أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرياد إبراهيم - روايتي (بيت بثلاثة جدران)-فصل (2)















المزيد.....


روايتي (بيت بثلاثة جدران)-فصل (2)


فرياد إبراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 6860 - 2021 / 4 / 5 - 23:17
المحور: القضية الكردية
    


روايتي (بيت بثلاثة جدران)
او (بيضة الديك)
تاليف : فرياد ابراهيم
فصل ( 2 )

في بيت عتيق وبقرية غائرة في القدم جميلة تحيط بها الجبال والوديان والتلال، حيث عاشت اسرة العلامة العريقة الرباعية ، عاشت حياة مطمئنة هانئة خالية تماما من المشاكل ونكسات الحياة والهموم.
قضاها الرجل في دائرته دؤوبا والطفلان في مدرستيهما نشيطين والمرأة سيدة المنزل ، الداينامو(المحرك) الخفيّ تحرك وتغذي الآلة الثلاثية وتدفعها الى الامام وهي سر النشاط والطاقة ومصدر الدفئ والحرارة والطعام الشهي والملبس البهي والنظافة والمراقبة والاهتمام وإستقبال العواطف المتأججة في قلوب الثلاثة بكل رحابة صدر والاسفنجة التي امتصت كل اتعاب الاب وكل مشاكل الاطفال الصغيرة والكبيرة. كل ذلك بصبر وأناة ودعة ولم تفعل ذلك الا رغبة في العطاء غريزية تلقائية كامنة. والام تعطي عفويا كما الاشجار تعطي ثمارها الى المارة والظلّ الى مسافري النهار والامان الى مسافري الليل ، وكما تعطي المواشي البانها لان وراء هذا العطاء غريزة لا تشبع الا بالعطاء ، فكانت مريم تعطي وتبتسم كأنها هي الآخذة. اما الأب ذلكم العقل الكبير في تلكم الجمجمة المستديرة، لا غذاء لديه أطيب من العلم ولا متعة سوى متعة القراءة ، اب طموح ثاقب الذهن خلوق ديّن متعلم متقدم حاد الطبع كالسيف ، لين كالحرير، رجل المتناقضات بحق ، كل ذلك وأكثر مكّن له مكانة عالية ومرتبة نفيسة في النفوس سواء في داخل بيته أو خارجه في الدائرة أو في الشارع.
وابن اسمه حكمو خلقه الله بأذنين طويلتين وأنف ينتهي برأس مستدير يميل الى الحمرة الفاتحة تشتد ان هب ريح بارد وأن أصابته حالة من حالات الإنفعال العاطفي والجيشان النفسي. كان صبورا على تعليقات زملائه في المدرسة ومدرسيه ، يتقبل النكات والمداعبات التي هو مادتها وعنوانها برحابة صبر وغالبا ما كان يضحك مع الضاحكين ويسخر من نفسه مع الساخرين. وكان يضحك بسبب وبدونه ويضحك احيانا وهو لا يدري لماذا يضحك ، وروح المرح لا تفارق نفسه البريئة
لوليتا الابنة المدللة الجميلة الناعمة الهادئة الذكية الماهرة التي كانت تبدو اكبر من عمرها علما وعملا وقلبا وقالبا فحازت بتلك الصفات ثناء الكبير والصغير.
ما اهدأ الحياة في قرية ، وما انعمها ، كثيرة خيراتها وجمالها ، غزيرة مياهها، نقي هواؤها، خلابة طبيعتها ، تطرب النفوس والابدان ، جبالها نعيم تعطي بركاتها وتزود القرية بحاجاتها كليا من بالثمرات والماء والاعشاب المغذيّة والطبية والثلج ، والدفء في آن واحد. تقيها من الرياح العواتي وتمنحها الجمال والوقار ، انها حقا سوبر ماركت كبيرة تعرض منتوجاتها مجانا هبة للآخرين وبلا مقابل. ما اشبهها بالأم، كلاهما يعطيان بلا منّة ، ولا ضجر. الجبل مصدر الاكتفاء الذاتي . الجبل امبراطورية بحد ذاته.
