أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد بن زكري - (نهر الكفرة) يفجر الأطماع المصرية بليبيا 2/2















المزيد.....


(نهر الكفرة) يفجر الأطماع المصرية بليبيا 2/2


محمد بن زكري

الحوار المتمدن-العدد: 6637 - 2020 / 8 / 5 - 02:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تأكيدا للقول بجديّةِ و واقعيّةِ خطر الأطماع المصرية في الثروات - و الجغرافيا - الليبية ، كما تجلت حقيقتها الكامنة تحت السطح في تهديد دكتاتور مصر عبد الفتاح السيسي بغزو ليبيا عسكريا ، تصعيدا من التلميح إلى التصريح ، بحجة الدفاع (المشروع !) عن الأمن القومي المصري . و ربطا بين حلقات سلسلة المطامع المصرية في ليبيا ، امتدادا من الأمس إلى اليوم إلى الغد ، تَحيُّناً و استغلالا للفرص المواتية ، و افتعالا للذرائع ؛ نعود - من خلال شهادة محمد حسنين هيكل - إلى ما أشارت إليه خبيرة الحدود المصرية هايدي فاروق ، في حديثها عن واحة الجغبوب ، من أن الرئيس أنور السادات كان مشغولاً بهذا الملف (بشدة) ، وأنه فى عام 1977 قام بتدمير القاعدة العسكرية الليبية في الجغبوب ، وهدّد باستعادة كامل الواحة .

* و شهد شاهد منهم : هيكل الشاهد على أحداث عصره
ففي كتابه الموسوم : المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل / الجزء الثاني ، أفرد محمد حسنين هيكل فصلين من الكتاب ، استعرض فيهما وقائع و ملابسات و دوافع و تطورات الحرب التي أعلنها الرئيس السادات على ليبيا سنة 1977 ، و خاض غمارها عاقدا العزم على احتلال برقة ! حيث أتى هيكل على ذكر مسألة واحة الجغبوب ، ضمن سياق روايته عن العمليات العسكرية للجيش المصري في عدوانه على ليبيا ؛ إذْ أورد في فصل من الكتاب بعنوان « ليبيا » ؛ أنه أثناء مفاوضات فك الاشتباك عقب انتهاء حرب أكتوبر المصرية - الاسرائلية ، التي جرت (أي : المفاوضات) في جنيف أواخر 1973 و أوائل 1974 ، بين قيادات عسكرية من الجانبين المصري و الإسرائيلي ، و بينما كان الكولونيل " زيون " عضو الوفد الإسرائيلي يتحدث إلى اثنين من العسكريين المصريين أحدهما العقيد " فؤاد هويدي " ، فإذا به فجأة يقول لهما : " لماذا لا تأخذون ليبيا في الغرب بدلا من تضييع وقتكم بسبب فلسطين في الشرق ؟ ... خذوا ليبيا و لو أدى الأمر بالقوة ، و نحن لن نعترض من جانبنا عن أي عمل تقومون به ، و لن نستغل انشغالكم حتى إذا دخلتم في معركة عسكرية لاحتلال ليبيا " . (ص 232)
وعند انتهاء الاجتماع ، اقترب الكولونيل الإسرائيلي " زيون " من رئيس الوفد المصري - حسب ما يروي هيكل - و قام بتسليه مذكرة ، قائلا له : " أرجوك أن تقرأ هذه المذكرة و قد تجدون فيها شيئا مفيدا " .
و قد تضمنت المذكرة الإسرائيلية تسعة بنود ، تتلخص في البندين : رقم 3 و رقم 4 ؛ إذ يفيد البند رقم (3) من المذكرة ، بأن ليبيا لديها احتياطيّ نقديّ متوفر يزيد عن 3,4 مليار دولار ، و التقديرات في الفترة من 1974 إلى 1980 ، أنّ دخل ليبيا من البترول لا يمكن أن يقل عن 36 مليار دولار . و يركّز البند رقم (4) على أن مصر بهذا الحجم من رأس المال ، تستطيع أن تلبي كل احتياجاتها العسكرية و الاقتصادية . ثم تمضي المذكرة لتصوّر أن ضم ليبيا تحت السيادة المصرية ، هو الحل السحري لجميع المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها مصر .
