أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق مثليي الجنس - سعود سالم - دفاعا عن المثلية















المزيد.....

دفاعا عن المثلية


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 6576 - 2020 / 5 / 28 - 00:48
المحور: حقوق مثليي الجنس
    


هناك إشاعة قديمة مفادها أن الله شعر بالوحدة والملل ذات يوم في سمائه البعيدة، وبعد عدة محاولات تمكن من صناعة مخلوق عجيب يختلف عن الملائكة وعن والجن والشياطين الذين كانوا يملؤون السماء في ذلك الوقت، وهذا المخلوق الجديد هو السيد آدم بلحمه ودمه، خلقه الله من الطين ليخدمه ويشاركه الحديث من حين لآخر وليقص عليه الحكايات. ولكن السيد آدم نفسه بدأ يشعر بالملل والوحدة، ويبدو أنه لم يتمكن من التفاهم مع الخلوقات النورانية ولا النارية المتواجدة والتي تتسكع على أرصفة السماء بدون هدف محدد، وكان يهيم وحيدا في الجنة من الصباح إلى المساء دون أن يقابل أحدا ودون أن يكلم أو يلمس أي مخلوق ثم يعود في الليل لينام وحيدا في مغارته. وعندما رأى الله حزنه وغمه أشفق عليه، فأخذ ضلعا من صدره - من صدر آدم ـ وصنع منه السيدة حواء لتؤنسه وتبعد عنه شبح الوحدة وتصاحبه في جولاته بين الحقول والأشجار والحدائق الوارفة الظلال ولتدفئه في الليالي الباردة. وتضيف الإشاعة بأن الله خلق الرجل والمرأة ليتزاوجوا ويكونوا أسرة وينجبوا العديد من الأطفال ليتكاثروا ويعمروا الأرض بذريتهم، ليعبدوا الله ويسبحوا بحمده، فالله، كائن مصاب بعقدة العظمة، لا يستريح ولا يأتيه النوم قبل أن يسمع إسمه ملايين المرات يتردده على شفاه أبناء وبنات آدم، وقبل سماع صلوات عبيده وتضرعاتهم وشكرهم له على منته العظيمة بمنحهم الحياة والرزق .. إلخ. وحتى قبل ظهور نظرية التطور، فإن العديد من الآدميين اكتشفوا عدم مصداقية الإشاعة، وأن الأسطورة لا قيمة لها أكثر من كونها خرافة نقصها أونرويها للأطفال للتسلية ولقتل الوقت. ولكن كما هو دائما في هذه الأحوال هناك من يصر على تصديق الإشاعة ونشرها بين الناس، وهذا في حد ذاته ليس المشكلة، فهناك المئات من الإشاعات التي تظهر وتختفي كل يوم، المشكلة أن هذه الإشاعة أصبحت بعد عشرات القرون من تكرارها، شيئا يشبه الحقيقة وفقدت جانبها الأسطوري، والمشكلة الأخرى الأكثر إزعاجا أنه حسب هذه الخرافة لا نستطيع أن نتزاوج إلا بين آدم وحواء، لأن الله خلقهما لهذا السبب، وممارسة الحب أو الجنس بين رجل ورجل آخر أو بين إمرأة وأخرى يصبح شذوذا عن القاعدة ويدخل في باب التحريم ومن ثم العقاب في الدنيا بالضرب والإهانة والسجن والتعذيب وربما القتل من قبل السلطة الدنيوية، وبالحرق في نار جهنم بيد الله نفسه وأزلامه في الآخرة. وهؤلاء الناس بطبيعة موقفهم تجاه هذه الأسطورة ونتيجة توقف العقل عن القيام بمهمته الأساسية في التفكير، لا يدركون الوضع الحقيقي للإنسان الذي يريد أن يمارس