أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نسيب عادل حطاب - صولات أم ستار في أزقة ودرابين العمار















المزيد.....

صولات أم ستار في أزقة ودرابين العمار


نسيب عادل حطاب

الحوار المتمدن-العدد: 7135 - 2022 / 1 / 13 - 09:27
المحور: الادب والفن
    


حرارة صـــــيف بغداد وسياط شمسها كانت تدفعنــي ان أقــــلد المطلوبين والمتخفين من اعين رجال الامن والسلطة فأسير لصيق الجدران باحثا عن شيء من الفيء أو حتى عن ظل مكسور.. كانت الدرابين والازقة الضيقة هي خياري المفضل للحصول على مبتغاي هذا فهي لاتتيح للشمس ان تفرش أشعتها الحارقة على عرض هذه الدرابين فتترك مساحات من الظل تمتد امام البيوت و بموازاة الحيطان وتتقطع متوزعة تارة في اليمين وأخرى في الشمال تبعا لاتجاه هذه الدرابين وحركة الشمس خلالها .
في طريق عودتي من عملي الوظيفي في الزعفرانية الى حيث دكان ابي في شارع النهر كان علي أن انتظر حتي يستكمل السائق ايصال كل الموظفين الى بيوتهم المتناثرة في زيونه وشارع فلسطين وصولا للاعظمية لينزلني وهو عائد الى مركز الدائرة بشارع الجمهورية امام درابين محلة رأس القرية. درابين وأزقة ملتوية مثل المصارين تشبه في خط سيرها لعبة الحية والدرج فهي تتفرع الى نهايات مسدوده احيانا واحيانا اخرى تتفرع لتلتف بشكل دائري فتعود الى نقطة البداية.. بيوتات المحله ببنائها القديم الخالي من الخرسانة وأجرها الذي أكتسحته الرطوبة فضلا عن انحسار الشمس تجرد الهواء من سخونته ولفحانه فيمنحني ذلك شيء من الراحة والحيوية فأقصر خطواتي وأتهدى في مسيري وفيما عدا بعض عوائل الكسبة والعمال ومحدودي الدخل الباحثين عن سكن رخيص الايجار وقريب لعملهم فان اغلب البنايات تحولت الى ورش ومعامل لصناعة الاحذية والجلود او مخازن تجارية فيما أحتل المصريون الوافدون وقتها نواحي وبنايات الحي الاخرى هنا وهناك فاضافوا للدرابين شيئا من الحياة والحركة دعمها وجود بعض الدكاكين والمحلات الصغيرة التي تقدم خدماتها للسكان....................................................................
كواويد ماتستحون انتم ماعدكم اخوات ماعدكم عرض .......كانت المرأة تكرر هذه الجملة دون انفعال واضح أو صراخ وهي تطل من باب الدار مادة برأسها الى الخارج لتردفها بسيل متدفق أخر من الشتائم البذيئة التي يبدو انها كانت تمتلك قاموسا كاملا لها . لم يكن ثمة ماهو غريب أو استثنائي سوى منظر المرأة وهي ترسل شتائمها القاذعه برهاوة وبرود كانها ساحر يردد تعويذته أو تلميذ يردد نشيدا حفظه عن ظهر قلب .. بدا لي ان الامر لايعدو ان يزيد عن خلاف او عركة من تلك العركات التي تحدث عادة في المحلات الشعبية والتي تكون النساء او الفتيان ابطالها ولاني لم أر هؤلاء الكواويد التي كانت المرأة توجه لهم شتائمها فقد افترضت انها كانت لاتزال تحت تأثير بقايا الانفعال وان المشكلة قد انفضت وان هذه الشتائم تدخل ضمن باب التهويش والدردمة الفارغة ومما زاد هذا اليقين عندي هو عدم الاكتراث واللامبالاة التي كان يتعامل بها صاحب الدكان المجاور وصبيان الزقاق مع شتائم تلك المرأة.....................................................