و يمضي محمد حسنين هيكل في سرد تفاصيل مذكرة التسعة بنود الإسرائيلية ، ليلاحظ أن الرئيس السادات قد أولى اهتماما خاصا لفقرة الـ 36 مليار دولار في البند الثالث من المذكرة ، و أقتبس : " و لم يعرف الوفد المصري كيف يتصرف في هذه المسألة ، و لكنه بعث بالتفاصيل كاملة إلى القاهرة . و من الغريب أن الرئيس السادات ، وضع بقلمه خطين تحت فقرةٍ في البند الثالث من المذكرة الإسرائيلية ، وهي الفقرة التي تقدِّر دخل ليبيا في السنوات الخمس القادمة بـ 36 بليون (مليار) دولار " . انتهى الاقتباس . (ص 233)
و في فصل آخر من الكتاب بعنوان « القذافي » ؛ يواصل هيكل كشف أسرار الغزو العسكري المصري لليبيا عام 1977 ، حيث كان الشاغل الأكبر للسادات ، هو المشكلة الاقتصادية التي تطبِق عليه و تهدده بتجدد أحداث 18 و 19 يناير 1977 (ثورة الجياع) ، و قد تفاجئه بما هو أخطر من أحداث انتفاضة الخبز تلك ، التي عمت مصر من أسوان إلي الاسكندرية ، تعبيرا عن رفض الأغلبية الشعبية - المتضررة معيشيا - لقرار الحكومة بزيادة أسعار المواد الغذائية الأساسية ، بما فيها رغيف العيش (الخبز) ؛ الأمر الذي أجج غضب السادات ، فأطلق على تلك الانتفاضة الشعبية وصْف " انتفاضة الحرامية " . فيقول هيكل .. و أقتبس : " و توصل الرئيس السادات فجأة إلى حل بالغ الغرابة . خطرَ له أن يغزو ليبيا ، و في ذهنه أن يحتل ولاية برقة الشرقية (تصحيح : نظام الولايات - الاتحادي - في ليبيا ، تم إلغاؤه دستوريا ، منذ 1963) ، و فيها معظم منابع البترول الليبي ... هل تذكّر الرئيس السادات مغريات المذكرة الإسرائيلية (مقترح غزو ليبيا) التي كان عنوانها : « أمل مصر الحقيقي : ليبيا » ؟ . هل خطرَ له أنّ موارد البترول الليبي تستطيع أن تخفف الأزمة الاقتصادية في مصر ، و ربما تحلها حلا جذريا ؟ " . انتهى الاقتباس . (ص 328)
و اختصارا لرواية محمد حسنين هيكل ، في كتابه : المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل / الجزء الثاني ، حول العدوان العسكري المصري على ليبيا ، لاحتلال منطقة برقة ؛ فقد انطلقت عمليات الغزو العسكري المصري لليبيا ، بتاريخ 21 يوليو 1977 ، حيث نفذت الطائرات الحربية المصرية سلسلة من الغارات و الضربات الجوية المكثفة ، فدمرت عديد القواعد و المنشآت العسكرية الليبية ، و منها قاعدة (العدم) التي كان القذافي - بنزوعه العروبيّ الفج - قد سماها قاعدة جمال عبد الناصر ، و أيضا مطار الجغبوب .. و غيرهما . و تفاخرت وسائل الإعلام المصرية بأن جميع طائراتهم التي أغارت على ليبيا و دمرت مطاراتها و قتلت أبناءها ، قد عادت إلى قواعدها سالمة .
و هنا نتوقف لنلاحظ أنه من غرائب الصدف ، أن تتصاعد - الآن - أصوات دقّ طبول الحرب داخل مصر ، في مثل نفس التاريخ ، فيعقد البرلمان المصري جلسة « سريّة » خاصة ، يوم 20 يوليو 2020 ، تم فيها تفويض دكتاتور مصر عبد الفتاح السيسي باتخاذ قرار الحرب على ليبيا ، تأييدا لتهديده المعلن بالتدخل العسكري المباشر ، لتثبيت الخط السيساوي الأحمر ، من سرت إلى الجفرة ؛ دفعا بالانقسام السياسي إلى التقسيم الجغرافي ، بفصل شرق ليبيا - جيوسياسيّاً - عن غربها ، بما يعنيه ذلك (ضمنا) من وضع اليد المصرية على الشرق الليبي ، الذي يصر الانفصاليون و الفيدراليون على تسميته : " إقليم برقة " .