في تلك البيئة عاشت اسرة العلامة الرباعية في بيت ثلاثية الغرف: غرفة رقم واحد(1) غرفة الوالدين، غرفة رقم (2) غرفة حمكو، غرفة رقم (3) غرفة لوليتا، كما أعتادت لوليتا عدها يوميا وهي تبتسم بوجه امها الصبوح. كان البيت صغير الحجم لكن كبير الروح، الرضا ، الرضا فهو سرّ السعادة.
شكت له مريم يوما وتمادت في الشكوى من صغر حجم المسكن . فبادرها مصطفى بالقول: الغنى غنى النفس يا امرأة، فاحمدي الله، فكم تعيس يسكن في قصر وكم سعيد يعيش في كوخ ." ثم اقترب منها حتى تلاصقا. "مريم، حبيبتي،" قال يطوقها بذراعيه من خصرها. " السعادة غريبة الاطوار شاذة الخلق فهي قد تترك القصر العامر والدار الجميلة لتجلس على باب الكوخ الصغير." .
فحدجته بنظرة فاترة : "ها علامَ عدت الى فلسفتك في الحياة ." ثم ضربت بقبضتها على الجدار الفاصل بين الغرفتين وقالت له متحديّة: انه يسمعنا.
ولو سمعنا؟
ولو؟ سؤال غريب..
انظري..
فنظر الى الجدار الفاصل الذي تحول الى مكتبة بطوله وعرضه ، رصت على رفوفها مئات المجلدات والكتب والفايلات والملفات والسجلات مختلفة الاحجام والألوان.
في تلك الأثناء وصل مسامعهما صوت مكتوم ينبعث من وراء الجدار الفاصل الذي سماه العلامة مصطفى بجدار برلين على سبيل المزحة. تبادلا النظر. الدهشة علت محياه: الآن تفطنت، يا لي من شارد الذهن.
"انت شارد الذهن الآن تعترف وما شرّد ذهنك سوى هذه،" قالت متهكمة وهي تمد يدها الى الكتب والمجلدات المتعددة الأشكال والأحجام. ثم رأت في الحديث هذا مناسبة مؤاتية كي تبث له بشكواها: أحيانا أتساءل مصطفى هل غرفتنا غرفة نوم او مكتبة؟ تنبعث مني رائحة كتبك يا مصطفى."
ظلّ مصطفى صامتا وكأنه أصيب لأول مرة بخيبة أمل وبالحقيقة التي أخفته عنه مريم طوال السنين.
ولما أنس فيه صمتا توغل في القدح واللوم: "وبصراحة أقول لك انني أغار منها.."
"مم؟ من الكتب؟"
هنا انفتقت شفتا مصطفى الملقب بالعلامة من قبل العلماء والمثقفين لغزارة علومه عن إبتسامة أشبه بتكشيرة مفعمة بألم. وكأنها أصابت كبد الحقيقة.
وبعد صمت قصير تحرك لسانه في جواب مقتضب: "هذا عملي ومصدر رزقي وهذه حبي." أشار اولا الى الكتب ثم اليها. وانبثقت ببطء إبتسامة داكنة غير عفوية على وجهه المنكمش وتقلص حاجباه حتى تلاقيا. ثم انبلجت على وجهه العريض إبتسامة متكلفة.
"لم اقصر معك ولا مع الأولاد يوما، اتحداك أن اثبتِّ العكس."
قال ذلك في معرض الدفاع عن النفس. ثم أردف بعد لحظة، "لابد من توفير سبل الحياة لك وللأولاد."
ثم نظر اليها وقال لها بعد ان امسك بيدها يعصرها بخفة:
"هيا كي نصم هذه الآذان الطويلة وراء الجدار، صدق من قال: الحيطان لها آذان."
هيا معي افعلي ما أفعل، قال ومد يده الى طرف السرير الخشبي الذي يسع لشخصين مشيرا اليها ان تمسك بالطرف الآخر.
في أثناء سحب السرير قال لها مداعبا: "وكأنني نسيت ان لإبننا اربع آذان."
وبعدما استقر السرير وملحقاته في النهاية البعيدة من الجدار الفاصل ضمها اليه وطبع قبلة على جبينها الناصع البياض وقد ظهرت حبيبات دقيقة من العرق عليه.
"احسنت؟" همس في اذنه.
