أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حيدر صادق صاحب - معركة الوعي الذاتي بين ازمات التفكير والتضليل















المزيد.....



معركة الوعي الذاتي بين ازمات التفكير والتضليل


حيدر صادق صاحب
كاتب وشاعر

(Haider Sadeq Sahib)


الحوار المتمدن-العدد: 7054 - 2021 / 10 / 22 - 03:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن تزييف الوعي أخطر من فقدان الوعي.
((كان هناك مَلِك، وقد تقدمت به السن، وكان يشعر بالألم كلما مشى، ولامست قدماه الأرض، فتنزفان دما..
ـ فسأل مستشاريه عن الحل المناسب.
ـ فأجابوه: بضرورة أن يتم تغطية الأراضي، التي يزورها، ويمشي عليها بجلود الحيوانات (وما يترتب على ذلك من قتلِ عددٍ كبير من هذه الحيوانات)!
ـ كاد الملك يقتنع بنصيحتهم؛ لولا اقتراحٌ، صدر عن أحد الأشخاص، الذي لم يكن يحسب له حساب؛ إذ قال: بدلا من قتلِ الحيوانات، وتغطية الأرض بجلودها، فلنقم بتغطية قدَمي الملك بطبقات من القماش الناعم، والمتراكم؛ فنحمي رجليه، ونحفظ الحيوانات، وهكذا كان)).
* نحن في حاجة ماسّة لصناعة الوعي في ضمير الأمة، ووجدانِها، أو بتعبير آخر: نحتاح إلى إيقاظ الوعي بما يدور حولنا، ومعرفة الدور، الذي يجب على كل واحد منّا القيام به؛ لتغيير الواقع، وتوعية الشعوب التي غيبها الاستبداد، والجهل، والفقر، والبطالة.
* إن الوعي هو نتاج صُنع الإنسان، وحصاد تجاربه، وحصيلة ثقافته، جميعها تخضع لفلترة داخل العقل البشري؛ فيتشكَّل منها الوعي؛ فالوعي هو حالة عقلية للفرد؛ لإدراك الحقائق المحيطة به؛ عن طريق الاتصال، والتفاعل داخل النسق البيئي.
* من الجميل أن يصل الإنسان إلى مستوى عالٍ من الوعي الكامل، والحقيقي، الذي يعكس واقعه الفعلي بصورة واضحة؛ مما يساهم في مساعدته على فهم قضايا مجتمعه، واتخاذ القرارات الصائبة تجاهه؛ فصناعة الوعي الجمعي، ووصول الأفراد إلى مستوى عالٍ من الفهم، والإدراك، والوعي الحقيقي سيدفع بعجلة المجتمع إلى الصعود السريع، وإحداث التغييرات المطلوبة، والتطورات المأمولة من دون عوائق مادية، أو بشرية.
* وهناك نوع مُظلم من الوعي العائق، يُطلَق عليه علميا (مصطلح الوعي الزائف)، وهو الذي يدفع الناس إلى إدراك الحقائق بصورة خاطئة، والإيمان التام بها، وقد يصلون إلى مرحلة تقديس تلك الأفكار كالخنوع الأعمى لبعض الرموز الدينية، أو السياسية، أو الثقافية، التي لها تأثير بارز في العقول.
* إن الوعي هو ما يمتلكه الإنسان من أفكار، ووجهات نظر تتعلّق بالحياة، ومفاهيمها، وما يحيط به من بيئة، وقد يكون وعيًا حقيقيًا بطبيعة القضايا المختلفة المطروحة حول الإنسان، وقد يكون وعيًا مُضللاً لا يدرك الأمور على حقيقتها، التي تجري عليها؛ مما يجعل حُكمَه على مختلف القضايا، والأمور، التي تجري من حوله حكما خاطئا، لا يستطع مقاربة عين الصواب بأيّ شكلٍ من الأشكال. والوعي الإيجابي يساعد في معرفة حقيقة الأمور، وطبيعة التحديات، ويساعدنا في ترسُّم الخطى، ووضع الخطط المستقبلية لبناء أمتنا. وأخطر ما يمارسه أعداء الأمة، هو تغييب الوعي من جانب، وتزييفُه من جانب آخر بكل الوسائل المختلفة، المشروعة، وغير المشروعة، الظاهرة، والباطنة؛ هدفهم في ذلك كسب المزيد من المنخرطين في دائرة الوعي المنشود لديهم، الذي يصبّ في صالحهم؛ لذا وجب على ذوي العقول والألباب تنبيه الأمة بكل فئاتها على خطورة تزييف الوعي؛ لتغيير الواقع، والتأثير في الناس لبناء وعيهم على الحقائق.
* إن المتتبع لواقع الأمة يجد أنها تعرضت لموجات خطيرة من التشويه، وتعرضت لهزات كثيرة، ولا يزال صدى ارتجاجها يتردد إلى الآن. ولا شك في أن الأمة أدت ضريبة قاسية، ولا تزال تؤدي؛ جرّاء عدم وعيها بقضاياها المحورية، والمحددة لقوّتها، وهزائمها، فالقضاء على النخب الواعية بمقومات أمتنا بتغييبها بمختلف الوسائل، أو الاعتماد في بعض الأحيان على القوة الناعمة، أو القمع اللطيف، وغير المحسوس؛ لضرب وعينا قصدًا، وتحكمًا، واستبدادا، أمر مقصود في ذاته؛ ولتشكيل وعي هجين يدس السم في العسل لقاعدة شعبية مهمة، غير محصّنة فكريا، وعقائديا ضد هذه الهجمات المنظمة، الخطيرة؛ لتشكيل وعي الأمة، وتزييفه، وخلق وضعية فكرية، وعقائدية هشة، عانت منها الأمة، وما تزال.