و عودة إلى ما وثقه هيكل في كتابه : المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل / الجزء الثاني ، عن حرب السادات على ليبيا ، بقصد احتلال برقة عام 1977 ؛ فإنه تحت وقع المفاجأة الساداتية ، كانت العواصم العربية لا تكاد تصدق ما يجري من عدوان عسكري مصري على ليبيا ، فظهرت طائرة الرئيس الجزائري هواري بومدين فجأة فوق الاسكندرية و طلبت النزول . و في تلك اللحظة ، حسب ما كَتَب هيكل : " كان هناك بيان عسكري مصري يقول : إنّ وحداتٍ من قوة الصاعقة المصرية ، تساندها القواتُ الجوية ، تقوم الآن بمهاجمة معسكرات ليبية في منطقة واحة جغبوب شمال غرب واحة سيوة المصرية ، كما أن الطائرات المصرية قامت بتدمير مطاريّ العضم و الكفرة و قواعد كثيرة للرادار و الصواريخ " . و كان اللقاء عاصفا بين بومدين و السادات ، دام ست ساعات و نصف الساعة ، غادر بعده بومدين إلى طرابلس ، تلاه وصول عدد من الرؤساء و المبعوثين العرب و الأفارقة ، بينهم الرئيس التوغولي أياديما ، و سكرتير عام منظمة الوحدة الأفريقية ويليام أتيكي ، و ياسر عرفات ، و عبد الحليم خدام ، و الشيخ صباح الأحمد الصباح ..
على أن السادات ، كان قد تبلّغ رسالةً من الإدارة الأميركية (في عهد الرئيس جيمي كارتر) ، أبلغها إليه السفير الأميركي لدى القاهرة هيرمان آيلتس ، بضرورة وقف العمليات العسكرية فورا على الحدود المصرية - الليبية . و ذلك آخر ما كان للسادات أن يتوقعه من أميركا : طلبٌ اميركيّ حازم منه بضرورة وقف العمليات العسكرية فورا .

* تختلف و تتناقض أنظمتهم ، و تتفق أطماعهم في ليبيا !
لقد باءت مغامرة السادات العسكرية في ليبيا عام 1977 بالفشل ، و تبدد حلمه باحتلال برقة و وضْع اليد المصرية على الثروات الليبية . لكن هل انتهى - أو سينتهي - خطر الأطماع المصرية بليبيا ؟ الجواب هو بكل التأكيد : لا ، فالأمر ظل قائما منذ أوائل القرن الفائت ، ما أن تخفت أصوات الأطماع المصرية بقضم أجزاء من إقليم الدولة الليبية الجيوسياسي في الشرق الليبي ؛ حتى تطفو على السطح من جديد أعلى ضجيجا ، كلما وجد نظام الحكم في مصر - أيّا كان شكل أو رأس النظام - أنّ موازين القوى ، تتيح له إمكانية المناورة بادعاء الحق التاريخي أو القيام بمغامرة عسكرية ، لوضع اليد على مصادر الثروة الطبيعية في الشرق الليبي ، سعيا لحل مشاكله الاقتصادية المتراكمة ، كمِثْل ما حدث في عهد السادات ، و يحدث الآن في عهد دكتاتور مصر عبد الفتاح السيسي .
و تتراوح درجة الإفصاح عن الأطماع المصرية بليبيا حدةً ، من إطلاق بالونات الاختبار لقياس ردود الفعل الليبية ، إلى تنظيم الحملات الإعلامية المكرسة للنيل من سيادة الدولة الليبية على إقليمها الجيوسياسيّ ، مرورا بممارسة شتى أشكال التدخل السياسي في الشؤون الداخلية الليبية ؛ وصولا إلى التهديد بالتدخل العسكري المباشر ، لحسم الصراع - العبثيّ - الداخلي على السلطة و الثروة ، لتغليب طرف ضد الآخر ، على نحو ما أعلنه السيسي ، بمنطق : إما هذا البيدق أو ذاك ، من صنائع النظام المصري ؛ و إلا فالحرب على ليبيا و فرض الأجندة المصرية فيها بقوة السلاح ! .