تخلصت من قبضته وهي تقول بدلال وبريق غريب ينبعث من عيونها المائية: "في اعتقادي انه أحسن الآن، مالم تخور كالثور عندما تصل الذروة."
" وأنتِ كالبقرة الحلوب تخورين. لكِ ثديين كثديها ."
"ساكون لله مدينا لو جعلني لكِ رضيعا." قال وقد توسعت حدقتا عينيه من أثر الإثارة والدغدغة الجنسية التي أحسها من خلال الحدث المثير.
"دعيني امص حلمتيك." قال وفعلها في الواقع. لم يكن من الصعب الوصول الى صدرها ،إذ كانت تترك زر ثوب العمل النيلي الفضفاض مفتوحا من فوق دوما فبان ثدياها الى النصف ولم يخف القماش الشفاف شيئا من حلمتيها البنيتين البارزتين كحلمات المعزة في يد العاصرة في أمسية ربيع دافئ ملئ بالأمنيات والشبق الحلال.
ضحكا معا وسط قرصات مريم المؤلمة كلسعات الزنابير الهائجة ، ومع كل قرصة صدرت منه انّة مكتومة خاف ان يجهر بها ، مخافة ان يُنعت بالجبن. لا صفة ولا ميزة تخجل وتحط من قيمة الرجل الشرقي أكثر من وصفه بجبان. رجل جبان يعني رجل إستحال إلى إمرأة. وهذا أمر مشين مخجل لا يتحمله رجل بصلابة وإباء وفحولة العلامة مصطفى.
نظرت اليه بعينين كعيون حوريات الجنة.
كانت مريم شابة في الثلاثينات قروية من اصل قرية بعيدة اميّة تقرأ بصعوبة متناهية، ومن اسرة فقيرة. اما العلامة فقد ولد ونشأ في القرية ايضا، قاضيا معظم عمره بالبحث والدراسة في المدن والقرى وقطع المسافات الشاسعة فقيها طلبا للعلم الى دول الجوار . و كلاهما من القومية الكوردية المشهورة بوفاء الزوجة واخلاص الرجل . فالرجل مصدر رزق العائلة. يقول المثل الكوردي في الرجل المتفاني: "انه يستخرج الرزق من عيون الأفاعي" ، يعني لابد لرجل البيت ورب الأسرة ان يؤمن قوت اسرته ويعيلهم بأي ثمن حتى وإن غامر وضحى بحياته في سبيل هذه الغاية، فهو المسؤول الأول والآخر.
اما المرأة الكوردية فيضرب بها المثل في الشجاعة والوفاء والتفاني. ومريم كانت حتى تلك اللحظة مثال جليّ واضح للفداء والوفاء والإخلاص للزوج والاطفال، مضحية، لكنها كونها تصغر زوجها بكثير كانت بحاجة اشباع رغباتها الخفية والظاهرة ، وكان الرجل أدرى بها فلم يقصر معها وأحبها من كل قلبه، دلعها دللها فكناها بـ (ميرى) و (ميرو) و (أميرة)، قبّلها قبل الخروج للدائرة وقبلها عند العودة. هي تقوم بكل الأعمال المنزلية، كلما خرج هو للعمل خرجت هي بعده ولكن بعد ان تكون قد رتبت الامور واعادت ما تبعثر وانتشر من المواد المنزلية الى اماكنها وبعد ان نظفت البيت ورتبت ونظفت وكنست غرف الأطفال، وحلبت المعزة ونظفت قن الدجاج ولكنها كانت تترك جمع البيضات للوليتا المولعة بذلك. يتوجه هو الى الدائرة وهي الى توفير حاجات البيت من غذاء ومحروقات ، وتذهب الى الجبل مرة في الاسبوع لجلب الحطب.
