أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - تكوين وتاسيس الحضارة ج1















المزيد.....

تكوين وتاسيس الحضارة ج1


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 7035 - 2021 / 10 / 1 - 18:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تكوين وتأسيس الحضارة
ولكي نفهم الحضارة لا بد لنا أن نفهم أولا أسس تكوين الحضارات من حيث كونها حتمية مع توفر المقدمات الصحيحة لها ذاتيا وموضوعيا، وثانيا دراسة مظاهر الحضارة بوصفها تطور أجتماعي تأريخي دال عليها أما كعناوين أو معاني من ملاحظات التاريخ ومنهجه، فمن دون فهم هذين العنصرين لا يمكن أن نحدد بالشكل العلمي معنى ومفهوم وشكلية الحضارة ولا يمكن فهم سيرورة أي تحولات أو تغيرات ثقافية واجتماعية على أنها تنبئ بذلك أو ترسم لنا الصيرورة اللاحقة، وبدون فهم هذه الحركة أو محاولة تفسيرها بالشكل العلمي الصيح تختلط علينا مثلا المدنية بوصفها جزء من الطور الحضاري وبين الحضارة ذاتها، فليس كل مدنية ممكنة أن تتطور لحضارة أو لا تتطور إلا من خلال شروط التحضر الأساسية التي تفرزها السيرورة التاريخية في المجتمع.
• اسس التكوين الحضاري.
أولا _ (الشرط المعرفي)
من أسس وشروط تكوين أي حضارة هو وجود القاعدة المعرفية المتطورة طبيعيا من وجود المجتمع وأنتاجه وأستيعابه لتلك القاعدة بأعتبار أن الفعل الحضاري هو أصلا فعل متعدد الأتجاهات معرفيا وأجتماعيا تراكميا يعكس صورة المجتمع بذاته، فمن غير الممكن لأي مجتمع أن يستورد هذا العنصر أو ينقله لمنظومته الخاصة دون أن يهضمها ويستجيب لها طبيعيا، فالمعارف الخارجية دوما إذا ما تم التعامل معها على أنها نتاج غيري تبقى محشورة في دائرتها دون أن تتمكن من قيادة المجتمع نحو التطور والأنطلاق للإنتاج من جديد، من هنا فأي محاولة بشرية تجري وفق ما ذكرت تبقى محاولة سطحية ستتلاشى زمنيا لعدم قدرتها عن التعبير عن روح المجتمع وجوهر تفاعلاته.
هذا من جهة ومن جهة أخرى أن الإنسان الفاعل المكون للمعارف والثقافة والقانون من خلال وعيه التأريخي ومن خلال أدوات المجتمع هو الذي يمثل بحق عن روحية وفهم المجتمع لدوره في صناعة تأريخه، لذا فالنقل الأعمى والذي لا يتلائم مع متطلبات الحاجات الأجتماعية والذاتية لأي مجتمع سوف يسبب بنكوص ثقافي وفكري خاصة إذا كان هذا النقل أو الأنتقال نتيجة القوة او نتيجة الهيمنة الخارجية عليه، فكثيرا من المجتمعات المغلوبة وإن عاشت في ظل حضارة الأخر المهيمن لم تستطيع أن تنتج حضارتها الخاصة طالما أنها في لا وعيها الذاتي ترفض تلك الهيمنة والتسلط الغالب.
فكل مجتمع لا يعبر عن نفسه بنفسه لا يمكن أن يكون فاعل حضاري مهما كانت قيمة ما يأتيه من تعبيرات أو معنى خارجي، لأن الأصل في الفعل الأجتماعي هو الأصالة الذاتية والقناعة التامة بهذه الإصالة، عليه يمكننا التفريق بين الحضارة الأصلية وبين وهم الحضارة والتحضر بالأستناد إلى هذه القاعدة التأريخية والأجتماعية المهمة، ويبقى أن وجود المشتركات العامة في حياة الشعوب والأمم تلعب دورا مهما في قيام حضارة متعددة الأطراف ينتج فيها كل شعب مقدارا تشاركيا منها حسب ما يتمتع به من ملائمة وتوافق مع غيره لكن بشرط أن لا تبدو تلك الأفعال الثقافية والمعرفية الأجتماعية في حالة نشاز مع الأخرين.
وأكبر مثال يمكن أن نسوقه هنا هي الحضارة الأوربية ما بعد عصر النهضة تحديدا كونها قامت على مشتركات روحية ومادية تتناسب مع المشترك الأجتماعي للأمم الأوربية في عصرها دون أن نتجرأ مثلا ونقول الحضارة البريطانية أو الحضارة الألمانية، لأن النتاج الحضاري في القارة الأوربية هو نتاج مشترك متعدد المصادر كما هو متعدد التوجهات لكنه بالأخر يقوم على المشترك العام وهو الثقافة والمعرفة التواصلية والمتواصلة بين امم وشعوب تجمعها الجغرافية والتاريخ أكثر مما تجمعها أية عناصر أخرى منها المسيحية الواحدة.
ثانيا _ (الرفاهية)
ومن الأسس والركائز ذات الجدارة العالية في تكوين وتأسيس حضارة ما هي الرفاهية الأجتماعية وليست الرفاهية المادية وحدها، ونقصد في الرفاهية الأجتماعية أمتلاك المجتمع مقومات متعددة تعبر عن قدرة المجتمع في تأمين حاجاته وحاجات أفراده دون أن يضطر مثلا على الأعتماد على الغير مما يولد حالة من الأطمئنان والأرتياح لدى أفراده أنهم قادرون ومتمكنون من الأنتاج المعرفي والعلمي والثقافي دون أن تشغلهم متطلبات تأمين هذه الحاجات أساسا عن مسيرة التطور ومتطلباتها، فبوجد قانون صارم وقيم حاسمة وروابط مستقرة في ضمير المجتمع يساعده على أن يمنح وجوده قدرة أكبر على البقاء والنمو والتطور.