* إن تزييف الوعي ، عبارة عن تضليل يُوقِع الناس في جهل مركب، حيث لا يعترف الجاهل بجهله؛ لأنه لا يدرك أنه جاهل، فيكون عدوا مُغَرّرا به للحقيقة .
* إنّنا اليوم نعيش معركةً رهيبةً جدا، صواريخها، وطلقاتها، وشظاياها تصيبنا جميعا بلا استثناء، تصيبني، وتصيبكم، وتصيب مَنْ حولنا. إنها معركةٌ هائلةٌ جدا، ليس ميدانُها الأرض، وإنما ميدانها العقل. إنها معركةُ الوعي
* إن معركةُ الوعي هذه، لها ضحايا كثرٌ، منهم صرعى، ومنهم جرحى، ومنهم بين بين!
* نحن نعيش مرحلة تزييف متعمّدٍ للوعي، مرحلة تحاول أن تُعيد رسمَ نظرتنا إلى الأشياء بمنظورٍ خاطئٍ، مرحلة تحاول أن تجعل معاييرنا في الحكم على الصواب، والخطأ مختلفة، مرحلة تحاول أن تجعلنا نرحب بما كنا نرفض، ونرفض ما كنا نرحب به، مرحلة تريدنا أن نقرب ما حقه أن يكون بعيدا، ونُبعّدَ ما حقه أن يكون قريبا، مرحلة تريد منا باختصار أن نُخرج ذواتِنا منا، ونُدخل مكانها ذواتٍ أخر، هي غريبة الوجه، واليد، واللسان عنا! إنها مرحلةٌ، تريدنا أن نزيف الحقائق، ونضع الأشياء في غير موضعها؛ لنفقد وعينا بالناس، والأشياء، والمواقف، والقضايا.
* إنها حالة من (الوعي الموجه)، الذي يحمل مخاطر التضليل، وخلق حالة ثقافية هشة غير متماسكة، ولا ترتكز على ثوابت واضحة، ويَقلب الحقائق، ويزيّف التأريخ، والمستقبل، ويصنع وهما معرفيا، غير حقيقي.
* ربما نصِف العصر، الذي نعيشه في الوقت الراهن بأنه يُعبّر عن (ثقافة الوعي الزائف)، أو (وهم الوعي)، ويبدو أن التطور التقني في وسائل الاتصال لم تصنع وعيا شفافا، بل إنها زادت من (ضبابية الحقيقة)، ورفعت من درجة الشك لدينا في كل ما نسمع، ونرى، ونقرأ.
* إن تزييف الوعي يأتي من خلال السيطرة على الوعي الجماعي؛ بمعنى: أن تزييف الوعي يَحدث بتزييف الإدراك، فمن يرد أن يزيف وعيك، سيقوم بتزييف إدراكك أولا، ثم التحكم فيه؛ ومن ثم توجيهه على وفق أجندات، وأفكار، وتوجهات، تخدم الفئة المسيطرة على ذلك الوعي؛ ذلك أن المجتمع لا يرى إلا ما يراد له أن يراه، وحتى الحقائق عندما تظهر، فستظهر بوقت محدد مسبقا، ومعد مسبقا، وأغلب الحقائق يراد بها باطل، وهكذا نلاحظ أن لمفهوم الوعي دلالاتٍ متنوعة، فقد يكون الوعي هو العقل، أو الشعور في مقابل اللاوعي. يقول الدكتور فتحي الشرقاوي عن ظاهرة تزييف الإدراك: (نحن نرى العالم كما نريد أن نراه، وليس كما يجب هو، ويُرجع ذلك إلى غياب الثقة في مصادر المعلومات، التي تتطابق مع الواقع، وحقائقه الماثلة، فإن سمع أحد أخبارا مع ميوله؛ فإنه يميل إلى تصديقها فورا حتى لو لم تكن موضوعية، أو تنقل صورة حقيقية؛ منه نفهم أن أغلب الناس تنظر إلى الحياة بما يتلاءم ورؤيتها الشخصية، وذلك هو تزييف الوعي؛ فمن هنا تأتي عدم النظرة الموضوعية إلى ما حولهم، فيسهل تزييف إدراكهم.
* إن السلطة غير الشرعية، أو المستبدة لا تستطيع الاستمرار فترات طويلة إلا إذا قامت بعمليات تزييف للوعي، فهي تريد أن تشكل هذا الوعي؛ لكي يقبل منظومة السلطة، وتوجهاتها، ومصالحها من دون الحاجة إلى الإفراط في استخدام القمع الأمني، الذي ربما يكلفها ثمنا سياسيا، أو اجتماعيا كبيرا.
* وتنجح عمليات تزييف الوعي أكثر في المجتمعات ضعيفة الثقافة، التي لا تملك عقلية نقدية تزن بها الأمور، تلك المجتمعات القابلة للإيحاء، والاستهواء، والتنويم، والتغييب، تلك المجتمعات العاطفية، التي يسهل تحريك مشاعرها في الاتجاه، الذي تريده الأدوات الإعلامية للسلطة، مثل: خلق أعداء وهميين للإنسان بديلا عن أعدائه الحقيقيين، أو طرح أهداف أمامه يتعارض سعيه إلى تحقيقها مع مصالحه الأساسية.