صار رجوعي من خلال درابين العمارأشبه بطواف المؤمن في كعبته أمرا اسعى اليه بنفسي فبالاضافه الى قصر الطريق والفيء التي توفره هذه الدرابين كان هناك مايشدني روحيا الى المكان الذي يرجع بي القهقرى ويذكرني بايام الطفولة الغابرة ودرابين مدينتي التي هجرتها ولم تهجرني . صار مشهد المرأة يتكررامامي أغلب الايام بدت لي كأنها كانت منحوتة مع الباب أو جزء منه لاتفارقه ابدا لم ادرك وقتها ان ذلك كان من ضرورات العمل صرت أراها بعض المرات تتخطى عتبة البيت قليلا الى الشارع لتنكشف لي عن أمرأة تحوم حول الاربعين ربما تنقص عن ذلك بسنه او سنتين أو تزيد وجسم ممتليء دون سمنه يميل الى القصر قليلا فيما أمتلآت ذراعها اليمنى على طريقة الغجر بصف من الاساور الذهبية الرفيعة بلونها المشمشي الجذاب في حين أرتخى وشاحها الاسود الشفاف على رقبتها كاشفا عن قرطين ذهبيين تدلت من اذنيها حتى كادت تلامس اكتافها ... كانت أم ستار وهذه كنيتها التي عرفت بها تدير ماخورا أو بيت دعارة في احد بيوتات العمار القديمة كانت انحناءة الزقاق الذي يقع فيه ذلك البيت خالية من السكان فيما عدا بيت الدعارة هذا ودكان بدت معظم رفوفه فارغة بينما جلس رجل امام ناصيته افترضت انه كان يؤمن حمايتها وان الدكان لم يكن اكثر من واجهة.................................................................
تتابع مروري من ذلك الزقاق كان يمنحني الفرصة لتجميع مشاهد متعددة لام ستار وهي تدير عملها ولصقها مع بعض للحصول على مشهد حقيقي كامل وواقعي ولأجل ذلك كنت أتباطأ متعمدا في سيري بغية الحصول على أكبرمساحة ممكنه من الوقت تتيح لي مراقبة مايحدث .. كنت أنا وكل من كان يمر من خلال ذلك الزقاق من الاصدقاء مشدوهين ومبهورين بأدائها الاداري والتمثيلي الفريد . فهي تقوم بأداء اكثر من دور في أن معا وبأجداة تامة يندر ان تجدها الا عند محترفي التمثيل .. تراها معنفة تطلق شتائمها للمجهول ( كواويد ماعدكم عرض ) لتلتفت في نفس الوقت موجهة كلامها لزبون قادم ( روح اخذلك فرة وتعال... ماكو مجال هسه ...مقبط) لتنادي على الاخر ( روح ..ادخل انت ) ولتجدها شاكية حينما يشتد الزحام( عيني .. البنات تعبن شيصيرن ) وهي فوق ذلك تبدو مثل مايسترو لفرقة سيمفونية ضخمة قادرة على ضبط ايقاع وحركات العازفين والجمهور الكبيرفي توافق تام وبشكل مدهِش.............................................
زبائن أم ستار كانوا في معظمهم من الكحيانين والجنود العائدين من جبهات القتال الذين أشفق عليهم الموت فمنحهم وقتا اضافيا لحياة لم تكن أحسن حالا ...كنت ارى خطواتهم المتلعثمة وذل الحرب والنظام الذي سلب الفرح منهم والخجل الذي يغشاهم فيجعلهم مطأطيء الروؤس سريعو الاستجابة لتعليمات وأوامر أم ستار كأن لسان حالهم يقول أوامر ام ستار ولا أوامر ضباط صدام حسين ..كنت اخال ان ام ستارهذه لن تزيد عن ان تكون قوادة عادية ليتضح لي خطل هذا الرأي فقد بدأت اراها فيما بعد في دكان احد الصاغة المرتبطين بالنظام حيث دائرة الحماية القريبة من صدام دائمة الحضور والتردد .أما حين بدأت الحملة الشعبية للتبرع بالمصوغات والحلي الذهبية دعما للمعركة مع العدو وبايعاز من النظام نفسه فقد بادرت ام ستار للتبرع بأزيد من كيلو من الذهب عجز معظم الصاغة وقتها عن ان يتبرع احدهم ولو بنصف ماتبرعت به هذه المناضلة ليتم تكريمها مع أمثالها المتحمسين من قبل الرئيس نفسه في لقاء خاص فيتشرف بها ويمنحها صفة صديق القائد............................................................
لم تكن ام ستار صديقة للقائد حسب وانما كانت تشبهه لدرجة كبيره تاكد لي هذا الامر حين رأيت الرئيس لاحقا في التسجيل المصور باحداث قاعد الخلد وهو يقوم بكل الادوار فيبكي تارة ويثور تارة اخرى ويهتف مرة ثالثة تماما مثلما تصنع أم ستار لكن الشيء الذي لم استطع حدسه والتاكد منه لغاية الان وبعد كل هذه السنين ...هل ان ام ستار أخذت ذلك من صدام ام ان صدام نفسه تعلم ذلك على يد أم ستار.............................................



