أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - امين حافظ - من التاريخ الشركسي.















المزيد.....


من التاريخ الشركسي.


امين حافظ
(Amin Hafez)


الحوار المتمدن-العدد: 7003 - 2021 / 8 / 29 - 20:44
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


( الحروب على الارض هي رماد التاريخ ) الكاتب اصلان بسيغوسه

يلاحظ قارئ أسطورة نارت أنَّ معظم عصورها الأسطورية وبعدها الواقعية هي غزوات وحروب وصد عدوان ونزال فردي بين الأبطال البشر أو أنصاف الآلهة، وصارت الحرب والفروسية والإستعداد الدائم لصد العدوان من طبيعة قدماء الشراكسة وأثرت كثيرًا في أسلوب حياتهم وتربيتهم، ثم تحولت لاحقًا لتصبح مهمة طوعية وشخصية للفرسان الذكور عند اشتداد الصراع بين الأنثى والذكر على قيادة المجتمع وطبعت لاحقًا تطور شعب نارت بطابع الذكورية، وقد سماها علماء الأساطير والتاريخ والإثنوغرافيا مرحلة الديمقراطية الحربية الشركسية "وإختصارها حشد" التي مهدت لسرعة سيطرة الذكر بسبب إرتفاع كلفة تضحياته ومطالبته بثمنها في ظل ظروف حياة قاسية وتزايد للعدوان على شمال القفقاس وخاصة تشيركيسيا وشواطئها على البحر الأسود وآزوف، مما تطلب وجود حدود دنيا عالية جدًا من الإنضباط والفداء والفروسية.
بدأت مرحلة حشد ربما في نهاية الألفية الثانية ق.م، أو قبل بداية مرحلة الرق والإقطاع واستمرت حوالي /18/ قرنًا، وهناك من يرى بأنَّ مرحلة حشد تزامنت مع بداية الألف الأولى ق.م، واستمرت حوالي /15/ قرنًا تحولت فيها السلطة للفرسان الأقوياء من القبائل الكبيرة، وتميزت بتزايد الكوارث والصراع ضد الآلهة الأشرار بقيادة أنصاف الآلهة الأبطال فخلدت في أسطورة نارت معاني عظيمة عن شرف المجد وثمنه الباهظ، مما أعطى لحشد صفات ودلالات اجتماعية ومعاني فلسفية غطتها هالة ضخمة من شبه القداسة والفخامة للبطل الفرد الذكر ودخلت في منظومة العادات والتقاليد والأعراف الشركسية (خابزه) وخاصةً في جوانبها الروحية والنفسية والجسمانية وتناغمها مع المحيط الاجتماعي.1