* يشير آرثر آيا بيرغر، مؤلف كتاب (وسائل الإعلام والمجتمع) إلى تعرض جهازنا الحسي في الخطاب الإعلامي لوابلٍ مستمرٍّ من الصّور سريعة الحركة، والمؤثرات، التي تؤدي في نهاية المطاف إلى أن تصبح قدرتنا على اتخاذ قرارات، ومواقف عقلانية إزاء أي شيء أمرا صعبا، فالأخبار التي تصلنا ـ بحسب ما يراه تود غيتلين مؤلف (وسائل إعلام بلا حدود) ـ ليست مرآة تعكس العالم؛ إنها منتج صناعي، ونسيج معرفي، يعزز مجموعات من الأفكار، والأيديولوجيات، فالعالم بشكل، ووسائل الإعلام تظهره في شكل آخر على وفق ما يفسره المحررون، وغيرهم ممن يتحكمون في الصور، التي يُسمَح لنا رؤيتها، والكلمات المسموح لنا سماعُها، أو قراءتُها.
* إن الإعلام في النظام الديمقراطي هو بمنزلة الهراوة في الدولة الشمولية؛ لتضليل الشعوب لدرجة تدفعهم إلى الموافقة على أمور لا يرغبون فيها من الأساس، بل، وخارج نطاق اهتمامهم؛ والهدف هو أن تغزو وسائل الإعلام العقل، وهو في هذه الحال (المحيرة) بعد تشتيته، والتدليس عليه، فتشكله ما استطاعت، وتحركه ما أرادت، وتوجه عناصر تفكيره إلى ما هدفت بالتزوير على الواقع؛ لتفصل الناس عن واقعهم، وهذه المسألة واحدة من درجات ما يمكن تسميته بـ (غسيل المخ الجماعي، أو تزييف الوعي).
* ذكر إريك فروم في كتابه (ما وراء الأوهام) أن الوعي الزائف يعطي صورة مشوَّهة للواقع، ويُضعِف الإنسان، أما الاحتكاك، والاتصال بالواقع، وتكوين صورة صحيحة عنه يقوِّيه، وأن أهم الأسلحة هي كشف الحقيقة وراء الأوهام، والإيدلوجيات التي تحجبها.
* ولا يخفى أن أمتنا قد تعرضت لإصابات، أدت إلى تجريف الوعي عند أعداد، وشرائح لا يُستهان بها؛ بحيث أصبحت رؤيتها مشوَّشة، وطريقة إدراكها لذاتها، وقيمِها، والعالم من حولها؛ طريقةً غيرَ سوية؛ مما يستدعي مضاعفة الجهد ممن يشتغلون بالوعي، ويهتمون بتصحيح مساره. إن قضية الوعي ينبغي أن نوليها أهمية تتناسب مع قدرها؛ إذ هي قضيةُ حياةٍ أو موت، وجودٍ أو فناء، فاعليةٍ أو خمول!
#ومن أهم العوامل المؤثرة بصورة واسعة في تغلغل الوعي الزائف عند شعوب العالم كافة، وتشكّل الوعي الزائف لدى عامة الناس:
أولا: المؤسسات التعليمية، وما تبثه من أفكار، ومعتقدات في عقول الأطفال، والمراهقين، ومن ثم، فالنتيجة الطبيعية هي مخرجات تعليمية مؤمنة بقدسية تلك الأفكار الخاطئة،
ثانيا الإعلام، وقدرته الخارقة على قلب الموازين، وخلق رأي عام تجاه قضايا المجتمع، الذي يمثله بطريقة زائفة ؛ فالإعلام يكون موجّها في أغلب الأحيان لخدمة مصلحة معيّنة، فلا يوجد هناك إعلام نزيه عادل، يعرض القضايا، والأحداث بموضوعيّة مطلقة كما هي إلّا ما رحم ربي؛ لهذا السبب، فينبغي عدم الاكتفاء بوسيلة إعلاميّة واحدة؛ بل يتوجّب مشاهدة الخبر، أو سماعه من العديد من وسائل الإعلام؛ حتّى تتضّح الصورة كاملة، فما أُخفي هنا سيتّضح هناك، وهكذا.
ثالثاً المؤسسات الدينية (المزيفة)، التي تمثل المدخل الأسرع، والأقرب إلى قلوب العامة من الناس منذ الأزل على اختلاف الشعوب، والأديان؛ فالجانب الروحي هو أقوى الجوانب التأثيرية في النفس البشرية إيمانا، وتصديقا.
رابعا: لن نغفل دور المؤسّسات العامّة، والرسميّة، والفن، والمثقّفين، والأدباء، والكتّاب، والعلماء؛ فكلّ هؤلاء يسهمون أيضا في تشكيل الوعي العام.
#التحكم بالوعي الجماهيري.
#من الأساليب المتبعة لتزييف الوعي الجماهيري:
1. الوعي المتناقض: لكي يظهر الإعلام بمظهر الحياد يقوِّم كلامَه الظاهري على ما لا نختلف فيه من الفضائل، فيدّعي الصدق، والأمانة، ومكارم الأخلاق، وعلى جانب الأفعال تراه يهاجم من حارب الفساد، وترى الإعلامي المشهور يكذب، ويدنس الحقائق، وهذا البطل في العمل السينمائي لم يكن أكثر من (شقي) حاول مواجهة (شقي) أكبر، فترى أنك غارق في حالة من التشوش؛ نتيجة استقبالك كل تلك التناقضات.
2. المصطلحات غير الواضحة: يقوم الإعلام بصناعة مصطلحات فضفاضة، في حقيقتها لا تعني شيئا، لكنه يُلبِسُها ما يريد من الأفكار، ويدعي نسبتها إلى مجموعة معينة، أو فصيل معين. كمصطلح كالتعددية الدينية، والنسبية في الأفكار، وغيرها.
