أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - محمد عبد الشفيع عيسى - من الفشل في إدارة الأزمات إلى الغباء التاريخي؛ و إعادة البحث في نظرية الاستعمار















المزيد.....


من الفشل في إدارة الأزمات إلى الغباء التاريخي؛ و إعادة البحث في نظرية الاستعمار


محمد عبد الشفيع عيسى

الحوار المتمدن-العدد: 6722 - 2020 / 11 / 3 - 01:30
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


جورج فريدمان هو أحد النجوم اللامعة فى مراكز التفكير الاستراتيجى بالولايات المتحدة راهناً ، وهو كتب فى الفترة الأخيرة تقريراً عن الحال في "الشرق الأوسط" بالتركيز على إسرائيل ودورها المرتقب فى ضوء الانسحاب الأمريكى المزمع من عدة أجزاء بالمنطقة (سوريا والعراق وكذلك أفغانستان).
يتوقع جورج فريدمان قيام محور ثلاثى من إسرائيل وتركيا و دولة الإمارات العربية المتحدة، بحيث يسد الفراغ الناشىء عن الانسحاب الأمريكى . وهو يرى أن السعودية فقدت دورها الإقليمى وحظوتها لدى الولايات المتحدة ، بتحول هذه الأخيرة إلى أكبر دولة منتجة للنفط فى العالم، فلم تعدْ بحاجة إلى نفط السعودية والمنطقة بعمومها.
لا يشير جورج فريدمان بكلمة واحدة إلى مصر .
و هو يرى أن إسرائيل هى المؤهلة أكثر من غيرها لمواجهة إيران، لما تملكه من قدرات اقتصادية وعسكرية، وأن دولة الإمارت لديها قوة عسكرية لا بأس بها، وإمكانات استخبارية عالية، أما تركيا، برغم الخلافات مع الولايات المتحدة، وتنافُر بعض المصالح، فإنها تظل قوة يمكن الاعتماد عليها أمريكياً إلى حد معقول .
هذه خلاصة ما فهمته من تقرير-أو مقال- جورج فريدمان فى نشْرته التى يصدرها تحت عنوان "مستقبلات جيوبوليتكية" Geopolitical Futures وهو التقرير المعنون "إسرائيل و الاستراتيجية الأمريكية الجديدة" Israel and the New American strategy ، بتاريخ 26 مايو 2020 .
و أرجو ألا أكون متجنّيا لو قلت أنّي ما رأيت فى هذا التقرير-أو المقال- سوى اجترار لضعف الإدراك السياسى لدى النخبة الأمريكية منذ برزت على قمة أو سطح النظام العالمى المعاصر منذ الهزيع الأخير للحرب العالمية الثانية، ولربما رأيت فيه ترجمة للضعف الشديد فى قدرات إدارة الأزمات"، و هو ما تجلّى أخيراً فى (أزمة كورونا)، وقبلها فى العمليتيْن الفاشلتين نهاية الأمر لغزو كل من أفغانستان والعراق ، و قبل الجميع حرب فيتنام طوال الستينات... و دعْ عنك عدم إدراك دور لمصر– بلْهُ عدم "وجود" مصر..!- في الذهن الأمريكي كما يمثله فريدمان، و وكذا "محور المقاومة" المؤيَّد من "جمهورية إيران الإسلامية"، و غير ذلك، مما يشي بفجوة إدراكية كبرى .
...
يلفت النظر أيضا غياب الكتل العربية الكبرى من التصور الأمريكى، و لا نقول الكتلة العربية الواحدة في هذه الصورة أو تلك؛ إذ يغيب الخليج (و "مجلس التعاون الخليجي")، و يغيب المشرق (الأردن و سوريا ولبنان والعراق، وفلسطين بالطبع)، ويغيب المغرب العربى الكبير كله (من ليبيا و تونس و الجزائر و المغرب و موريتانيا)، مثلما غاب وادي النيل (مصر والسودان).
و لا يبقى من التصور (الذرّىَ) للكيان العربى المستنتَج فى الإدراك الأمريكى – كما يعبر عنه جورج فريدمان مثلا– سوى دولة واحدة (الإمارات) يتم انتزاعها من سياقها الخليجى والعربى لتلتئم مع إسرائيل فى كتلة مجتزَأة واحدة، متصالحة مع دولة إسلامية كبيرة – غير عربية – هى تركيا ، وتكون خصيماً و عدوّاًّ لدولة إسلامية كبيرة أخرى غير عربية أيضا، ولكن تقف موقفا مغايرا إزاء القضية الفلسطينية ، هى إيران .