شخصية البطل الأسطوري النارتي في أسطورة نارت الشركسية ومستوى إنضباطه وملامح شكله الخارجي المهيب بسلاحه وحصانه الأسطوري وحوله كلابه القتالية ونسره العملاق الجارح ساهمت كلها معًا في تعزيز شخصيته الحربية ورفع مستوى كفاءته القتالية وفطنته في التخطيط والخدع الحربية وأعطته مزايا قيادية على حساب المرأة التي كانت تتمتع بنفس المزايا عندما كانت تقود المجتمع في زمن المشاعية البدائية، وصار الأمر ضاغطًا على المرأة أكثر عندما باتت أعداد المقاتلين الذكور أكثر من أعداد المقاتلات وصارت أعداد القتلى من الفرسان الذكور تفوق أعداد القتلى من الإناث، والأسباب هنا كثيرة ومنها مستوى التدريب والمهارات الفردية الذكورية في القتال، وهناك أسباب غير صراعية سجلتها بعض القصص في أسطورة نارت كالحمل وتربية الأطفال والعناية بالمنزل، وبالمقابل أشادت بعض القصائد بالأبطال الذكور الذين صاروا يتنافسون للتضحية والقبول بالأقدار التي تسوقهم إلى الموت بلا خوف ولا تردد فتشكلت العقلية الريتسرية التي لا تهاب أحدًا، ومنذ بداية مرحلة حشد في مجتمع نارت الواقعي لم تعد الأم-الشمس "ستناي كواشه" قائدة المجتمع، وغابت القصص التي تبرز فطنتها وخططها البارعة في إدارة المعارك وقدراتها الإلهية في تسليط الكوارث على جيش العدو كما كانت تفعل في الفصل الأول, وبدلًا عن ذلك صارت تظهر قصص وقصائد تقلل من دور المرأة وتدعوها للبقاء في البيت وعدم التدخل في قيادة شعب نارت، ومنعت مشاركتها في حضور اجتماعات المجلس النارتي (خاسه)، وكثرت القصص والقصائد التي تتحدث عن مثالية البطل الذكر وتعاليه عن الملذات وإغراءات الأنثى ومنها ما قاله البطل نصف الإله "شاباتانقوه":
أنا لم آت من أجل الطعام والشراب
ولا من أجل معاشرة النساء
بل جئت من أجل المهام العظيمة
ولعل أولى مهامه التي لم يفصح عنها هي إنتزاع القيادة من الأنثى.
بدأت مرحلة حشد بمفهومها النارتي الأسطوري مع إكتشاف الحديد في شمال القفقاس في القرن التاسع ق.م، واستمرت حتى القرن السادس ميلادي، وفي هذه المرحلة تزايدت الحروب والغزوات وتسارعت عمليات إنتقال أماكن إستقرار قدماء الشراكسة من قبائل الزيخ والميؤت، ودعيت هذه المرحلة تاريخيًا "عصر السيف والترس والمحراث الحديدي" وساهمت في ظهور المملكة الساحلية الكيميرية عند مضيق ميناء كيرتش، وهي من أعظم الممالك القديمة التي تشكلت في القرن السادس ق.م، وفيها تطورت صناعة السيف والترس والدرع الحديدي المزرد، كما وجدت النقود الذهبية والفضية وعليها شعار المملكة وصورة القيصر، ونمى التبادل التجاري البحري بالعملة وتطورت تربية الخيول والمواشي مما أدى لحصول إستقرار نسبي للقبائل المترحلة وبداية تشكل المدن والموانئ وصناعة السفن التجارية والحربية، وأدى كل ذلك لتزايد ثقة القائد البطل بنفسه وحصول تحولات اجتماعية وتراكم ثروات كبيرة لدى القادة والتجار ومسؤولي الأقاليم والعائلات القوية ماليًا وعسكريًا.2
أدى ذلك لظهور تفاوت طبقي حاد داخل القبيلة وحتى داخل العائلة الكبيرة، كما نمى الإنتاج والإنتاجية الاجتماعية وظهر تقييم جديد لمفهوم القوى العاملة المأجورة وتزايد الطمع وتنشطت النزعة العسكرية للسيطرة على خيرات الآخرين فتزايدت الحروب والغزوات وبدأت قوافل العبيد تتكاثر ومعها ظهرت مهنة المقاتلين المرتزقة وتجارة العبيد حتى بلغت أوجها بعد القرن السادس ق.م، وهو قرن إستعمار الإغريق لبعض مناطق سواحل غرب شمال القفقاس وشبه جزيرة القرم على مضيق كيرتش حاليًا، فظهرت عدة مستعمرات إغريقية اتحدت بعضها في القرن الخامس ق.م3. هنا تبدأ مرحلة جديدة صارت بعدها تتطور المملكة وحملت اسم مملكة مالكي العبيد وعاصمتها بانتيكابي، التي كان قدماء الشراكسة أحد أركانها وحكامها، وفي عام /437/ق.م، حكمها السيرتاكيون، وكانت قبائل الميؤت الشركسية تعيش بجوارهم وعلى شواطئ البحر الأسود ولم تعد تكتفي بمستوى مشاركتها في السلطة فصارت تستولي تدريجيًا على الأراضي والمراعي والموانئ، ثم اتحدت كل هذه القبائل الميؤتية وشكلت قوة عسكرية اقتصادية هامة، حتى أن القيصر الميؤتي بات هو وكبار قادته يوجهون سياسة مملكة مالكي العبيد، وخاض القيصر الميؤتي فاتيي حرب تقاسم السلطة بين أولاد القيصر "بيريسادا" الأول في منتصف القرن الرابع ق.م.4
مع بداية القرن الأول م، سيطرت قبائل زيخ الشركسية على سواحل البحر الأسود وإندمجت معها قبائل الميؤت وإختفت قبائل سارمات ومعهم زالت الثقافة واللغة الفارسية من شمال القفقاس.