3. إخفاء القصد: يضعون لك مجموعة من المقدمات الصحيحة، والمنطقية، ثم يقولون: طبقًا لتلك المقدمات تكون النتائج الآتية صحيحة. وبين تلك النتائج يذكرون ما أرادوا إيصاله؛ ولأن أغلب تلك النتائج كانت صحيحة؛ يُسلِّم عقلك بصحة كل النتائج. كأن يقولوا هذا البرج يتكون من ثلاثين طابقًا؛ إذًا: هو شاهق الارتفاع، ويصعب الوصول إلى آخر طابق فيه بواسطة السلم، والتهوية فيه ممتازة، وهو أعلى بنايةً في الحي. لو أعدنا التفكير فيما قيل سنرى أن المبنى المكون من ثلاثين طابقًا ليس شرطًا لأن تكون التهوية ممتازة، فالتهوية تعتمد على موقع المبنى، وتصميمه، وليس على عدد طوابقه؛ فهذه النتيجة ليست معتمدة على المقدمة، التي سبقتها.
4. تغيير المسميات: إذا ما أرادوا لنا قبول ما نرفض، أو رفض ما نقبل، فهذه هي لعبتهم المفضلة، يغيرون الاسم فقط ليحصلوا على ما أرادوا. فمثلًا قد حرم ديننا العلاقات غير الشرعية، فأطلقوا عليها في الفيس بوك (علاقة مفتوحة، أو معقدة)؛ ليتقبلها الناس، وقد كان، وتمَّ لهم ما أرادوا، أو (اللواط)، فقالوا عنه: (مثلية)!!!
5. التشخيص: ويقصد بها إلصاق الأفكار، أو القيم بالأشخاص؛ إما بهدف إسقاط الفكرة بسقوط الشخص، أو حتى يتمسك الناس بالشخص لتبقى القيمة. كمثال ربط فكرة السياسة الإسلامية، أو ما أطلقوا عليه الإسلام السياسي بأحد الجماعات، أو الأشخاص، ثم الدفع بالجماعة إلى السقوط؛ فتسقط معها فكرة السياسة الإسلامية من قلوب الناس. وأما التمسك بالشخص من أجل بقاء القيمة: فخير مثال لها ربط صورة (الدولة) بالحاكم؛ حتى يتوهم الناس أنه بسقوط الشخص/ الرئيس- ستسقط القيمة/ البلد؛ فيحافظوا على وجود الشخص من أجل بقاء القيمة.
6. التكرار: إكذب… وكرر كذباتك مرة تلو الأخرى؛ ستجد أن الناس أعتادوا كذبتك تلك، ثم صدقوها، والمصاديق كثيرة.
7. تحكيم المصلحة: يلعب هذا الأسلوب على الأهواء البشرية، وتفضيلها لمصلحتها الخاصة، فيخبرك أن: هذا النظام فاسد، ولكن مصلحتك معه، كما أن فساده هذا لا يطالك، فلماذا تثور عليه؟ فيفضِّل المستمع مصلحته الخاصة على العقل، ويقوم بتغليب تلك المصلحة من وجهة نظره حتى وإن طال الفساد أخاه.
8. ثوب الدعابة: ما أكثرَها تلك الأفكار، التي تُمرر خلال الدعابة، ونوبات الضحك، فكما شاهدنا في السنوات الأخيرة أن عددًا من البرامج، والأفلام يصنف على أنه فكاهي، وهو في الحقيقة يدس السم في العسل.
9. صحيح نظريًا، خاطئ عمليًا: هذه الحيلة متعلقة دائمًا بالقيم المتأصلة لدى المتلقي، والمرتبطة بعقيدة ما، فلا يستطيعون معها الهجوم المباشر؛ لأنهم بذلك لا يهاجمون فكرة، لكنهم يهاجمون معتقد.
#وهناك عشر استراتيجيات أخرى، وضعها تشومسكي، ويرى أنها النظريات التي تُستخدم في التحكم بالوعي الجماهيري في توجيهات الشعوب، وهي:
1. الإلهاء.
2. ابتكر المشاكل.
3. التدرّج.
4. التأجيل.
5. مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار.
6. استثارة العاطفة بدل الفكر.
7. إبقاء الشّعب في حالة جهل وحماقة.
8. تشجيع العامة على الرضا بجهلهم.
9. تحويل مشاعر التمرّد إلى إحساس بالذّنب.
10. معرفة الأفراد أكثر من معرفتهم لذواتهم.
#صناعة الوعي المعلَّب.
#يعدُّ الهدف الأساسي لمعظم الحكومات اليوم هو محاولة الوصول إلى حالة من استقرار الوضع المناسب، الذي يضمن الاستمرار في تحقيق مصالحهم الخاصة؛ ولأجل الوصول إلى ذلك يتعيَّن خلق حالة من السلبية العامة عبر وضع حاجز بين العزم، والفعل؛ بواسطة الهجمات الإعلامية الممنهجة؛ لكسر الرغبة في التغيير داخل الأفراد، وخلق حالة من الانهزامية النفسية، وتتم عملية التحكم في الوعي تلك من خلال طريقتين:
* إحداهما: تجزئة الفكرة الكبيرة إلى دوامة من الأفكار الصغيرة، واللعب على وتر التكرار، والتوكيد لزرع تلك الأفكار داخل العقل الجمعي للجمهور.
