أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدن - رفات لوركا














المزيد.....

رفات لوركا


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 6862 - 2021 / 4 / 7 - 14:43
المحور: الادب والفن
    


لا أذكر في أي رواية قرأت عن امرأة خرجت من إطار صورتها المعلقة على جدار بيت. كان رجل يطيل التحديق في صورة المرأة، ولطول تحديقه فيها تعلّق بالمرأة التي خرجت له ذات ليلة لتسامره. هل كفَّت الصورة عن أن تكون صورة، وتحوّلت إلى امرأة حقيقية، أم أن الأمر من صنع المخيلة، مجرد أضغاث أحلام؟
أدهشني أن مثل هذه الصورة المعلقة على الجدار كانت الحب الأول للشاعر الإسباني فدريكو جارثيا لوركا الذي اغتالته عصابات فرانكو انتقاماً من مواقفه التقدمية المعادية للفاشية، مع فارق أنها لم تكن معلقة على الجدار، وإنما موضوعة، كيفما اتفق، في صندوق ملابس بالبيت.
وفي كل مرة يتم فيها إخراج الملابس من الصندوق كان الصبي لوركا يهرع لمشاهدة صورة الفتاة، ليشعر بعدها بذكراها ممتزجة مع تلك الرائحة الفريدة للأشياء المغلقة.
هذا ما يرويه لوركا نفسه في الجزء الذي يحمل عنوان: "حبي الأول"، في مذكراته التي نشرت لأول مرة ترجمة لها بالعربية وضعتها مروة حلمي .
على محيا فتاة لوركا في الصورة ارتسمت ضحكة بسيطة وحزينة بحيث تبدو وكأنها ستبكي، يداها متشابكتان، وأمام صدرها باقة من الزهور. ثوبها الفضفاض والفاخر مطرز بالضفائر السود .
حيّرت هذه الصورة لوركا طويلاً. حين سأل أمه مَن تكون صاحبتها، قالت إنها إحدى صديقات أمها، وإنها ماتت في سن صغيرة جداً، وخلال الساعات التي كانت الأسرة تترك الصبي لوركا وحيداً في البيت، كان يتسلل بحذر شديد نحو الصندوق، ويقلّب الخطابات والحرائر والتذكارات بحثاً عن اللوحة ليحدق فيها .
كانت عيناها كبيرتين مثل الشموس، وفمها كنز من العذوبة، وكان يتخيل تلك الفتاة الشقراء وهي تتحدث معه، وتحكي له أغرب وأروع القصص، قبل أن يسارع إلى إخفاء اللوحة حين يتراءى له أن الفتاة تحرك عينيها، فيشعر بالخوف من أنها ستسحره.
في بعض الأحايين تبدو كأنها تسدي له النصح، فيضع اللوحة على وجهه، ويبكي دون أن يعرف السبب، فهو لم يكن يعلم ما إذا كانت ستحين لحظة يشرح فيها تلك المشاعر الغامضة التي تجتاحه إزاء صاحبة الصورة.
سيوجز لوركا القول بأن تلك المرأة التي مرت على هذه الدنيا قبل سنوات طويلة كانت أقوى حب متوهج شعر به في حياته القصيرة.
في إحدى قصائده تنبأ لوركا بأن جثته لن يُعثر عليها بعد موته. وللدهشة فإن هذا ما حدث بالضبط، ففي مكانٍ ما في التلال المحيطة بغرناطة في عام 1936 قتلت فرق الموت الفاشية، المؤتمرة بأوامر فرانكو، لوركا الذي كان في الثلاثينات من عمره فحسب. كان يهجس بالموت، لذا طلب أن تبقى نافذته مفتوحةً عندما يموت. لكنه لم يَمتْ، إنما قُتل غيلةً. لم تكن ثمة نافذة لتفتح لحظةَ قتله في الفضاء الشاسع تحت السماء الأندلسية، ولكن الشاعر الذي أراد لنفسه موتاً شاعرياً كان يقول نبوءته في أن شعره سيُحلق من خلف نوافذ غرناطة، التي عاش وتعلّم وناضل وقُتل فيها، ليطوف الدنيا.
في العام 2008 أمر أحد القضاة الاسبان بفتح عددٍ من المقابر الجماعية لضحايا الفاشية في الحرب الأهلية في بلاده، لأن هذا القاضي الشجاع وضع على عاتقه مهمة إنصاف ذكرى هؤلاء الضحايا، فاستجاب القاضي لنداء ذوي من فُقدوا فترة حكم فرانكو، والذين يُقدر عددهم بـ 500000 شخص. رفات الشاعر لوركا الذي مات حباً يفترض أنه كان في واحدةٍ من هذه المقابر.



#حسن_مدن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عائد إلى القدس
- لماذا أكتب؟
- التاريخ الخفي
- شفافية الدولة الاستبدادية
- حرب باردة -كورونية-
- تفاؤل الفكر وتشاؤمه
- نساء على دروب غير مطروقة
- حضارات لم تقل كلمتها بعد
- العرب والغرب .. النقطة الزائدة
- أوجاع سوريا
- مجتمع الفرجة
- نجيب في عين نجيب
- هوس الموت.. هوس النهايات
- النساء ونجاة المجتمعات
- مصالحة الذاكرة أم التوبة؟
- سايكس بيكو من جديد
- من شروط بناء الإنسان
- تحوّلات في الكوكب
- تخليص الإبريز
- عبداللطيف اللعبي وحرقة الأسئلة


المزيد.....




- اختبار المصداقية: كيف طغت الرواية الإسرائيلية على الإعلام ال ...
- نصب تذكاري لإيفان الرهيب في كرملين أستراخان
- من تولستوي إلى سولجنيتسين.. ماذا يروي أرشيف نوبل عن الأدب ال ...
- ثقافة المقاومة.. كيف أيقظ صوت فلسطين غضب الميادين؟
- وفاة الممثلة الحائزة على الأوسكار إيفا ماري سانت عن عمر ناهز ...
- بوتين: اللغة الروسية أسهمت في تشكيل روسيا كدولة موحدة متعددة ...
- سارتر وديلان وباسترناك.. أبرز فضائح جائزة نوبل الأدبية
- ماجدة موريس موريس تكتب :نحن.. والأوبرا
- غلافه من البرونز بتوقيع -سلفادور دالي-.. سرقة كتاب لا يقدر ب ...
- شريك رئيسي بفعالية -تايم 100 آرت-.. مؤسسة قطر تعيد إرث مقبول ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدن - رفات لوركا