كان العلامة قد اعتاد على تسجيل معلوماته وخلاصة آرائه وكل ما يجلب انتباهه في ملفات-سجلات صنفها الى ابواب ، وبمرور الزمن تجمعت لديه مقدارا ضخما من المعلومات المتنوعة في اربعين سجل(دفاتر ضخمة) -سماها (ملفات) سطر على ظهر كل ملف اسم الباب-المادة: دين، سياسة، ادب، العظماء في التأريخ، الكتاب العالميين، الاديان الثلاثة الاساسية: يهودية مسيحية واسلامية، الجنس، علم النفس، تأريخ، ملف خص بالروائي الفرنسي العالمي فكتور هوغو اذ اعتبره أعظم عبقري انتجه العقل البشري ووجه اهتماما بالغا وعناية فائقة لروايته (البؤساء- الحجم الكبير-ذات الالف والأربع مائة صفحة) ، استخرج منها كل الجمل الرائعة والاقتباسات المفيدة المعبرة عن خفايا النفوس البشرية وحكمة الحياة وأقواله المؤثرة الدالة على معاني كثيرة صبها في الفاظ قليلة. وقسم الرواية احداثها وأشخاصها بطريقته الخاصة بدأ بالشخصيات الأساسية حيث نقل كل ما يتعلق بشخصية (فانتين ) تحت اسمها ، وكل ما يتعلق بـ(كوسيتا ) تحت اسمها ، وكان يحلف انه اي بنظر فكتور هوغو فان المفتش جافيريمثل الموت نفسه الذي اخذ منه ابنته ليوبولدين كما اخذ المفتش جافير فانتين من ابنته. وبأن هوغو نفسه هو جان فالجان الذي عوقب بالسجن لمدة تجاوز العشرين عاما وذلك لسرقة رغيف خبز يسد به رمق الاطفال السبعة لاخته الارملة. وظل طريدا الى نهاية حياته وهو يؤدي عملا نبيلا فيضحي بنفسه من أجل سعادة الآخرين. كما هو اي هوغو لم يقترف جريمة سوى انه قال يوما انه شتان ما بين نابليون الثالث الذي لقبه بالقزم وعمه نابليون الأول امبراطور أوربا والعالم فكان عقابه النفي المؤبد. وقد مثل هذا الطريد دور العمدة من أجل أنقاذ الأم التي اسمها فانتين وهو في الحقيقة يمثل نفسه يريد ان ينقذ ابنته من براثن نهر السين الذي ابتلعها هي وزوجها الذي هب لنجدها ليغرق هو بدوره . وكان العلامة يقول بهذه المناسبة دائما بأن الأشياء الصغير تكون سببا لامور عظام: حاشية ثوب طويلة ليوبولدين كلفها حياتها إذ تعلقت بحافة القارب فجذبته الى تحت النهر. وهكذا فعل مع (الاسقف الطيب: مارييل ) حيث اعتبره قدوة له فيسمو اخلاقه وحبه للخير وتواضعه واحيانا كان يطبق افعاله وأقواله على أرض الواقع: "مريم،" يهتف بها وهو مستلق على مصطبة تحت شجرة التوت في باحة البيت، "هلا ذهبت الى غرفتنا واخرجت لي الكتاب الفلاني من الرف العلي فقامتي لا تمتد لهذا العلو. " كان قصير القامة كالاسقف متواضعا مثله وأصل القصة هي التي حدثت بين الاسقف وخادمته التي اعتادت ان تخاطبه بـ (عظمتك)
ذات مرة جذب العلامة سجلا خاصا بالاعمال الصالحة والنيات الحسنة والصفات الرشيدة والاعمال الصالحة من احدى الرفوف وأخذ يقرأ عليها المزيد من باب التواضع. وهو مستلق على ظهره مادا ساقيه مستهلا حديثه بالقول: أسمعتك القصة الطريفة للاسقف حول التواضع والآن اسمعك قصة أخرى حول نفس الموضوع فأخذت تتنصت بإهتمام بالغ: قصة عطار والتاجر المنغولي:عندما غزا البربر تحت جنكيز خان بلاد فارس وقع الشاعر الصوفي الفارسي عطار أسيرا بيد أحد المغول الذي اراد قتله. فرآهما أحد التجار فأراد إنقاذه فقال : لا تقتل هذا الرجل العجوز أنا سأشتريه بمبلغ الف قطعة ذهبية ، فالتفت العطار الى سجّانه قائلا: على رسلك يا هذا، انتظر قد يأتي من يدفع لك سعرا اعلى. بعد قليل مر تاجر آخر واعلن استعداده لشرائه مقابل كيس من القش فنصح عطار المغولي لبيعه لانه دفع الثمن الصحيح. فغضب المغولي فضرب رقبته . هذا مثال آخر على التواضع فكثير من الشعراء اتصفوا بهذه الصفة النبيلة منهم على سبيل المثال للحصر الشاعر الكوردي الفيلسوف(بيره ميرد) اذ يقول:على الواهب ان يقتدي بقارورة الماء، فرغم كونها هي المعطية فإنها تنحني امام المُعطى له أي: القدح.