* الأخرى: إعاقة الفَهم عبر سرعة عرض المعلومات، التي تمت تجزئتها إلى أشكال صغيرة لا رابط بينها، وتوليد نوع من الزخم، الذي لا يُكوِّن معرفة حقيقية في النهاية.
#وهناك العديد من الخرافات، التي يتم زرعها بحرفية لصناعة وعي معلب للجمهور، منها:
1. خرافة الحياد في الإعلام، يتعمَّد وهو في سبيل صناعة تزييف الحقائق أن يتغنَّى بدعوى الحيادية في إظهار الأمور على طبيعتها من دون التدخُّل في توجيهها.
2. والخرافة الثانية هي ثبات الطبيعة البشرية، ويعمدون بذلك إلى صد النزعة العدوانية، والرغبة في التغيير داخل النفس البشرية؛ لتكريس الانهزامية النفسية.
3. خرافة غياب الصراع الطبقي لمنع الانقسام المجتمعي حول الحكومات، وتهديد السلم الاجتماعي.
4. أسطورة التعددية الإعلامية، التي تُوحي للمتلقي بحريته في الاختيار، وهو لا يدري أن اختياراته تم اختيارها من قبلُ في ضمن عملية تضليل ممنهجة.
#نماذج من معارك الوعي في القرآن الكريم.
#إن القرآن الكريم حدثنا كثيرا عن معارك الوعي هذه، وكيف حاول كثيرٌ من أهل الكفر، والزيغ، والنفاق، والكذب أن يضللوا وعي الناس، وأن يفسدوا تصوراتهم.
* ففرعون قال للناس: ((فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ))، وأراد أن يقنعهم بأن موسى (ع)، ومن معه من المؤمنين إنما هم شرذمةٌ: ((قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ))! بل صور لهم أنه الحامي لهم، ولدينهم الحقّ، فقال في تخاشعٍ: ((إني أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ))!! هكذا أراد فرعون أن يزيف وعي قومه، وأهلِ عصره، ولكن موسى (ع) قاد معركة وعيٍ ضدّ هذا الزيف، فتكشَّفَ، وعرف الناس أن فرعون ليس سوى بشرٍ عاجزٍ، ولما أراد الله أن ينتصر الحق، أغرق فرعون، فإذا هو بنفسه يقول: ((آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)).
* ولما بعث النبيّ (ص) قادتْ قريش معركة تزييف الوعيِ، وتكوين القوالب النمطية الزائفة؛ فاخترعتْ قالب السحر: ((نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا))، واخترعت قالب الجنون: ((وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ))، واخترعتْ قالبَ الشعر والكهانة؛ فرده القرآن: ((وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)).
وظلتْ رجالات قريش، ووسائل إعلامها تروج هذا الوعي المزيف ليلا، ونهارا، وتصبه في آذان القبائل، وزوار البيتِ الحرام؛ حتى تأثر بذلك بعض عقلاء القوم كالطفيل بن عمرو الدوسيّ، ولولا أنّ الله أراد له الهداية، فأخذ بسببي الوعي: معرفةً، وفهما، لما أدركته رحمة الإسلام!
#وقصة الطفيل أنموذجٌ حيٌّ لمعركة الوعي؛ فحين قدم الطفيل إلى مكة، استقبلته قريش، وقالت له: ياطفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل، الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجته، وإنا نخشى عليك، وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنَّه، ولا تسمعنّ منه شيئا، فما زالوا به حتى حشى أُذنيه كُرْسُفا ـ أي: قطنا ـ خوفا من أن يبلغه شيء منه، فلما ذهب الكعبة، فإذا رسول الله يصلي عند الكعبة، ‏ فقام منه قريبا، فلما رجع النبي إلى بيته، لحقه، وقال: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك؛ حتى سددت أذني بكرسف؛ لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يُسمعني قولك، فسمعتُ قولا حسنا، فاعرض علي أمرك، فتلا عليه النبي شيئا من القرآن، فقال: والله، ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، ‏‏فأسلم، ورجع إلى دوس يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا كلهم, وهاجر معه منهم ثمانون بيتاً!
#هذان أنموذجانِ قرآنيانِ لمعركة الوعي: أنموذج فرعون في مواجهة موسى (ع)، وأنموذج قريش في مواجهة النبيّ (ص). إن الأساليب واحدةٌ: تلفيقٌ للأكاذيب، وبعثرة للحقائق في غير موضعها؛ لتبدو على خلاف ماهي عليه!
ولعلكم لاحظتم أن سبيل النجاة واحدٌ أيضاً: معرفة الحقائق كما هي من مصدرها، ووضع كل شيء في موضعه.
#ما هي القضايا التي تحتاج من علماء الأمة، ومثقفيها إلى أن يرفعوا منسوب الوعي حولها لدى الشعوب؟
#كيف تستعيد الأمة بريق وعيها المنشود؟
#أي وعي نريد لأمتنا، ومجتمعاتنا؟
#هل غاب وعينا أو غُيِّب؟
#آليات مواجهة تزييف الوعي، وتغييبه.
#ما هي مجالات الوعي؟
* أنّنا اليوم نعيش معركة طاحنةً على مستوى الأفكار، والرؤى، والتصورات، وهي معركةُ وعي بامتيازٍ، ليست الأولى في تاريخ البشرية، ولن تكون الأخيرة. ولكنها تعنينا أكثر من غيرها؛ لأننا وقودُها، وحطبها؛ فحريٌّ بنا أن نتحرى لأنفسنا، ونثبت، ونتأنى، وألا ننجرّ خلف كل ناعقٍ!