كتب العالم "لابوتينسكي" عن الزيخ والميؤت مؤكدًا أن التسمية هي شركسية في أساسها حيث:
مه – رائحة بالشركسية
أيَه – سيئة بالشركسية
ياطه – تربه، مستنقع بالشركسية
ومنه جائت كلمة مه-أيه-ياطه، أي رائحة المياه الراكدة ومع الزمن سمي من يعيش عليها ميؤت، وهي تتلاءم تاريخيًا مع مكان عيش قبائل ميؤته-زيخو-أدغية الواقعة على ضفاف الأنهار المنبسطة والبحيرات5.
ساهم ظهور "حشد" في تطور الإتيكيت الشركسي بإتجاه خشن يخدم العقلية الفروسية الذكورية ويشبه لحد كبير العلاقات الاجتماعية في إسبارطة، وخاصة تربية الأبناء والنزعة للتقشف والفروسية، مما سهل على إجراء تعديلات هامة في الدستور الشعبي يخدم تمكين سيطرة الذكر على القيادة، ومهد ذلك لمرحلة الرق، حتى أن الفارس الذكر الذي أصبح قائدًا للمجتمع أعطى لنفسه حق الرقابة والوصاية على مستوى التقيد بالخابزه والإتيكيت وتعديلهما بما يخدم طموحاته، حتى أن بعض القصص والقصائد رفعت من مكانة القائد لمرحلة نصف إله-بطل صاحب الفطنة والقوة والبلاغة في الخطابة، وصار الإتيكيت ينسب كل ما هو عاقل وقوي للذكر بإعتباره مبارك من الآلهة أكثر من المرأة وأنَّ الطبيعة وهبته الحكمة وصفة القيادة والقدرات العالية في التعامل مع الآخرين ومع ما يستجد من أمور، لكن الحروب والفروسية وكثرة القتلى من الفرسان الذكور هي التي رسخت هذه الإدعاءات وأعطتها شيئًا من المصداقية.
هناك أسباب عديدة لسرعة سيطرة "حشد" وأهمها طبيعة التشكيلات الطبقية في المجتمع الشركسي القديم بعد إنتهاء مرحلة الأمومة أو (الملكية المشاعية القبلية) والإنتقال للملكية المشاعية الزراعية العائلية وهذه الطبقات هي:
طبقة الأمراء، الأمير الكبير، ثم باقي الأمراء على مختلف قواهم وممتلكاتهم.
كبار النبلاء.
صغار النبلاء.
الفرسان الأحرار.
الفرسان المرتزقة.
الفلاحين الأحرار، ومنهم تشكلت فئات التجار والحرفيين، ودعيت بالطبقة الثورية.
الفلاحين الأقنان (العبيد).
الفلاحين المحررين حديثًا.
خدم البيوت (عبيد بيوت الأمراء والنبلاء والأغنياء).
كانت الطبقات الأربعة الأولى مسؤولة عن قيادة المجتمع مع صلاحيات مطلقة للأمير الكبير، ولهذه الطبقات صلاحيات كبيرة على باقي الطبقات، الأمير الكبير وعائلته الأميرية والنبلاء يسيطرون على مجلس القبيلة وعلى قرارات إعلان الحرب والغزو والصلح والحكم في مسائل القتل والثأر والنزاع على المراعي والمزارع والمواشي وعلى تسويق المنتجات وحماية قطعان القبيلة ومراعيها، وتتوزع المسؤولية فيما بينهم حسب مناطق عيشهم وحسب عدد وقوة أفراد عائلاتهم وما يملكونه من مقاتلين.
وتجدر الإشارة هنا أنَّ بعض أهم وأكبر القبائل الشركسية القديمة: أبزاخ – شابسوغ - ناتخواي وغيرها لم يكن لديهم لا أمراء ولا نبلاء ولا عبيد، بل كانت السلطة عندهم بيد المجلس القبلي (خاسه)، وفي بداية القرن الخامس عشر ميلادي حاول زعماء بعض العائلات الكبيرة في هذه القبائل تنصيب أنفسهم كأمراء ونبلاء وذلك بمساعدة الروس والأتراك، وسعوا لتوسيع أملاكهم وتجارتهم وقواتهم المحاربة والتصرف باسم القبيلة بعد السيطرة على المجلس القبلي وعلى معظم الغابات والمراعي والمزارع والقرى بالقوة وإعتبار ما عليها من بشر وحجر ومياه ملكًا لهم، مما أدى لقيام عدة ثورات فلاحية قتل فيها معظم فئات الأمراء والنبلاء ونفي أو هرب بعضهم لخارج حدود مراعي القبيلة، لكن ضعف الإرادة وتدخل القبائل الشركسية التي بني نظامها الاجتماعي على شكل هرمي بدءًا من الأمير الكبير، تعاملت مع الروس تارةً ومع الأتراك تارةً أخرى وساعدوا المطرودين على استعادة أملاكهم ومكانتهم القيادية في قبائلهم، وقد كلفت هذه الحروب الطبقية عشرات الألوف من القتلى والمشردين خلال حوالي قرنين من الزمان.
تنشطت في مرحلة "حشد" عادة تربية أبناء الأمراء والنبلاء عند المربي الاجتماعي والعسكري "أتاليك" ويكون عادة من فئة الأحرار أو صغار النبلاء، وهو رجل معروف بحكمته وفطنته وخبراته في القتال والفروسية، ويعطى له الطفل بعد بلوغه الخامسة من عمره ويعيش في منزله كولد مع أبناءه في قريته ويعلمه الأتاليك العادات والتقاليد والأعراف والإتيكيت وفن الحديث والخطابة، إضافة لفنون القتال والفروسية، وعندما يصبح فارسًا في سن /14-15/ يعود به معلمه لبيت أهله فارسًا بكامل عدته القتالية ممتطيًا جواده الشخصي ويقبض المربي لقاء أتعابه مبالغًا وهدايا مجزية كل عام.