يعتبر جورج فريدمان كأحد رموز نخبة مراكز التفكير الأمريكية Think tanks –أو قسم منها بالأحرى- في رأينا إذن مثالاً مجسداً لعيوب التفكير النخبوى الأمريكى الذى كان ويكون له أثر بالغ على مسارات الفكر الاستراتيجى في الولايات المتحدة، ومن ثم التخطيط السياسى والعمل التنفيذى اللاحق . أبرز هذه العيوب قصر النظر ومحدودية الرؤية و "أحادية البعد" كما قال هربرت ماركوز" فى كتابه العمدة المترجم للعربية "الإنسان ذو البعد الواحد" .
ذلك أن ما يفكر فيه ذلك القسم من النخبة الأمريكية ، قلَ أو أكثر ، أشد ما يكون بُعداً عن مقتضيات التفكير العقليّ السليم، فيما نرى. ولو قد تم تحكيم (العقل) و المنطق الإنسانيّ، في ضوء "تداخل الأبعاد"Interdisciplinarity، و النظرة طويلة الأجل، مع إعلاء مصلحة الجماعة الإنسانية ككل ؛ وهذا كله مما ليس قائماً بحال فى حالة أمريكا والغرب فى اللحظة التاريخية الراهنة ، وما قبلها أيضاً، لكان هناك شأن آخر.
ولو كان قد تم تحكيم كل ذلك مما أشرنا إليه، لذهبت الولايات المتحدة مذهب الحق والخير والجمال، كما كان يقال بلغة الفلسفة القديمة ، ولَعَمل النظام الاقتصادى الاجتماعى السياسى فيها من أجل صالح المجموع أو "الأغلبية الشاسعة" من مجتمعها بالذات ومن مجتمعات العالم ككل. وحينئذ كان يمكن أن يقوم مثل هذا النظام بالانخراط فى علاقات دولية ذات طابع إنساني حقاً، بحيث يتشارك مع الآخرين فى الاستفادة الجماعية من ثروات البلدان المختلفة، وأن يقف مع أصحاب الحق ضد خصوم الحق القويم.
ولكن أين هذا كله مما نرى.. ؟
فإن ذلك كان يمكن أن يقضى بأن تقف الولايات المتحدة إلى جانب القضايا العادلة للأمة العربية، وتستفيد من ثروة النفط والغاز وفق الإدارة الحرة لشعوب الأمة، أو شعبها بالأحرى، مقابل إفادة متكافئة للعرب من الجهة الأخرى، و أن تعين العرب على استعادة حقهم المسلوب فى فلسطين.
وحينذاك كان يمكن أن ننصح الولايات المتحدة بالتحالف، لا بل التآلف، مع البلدان العربية ، كجماعة أو كمجموعات أو فرادى، وإعانتها على دفع ورفع الظلم أينما كان مصدره ، و أيّا كانت طبيعته. و حينذاك كان يمكن أن ننصح النخب الأمريكية بالتعاون المتكافىء مع الدول العربية سواء منها الكبيرة المؤثرة، بحكم عوامل متعددة، فى محيطها اللصيق، أو المتوسطة، أو الصغيرة منها بفعل قاعدة الموارد و لو إلى حين . حينذاك كان يمكن ان ننصح بالتعاون ذاك مع كل من مصر والسودان والسعودية والعراق والجزائر والمغرب، وكذلك الأردن و سوريا و لبنان وبلدان الخليج الأخرى، من بينها "دولة الإمارات"، بل و مع شعب فلسطين ودولتها عضو الأمم المتحدة المراقب، واليمن وعُمان وليبيا وتونس وموريتانيا، و كذا التعاون مع جيبوتى والصومال، وأخشى أن أكون قد نسيت..!
ولو كان الحال غير الحال تماماً، لنصحنا النخبة أو النخب الأمريكية أيضا، بالتّوْبة النصوح عوداً إلى الحق، بفتح صفحة جديدة مع إيران ومن معها، بالإضافة إلى العمل مع تركيا، وتشجيع الجميع على التعاون الوثيق من أجل العروة الوثقى و لصالح الجميع ...!