* المهم هنا أن ندرك أن (وعينا) مستهدف، وأن عليك كمرحلة أولى أن تحتاج فيما تسمعُ، وتقرأ، وألا تلقي سمعك إلا لمن تثقُ به علما، وعقلا، وحتى هذا الثقة لاتسلم له بكل مايقول، بل أعمل عقلك في حدود ماتحسن.
* إن الأمة الآن أحوج ما تكون إلى صُنع، وبناء وعي أصيل، يعيد إليها ريادتها بين الأمم الأخرى، ويردّ لها نصاعة تقدمها، وسبقها في مجالات شتى، استفادت منها أوروبا في فترات سابقة، حينما كانت تنهل من معين الحضارة الإسلامية.
* إن من واجب الأفراد، والجماعات أن يعملوا على إمداد الوعي الجماعي؛ بما يملكونه من إمكانيات، ومواهب؛ إذ إن صناعة الوعي لا تتأتى إلا بالاستفادة الكاملة من جميع الطاقات، والكفاءات، والبحث عنها، واستثمارها في جذب الناس إلى الفكر الأصيل، والثقافة الواعية، الهادفة؛ من هنا يبرز دور الرجوع إلى أصولنا، وقواعدنا الكبرى، وشخصياتنا التأريخية المؤثرة؛ لكي نعود معها إلى النبع الصافي، والمنهل الخالد؛ لإمدادنا بكل مقومات النهوض، والرفع من مستوى وعينا الأصيل، مع الأخذ بوسائل العصر، والتطور في جميع المجالات.
* مسؤوليتنا التاريخية اليوم تقتضي منا تفعيل المشروع التوعوي بكل ثقله، وإلا وصلنا إلى مرحلة انسداد تأريخي، سيُحدِث انفجارا حقيقيا، قد نكون نحن آول ضحاياه، بل سيكون كل إرثنا، وتأريخنا، وراهننا، ومستقبلنا ضحية تلعننا الأجيال عليها.
* لا شك في أن طرائق تحصين وعينا من الموجات القوية، التي تحارب هويتنا، وثقافتنا موجودة، وحاضرة في أذهان ثلة من نخبنا، ومثقفينا باختلاف مشاربهم، وألوانهم الفكرية، أبرزها عدم تجاهل أي فكر، وعدم إقصائه؛ بدعوى عدم ملاءمته لخصوصية أمتنا، بل يجب أن يدرس، ويفهم، ويناقش بعيدا عن إي إقصاء، أو تجاهل؛ من هنا يبرز دور النخب في تطوير وعي الأمة بشتى اتجاهاته، ومساراته.
* إن التأثير في وعي المجتمع هو الهدف الذي تسعى إليه كل الأطراف المتداخلة في تشكيل وعي المجتمع بصرف النظر عن توجهاتها الأيديولوجية، والفكرية، والسياسية، مستعملة في ذلك كافة الوسائل المشروعة، وغير المشروعة الظاهرة، والباطنة؛ هدفها في ذلك كسب المزيد من المنخرطين في دائرة الوعي المنشود لديها؛ من هنا تأتي أهمية تحرير العقل من سلطان الوهم، والخداع؛ ليصبح قادرا على فضح التزييف، والتشويه الإعلامي المتعمد؛ لإدراك الواقع من حيث كونه واقعا كما يجب أن يكون، لا كما يرغب آخرون في رؤيته.
* إن معركتنا الإعلامية معركة شرسة على كافة الصعد في ظل نظام القرية الواحدة، والمعلومة السريعة؛ فهي معركة ثقافية، فكرية تكنولوجية ، هي باختصار معركة أدمغة، تتطلب تسخير كل طاقاتنا في مواجهة عدو لا يؤول جهدا في تدمير كل مكتسباتنا في كل لحظة، وتحويل انتصاراتنا إلى هزائم؛ من خلال ضرب وحدتنا الداخلية، وتشويه ماضينا بتلويث حاضرنا؛ من خلال استحضار الماضي للاقتال الحاضر، على الرغم مما يحمله ماضينا من زخم حضاري هائل ، لكنه يتم استجلابه بطريقة مذهبية، ركزت على الفروقات، وأهملت كم التلاقي؛ كون منطقتنا تضح بتراثها، وآثارها بالدلالات، والأدلة على حضور جميع الأديان، والمعتقدات في بقعة جغرافية صغيرة، وغنية بالثروات المادية، والمعنوية، وتدلل في كثير من ثرواتها، وآثارها على ما تزخر به من كم التعايش، والتسامح بين أطياف شعوبها المختلفة، وهي نقطة قوة يتم إضعافها اليوم من خلال التطرف.
* كلما ازدادت ثقافة الناس، وتفتحت عقولهم، ضعف فيهم أثر التنويم الاجتماعي، وتزييف وعيهم، ومخاطره؛ ذلك أن كثيرًا من عوام الناس يعتمدون في تشكيل فهمهم للعالم على ما يصلهم عبر وسائل الإعلام.
* المطلوب تغيير شامل، ومستدام، غايته نهضة الشعب، والوطن، ولن يكون إلا بشكل تراكمي، ومتواصل في شتى الميادين، ومن أهم هذه الركائز، والمسارات التي يجب العمل عليها:
أ. مسار الارتقاء بالنفس، والأسرة، فمن يرد أن يساهم في النهوض بوطنه، وشعبه، عليه أن يبدأ بإصلاح نفسه، والارتقاء بها، فتغيير الأوضاع يبدأ بتغيير النفوس، والعقول التي أصابها الشلل، والتكلس بكثير من التشوّهات، وإعداد الفرد لبناء أسرة، تكون حصنا تربويا، وكيانا فاعلا في المجتمع، ولا تكتفي بتلبية الحاجات المعيشية على حساب الروح، والفكر.