ومع أنَّ "حشد" أحدثت شرخًا اجتماعيًا عميقًا في المجتمع الشركسي القديم وأدت لحدوث تزاعات وصراعات طبقية، إلا أن ذلك إستدعى من الطبقات والفئات المسيطرة أن تربي الأبناء كفرسان يقضون معظم أوقاتهم في التجوال والتدريب والصيد والفروسية تيمنًا بأبطال أسطورة نارت، وهم نواة جيش القبيلة في الحروب والغزوات وصد العدوان، حتى أن بعض الأمراء كانوا يملكون من الفرسان ما بين ألف وألفي فارس في زمن السلم يصبح عددهم أوقات الحرب من أربعة إلى ثمانية آلاف فارس ومثلهم من المحاربين الراجلين.
إتسمت مرحلة "حشد" بعدم التجانس في الهياكل الاجتماعية الموجودة في القبائل الشركسية ويبدو أن هذه الحالة كانت وراء عدم قدرتهم على تشكيل نواة السلطة والدولة الموحدة عبر التاريخ، كما تميزت في عصورها الأخيرة بصدامات اجتماعية بين القبائل وداخل كل قبيلة بسبب تباين مفهوم الملكية المشاعية الزراعية ومفهوم الملكية العائلية الخاصة التي أشرنا إليها سابقًا وإنتقالها سريعًا إلى ملكية فردية تنافست عليها العائلات الكبيرة داخل القبيلة ولم تخلو من القتال والإستعانة بالغريب، وفي هذه المرحلة بدأ نظام التوريث للابن الأكبر الذكر دون أخذ موافقة أحد وإنتقال كل أملاك والده له بعد موته وحرمان كل إخوته منها، مما أدى إلى زيادة تفسخ مفهوم العائلة الكبيرة الموحدة وإنتقالها إلى أسر إحداها قوية والباقي متوسطة وضعيفة، وقد أثر ذلك على سلطات الأمير الكبير وصلاحياته المطلقة وإنتقلت معظمها للعائلات القوية عسكريًا واقتصاديًا.
تميزت مرحلة "حشد" بتعاظم قيم البطولة الذكورية ذات الطابع الطفيلي والأناني وهي تختلف عن مفهوم القيم الجمالية والأخلاقية الواردة في الفصول الأولية من أسطورة نارت والتي كانت تعكس مرحلة المشاعية البدائية، فقيم مرحلة "حشد" فيها غطرسة ذكورية وإدعاء بالتعالي عن أنماط الحياة الرخيصة، والإدعاء بأنَّ الآلهة أوكلوا للذكر القائد مهمة قيادة المجتمع وصار يعتبر نفسه وكيلًا للآلهة لا تُردُ له كلمة ولا يرفض له أمر، وإهتمت حشد منذ بداياتها بالشعر والنثر والخطابة والبلاغة والأغاني والموسيقى لتحسين سيطرتها، وتشكلت حول كل أمير أو قائد فئة من الشعراء والرواة ومؤلفوا الأغاني الذين يمجدون القائد الذكر، ووصلت هذه الثقافة لمجلس الضيافة والحوار فظهرت غرفة الضيوف للذكور وسادت تقاليد وأعراف طبقية جديدة تتناول مسائل الثأر وحق دم القتيل حسب إنتمائه الطبقي، وكثرت قصائد المديح للذكر المنتج للخصب والتكاثر وصار الحسب والنسب له، فبعد إلغاء الزواج المتعدد للمرأة بدأ الزواج الأحادي ذكر وأنثى، ثم تعدد الزوجات وبعدها ظهرت ألقاب قيادية ذكورية مثل القائد الحربي، وقد مهدت كل هذه التبدلات لظهور معايير ووحدات قياس اجتماعية جديدة ذات أثمان وقيم متباينة ساهمت في ظهور مملكة مالكة العبيد التي كتب عنها العالم "كونراد" في كتابه الغرب والشرق ص20-32-43.
تعتبر مرحلة "حشد" هامة في الثقافة الأسطورية-الواقعية الشركسية، لكن ملامحها ومساراتها التاريخية ومنعطفاتها لم تكن ديمقراطية أبدًا، ولعل التسمية جاءت لأن الفارس الذكر تَنَطَّحَ طوعًا لتنفيذ المهام الصعبة والخطرة في أجواء تنافسية مع غيره من الفرسان، لكنه ربط كل هذه التضحيات بأسعار تكلفه عالية جدًا أولها إزاحة المرأة عن القيادة وتنصيبه قائدًا للمجتمع، فأين هي الديمقراطية؟ ربما هي أنانية وغطرسة وربما عنجهية شركسية متوارثة لا أكثر.
بعد إكتشاف البرونز عام /2600/ق.م، بدأ صراع الذكر مع الأنثى من أجل القيادة، وبعد أن إنتصر عليها منعها من المشاركة في مناقشة أمور المجتمع، ثم صارت لاحقًا عبدة وملكًا له فإين هي هذه الديمقراطية الذكورية؟ مع أنها لم تعامله بهذه القسوة في مرحلة المشاعية البدائية، لكنه بعد سيطرته على القيادة تجاهل دورها التاريخي فصار ناكرًا للجميل وللتاريخ، ونكران القيم الجمالية الداخلية لا يحمل أية تزعة أو تشاركية مع الديمقراطية والأصح أنهما في تضاد دائم مع بعضهما ويصلحان لتشكيل ثنائية ضدية شركسية جديدة، ولعل هذه التسمية جاءت من تناغم الحالة الأسطورية النارتية وإنعكاساتها على الواقع الملموس في سياق الثنائيات الضدية الشركسية وتفرعاتها المتضادة بحيث يحمل كل طرف من طرفي الثنائية نقيضه الذي يؤازر الطرف الآخر، كما في ثنائية الماء والنار وكيف يمكن أن يولد كل منهما الخير والشر، ولعل التسمية كلها توزعت بين طرفي ثنائية ضدية تاريخية عندما إحتوت على كلمة ديمقراطية ثم حربية فوقعت في تنافر لا يقبله المنطق، لكن الأسطورة أيضًا لا تعرف المنطق.
التاريخ يعيد نفسه