ففي عهد الرئيس محمد مرسي ، الذي رفعه حراك 25 يناير الشعبوي (الربيع العربي) ، إلى منصب رئيس الجمهورية ، عَبْر صناديق الأقتراع ؛ أطلق رئيس حكومة الإخوان المسلمين هشام قنديل (يناير 2013) بالون اختبار ، تناقلته وسائل الإعلام منسوبا إليه ، في شكل تصريح سربته صحيفة " الديار " اللبنانية ، كرر فيه تدوير أسطوانة حقوق مصر التاريخية (المزعومة) في الأراضي الليبية و النفط الليبي ، و تحديدا في الشرق الليبي (أو : إقليم برقة ، كما يصر البعض على تسميته) ، و ذلك على خلفية حقوق التنقيب عن البترول . غير أنه نتيجة لشدة رد الفعل الليبي الشعبي و الرسمي المستاء ، و استدعاء السفير المصري لدى طرابلس من قبل رئيس الحكومة الليبية (علي زيدان) لإبلاغه احتجاج الدولة الليبية و رفضها للتصريح المنسوب لرئيس حكومة بلاده ، و أن : " ليبيا لن تقبل المساس بسيادتها أو أي جزء من أراضيها .. و أن الليبيين الذين قاوموا الاستعمار الإيطالي وعاشوا في ظل ظروف معيشية صعبة ، سيقاومون أيَّ شخص يحاول التفكير في المساس بتراب الوطن ولو أكلوا الحجر " . مع طلب ضرورة التوضيح ؛ اضطرت الحكومة المصرية لإصدار بيان رسمي (بتاريخ 20 يناير 2013) ، نفت فيه ما نسب إلى رئيسها (هشام قنديل) ، من حديث عن حق مصر في ضم أراضٍ ليبية .
و عندما نقول بأن خطر الأطماع المصرية بليبيا ، كان و لا زال و سيظل ماثلا - كما هو الآن ، في عهد السيسي - يتهدد وجودها في التاريخ و في الجغرافيا ، كدولة و كإقليم جيوسياسي ، متمثلا في سعي مصر الدؤوب لابتلاع أجزاء من الشرق الليبي ، و فرض هيمنتها - اقتصاديا و سياسيا - على باقي أجزائه ، تحيُّنا للفرص المواتية ؛ فإننا لا نقول هذا من قبيل التهويل أو رجما بالغيب ، بل تأسيسا على وقائع سجلها التاريخ و تؤكدها مستجدات و معطيات الواقع الحي المتحرك .
و إذا كانت مصر الملكية لم تفلح في محاولتها قضم أجزاء من الشرق الليبي أوائل القرن الفائت ، قبل توقيع اتفاق ترسيم الحدود الليبية المصرية عام 1925 ، فإنها كانت قد عادت إلى تكرار المحاولة ، بطريقة التفافية ، إبان فترة تصفية تركة الاستعمار الغربي المباشر ، عقب الحرب العالمية الثانية ؛ إذ أن موقف مصر داخل الأمم المتحدة ، كان قد انحصر في القول بأنه إذا لم تكن الدول الأربع على استعداد لمنح ليبيا استقلالها على الفور ، " فإن مصر تطلب أن يُعهَد إليها بإدارتها ، بوصايةٍ من الأمم المتحدة . و طلبت مصر منح الليبيين خيار الانضمام إلى المملكة المصرية ، و خصت بالذكر منطقة برقة " ، طِبقا لنص ما جاء في ورقة بحثية بعنوان : الحرب على طرابلس و إرهاصات الصراع المصري التركي ، أعدها مركز الدراسات و البحوث الاستراتيجية (مقره بتونس) ، حيث مضت تلك الورقة البحثية - منشورة على الموقع الالكتروني للمركز ، و على موقع منبر ليبيا - لتضيف بالخصوص : " و كانت مصر قد قدمت مذكرات إلى مؤتمرات وزراء خارجية الدول الكبرى ، وإلى مؤتمر الصلح ، وإلى دورات الجمعية العامة الثالثة و الرابعة و الخامسة و السادسة ، مطالبةً بضم هضبة السلوم حتى تصبح مدينة البردية ضمن الحدود المصرية ، بحيث يبدأ خط الحدود إلى الغرب من البردية متجها إلى الجنوب الغربي ثم إلى الجنوب ضاما شريطا عريضا يحتوي على واحة الجغبوب ، وبوصول خط الحدود إلى أعماق الجنوب يتوسع ليشكل مثلثا كبيرا رؤوس أضلاعه (معطن سارة – أركينو – العوينات) ، بحيث تقع هذه الواحات كلها في الأراضي المصرية " . (انظر الرابط) .