ب. مسار السلوك الحياتي اليومي، فمطلوب أن يفكّر، ويتصرف كل منّا؛ بوصفه مواطنا حرا، كريما، شريكا في الوطن، وليس أجيرا، أو مستأجرا، أو ضيفا، أو متفرجا؛ عندها سنقاطع السلبية، ونحرص على وطننا، وشعبنا، كما نحرص على بيوتنا، وذوينا، وندافع عن حريتنا، وكرامتنا، كما ندافع عن أنفسنا، ونرفض الذل، ونتصدى للظلم، وننتصر للمظلوم، كل ذلك كفيل بنسف مرتكزات الاستبداد، والتخلف، التي أحاطت بنا.
ت. مسار التفاعل مع هموم الأمة، فالعمل من أجل نهضة الأمة يشمل كل جهد، يعود بالنفع على الوطن، الذي نعيش فيه، أو نسعى إلى تحريره من قيود التجهيل، والمفسدين، والاهتمام بقضايا الأمة في كل مكان، ولا ينبغي على الشعوب أن تترك الشأن العام للنخب فحسب، التي من الممكن أن تساهم في تغييب الوعي، وتزيفه، بل الأَوْلى السعي مع كل مثقف واعٍ، يريد للأمة النهضة، والارتقاء، من دون حسابات شخصية، أو مغنم فردي.
* إننا أمام مسؤولية تاريخية يؤدي فيها الإعلام دورا محوريا في تبيان الحقيقة، ومواجهة كل أدوات والتجهيل، والتضليل، ومحاولات صناعة وعي بِكَيّ وعينا، وعيٍ جاهليِ يتناسب ومشاريع الهيمنة، والاستحمار.
* لا يجب أن نستصغر أي جهد يُبذَل في طريق زيادة وعي الأمة بالوسائل المختلفة، ولكن يجب أن يكون هذا الجهد، والبذل في الطريق، والاتجاه الصحيحين؛ فهناك تجارب، ومسارات نجاح يمكن الاستفادة منها، والبناء عليها (الكيّس من اتعظ بغيره).
* إن التضليل وسيلة ناجعة، ومواجهته لا يكون بمواجهته المباشرة؛ كون المواجهة المباشرة قد تكرس من وجوده، وتزيد من مريديه تحت شعار المظلومية في ظل انتشار عميق للتجهيل، وهيمنته، وقدرته على صناعة الوعي، وانقسام مذهبي إثني عميق؛ فمواجهة هكذا مشروع لا يكون في قبال التضليل إلا بالمعرفة، وإنتاجِها بوسائل متطورة إعلاميا، وبخطاب عالمي، يترفع عن المذهبيات، وعن الإيديولوجيات، وعن الانتماءات بكافة أشكالها.
* في قبال الترويج لثقافة الاستسلام، والانهزام النفسي الموهوم، الذي صنعته الآلة الاعلامية للمفسدين؛ بأدوات داخلية نحتاج إلى بناء ثقافة البقاء، والقدرة، والمبادرة، والتضحية لأجل الكرامة وهو ما يتطلب الآتي:
1. مواجهة الذات، ونقدها داخليا.
2. بناء منظومة معرفية منتجة على مستوى الواقع, والفعل الاجتماعي, وساحات العقل.
3. خطاب استقطابي بديل مؤسس لثقافة مواجهة تزييف الوعي كمنظومة معرفية قادرة على المواجهة، وطرح البديل.
4. اختراق ساحات الآخر/ المفسد إعلاميا بنفس الأدوات، والمنهج، ولكن وفق مبدأ الصدق، ونقل الواقع كما هو ، وكشف الحقيقة بلغة مجتمعه، وأدواته؛ من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، التي فتحت الفضاءات اليوم لنقل الحدث كما هو، واخترقت نظام احتكار المعلومة، وصناعة الحدث على وفق رغبات معينة، بل أجبرت وسائل إعلام كبرى على نقل الحدث كما هو في كثير من الأوقات، فخرقت فضاءات مغلقة، صنعها الفاسدون للهيمنة على عقول شعوبهم؛ بدعوى الحرية، والشفافية.
* النُخب، وصناعة الوعي: لا شك في أن هناك عوامل متشابكة، ومترابطة تربط مصطلح النُخب بمصطلح صناعة الوعي بشكل واسع؛ إذ إن أولويات الدور النُخبوي هي صناعة المعرفة، وصياغة وعي الشعوب تجاه النهوض، وتجاوز العقبات، التي تحول دون التقدم، والتطور. ويؤثر انعزال النُخب عن واقع المجتمع، ومشاكله في صناعة الوعي المجتمعي؛ لأنهم بصفة تكليفية جزء أساسي من وعي الشعوب؛ ومن ثم، فإن نجاح النخبة في دورها مرهون بمدى انخراطها فى كل طبقات المجتمع مهما كان وضعه الاقتصادي، والحضاري.
* على النُخب أن تعي أن التأثير الآن في وعي الشعوب، والأفراد، لهو الهدف الأساس الذي تسعى إليه كل الأطراف المتدخلة في تشكيل وعي المجتمع بصرف النظر عن توجهاتها الأيديولوجية، والفكرية، والسياسية.
* إن محاولات نشر الوعي تحتاج إلى نُخب حقيقية، تعمل على بناء وعي الشعوب التى تسعى إلى إعادة ريادتها بين الأمم الأخرى، ويُردُّ لها نصاعةُ تقدمِها، وسبقِها في مجالات شتى.