تشير القراءات الأولية لبدايات تطور الرأسمالية بأنها إعتمدت أساسًا على تجارة العبيد وأسرهم في إفريقيا ثم نقلهم للبيع في أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط، وساهمت هذه التجارة في تطوير صناعة السفن والمحركات البخارية وزيادة المحاصيل الزراعية في أمريكا وتراكم الثروات بيد السيد الأبيض مالك العبيد، وإنعكاس ذلك على تطور التجارة والصناعات المختلفة وتزايد الإنتاج مما إستدعى الأمر لفتح الأسواق الخارجية لتصريف المنتجات والإستيلاء على مصادر المواد، فتزايدت النزعة الإستهلاكية وإنتقلت إلى فكر إستهلاكي يقف وراءه رجال مال وأعمال ومفكرين واقتصاديين وعساكر ساهموا في نقل الرأسمالية إلى مرحلة الإمبريالية التي سرعت عمليات فتح الأسواق والإستيلاء على الثروات ومصادر الطاقة وتشجيع نزعة التسوق والإستهلاك السريع كمبدأ لتسريع دورة رأس المال وإعتبار الإنسان هدفًا أو سلعة خاصة تستهلك المواد لا تحقق غاياتها إلا عبر الإعلام والدعاية المستمرة.
هناك تشابه ما بين الفكر الإستهلاكي الحديث في ظل الإمبريالية ودور البضاعة الحية في بدايات مراحل تطور الرأسمالية وبين البدايات الأولية القديمة للإستعمار الكولونيالي وخاصة في شمال القفقاس مع إختلاف في الزمن وفي مفاهيمه وقيمه، لكن الأهداف والوسائل تبقى واحدة، فمرحلة "حشد" كانت تهدف أيضًا لتراكم الثروات وخلق الأسواق الخارجية لذلك وسعت القبائل حروبها وغزواتها للسلب والنهب وأسر العبيد لبيعهم في أسواق النخاسة في المدن الساحلية، ومثلها حاولت الرأسمالية توسيع دائرة نفوذها والإستيلاء على ثروات الآخرين وتوسعت بفضل الاتحادات والإندماجات الكبيرة، أما "حشد" فقد تميزت بالاتحادات القبلية الكبيرة بهدف زيادة الحصانة والقوة والتحكم، ولعل غزوات الإغريق والطليان والفراعنة إلى شواطئ شمال القفقاس وأهمها غزوات الإغريق في القرن السادس ق.م، وبناء المستعمرات المستقلة على شواطئ بحري آزوف والأسود واتحادها لاحقًا في إطار مملكة البوسبور الكيميري والتي دعيت لاحقًا مملكة مالكي العبيد، هي خير دليل على ذلك التشابه التاريخي الذي لحظه الفيلسوف الإغريقي أفلاطون بقوله:
نحن معشر الإغريق إنتشرنا كالضفادع على معظم شواطئ الدنيا بحثًا عن الثروات والإستقرار
أحدثت التبدلات الاجتماعية في البنى والهياكل الطبقية داخل كل قبيلة شركسية في مرحلة "حشد" تحولات جذرية في مفهوم العيش والنظرة للحياة وأصبحت لاحقًا مزايا وسمات محددة لمرحلة "حشد" وأهمها:
ساهم إكتشاف الحديد في تعميق الثورة الاجتماعية وظهور مفاهيم جديدة.
نمو عمراني في السواحل وعلى ضفاف الأنهار وبناء البلدات المحصنة ومحطات القوافل ومخافر حماية الطرق التجارية وتنامي صناعة السفن والملاحة البحرية.
فتح الطرق الساحلية لسير القوافل من غرب شمال القفقاس بإتجاه آسيا.
تعاظم قيم البطولة الذكورية ذات الخواص الحشدية والمزايا الأنانية التي تختلف كثيرًا عن المعايير والمفاهيم النارتية القديمة (نامس-ماردا-خابزه).
بدأ عصر القرصنة البحرية واصطياد السفن التجارية على سواحل البحر الأسود.
تصاعد النزاعات القبلية للحرب والغزو بقصد النهب وأسر العبيد وخاصة بعد إنتشار السيف والترس الحديدي.
تعاظم حجم التجارية البينية والخارجية وتزايد أنواع ومصادر البضائع المتبادلة.
تنامي تجارة بيع العبيد وإعتبارهم مجرد سلعة للتبادل (البضاعة الحية).
شهدت مرحلة "حشد" أكبر عمليات اتحاد وإندماج القبائل القفقاسية وصارت تحمل أسماء جديدة مثل ساكي - ميؤت – اتحاد سيرتاكي – اتحاد ألآنو سارمات – وزيخو - أدغة.
شهدت مرحلة "حشد" أكبر صراع وتنافس ثقافي-لغوي ذو طابع قومي بين اللغة الزيخية الإيبيرية (الشركسية القديمة) وبين اللغة الفارسية المتمثلة في لغة قبائل ألآنو-سارمات المتحدة وإنتهت بإنقراض اللغة الفارسية في غرب شمال القفقاس.
سرعت "حشد" في بروز هياكل هرمية اجتماعية جديدة داخل بعض القبائل الشركسية لأن قيم وهوية حشد جاءت في بداياتها من داخل بنية العشيرة الشركسية القديمة، ومنه يمكن فهم إعتبار "حشد" مرحلة إنتقالية من المشاعية القبلية إلى المشاعية العائلية وبعدها الملكية الفردية، ورسمت هذه المسألة بحدود واضحة الملامح، الهياكل الطبقية المتعددة في القبائل الشركسية.
تزايد كبير لتعداد السكان إنعكس على تضخم أعداد الفرسان والقوة العسكرية للقبائل واستعدادتها الدفاعية والهجومية.
ساهمت "حشد" في رسم صورة جديدة عن علاقة الحرية بالعبودية وصار ذلك مقرونًا بشكل مباشر بالفقر والغنى.
تطور في الزراعة الفصلية والموسمية وتزايد أنواع المزروعات من الخضار والفواكه والأقماح والبقوليات وتنامي مفهوم البستنة وزراعة الفواكه في المزارع والغابات.

