استهداف القرم ...
- فون دير لاين تتهم بوتين مجددا بـ -استخدام الطاقة كسلاح-.. وب ...
- ما علاقة مصابيح -الليد- البيضاء بالنوم الهانئ؟
- جائزة نوبل في الكيمياء تُمنح لرواد تطوير الكيمياء النقرية
- قتلى جراء قصف أوكراني لفندق وسط خيرسون بصواريخ -هيمارس- الأم ...
- قصر الحمراء في غرناطة يتحول إلى اللون الأرجواني والعلماء يكت ...
- هل يدخل -الجن- جسد الإنسان؟.. جدل بين راق وباحث سعوديين يشعل ...
- البرلمان العربي يؤكد دعم القضية الفلسطينية
- شاهد.. تحطم صاروخ كوري جنوبي بعد إطلاقه أثناء مناورات عسكرية ...


المزيد.....

- السكان والسياسات الطبقية نظرية الهيمنة لغرامشي.. اقتراب من ق ... / رشيد غويلب
- المخاطر الجدية لقطعان اليمين المتطرف والنازية الجديدة في أور ... / كاظم حبيب
- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المرأة المسلمة في بلاد اللجوء؛ بين ثقافتي الشرق والغرب؟ / هوازن خداج
- حتما ستشرق الشمس / عيد الماجد
- تقدير أعداد المصريين في الخارج في تعداد 2017 / الجمعية المصرية لدراسات الهجرة
- كارل ماركس: حول الهجرة / ديفد إل. ويلسون
- في مسعى لمعالجة أزمة الهجرة عبر المتوسط / إدريس ولد القابلة
- وضاع محمد والوطن / شذى احمد
- نشرة الجمعية المصرية لدراسات الهجرة حول / الجمعية المصرية لدراسات الهجرة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - شريف حتاتة - انجيلا ديفيس