ثم تلاها بموضوع من باب المرأة وهكذا.. وهي لا تمل لأنها كانت كلها جديدة عليها مشوقة. كان هو بمثابة العين لها وهي الاذن في زمن لا تلفاز ولا مذياع ولا وسائل كان له وجود.
قرأ عليها ذات يوم هذه الفقرة حينما رآها تئن تحت ثقل الحطب الذي جلبته من الجبل:
(من باب الكورد وكوردستان: ألمستشرق دانا آدمز شمدت في كتابه (رحلة إلى بلاد شجعان: سارت أمٌّ في مقتبل العمر ببطء في الطريق الصاعدة، وترعى نصف دزّينة من الأطفال، وأربعاً وخمساً من الماعز، وتحمل غِرارة كبيرة (كيس كبير) على عاتقها، وأردفت فوقها أوعية المطبخ وأوانيه، وتسوق بغلاً محمَّلاً بأثاث بيتيّ أمامها، وتنسج جَوْرَباً وهي سائرة، كانت تقصد كهفاً تقضي فيه نهارها، ثم تعود عند حلول المساء إلى القرية في موعد إشعال النار وخَبْزِ كمية من الرِّقاق (نان)، وعند الفجر تنهض ثانية، لتصنع اللبن والزبد بخضّ اللبن في زِقّ من جلد الماعز، بحركة رتيبة إلى الأمام والخلف، ثم تصعد الجبل ثانية هرباً من الطائرات المخيفة. )
ثم نظر اليها قائلا: انت خير نموذج لهذه المرأة.
" هل أنا حقا؟ وهل تقول هذا من صميم قلبك؟" سالته وهي تتقلب فوق ظهرها على الفراش وقد ألقى السراج ضوءا أصفر على وجهها.
"والله،" أقسم العلامة لها، وما في القسم ريبة ان صدر من العلامة مصطفى حيث ردد اكثر من مرة : من حلف بالله أو بالقرآن وحنث بيمينه أهلكه الله.
" أصدقك ، ولكي أصدقك أكثر ان ذهبت الى سوق البزازين و إشتريت لي ثوبا جديدا لعيد نوروز القادم."
عيد نوروز العيد القومي للشعب الكوردي يصادف ال 21 من كل شهر آذار. فيحتفل الكورد في كل بقاع العالم وما اكثرهم مشتتين هنا وهناك بلا كيان ولا حدود وحيث تقام مسرحية درامية وساخرة للحداد كاوة وهو يهشم رأس الملك الدموي ضحاك بمطرقته، كجزء من تمثيلية أزلية لحكاية رمزية لإنتصار الحق على الباطل والخير على الشر."
"سافعل واشتري لك كل ما تطلبين، انتظري أولا قد مضى مجرد شهر على عيد نوروز رغم ذلك اشتري لك متى ما شئت وسنذهب معا الى السوق لتختاري بنفسك." استدار نحوها ورمقها بنظره الثاقب فرأى إمارات الرضا على وجهها الناضر . إغراء شجعه على المضي في الموضوع. "هناك شئ آخر عن النساء الكورديات ووفائهن. هل سمعت بأن المرأة الكوردية تقص جدائلها وتضعها على قبر زوجها المتوفي؟"
قابلت سؤاله بالنفي بإيمائة من رأسها. صمت لحظة ثم وجه اليها السؤال: "وأنت يا مريم ماذا تفعلين بعد موتي؟"
انتفضت مريم لذلك وهي تكرّر ملتاعة: "حاشاك حاشاك ، لا أريد منك هذا الكلام أبدا ولهذا لن تسمع مني الجواب."
كان يتوقع هذا الرد من زوجته لكنه اراد بمثل هذه الأقوال ان يسمع منها كلمات الحب والتعلق فيتلذذ بها كثيرا.