تبقى خصوصية التجارة بالبضاعة الحية من أهم مزايا مرحلة "حشد"، ولم تكن صدفة تسمية أكبر ممالكها بإسم مملكة مالكي العبيد، ويذكر المؤرخ الرومي "تاتسيف" من ذلك العصر بأنَّ قبائل سارمات دفعت جزية كبيرة مقدارها /1000/ عبد للجيشين الرومي والبوسبوري لفك الحصار عن مدينة أوسبا عاصمة السارمات، وتزايد وقتها الطلب على العبيد لتغذية الحروب وبيعهم لمصر والشرق الأوسط وإيطاليا مما فتح شهية الأمراء والزعماء الشراكسة على الحرب والغزو وإعتبارهما عملًا أساسيًا وظيفيًا لزيادة الثروة.

هناك وقائع وأحداث كثيرة حدثت في مرحلة "حشد" لم تصلنا لأن المؤرخين لم يتابعوها عن كثب وبعضهم أغفلها كما فعل مؤرخوا القيصرية الروسية عندما لم يحددوا ماهية وأسماء القبائل التي اتحدت وإندمجت في غرب شمال القفقاس وخاصة اتحاد القبائل الشركسية في السواحل والداخل وفي أعالي وطول مجرى نهر كوبان وصولًا إلى مصبه وفي الشواطئ الشرقية لشبه جزيرة القرم وإدعوا بأنَّ كل قبائل الداخل في غرب القفقاس كانوا من السكيف وإعتبروهم قبائل أصيلة وعليه نسبوا كل آثار تلك المناطق لهم، واستمر علماء الآثار في الزمن السوفيتي ومعهم المؤرخون على نفس المنطق ومازالوا حتى الآن ينسبون معظم الآثار لقبائل سكيف المهاجرة من الشمال الروسي إلى شمال القفقاس.