ولكنّ نُخَبا أمريكية، و (الإدارة) الراهنة، تميل ميلاً إلى العكس من هذا كله. فهاهم أولاء يدعون ويعملون على معاونة إسرائيل على الاستمرار فى نهج الظلم التاريخى الغليظ ، ثم محاولة تشكيل تحالف مساند لذلك من بعض العرب و بعض التُّرك ..! ثم ها هم أولاء، يستبعدون مصر و وداى النيل عموما من جردة الحساب، وكذلك شبه الجزيرة العربية على الإجمال، والمغرب العربى الكبير. و في المقابل، هم الأمريكيون: (يضعون البيض في سلّة واحدة) في مضمار حماية مصالحهم – بعد "الانسحاب الكبير" المُزمع من "المنطقة العربية الإسلامية المركزية"- بالاعتماد بصفة أساسية على كيان سياسي بلا مستقبل أصلا في ميزان التاريخ الحقيقي هو (إسرائيل)، وذلك عن طريق رفع اليهودية السياسية ذات الجوهر العنصري (=الصهيونية) إلى مقام الدولة العصرية المستحيل، بادّعاء (الدولة القومية للشعب اليهودي !) ، جنبا إلى جنب تشكيل تحالف إقليمي مستحيل.
فكيف ولماذا ..؟ لقد حاولت تقليب الأمر كله سعياً إلى محاولة كشف الحُجُب ، وتفسير الأحجيَة وحل اللّغز ، فكان عجبا، وعجباً معقداً إن شئت ..! فقد اكتشفت أن (وراء الأكمة ما وراءها) وأن الموقف الذى تقفه نخبة أمريكية الآن -و قبل الآن- يَصدر عن عدة عوامل هى أقرب فى ظلنا إلى فضاء الحدس والخيال السياسى ، الذى نأمل أن يكون مسموحاً لنا التخمين فيه، و (المضاربة) على الأفكار بشأنه.
أول هذه العوامل ما يمكن أن نجازف بتسميته باسم "الغباء التاريخى" الذى تتسم به جميع محاولات الهيمنة العدوانية خلال العهود، كالامبراطورية الرومانية (و البيزنطية) فى العصور الوسطى، والامبراطوريات والأنظمة الغربية الاستعمارية فى العصر الحديث، منذ القرن السادس عشر حتى منتصف القرن العشرين (خاصة بريطانيا وفرنسا و "الرايخ الثالث (الألمانى النازى أو الهتلري أواسط القرن العشرين) ثم "الامبراطورية الأمريكية" فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. هو "غباء تاريخى" لا يعترف بالحقيقة ، ولا يرى أبعد من عينيه ، ولا يلوى فى سبيل ذلك على شىء ، من بصيرة أو حس روحى عميق. و العامل الثانى هو أن الولايات المتحدة الأمريكية -فى ظننا- لا تمثل "أمة" بالمعنى العلمي ، أو هي ليست "أمة عريقة" على كل حال، إن صحّ انها أمة، و هي أقرب إلى أن تكون (مشروعاً استيطانياً كبيراً )، جرى تأسيسه على مهل ، منذ القرن السادس عشر وحتى منتصف التاسع عشر، ولكن على عجل في مرحلة البدايات، ليقوم على الإبادة الجماعية لأهل البلاد (الأصليين) الذين جرى تسميتهم "الهنود الحمر" ..! وكذا على التفرقة العنصرية ضد السكان الأفريقيين الذين تم جلبهم عنوة للعمل كعبيد فى مزارع البيض المستوطنين. ولعل هذا ما يربط "اللاشعور السياسى" لبعض الأمريكيين بالخبرة السياسية الصهيونية الاستيطانية المعاصرة. وأما العامل الثالث فهو أن الإمبراطورية الأمريكية قد برزت خلال حقبة (ما بعد الحرب العالمية الثانية) فى إطار ما أسماه الفريق الأهمّ والأشهر، ربما، من المفكرين المعاصرين بالاستعمار الجديد. و الحق أن مصطلح الاستعمار الجديد قد شابه غموض كثيف. و نتوقف عند ذلك لنحاول أن نزيد الأمر وضوحا فيما يلي.






نحو إعادة البحث في نظرية الاستعمار

لقد تم الاكتفاء غالباً-في مجال التعريف والتبرير العلمي لمصطلح "الاستعمار الجديد"- بحصر هذا المصطلح فى إطار التعامل بالأدوات الاقتصادية للهيمنة بديلاً عن الأدوات العسكرية التي استخدمها الاستعمار القديم من خلال (الاحتلال والاستيطان والعنف الفوضوي ثم المنظم) .