كانت تشعر احيانا وهي تصغي بانتباه وشوق منقطع النظير الى زوجها في الليل وبعد تناول العشاء وصلاة العشاء بأنها طفلة تستمع الى حكايات الليل المظلم على الفراش من امها التي كانت في معظمها تدور حول الجن والمارد والخرافات والافاعي التي تطير والسلحفاة التي تعلق نفسها في الفضاء بين منقاري أوزتين والتي تقع وتتهاوى على الارض لتلقي حتفها لانها ثرثارة بعدما اشبعاها بالنصح ان لا تفتح فمها قط لتعليقات المشاهدين والمتفرجين تحت.
جذبت السجل برقة من يده قائلة له وهي ترفع رأسها من الفراش: ماذا تقرأ اما إمتلأت يا مصطفى؟
" كلا لن امتلأ حتى تمتلأ جهنم بالنساء الجاهلات،" قال وهو يمد رجليه على السرير واضعا الكتاب على صدرها ليتامل وجهها المبتسم مليّا في الضوء الخافت المنبعث من السراج العتيق.
وساد صمت قصير وغرق العلامة في تفكير عميق ثم قال متطرقا الى موضوع بعيد: "الولد هذا لابد ان يتعلم الأدب. قال وعينيه في السقف حيث انعكاس ضوء النور الضئيل راسما بذلك صورة دائرية بحجم وشكل فوهة السراج وبحجم رأس العلامة.
"اي ولد؟ ابننا؟ أحقا وهل تعني ما تقول؟ أهناك فتى مثله في كل البلد خلقا وأدبا." إحتجّت مريم بحدة.
"هه!" صدر منه صوت خافت.
ثم إتكأ مستندا على مرفقيه فانحسر كم سرواله الطويل على ساعديه كاشف عن مساحة شاسعة من الشعر الأسود الكث وقال بصوت اشبه بأنّة:
"لابد ان يتعلم التصرف اذن، انه كثير الحركة قليل التفكير."
"كل الصبية بهذا العمر بنفس الشاكلة، انه فوق ذلك مراهق لابد ان تعامله بلطف."
"حمار حمار بأذنين طويلتين ، نامت اخته الليلة الفائتة في فراشه وهو لا يدري، لم يحس بوجودها ملاصقة له ، او ربما تكون لعبة يلعبها الولد عليّ فانكر أمامي وجودها بجنبه على الفراش طيلة الليل."
"ولوليتا هل تحدثت إليكِ بالموضوع؟" رفعت رأسها من الفراش وانتصبت تقعد وركبتيها منغرزتنان في اضلاع العلامة الصلبة.
"لم أسالها بعد ،" قالت غير مكترثة، وشبكت يديها فوفق بطنها وأخذت ترنو الى وجهه المحتقن بفضول.
- سليها إذن لدى زيارتك لها الليلة
- حسنا.
" راقبيهما ،" أستطرد العلامة بجدّ مفرط و بنبرة حازمة، "هذا لا يجوز شرعا، ثم هناك مشاكل حدثت في هذه الأمور البسيطة شكلا ، لكنها معقدة في الواقع، أنا اعلم انك لا تعلمين، جاهلة تماما بهذه الأمور."
" وهل في هذا شك؟" تمتمت بصوت اشبه بهمس مكتوم، " أوَ أنكرتٌ يوما بأني جاهلة بالامور، ، اميّة، وأنت تقرأ في الجرائد وتستمع الى الاخبار العالمية ، فكل ما اعرفه هو بفضلك انت سيدي، انت الراديون والجريدة بالنسبة لي."
(الراديون) هي تحريف كوردي لاسم الراديو وهي شائعة في القرى. وبالمناسبة هناك كثير من الألفاظ تمّ تحويرها عل اللسان الكوردي الناطق باللغة العربية. فحمار يطلق عليه من قبل البعض (عِمار) ، والعكس صحيح بالنسبة للأغلبية العربية فتسمع أحدهم يقول كَر –حمار- وهو يريد بها كَرّ-الراء الغليظة- بمعنى أخرس، والعرب لا ينزعجون ان تحول احدهم على لسان كوردي الى كَر-حمار- مادام اللسان لا القلب هو الذي نطق بها.

"تعلمي مني ،" قال العلامة، "ساعلمك الليلة شيئا جديدا ايروق لك ذلك؟"
رمقها من تحت كمن يرد ان يأكلها. فقد تورّدت وجنتيها توردّا مغريا.