تذكر إحدى القصص عن الحروب الروسية-القفقاسية بأنَّ أول من تطرق عفويًا لمفهوم "حشد" هو زعيم قبيلة "جمكوي" الشركسية "قانبولات بولاتوقه" أثناء لقائه مع وفد عسكري روسي مفاوض لبحث وقف القتال وحددوا له أسبوعًا للرد فقال لهم: أسبوع واحد لا يكفي وحتى شهر كامل لا يكفي لذلك، فقال له رئيس الوفد لكنك الأمير الكبير وزعيم القبيلة وسيدها وطاعة الجميع لك واجب عليهم وفق العادات والتقاليد الشركسية، فرد عليه الأمير:

لا تتعجل في تبني أفكار خاطئة عنا، وليس في كل الأمور أقرر أنا وحدي ما سيكون وخاصة في مسائل الحرب والسلم والصلح، وحتى موافقة الخاسه بالغالبية لا تكفي، لدينا هنا ديمقراطية حربية وأي قرار حول السلم والحرب والصلح يجب أن يوافق عليه جميع أعضاء الخاسه.

وعودةً إلى كتابات المؤرخين الروس وأخطائهم في تدوين تاريخ غرب شمال القفقاس، فإننا نعتقد بأنَّ ذلك قد تم لترسيخ أفكار جيوسياسية مضبوطة مسبقًا تسعى لتزوير التاريخ وإظهار غرب شمال القفقاس وكأنه جنوب روسيا، ومازالت هذه النظرة سائدة لديهم حتى اليوم ويتناسون بأنَّ شمال القفقاس عمومًا مرت عليه تاريخيًا قبائل غازية ومترحلة ومنها قبائل سكيف الذين تركوا آثارهم في مناطق محددة عاشوا فيها لفترات زمنية معروفة ومتقطعة يعود أقدمها للقرن الخامس ق.م، أما آثار القبائل الشركسية القديمة ومنها آثار حضارة هضاب مايكوب الشركسية فتصل حتى الألف الثالثة ق.م، ويشهد على ذلك معظم مؤرخو الغرب الذين يرون بأنَّ حوض كوبان ومجراه حتى المصب وعلى سواحل البحرين الأسود وآزوف عاشت منذ القدم قبائل السيند والميؤت، وعندما أهمل المؤرخون الروس ذكر هذه القبائل وخاصة دور قبائل السيند والميؤت في إدارة شؤون مملكة مالكي العبيد بعد عام /437/م، فقد صاروا مضطرين لإنكار دور "حشد" وإهمال تأثيرها السياسي والاجتماعي على تطور القبائل الشركسية القديمة وإنتشارها على السواحل وفي الداخل، حتى وصل مستوى التطور السياسي والاجتماعي لاتحاد قبائل الميؤت في القرن الرابع ق.م، لمرحلة ما قبل تشكل الدولة، وخاصة بعد أن إنضمت إليهم قبائل اتحاد سينديكا فتسارع تفسخ المشاعية القبلية وتحولت إلى مشاعية عائلية ثم ملكية فردية.