فالرفاهية مظهر خارجي لمدى أستقرار النظام الأجتماعي والسياسي اللازم والضروري للتطور، وبقدر ما تفرض الرفاهية من وجود يمكننا في ضوء ذلك نحدد سرعة التعجيل في التكون والتأسيس الحضاري، ولا تنطلق الرفاهية بدون أن يتمتع المجتمع بماصات الأهتزاز والصدمة، وهذه الماصات أو الموانع هي عبارة عن ضوابط وقيم وموروثات تأريخية تطورت على أساس أنها تتمكن من التنبؤ أو التوقع لأي أنحراف أو تخريب أو أنتهاك لقواعد المجتمع، وأهم هذه الماصات هي علاقة الفرد بالمجموع وعلاقة المجموع مع بعضة، فبوجود ثقافة المسئولية وحس المشاركة الجمعية وترسيخ قيم الأنتماء المصيري للجماعة البشرية، يمكننا أن نقول أن المجتمع لديه الأستعداد الطبيعي للدفاع عن قيمه ووجوده بإخلاص وأنه لا يمكن أختراقه بشكل ما، أو محاولة الأضرار باستقراره الأجتماعي والسياسي طالما أن الشعور بالإنتماء على درجة من التطور والقدرة على بلورة نفسه في الأزمات.
الأساس الثالث _ (البنية الأجتماعية التحتية)
لا يمكن الحصول على العنصرين السابقين مع عدم وجود بنية تحتية من الضوابط والقوانين والقيم التي تصنع أنتاج المعرفة وتبسط الرفاهية والأستقرار، هذه الضوابط يجب أن لا تفرض على أنها قيود أو محددات للقدرة على الشعور بالحرية، بل على العكس أن تصنع وتتكون من خلال إرادة المجتمع على أنها ضروريات للبقاء وعوامل صيانة للكيان الأجتماعي، وحتى تكون كذلك لا بد أن ينتجها المجتمع بنفسه أو قريبا من الروحيات التي يؤمن بها، وأقصد بالروحيات هي القيم العقائدية والأخلاقية التي يتقلدها المجتمع، هذا التوافق بين الضوابط وبين المجتمع أفراد ومجموع تشكل بذاتها الضمان لأمن المجتمع أولا وبسط أستقراره.
هنا نتكلم عن الأمن الجماعي بصفته منظومة متكاملة من الإجراءات والوسائل والموضوعات التي تتشابك فيما بينها لتكوين المفهوم، ولا نقصد طبعا حصرها بالمفاهيم البوليسية والمنية المستعينة بقوة السلاح، بل تمتد هذه النظرة من تأمين المجتمع من الأختلالات الباعثة للجريمة من خلال توفير فرص العمل الميسر والشعور بالعدالة والعمل على تنمية ما يعرف بطرائق المشاركة في القرار وغيرها من الوسائل التي تجعل من الفرد الأعتيادي حارسا أجتماعيا ومراقبا للأمن دون أن يكون ذلك بقرار سياسي أو سلطوي، فالأمن الأجتماعي لا بد أن يكون الوسيلة والغاية في حفظ أستقرار ورفاهية المجتمع المرفه.
هذه الأسس وإن مررنا عليها سريعا مع عامل الزمن والسيرورة التأريخية وحتميات التطور بمقدورها أن تنتج لنا فرصة حقيقية لولادة حضارة إنسانية ذات عطاء تأريخي يساهم في تطوير عالمنا الوجودي حتى الذي لا يرتبط بها بشكل مباشر أو يتعامل معها من موقع القرب أو التشارك، فالحضارات حتى القديمة منها والتي أنتهى دورها وأضمحل وجودها المادي، لكن وجودها التأريخي وعطائها لا ينقطع حتى مع مرور أزمان وتحولات كبرى، من هنا يفهم أن الحضارة ليس بحاضرها يمكن تلمسها، بل بما يمكن أن تشع به على الوجود حتى في غيابها، وكل ما كانت الحضارة ذات أصالة وإنسانية في تكوينها كانت أقدر على الخلود في تأريخ البشرية عبر حقب وأجيال متعاقبة.
• المظاهر الخارجية أو الشكلية للحضارية
أولا _ الماهية الحضارية
لكل شيء في الوجود ماهية مميزة ترتبط مع العالم الخارجي وتتمظهر بشكل ما حسب جوهر الماهية وقدرتها على أن تكون محسوسة، الحضارة لا تشذ عن هذه القاعدة ولا تعبر فوق حقيقة الأشياء أولا بأعتبارها حقيقة تعبر عن ماهيتها، وثانيا لأنها فعل مجسد على الأرض له وجود حقيقي، ومن أهم مظاهر الحضارة وشكلها تلك الشواهد الدالة عليها والمعرفة بها، ومن دراسة علم الحضارات نجد أن السمة الغالبة هي مظاهر العظمة والضخامة الدالة على نوعية الحضارة وبروزها في الوجود كشاخص يعبر عن قدرة الإنسان الحضاري للتعبير عن أعتزازه بحضارته.
ومن أولى مظاهر الحضارة هو التنظيم الأجتماعي والثقافي والسياسي المبني على قواعد قانونية محترمة كلا في مجاله وتخصصه، المجتمع المنظم الذي يتقيد بنظامه الخاص ويحرص على عدم إحداث الفوضى بعد التأسيس هو المجتمع الوحيد الذي يمكنه من الوصول إلى نوع من الأستقامة المتصاعدة والمتطورة نحو الهدف الحضاري، هذا التنظيم أو ما يعرف بقواعد الأنتظام لا يعد قيدا للحركة الأجتماعية ولا يتعارض مع الحرية بقدر ما هو يحافظ على مصدر قوة المجتمع، الليبراليون خاصة ومن بعدهم العبثيون والفوضويون ينظرون للتنظيم على أنه محاولة لذوبان الشخصية الفردية في المجتمع وتقديم العنصر الجمعي على روح التفرد والفردية، لو نظرنا للحضارة من باب أخر على أنها جهد جماعي وتراكم عمل المجتمع نحو التطور ستظهر قيمة النظام والتنظيم للحيلولة دون هدم الأسس التي قامت عليها الحضارة.
والحرية بمعنى أوسع خاصة إذا كانت من أسس تكوين المعرفة التي قادت للتحضر لا يمكن أن تستتشعر الخوف من النظام، لأنها كانت معطى ومصدر للإبداع لا يمكن للحضارة أن تتنكر له أو تغفل قيمته الوجودية، فالجوهر الحضاري سيحافظ على الحرية بالقدر الذي تساهم به الحرية من تطوير لمفهومها وتطوير الجهد الجمعي لحركة الإنسان في المجتمع وحركة المجتمع في الوجود، أي أن الحرية هنا لا تكون عدوة لنفسها وعدوة لعطائها الأول.