https://www.minbarlibya.org/?p=15693

* الوجه الآخر لهيكل : هيكل و الأطماع المصرية في ليبيا
و بتتبعنا لتاريخ العلاقات المصرية - الليبية ، منذ العدوان العسكري المصري عام 1977 على ليبيا ، بهدف احتلال برقة - وفق ما كشف عنه هيكل - و الاستحواذ على ثروة البترول في الشرق الليبي ؛ نجد أن الأطماع المصرية في الشرق الليبي ، لم تتوقف يوما عن الظهور بأشكال و صور مختلفة تلميحا و تصريحا ، سواء على مستوى المسؤولين الحكوميين الكبار ، أم على مستوى : الخبراء ، و المفكرين السياسيين ، و الإعلاميين البارزين المعبرين عن توجهات النظام ؛ فضلا عن كاتب كبير - و مؤثر - بحجم محمد حسنين هيكل ، بما لحضوره المُلِحّ في المشهد من دلالة على مدى تأصّل الفكرة - استراتيجيّا - في الذهنية السياسية المصرية ؛ فهو ليس بالشخص غير المسؤول أدبيا ، الذي يطلق الكلام جزافا - و دون تدبر - ليتبدد في الفراغ .
و من ثم ، فلم يكن مفاجئا ما ألمح إليه هيكل أو ما أفصح عنه مرارا و تكرارا ، في كتاباته و أحاديثه المتلفزة ، من مزاعم الحق (التاريخي) لمصر في أرض الشرق الليبي ، بدعوى أنها أرض مصرية تمتد غربا إلى المرج ، شاملة كل منطقة الجبل الأخضر - و ليس فقط واحة الجغبوب - بل حتى بنغازي ، نظرا لأن منطقة برقة كانت قد وقعت تحت حكم الأسرة البطلمية (نسبة إلى بطليموس الأول) في مصر ، عندما امتد نفوذ دولة البطالمة من عاصمتهم الاسكندرية إلى قورينا (Cyrene) الليبية .
ففي أحاديث متلفزة لهيكل ، ظهر خلالها على قناة سي بي سي (CBC) مع الإعلامية لميس الحديدي ، في عدة حلقات ، تم بثها على فترات زمنية متفرقة من 2012 إلى 2015 ؛ صرح هيكل (3 أبريل 2014) بأنه : لا يخشى من الجماعات الإرهابية الموجودة في سينا ، و لا يشعر بالقلق من ناحيتها ، بل إن القلق الحقيقي على مصر يأتي من الحدود الغربية مع ليبيا ؛ مفسرا ذلك بأن ليبيا أصبحت مسرحا للميليشيات ، و أنها تؤوي ما يسمى " الجيش المصري الحر " ! غير أن التفسير الحقيقي لقلق هيكل ، ظهر لاحقا (فبراير 2015) في قوله صراحة : " إن على مصر أن تستردّ حقها في النفط الواقع في آبار الشرق الليبي ، باعتبار أنه من حق مصر " .