وقد تناولت أدبيات مدرسة (التبعية) المفهوم المذكور بغزارة مشهودة، من روافدها المختلفة وخاصة من الاتجاه الماركسي و"الاتجاه الهيكلى". وكان التوجه الغالب هو النظر إلى الاستعمار الجديد والتبعية المجددة استناداً إلى مقولة "تقسيم العمل الدولى الرأسمالى المتجدد" و "التطور غير المتكافىء" أو "النمو غير المتساوى" ، وكذا "التبادل اللامتكافىء". وغالباً ما تم النظر إلى التبعية الاقتصادية و التكنولوجية كامتداد حصرى بمعنى معين للتبعية الاستعمارية القديمة . ولكن الحق أن المفهوميْن مختلفان. فالتبعية الاستعمارية القديمة –بقيادة الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية بالذات–قد أسست لنظام اقتصادى دولي قائم على "التخصص الإنتاجى" ومن ثم "الاستغلال التجارى". بمقتضى هذا النظام، اختصت دول "المركز" الرأسمالى الاستعمارى المتقدم اقتصادياً وتكنولوجياً بالإنتاج الصناعى المتطور ، بينما تخصصت دول "الأطراف" المهمشة في المستعمرات وأشباه المستعمرات، فى إنتاج المواد الأولية المعدنية ومصادر الطاقة الأحفورية، خاصة النفط . كانت التبعية الاستعمارية التقليدية متجذرة إذن فى البنية الاقتصادية من خلال صيغة التخصص الإنتاجي، واستمرت على هذا النحو مئات السنين، زهاء أربعة أو خمسة قرون . ولما كان الاستعمار التقليدى مرتكزاً إلى القوة العسكرية بصفة أساسية ، مع عدم التكافؤ المطلق فى القدرات وعناصر القوة بين الدول الاستعمارية والمستعمرات، فلذلك كانت الدائرة الشريرة محكمة الإغلاق، وغير قابلة للكسر تقريباً. ولكنها انكسرت بفعل ثورات حركة التحرر الوطنى فى القارات الثلاثة لأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وخاصة في خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. حينذاك حدث الاستقلال السياسى للدول الجديدة، و انقضى العصر الاستعماري كما عرفناه.
ومع التأكيد على أهمية "المناورة السياسية الكبرى" التى قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية فى عالم (ما بعد الحرب العالمية الثانية) لا سيما منذ السبعينات من القرن المنصرم، من أجل إبعاد (الدول الجديدة) عن فلك الاتحاد السوفيتى والصين (الاشتراكيّيْن آنئذ)؛ إلا أن الحقيقة أن بعضا من هذه الدول الجديدة فى الشرق الأقصى وأمريكا اللاتينية، و قبل ذلك زمنيا فى بعض بلدان العالم الثالث المتحررة إبّان حقبة الخمسينات والستينات مثل مصر والهند و إندونيسيا و غانا وغينيا كوناكري، قد تولدت لديها قوى الدفع المؤهلة للانطلاق بقطار التنمية الاقتصادية على طريق الاستقلالية التنموية .
وربما نجحت المناورة المعاكسة – الغربية الأمريكية –فى إخماد نسبي لجذوة حركة التحرر الوطنى التى قادتها بعض من الدول المنخرطة بشكل طليعي في "حركة عدم الانحياز" منذ أواخر الستينات، مثل مصر، حتى ليمكن القول بأنه انتهى حلم "التنمية المستقلة"، إلى حين. ورغم ذلك ، وبعون غربى وأمريكى على كل حال، نشأت تجارب للتنمية التابعة بشكل عام فى بلدان مثل كوريا الجنوبية ، متحلّقة حول المثال اليابانى ، ثم ما لبثت أن حققت مكانة مرموقة على الصعيد الاقتصادى العالمى ، يصعب معها استمرار وصفها بمجرد البلدان التابعة أو حتى النامية .. فهى دول ناهضة وصاعدة و (مصنَعة حديثاً) على غرار الصين، برغم اختلاف التقديرات حول مصائرها فى الأجل البعيد.
لقد مضى (الاستعمار) كما عرفناه تاريخيا إذن إلى غير رجعة.. وانفتح طريق التنمية ، أو "التطور الاقتصادي والصناعي"، في مسار ممتد، بدأ من إرث الثورة الصناعية الأولى إلى آفاق الثورة التكنولوجية الرابعة حالياً .