* من واجب النُخب العمل على إمداد الوعي الجماعي؛ بما يملكونه من إمكانيات، ومواهب؛ إذ إن صناعة الوعي لا تتأتى إلا بالاستفادة الكاملة، حيث إن الاستفادة من جميع الطاقات، والكفاءات، والبحث عنها، واستثمارها في جذب الناس إلى الفكر الأصيل والثقافة الواعية.
#مجالات الوعي:
#أما عن الوعي المطلوب، ومجالاته، فيمكن أن نقول إن الوعي المطلوب نوعان: وعي بالذات، ووعي بالآخر.
#والوعي بالذات يشمل الوعي بها في اختلاف الزمان: ماضيًا، وحاضرًا، ومستقبلاً. والوعي بها في اختلاف المكان: وطنًا، وإقليمًا، وأمة.
* فالوعي بالذات ماضيًا: أي معرفة من نحن، وكيف نشأنا، وما مسيرتنا، وهل لنا تأريخ نتصل به ونستفيد منه، أو إننا نبدأ من نقطة الصفر ـ كما يزعم البعض. وكيف يكون ماضينا زادًا ينير الدرب، ويقوّم الخطوات.
* والوعي بالذات حاضرًا: أي معرفة واقعنا الذي نحياه، في مختلف المجالات، بدقة؛ فندركه كما هو، دون تجميل أو تقبيح، ودون تهويل أو تحقير. فضلا عن الوعي بما يفرضه علينا واقعنا من قضايا، واهتمامات، وأولويات؛ حتى نحسن التعاطي معه، ولا ننفصل عنه.
* والوعي بالذات مستقبلاً: أي بالآمال المرتجاة، وبالفرص المتوقَّعة، وبكيفية التعامل معها من خلال الإمكانات المتوافرة؛ حتى نجمع بين المثالية، والواقعية في وسطية، واتزان، ولا نجنح يمنة، أو يسرة.
* وأما الوعي بالذات في اختلاف المكان، فهو ضروري؛ لأن أمتنا أمة واحدة، ولا يليق بآحادها التقوقع داخل المحيط الأصغر. وهذه الدوائر الثلاثة - الوطن، والإقليم، والأمة ـ تتكامل، ولا تتعارض.
#بجانب هذا الوعي بالذات، هناك الوعي بالآخر، ولا تستقيم معرفة الذات حتى نعرف الآخر، ولهذا قيل: بضدها تتميز الأشياء. فيجب أن نعرف كيف يفكر الآخر، وما نقاط قوته، وضعفه، وما عوامل التلاقي، والحوار التي تجمعنا، وأسباب الاختلاف، والنزاع التي تفرقنا. وهل (الآخر) كتلة مصمتة لا مفر من الصدام معه، أو هناك (آخر) يمكن الحوار، والتفاهم معه على أرضيه مشتركة، و(آخر) غير ممكن معه ذلك.



#حيدر_صادق_صاحب (هاشتاغ)       Haider_Sadeq_Sahib#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفرق بين صنع القرار وطريقة اتخاذه وتنفيذه
- ((دور اليسار بين ضعف الامكانيات وسلبية التخطيط))
- التغيير اهم القرارات المصيرية للوصول الى الهدف المنشود
- ( الازدواجية السياسية بين الوعظ والاصلاح الوهمي )
- عشوائيات الوطن والدكة العشائرية!
- العجز التلقيني ودوره في بناء شخصية الفرد العراقي
- حلم لن نراه , الولايات المتحدة العربية !!!
- الشعب العراقي يواجهون الأحزاب وانتخاباتها بالسخرية والهزل


المزيد.....




- أكاديمي سعودي يقارن بين ملكيات عربية مستقرة وجمهوريات تعاني ...
- تحديد الأصل الحقيقي لـ-ماسة الأمل- و-كوهينور-
- زيارة أردوغان إلى العراق: فرصة لتجاوز خلافات الماضي؟
- اتفاق أوروبي على توسيع العقوبات ضد إيران ومساع لوضع الحرس ال ...
- الرئيس الجزائري: تونس لن تسقط مهما تأثرت بالأحداث وهي دائما ...
- حزب الله: لولا وجود المقاومة لكان لبنان -مكسر عصا- لإسرائيل ...
- ترامب يعتبر أوكرانيا جزءا من روسيا
- -معركة الحسم-.. جنرال لبناني: إسرائيل تجهز 10 آلاف صاروخ وفر ...
- برلماني سلوفاكي: الولايات المتحدة ترسل الأموال لأوكرانيا بدا ...
- بعد رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية.. قائد رفيع في الجيش الإس ...


المزيد.....

- الفصل الثالث: في باطن الأرض من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الموجود والمفقود من عوامل الثورة في الربيع العربي / رسلان جادالله عامر
- 7 تشرين الأول وحرب الإبادة الصهيونية على مستعمًرة قطاع غزة / زهير الصباغ
- العراق وإيران: من العصر الإخميني إلى العصر الخميني / حميد الكفائي
- جريدة طريق الثورة، العدد 72، سبتمبر-أكتوبر 2022 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 73، أفريل-ماي 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 74، جوان-جويلية 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 75، أوت-سبتمبر 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 76، أكتوبر-نوفمبر 2023 / حزب الكادحين
- قصة اهل الكهف بين مصدرها الاصلي والقرآن والسردية الاسلامية / جدو جبريل


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حيدر صادق صاحب - معركة الوعي الذاتي بين ازمات التفكير والتضليل