و في تقرير نشرته صحيفة الشعب ، بتاريخ 27 أبريل 2014 ، عنونته بصيغة استفهام تعجبي :« هل قام هيكل بتوريط " السيسى" لاحتلال شرق ليبيا من أجل البترول ؟! » ، ونقله عنها موقع مصريس (masress) الإلكتروني ، موَقَّعا باسم « المرصد العربي للحقوق و الحريات » ، ورد أنه في تصريحات سابقة لمحمد حسنين هيكل ، جاهر بها على نفس القناة ، قال : " في ليبيا هناك مشكلة كبيرة جدًا ، أتمنى أن يتنبه لها الجيش في مصر ، وأنا في حقيقة الأمر اتُهمت قديمًا أننا كنا نريد وحدة مع ليبيا وأنا كنت أريد دولة كاملة في هذه المنطقة من شرق البحر الأبيض " . وتابع قائلا : " إن منطقة برقة الليبية « الغنية بالنفط » تابعة للأراضي المصرية وعليها المطالبة بها ، وأن نفط ليبيا يتركز في الشرق الليبي ، وبوجود جماعة متطرفة في الجبل الأخضر أي بالقرب من مصر ، فإن ذلك يُعد خطرًا على الأمن القومي المصري " !
و المرء لا يحتاج إلى ذكاء فوق العادي ، ليقرأ ما بين سطور تصريحات محمد حسنين هيكل ، من إشارة ضمنية إلى أن حل المشاكل الاقتصادية لمصر يكمن في وضع يدها على البترول الليبي ، باعتبار أنه بترول مصري أصلا ، ملفتا انتباه الجيش المصري إلى التفكير جديا في احتلال منطقة برقة ، حيث يتركز النفط في الشرق الليبي ، على اعتبار أن منطقة برقة تابعة للأراضي المصرية ، و أن على مصر المطالبة بها ؛ خاصة و أن الفرصة مواتية لغزو ليبيا عسكريا ، بتوفر مصر على جيش قوي ، و بتوفر ذريعة حماية الأمن القومي المصري من خطر الميليشيات الإرهابية (أي جماهير الشعب في مناطق الغرب الليبي) ! حيث إن الخطر الحقيقي كما يرى هيكل - و يشاركه نفس الرأي ، الإعلامي المعروف عماد الدين أديب - إنما يأتي من الحدود الغربية مع ليبيا . (انظر الرابطين) .
https://www.sasapost.com/suspected-egyptian-military-intervention-in-libya/
https://akhbarelyom.com/news/newdetails/2976443/1

* هل سيغزو السيسي ليبيا ؟
أما الآن ، و قد تكاملت على المستويات كافةً - العسكرية ، و السياسية ، و التشريعية ، و الخطاب الإعلامي المتشنج ، و تعبئة المشاعر (القومية) المصرية - جميع ترتيبات التدخل العسكري المباشر في الشأن الليبي ، بمبرر الدفاع عن الأمن القومي المصري ؛ فالسؤال يطرح نفسه : ماذا سيكون من مستجدات الأطماع المصرية بليبيا ، و تهديد السيسي بغزو ليبيا عام 2020 ؟ .
و الجواب هو أن أية مغامرة عسكرية مصرية لوضع اليد على الثروات الليبية أو التراب الليبي ، أو لبسط النفوذ المصري على الشرق الليبي ، ليست مستبعدة . لكنها لن تصل - بتقديري - إلى غايتها ؛ ليس لانتفاء شهية الافتراس ، بل لأنه لن يُسمح للنظام في مصر ، بأكثر مما يقتضيه لعبُ دورٍ وظيفيّ - مأجور - يقع تحت السيطرة ، في لعبة الأمم .
لكن للغزو وجها آخر ، هو الغزو الديموغرافي القادم من الشرق ، الجاري - تراكميا و بهدوء - على قدم و ساق في الشرق الليبي ، و الآخذ بالتوسع الاستيطاني ، و اكتساب الهوية المحلية " البرقاوية " ، باكتساب الجنسية الليبية . و قد يأتي يوم تتحقق فيه الأطماع المصرية سلميا و (ديمقراطيا !) ، باستفتاء الشعب في " إقليم برقة " ، لتقرير حق المصير بالانضمام إلى مصر !