"تواقة لسماع كل ما تلقي عليّ من دروس وحكايات ، حبذا لو علمتني القراءة والكتابة جيدا،" قالت ذلك بلهجة أدعا الى الشفقة منه إلى النيّة الصافية، "علمني مصطفى كل شئ أنا جدا راغبة، لكن ارضني اولا الليلة، في احشائي نار تحرقني، كم ليلة مضت لم نتضاجع فيها."
"ليلتان فقط، ماذا تظنيني ان اكون، من تحسبيني؟ لست طرزانا ولا هرقليس ولا ماكنة صنع الحليب."
"لكن ام هانس تقول نفعل كل ليلة ، لا تنام الا بعد ان تشبع."
ام هانس وأبو هانس كانا يسكنان بجوارهما قبل ان يرحلا الى أستراليا مع ابنهما هانس.
"زوجها مخنث وهي تكذب." قال العلامة بنبرة مشوبة بغيرة مبطنة.
"كيف عرفت؟ قد تكون على حق لأنك تعلم كل شئ."
"بل من نعومة جسمه ، فما اشبهه بالنساء، الحاملات، ربما فاتكَ ان تنظري في بطنه المترهل مليّا؟"
"انه قوي ، وهذا يكفي، أرتني لحوم جاءا بها من أستراليا."
"أحقا ؟ خروف؟"
"لا ، كنغر."
"اوه ، إذن سيجامعها مجامعة الكنغر، بعد كل قفزة قذف."
أنطلق يضحك ضحكة أهتزت له بطنه.
"قولي لي هل دخلت بيتهما ؟ وأين حلا ضيفان ؟ أم تراهما لم يبيعا راهما كما فعل الكثيرون قبل الرحيل؟" إستعلم العلامة بفضول.
"لم ولن أدخل بيتهما ، هي التي جاءت في زيارة قصيرة ، ثم خرجنا في نزهة قصيرة تحدثنا خلالها عن اشياء كثيرة وكانت هي المتحدثة وانا المستمعة ، اتى الكلام على اللحوم فكشفت لي سرا كمفاجأة وهو انهم يتناولون لحوم الكنغر هناك، ولما رأت في ملامحي الشكوك دعتني ان انتظر عند بابهم ولدى مرورنا ببيت اختها حيث نزلا ضيفا عليهم لبضعة ايام، فاوقفتني بالباب ، ودخلت هي، ثم عادت تحمل طبقا وضعت عليه قطعة لحم مائل الى اللون القهوائي الغامق أو بني غامق." قطعت كلامها وهي تمسك بيدها كتف زوجها وتهزه هزا رفيقا، " دعك من هذا مصطفى ،هيا هيا تأهب للمعركة الحامية."
غالبا ما كانت احاديث السمر الليلية تنتهي بفاصل جنسي مثير. واختتمها العلامة بأن قام وسحب السجل الخاص بـ (الجنس) ، تصفحه بسرعة فاقتبس منه لها ابياتا من الفلكلور الكوردي باللغة الأنكليزية، سجل المعلومات الموسوعية بثلاث لغات: كوردية عربيّة انكليزية:
My string is taut,
My caravan is thirsty,
My desire is imperious
Your warmth pervading me
For your body odour
I am intoxicated,
I am delirious.
ترجم لها وبعد ما انتهى اعاد الملف الى جحره ثم عاد اليها قائلا:
"سنتمتع الليلة، القراب ممتلئ...والسهم منتصب...ولكن قبل ان ينطلق السهم في جوفك الرطب نقوم بزيارة قصيرة لقرّتي اعيننا: لوليتا وحمكو ، حسب الأصول والمتفق عليه.
"حالا،" قالت منصاعة وخرجت من الغرفة بعد ان شدّت حزام ثوبها الوردي الطويل ، ثم تبعها زوجها في الباحة والظلام يكتنف كل شئ. والسماء بلا نجوم و قمر.
دلف العلامة الغرفة رقم(2 ) بعد أن طرق عليه طرقا خفيفا.
بينما تابعت مريم مسيرها الى غرفة رقم(3 ) حيث إستقرّت لوليتا.