#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)       Abbas_Ali_Al_Ali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العقل الجمعي...ظاهرة وتكوين
- تأخرنا بماضينا وتقدم الأخرون بالمستقبل
- التاريخ والحضارة
- علاقة التاريخ بالأقتصاد
- علاقة التاريخ بعلم النفس
- علاقة التاريخ بعلم الأجتماع
- علاقة التأريخ بالأنثروبولوجيا
- قصة التأريخ
- الأسطورة والتأريخ
- الإنسان والتاريخ
- تجربة الحرية والمجتمع العراقي
- الإيمان بالتأريخ
- وهم القوة وكتابة التأريخ....
- مراحل تطوير التاريخ البشري
- أعرف دينك يا .... حمار
- الهوية المجتمعية وإشكالية التنوع والتعدد ح1
- الهوية المجتمعية وإشكالية التنوع والتعدد ح2
- كيف لنا ان نفهم العلاقات الإنسانية الطبيعية؟ ج 3
- كيف لنا ان نفهم العلاقات الإنسانية الطبيعية؟ ج1
- كيف لنا ان نفهم العلاقات الإنسانية الطبيعية؟ ج2


المزيد.....




- -تاريخيًا ينتهي الأمر للأسوأ-.. جنرال أمريكي بعد تقرير عن تو ...
- توب 5: مستشار ألمانيا يبدأ جولة خليجية من السعودية.. وليلة ب ...
- مستشار ألمانيا يبدأ جولة خليجية من السعودية وسط مساعٍ لتأمين ...
- القوات الإسرائيلية تقتل سائقا فلسطينيا إثر الاشتباه بحادثة - ...
- أبرز ما جاء في مؤتمر المستشار الألماني بعد لقائه ولي العهد ا ...
- مشاهد من لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والمستشار الأل ...
- روسيا.. فعاليات حاشدة تأييدا لاستفتاءات جنوب وشرق أوكرانيا ع ...
- الداخلية الإيرانية: سنتصدّى للاضطرابات بكل حزم وقوة
- -البومة الليلية- معرضون بشكل متزايد للإصابة بمرض مزمن أكثر م ...
- بكين: أي تحرك لعرقلة إعادة توحيد الصين ستسحقه عجلة التاريخ


المزيد.....

- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم
- الإنسان المتعثر في مثاليته . / سامى لبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس علي العلي - تكوين وتاسيس الحضارة ج1