ولنرجع البعصر كرَة أو كرّتيْن، لنستعيد (شريط) النزاعات الدائرة حالياً، تجارياً وسياسياً وربما عسكرياً، بل و (صحّياً) بين أمريكا والصين، لندرك حجم ومدى التغير الهائل الذى جرى، عبْر قذف الاستعمار كله فى (مزبلة التاريخ).
ولكن "الرأسمالية" كنظام اقتصادى واجتماعى، و كقوة سياسية، لم تذهب إلى ذلك، ولكنها ما تزال قوية وستبقى إلى أمد لا نعلم مداه بالدقة الكافية الآن .
فى هذا المحيط اللّجّىّ ، وظلامه البهيم ، تتقاذف كُرات اللهب بين الأمواج؛ تصعد معها كيانات و تهبط أخرى، ولكن الاتجاه العام الأساسى هو ذاك : يهوى الاستعمار من حالق إلى القاع ولو بالتدريج ، وترتفع رايات التنمية والتحرر وتعددية القوى إلى الذُّرى.
ضمن هذا الخضمّ، لم يعد من الممكن استعادة الأنموذج الاستعماري الامبراطوري لبريطانيا وفرنسا أو غيرهما ، فذلك عهد مضى ولن يعود ..! هذا هو العصر الذى صعدت فيه أمريكا لسوء حظها ..! وبرغم انهيار الاتحاد السوفيتى وانفراد أمريكا بالقمة خلال ثلاثين سنة (1990-2020) مما أغراها بالتوسع ، وأغواها بغواية الهيمنة العمياء ، إلا أن هيمنتها تلك لن يُقدر لها البقاء بحكم منطق التاريخ الحي. هنالك لم يعد مقدراً لأمريكا إلا أن تصارع الأمواج، تهبط تارة، و تصعد أخرى، وتذهب كل مذهب، تجاهد المُكْث، وتسعى إلى البقاء، رغم الأجل المحتوم، و المصير المؤكد عبر مسار معلوم .
لم يعد ممكناً التصور باستقرار السيطرة إلى أفق زمني غير معلوم، كحال الاستعمار القديم، وإنما أصبح المتاح هو السيطرة أو الهيمنة (بالقطعة)، إن صحّ التعبير، وكأنه (استعمار المقاولات المجزّأة) ، حبث يتم عبر مسار متقطع، يثبت عند نقطة ثم ما يلبث أن يتحول بسرعة إلى الأخرى، قبل أن ينقطع الحبل فيسقط اللاعب العملاق إلى قاع المحيط الهندى أو الهادي والأطلنطي، و ربما المتجمد الشمالى والجنوبى أيضا .
هكذا يمضي الحال إذن بالنمط الأمريكي للهيمنة، حيث يصارع السقوط، فينتقل على حبل لعبة (السيرك) المجهِدة، ابتداءً من شبه الجزيرة الكورية في الخمسينات من القرن المنصرم، إلى فيتنام ولاوس و وكمبوديا، من طرف، و كوبا من طرف آخر فى الستينات( دون أن ننسى العداء الأمريكي الممتد و المعقد للقضايا العربية المُحقّة وفي مقدّمها قضية فلسطين) انتهاء بأفغانستان والعراق خلال عشريّتيْ الألفية الأولييْن. ويتلفت اللاعب اللاهث من حوله، باحثاً عن المأوى والمُعين، فيجد أمامه ذيلاً محتملاً للعب دور (المساعد) حيث، و حين، لا يساعده أحد. ذلك الذيل هو (إسرائيل) .
ثم إذا بالمحاولة الأمريكية لاسترجاع صورة الاستعمار الزائلة، تتلفت مرة ومرا ، يمنة أو يسرة ، فيخيّل إليها أنها تستنجد بدولة عربية هنا أو هنالك، أو بدولة غير عربية (مثل تركيا تارة) تستعين بها على دولة أخرى غير عربية أيضا (مثل إيران).