#نسيب_عادل_حطاب (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا وراء أحتفالات السلطة بما اسمته مئوية الدولة العراقية
- رداد أل مريهج
- صواريخ حماس أم صواريخ المقاومة
- سيد جابر سمبه
- ببساطة....انه ليس صهيلا بل نهيق حمار
- حكايتان
- أقبح من عورة ضفدع
- عن انتفاضة تشرين وماينبغي
- اليسار العراقي لم يعد يساريا
- رحلة في عالم السخرية والنقد السياسي الساخر
- بيني وبينك البحر
- تهجير العباد وتدمير البلاد
- حكايات عراقيه
- أخراج تراجيديا بن لادن.. أمريكيا
- الانتخابات العراقية تفاؤل ام تشاؤل في التغيير
- قراءه اخرى عن صناديق الاقتراع
- الحوار المتمدن واحة الفكر التقدمي
- عن ثورة أكتوبر أيضا...
- رساله الى البرلمان
- تداعيات رجل حزين


المزيد.....




- من بينها الزيت والحليب والتعليم الخصوصي.. مطالب بتسقيف أسعار ...
- إيان ماكإيوان يوقع عقد روايته الجديدة -الدروس-
- صدور ترجمة كتاب -رسائل صينية- للويس ديكنسن 
- تعلق الشباب العربي بالروايات الأجنبية.. هل هي ظاهرة تهدد اله ...
- سوريا.. نفي إشاعة وفاة الفنان الكبير دريد لحام
- عارضت صدام وغادرت البلد بعد تهديدات بالقتل.. غزوة الخالدي فن ...
- خدمة عسكرية.. يتعين على الشباب المدعوين ملء استمارة الإحصاء ...
- هل ما تزال البحور الشعرية التي جاء بها الفراهيدي فاعلة في ال ...
- أَنا وَذاتُ التاجِ ما نَزال
- كيت بلانشيت: دور المعلمة الذي لعبته أمام جمهور مؤلف من شخص و ...


المزيد.....

- حوارات في الادب والفلسفة والفن مع محمود شاهين ( إيل) / محمود شاهين
- المجموعات السّتّ- شِعر / مبارك وساط
- التحليل الروائي لسورة يونس / عبد الباقي يوسف
- -نفوس تائهة في أوطان مهشّمة-- قراءة نقديّة تحليليّة لرواية - ... / لينا الشّيخ - حشمة
- المسرحُ دراسة بالجمهور / عباس داخل حبيب
- أسئلة المسرحي في الخلاص من المسرح / حسام المسعدي
- كتاب -الأوديسة السورية: أنثولوجيا الأدب السوري في بيت النار- / أحمد جرادات
- رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين / محمود شاهين
- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نسيب عادل حطاب - صولات أم ستار في أزقة ودرابين العمار