عادا بعد نصف ساعة وناقشا الموضوع الى ان توصلا الى اتفاق ان تكون ساعة الصفر بعد منتصف الليل.

في غرفة رقم (2)
إستيقظ حمكو ..أصغى بانتباه الى مصدر الصوت فعرف انه منبعث من وراء الجدار القائم بينه وبين غرفة والديه. بصعوبة تراء له عقرب الساعة الفوسفوري من على المنضدة بجانبه فرأى انها كانت الثانية والربع بعد منتصف الليل ، قال في نفسه وكانه يقاوم شكا خفيا بدأ يتسرب بدخيلته. "ها ذا ابي عاد يمارس التمارين السويدية." أصاخ السمع دانيا من الحائط الفاصل على اصابع قدميه الطويلين كأذنيه، الذي سماه (حائط منتصف الليل) كناية. همسات منخفضة جدا لكنها دافئة وملهمة مشوبة بلذة وانّات مكتومة . "قد تكون أمي مصابة بمغض معويوابي يدلك بطنها
وفي غرفة رقم(3)
كانت لوليتا تعوم في نوم عميق تحلم بقيثارتها ومعلمها الوسيم للموسيقى الذي كان يعزف سيمفونية رومانسية سلبت قلبها وطارت بها الى فضاءات لم يشاهد مثلها الا في الأحلام الوردية التي لا تشوبها انات الشبقين الماديين ولا التأوهات الكلاسيكية الرتيبة.
يتبع (3)






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية (بيضة الديك) - 1
- إقرأ .. إقرأ.. إقرأ..
- وانقَسم العالم بين عُمر وعليّ !
- ماذا وراء فتاوي الجنس والاثارة للأزهريين وشيوخ وتجار الدين؟
- ألحجّ تذكير بِظلم المَرأة والحَيوان
- تركيا مستغلة صَمتَ العالم، تتحدى وتهدّد العالم.. فهل سيدوم ا ...
- نقاط التشابُه والإختلاف بين زردشت ومحمد
- اسهل طريق الى الشهرة إنتقاد الإسلام وامتداح اليَهود
- عِيدٌ الإنْسَان مَأتمٌ الحَيْوَان
- مَزْرَعَةُ الحَيْوَان
- الكِبَار لا يُحِبُّونَ العُلمَاءَ
- انّهم يسرقونَ حتّى الكُّحلَ من عُيونِهِم!
- العَظائِم تَصنَع العِظَام
- أدونيس (علي سعيد أحمد إسبر) سارق شعر
- الهَارِب منَ الخِتَان
- جبرَان خَليل جبران، وأسَفا! فقد سَرَقْ
- ألمَقَامَة العِيدِيِّة -المقامة (2)
- ألمَقَامَة الكُوردِيّة -المقامة (1)
- ألحجُّ تذكيرٌ بظُلمُ المَرْأة
- داعِش هو داعِش و داعِش هو داعِش


المزيد.....




- بايدن يرفع سقف أعداد اللاجئين إلى امريكا
- جمعية الوفاق تطالب الأمم المتحدة بتحقيق مستقل في وقائع سجن ج ...
- الإعدام بحق الأسرى .. ينفذ بدون قانون
- لا ...لمبادرة الأسرى لتأجيل الانتخابات وتوزيع المناصب !
- البحرين: اعتداء دموي على السجناء السياسيين في سجن جو المركز ...
- جرائم قتل بالجملة بالداخل المحتل دون اعتقال مرتكبيها
- بايدن يعلن رفع سقف أعداد اللاجئين الذين ستستقبلهم الولايات ا ...
- الاتحاد البرلماني العربي يدعو للتضامن مع الأسرى
- سفينة ألمانية تنطلق لاستئناف عمليات إغاثة مهاجرين في البحر ا ...
- منظمات تحذر من تعرض حياة 5 معتقلين للخطر داخل السجن الحربي ب ...


المزيد.....

- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم
- الأحزاب الكردية والصراعات القبلية / بير رستم
- المسألة الكردية ومشروع الأمة الديمقراطية / بير رستم
- الكرد في المعادلات السياسية / بير رستم
- الحركة الكردية؛ آفاق وأزمات / بير رستم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرياد إبراهيم - روايتي (بيت بثلاثة جدران)-فصل (2)