وأما الكيان العربى المارد؛ و أما مَن فيه تاريخيا مثل مصر و الجزائر أو المغرب، فذلك دونه أهوال، من صنع أمريكا بالذات . فليس فى طوْقها أن تعيد سيرة بريطانيا وفرنسا، التى ولن تعود، حيث كان الاستعمار المستديم مئات السنين، ارتكازاً إلى صيغة شبه متأبّدة للتخصص الإنتاجى و تقسيم العمل الدولى الرأسمالى. هي أمريكا مقاول بناء وهدم، (مقاول أنفار) كما يقال، يعمل (بالقطعة) وينفر من الأغيار، ذاهباً إلى الغرماء حينا، وإلى الأخلاء والأصفياء حينا آخر فى لحظات الصفاء المتقطّعة التى لا تدوم. و لكنه الغباء التاريخي الذى لا يريم. فهذه إسرائيل التى تواجه تحديات مصيرية تعصف بوجودها ذاته ، حيث المعاداة لكل منطق معقول فى فلسفة التاريخ ، و حيث اختلال هيكلي يزداد فداحةً عبر الزمن ديموجرافياً وسياسياً وغير ذلك، في مواجهة العدوّ التاريخي الذى صنعته لنفسها على أرض فلسطين. ولن تستطيع أن تقنع النخبة الأمريكية المسيطرة بأن تتخلى عن إسرائيل شريكاً موثوقاً أوحد أو شبه وحيد؛ فليس أمام أمريكا إلا أن تعمل بمنطق المقاول مع من هو مستعد للعمل معها (بالقطعة) ولو لبرهة فى ميزان الزمان .
أَ فعَلِمنا إذن لماذا تنأى النخبة الأمريكية ذات (التفكير الاستراتيجى العميق!) عن مواجهة أزمتها، وتذهب إلى إدارة لحظية للأزمات، فاشلة بالضرورة، مثل إدارتهم لأزمة كورونا 2019-2020، وأزمة غزو العراق من قبل، وأزمة التورط فى أفغانستان حتى اللحظة، ومن قبلها كثير؟.
لقد كنّا نقول إن الرأسمالية العالمية، وقوى الهيمنة الغربية – الأمريكية ، ليس فى مُكْنتها (حل الأزمة) فهى من صنعها، إذ الأزمة العالمية للنظام الرأسمالي محتومة على كل حال، و لو لم تكن عامة او شاملة بالمعنى المتداول القديم، وإنما قد يكون في مُكْنتها "إدارة الأزمة" بين الفيْنة والأخرى، إدارة فاشلة في أحيان وأحوال عديدة كما رأينا الآن و نرى، وهو ربما الأغلب بمعنى ما. فها نحن نكتشف تحت هول الصدمة أن الرأسمالية العالمية وقوى الهيمنة الغربية- الأمريكية لا تستطيع فى الحقيقة إدارة الأزمات بالشكل الناجع، وإنما هي محاولات لولبية الطابع لتلك الإدارة، استنادا إلى مجرد تفوق علمى – تكنولوجى أعمى، أو غير بصير.. تفوّقٌ علمي تكنولوجي يسير خبط عشواء، في خطوط مستقيمة أو ملتوية؛ تفوق يضع الآلة قبل الإنسان، والمادة الصمّاء قبل الحياة، والذكاء (المصطنع) للآلة المتعلمة حسب المنطق "الرقمي" قبل غَناء الروح، ويجعل السرعة بمقياس الزمن مقدّمَة على الأناة الواعية. تفوق علمي تكنولوجي إذن، يضع معياره الأسمى تقليل جهد الإنسان المبذول عضليا وذهنيا، وتقصير المسافات بين البشر زرافات و وحدانا، تحت المسمّى الصريح لما بات يطلق عليه "التباعد الجسدي" بين الأفراد، و "التباعد الاجتماعي" في قلب التجمع البشري، و لو اتّقاء لهجمات الجوائح الفيروسية التي باتت تجد لها حاضنة نشيطة في ساحة (التقدم العلمي التكنولوجي!) ذاك. تقدم ما يلبث أن يجري توظيفه بكل ((كفاءة) و (فاعلية للإنفاق!) من أجل تغذية مسار "السلام المسلح" الذي تعيشه البشرية المعذبة في كوْن معرض للدمار البيئي الشامل كل لحظة، ويقف على شفير النزاعات الدموية المهدِّدة بالتحول إلى حروب دولية أو داخلية لا تنتهي، ولو تحت مظلة الشعار (الهتلري): التصدير أو الموت.