#امين_حافظ (هاشتاغ)       Amin_Hafez#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مينتاليتيت قفقاسي
- جباغ قازانوقة رائد حركة التنوير الشركسية في القرن /17/ م.وصا ...
- ذكرى ميلاد الفيلسوف الشركسي جباغ قازانوقة.


المزيد.....




- عشرات القتلى والمصابين بهجوم انتحاري استهدف مركزا تعليميا في ...
- مصر.. وفاة موسى الدلح أحد زعماء قبائل سيناء الداعمين للدولة ...
- النفايات الفضائية: ما هي؟ وما مدى خطورتها؟
- نجم الكرة البرازيلي نيمار يدعم الرئيس بولسونارو قبل انتخابات ...
- شاهد: عشرات المتطوعين يشاركون في تنظيف نهر النيل من النفايات ...
- طرد نائب رئيس شركة -أبل- بسبب مزحة على -تيك توك- (فيديو)
- الإعصار -إيان- يودي بحياة 14 شخصا على الأقل في فلوريدا
- بيجو تضيف مركبة متطورة وأنيقة لعائلة سياراتها
- دبلوماسيون عرب يحثون تراس على عدم نقل السفارة البريطانية إلى ...
- بوتين يوقع مرسوما بإعلان خيرسون وزابوريجيا الأوكرانيتين منطق ...


المزيد.....

- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ
- الابادة الاوكرانية -هولودومور- و وثائقية -الحصاد المر- أكاذي ... / دلير زنكنة
- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- الإنكليزية بالكلمات المتقاطعة English With Crosswords / محمد عبد الكريم يوسف
- الآداب والفنون السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع / وليد المسعودي
- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - امين حافظ - من التاريخ الشركسي.