و بهذه الملامسة لنظرية الاحتمالات في مجال السياسة و العلاقات الدولية ، ننهي الجزء الثاني من المقال : (نهر الكفرة) يفجر الأطماع المصرية بليبيا . لكن للحديث صلة ... قادمة .
---------------
مصادر و مراجع وردت الإشارة إليها
- محمد حسنين هيكل : المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل / الجزء الثاني . عواصف الحرب و عواصف السلام . دار الشروق .
- مركز الدراسات و البحوث الاستراتيجية (تونس) : ورقة بحثية / الحرب على طرابلس و إرهاصات الصراع المصري التركي .
- المرصد العربي للحقوق و الحريات : هل قام هيكل بتوريط " السيسى" لاحتلال شرق ليبيا من أجل البترول ؟! / مقالة رأي . موقع (masress) نقلا عن صحيفة الشعب .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,968,431,904
- (نهر الكفرة) يفجر الأطماع المصرية بليبيا 1/2
- لن تدخلوها (قراءة في الحرب على طرابلس)
- أبو الأنبياء .. ....!
- فصلٌ من الكوميديا الليبية السوداء (3/3)
- فصلٌ من الكوميديا الليبية السوداء (2/3)
- فصلٌ من الكوميديا الليبية السوداء (1/3)
- جرة قلم !
- المرأة و إعادة إنتاج الهيمنة الذكورية
- كشف التزوير في ثورة التكبير
- رسكلة أو إعادة إنتاج النظم التسلطية (ليبيا / نموذجا)
- متوفر حسب الطلب
- أكذوبة الجيش (الوطني) الليبي في دولة الميليشيات
- مشكلة الإنسان المجوف فاقد الأبعاد
- دكتاتورية سلطة الكومبرادور
- ( لا ) مرفوعةً إلى الأسّ العشريّ
- هل هي إصلاحات اقتصادية ؟ (2/2)
- هل هي - إصلاحات - اقتصادية ؟ (1 / 2)
- لا .. لمشروع الدستور الجديد / 4
- لا .. لمشروع الدستور الجديد / 3
- لا .. لمشروع الدستور الجديد / 2


المزيد.....




- من بستان زيتون في مصر إلى منتجع في الفيوم يقدم البط والحمام ...
- دعوات التظاهر في مصر: -سب وغضب- صبري شهوان وفيديو مسيرات أطف ...
- كيف تخفف آلام الظهر الناتجة عن العمل من المنزل؟
- الحرس الثوري الإيراني يرصد حاملة طائرات أمريكية بواسطة -المس ...
- صور: سعودييون يحتفلون بعيدهم الوطني الـ90 تحت شعار "هم ...
- التأثير المدهش للقراءة بصوت عال
- الهجرة إلى أوروبا: الاتحاد الأوروبي يستعد لإعلان خطة جديدة ل ...
- شاهد: شباب وشابات يحتفلون باليوم الوطني السعودي على دراجاتهم ...
- كيف ولماذا أصبح ترامب رمزاً لليمين المتطرف في ألمانيا؟
- مصحات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: أين يَــكْــمُــنُ ال ...


المزيد.....

- معركة القرن1 واشنطن وبكين وإحياء منافسة القوى العظمى / حامد فضل الله
- مرة أخرى حول مسألة الرأسمال الوطني / جيلاني الهمامي
- تسفير / مؤيد عبد الستار
- قطاع غزة تحت الحصار العسكري الصهيوني / زهير الصباغ
- " رواية: "كائنات من غبار / هشام بن الشاوي
- رواية: / هشام بن الشاوي
- ايدولوجية الانفال وجينوسايد كوردستان ا / دكتور كاظم حبيب والمحامي بهزاد علي ادم
- إبراهيم فتحى وحلقة هنرى كورييل ومستقبل الشيوعية فى مصر / سعيد العليمى
- من الكتاب الأسود للمجرم جمال عبد الناصر، مؤامرة الوحدة الإن ... / الصوت الشيوعي
- من الكتاب الأسود للمجرم جمال عبد الناصر، مؤامرة إنقلاب الموص ... / الصوت الشيوعي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد بن زكري - (نهر الكفرة) يفجر الأطماع المصرية بليبيا 2/2