علم وتكنولوجيا موظفان في سياق تغذية دوامات العنف، والخوف والقلق، على وقع التكاثر السكاني والمالي، والتطاحن حول فتات الطعام وبقايا الماء والشراب، دون رحمة، مستخدماً لغة الدمار والتهديم هنا وهنالك قبل البناء والإنماء . ذلكم هو قانون "تعظيم الربح" و "زيادة العائد والمردود" و "تخفيض النفقات" لتركيم الثروات للبعض من البشر دون الآخرين. إنه عالم المال والأعمال، الذي يمضي دون هوادة ملتحفا بالشعارات المعاكسة ل (التنمية البشرية!) و (خفض الفقر!) وحيث الإنسان أثمن -أو أرخص- رأسمال.
في هذا الإطار الشامل للتغير الكوكبي، تجنح أمريكا-كقيادة راهنة للنظام الرأسمالي العالمي- فى سياق إدارتها لأزمتها و ورطتها فى منطقتنا العربية، و "المنطقة العربية – الإسلامية المركزية" ككل، إلى الاستنجاد بمن لا يمكنه تقديم النجدة فى الحقيقة، وأنه يواجه بمنطق التاريخ الحىّ خطر الزوال. ذلك هو الاستنجاد بالذيل الصهيوني، في محاولة للمقاولة (بالقطعة) من أجل العمل على إنقاذ رأس الأفعى الدامي في منطقتنا قبل أن تطيح به الأنواء.
ذلك منطق عصر (مابعد الاستعمار)..!






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاقتصاد يتبع السياسة في -الشرق الأوسط-: العرب، تركيا، إيران ...
- حلم ليلة صيف عجيبة.. و اتفاق أبراهام .!
- من الأوتوماتون إلى الإنسان: الثورة التكنولوجية المنتظَرة
- قبل كورونا: نموّ للبعض و تهميش للآخرين..!
- عن عالم ما قبل -كورونا-: سلاسل العرض الممدودة بين أمريكا وال ...
- في عالم ما قبل -كورونا-: عودة إلى أطروحة التطور غير المتكافي ...
- كورونا: مقدمة فكرية لظاهرة الوباء الكوني الراهن
- تأملات وشذرات حول الإيديولوجيا السياسية الصهيونية مع محاولة ...
- نظرات من نافذة -الاقتصاد السياسي- على عالم -ما قبل كورونا-
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ...
- الاقتصاد السياسي للفقر: سؤال النظرية والتطبيق (موجز)
- الليبراليون الجدد في الوطن العربي على مقاعد الحكم
- بيْن التجارة و السياسة، و من الطبيعة إلى الاقتصاد..!
- النهاية الوشيكة للعالم على أيدي الليبراليين الجدد..ونداء من ...
- سبعون عاما.. وخمسون..وأبعون.. فرصٌ ضاعت، وفرصٌ أخرى تلوح في ...
- إعادة الاعتبار إلى -نظرية المؤامرة- في الوطن العربي: بين الم ...
- الوطن العربي والثورة الرقمية: إعادة بناء الدولة الوطنية و تف ...
- البيئة الدولية للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم
- أضواء على الحلقة المفرغة للسلطة السياسية في الدول العربية: ب ...
- ملاحظات ريفية و مدينية.. من مصر العربية


المزيد.....




- سفارة روسيا في واشنطن: الواقع أثبت كذب المزاعم الأمريكية الس ...
- اليمن.. احتجاجات في عدن والمكلا تنديدا بتردي الوضع المعيشي
- عقب استقالة قرداحي.. مبادرة فرنسية سعودية لمعالجة الأزمة ونا ...
- أزمة أوكرانيا.. اتصال مرتقب بين بايدن وبوتين ومخاوف أميركية ...
- ترامب يجمع مليار دولار من مؤسسات استثمار لصالح شبكته الاجتما ...
- أولاف شولتس يشدد على مسؤولية ألمانيا في مكافحة تغيّر المناخ ...
- هزة أرضية بقوة 6 درجات تضرب إندونيسيا
- محادثات مرتقبة بين بايدن وبوتين وسط مخاوف من غزو أوكرانيا
- النيجر.. مقتل 29 جنديا بهجوم مسلح استهدف معسكرا للقوة الإفري ...
- مهندس مصري يبتكر ساعة فضاء تعمل بالذكاء الاصطناعي


المزيد.....

- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين
- السودان - الاقتصاد والجغرافيا والتاريخ - / محمد عادل زكى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - محمد عبد الشفيع عيسى - من الفشل في إدارة الأزمات إلى الغباء التاريخي؛ و إعادة البحث في نظرية الاستعمار