حريته الأساسية في الإختيار لمن يريد أن يقضي حياته معه، فليس هناك للإنسان الحر أي قانون أخلاقي، طبيعي أو إلهي أو من سكان كوكب المريخ يمنعه من أن يحب ويمارس الجنس ويقضي حياته مع رجل آخر إذا كان رجلا أو مع إمرأة إذا كان هذا الإنسان إمرأة، لأن هذا الأمر أساسا لا يتعلق بالأخلاق ولا بالخير أو بالشر. إنه ممارسة لحرية الإنسان الأساسية في إمتلاك جسده وأعضاءه وحواسه ورغباته ولذاته مهما كان نوعها وغرابتها بالنسبة لعامة الناس، ما دامت ناتجة عن رضى ورغبة الطرفين في هذه الحياة. غير أن إدانة المثلية الجنسية لا تنحصر في عملاء القوى الإلهية الغيبية فقط وإنما تشمل المجتمع الرجالي بكافة أطيافه، ويشمل حتى الذين يدعون مقاومة الإستعمار الديني من قوى معتدلة وعلمانية ومستنيرة ويسارية، كما هو الحال فيما يتعلق بحرية النساء وحقوقهن. ذلك أنه توجد إشاعة أخرى مفادها وجود ما يسمى بالطبيعة البشرية، وأن هذه الطبيعة تجعل الرجل رجلا والمرأة إمرأة وتحتم على الرجل أن تثيره المرأة وتشعل في جسده حريقا من النار والشبق لمجرد أن يرى قطعة من لحمها، وأن المرأة تتجه غريزيا للرجل وعضلاته المفتوله وشعر ذقنه أو لحيته. وهذه الطبيعة البشرية لا يمكن تغييرها أو تفادي نتائجها، فالرجل الذي لا تثيره النساء جنسيا هو رجل شاذ إن لم يكن مريضا ويحتاج للعلاج، والمرأة التي لا يثيرها الرجال مهما نفخوا صدورهم هي بدورها شاذة أو باردة أو مثلجة جسديا وتحتاج إلى طبيب ليوقظ في جسدها رغبة الرجال وغريزة الأمومة. إن الإيمان بوجود طبيعة بشرية أو فطرة أو غريزة بشرية، هو نتيجة مباشرة للإيمان بوجود مصنع إلهي صنع فيه "البروتوتيب" الأول وهو السيد آدم الذكر، أما إذا تركنا هذه الإشاعة لمصيرها الطبيعي كإشاعة ونظرنا للإنسان كوعي في تطور وتغير مستمر، فإنه لا يوجد أي سبب طبيعي يحصر العلاقات والحب واللذة الجنسية بين المرأة والرجل ويمنع كل الممارسات الأخرى. ومن المفارقات العجيبة، أن هؤلاء المؤمنون بالطبيعة البشرية، يصرون على أن تطبق هذه الطبيعة بقوة القانون الإلهي وبقوة السلاح، ويطلبون من الدولة أن تقوم بهذا الدور، ولم يتسائلوا لحظة واحدة أن اللجوء إلى القوة والقمع والإرهاب هو وحده دليل كاف عن عدم مصداقية فكرة الفطرة والغريزة والطبيعة البشرية. فمن الطبيعي أن يأكل الإنسان ويشرب وينام ويفرغ فضلاته .. ولا أحد يفكر في فرض هذه الأشياء الطبيعية - التي نشترك فيها مع كل المخلوقات الحية ـ بقوة السلاح أو فرضها بالقوانين. فممارسة الحب لم تعد من الممارسات الغريزية والفطرية، لأن الإنسان له العقل والتفكير والحب والعلاقة مع الآخر، فنحن نعرف اليوم أن الإنسان لم يعد يمارس الجنس من أجل إنجاب الأطفال بطريقة أوتوماتيكية كما تفعل القطط والأرانب، وإنما من أجل غرض وهدف أكثر سموا وأكثر إنسانية، وهو الحب وممارسة الحياة مع الآخر بغض النظر عن هويته الجنسية لخلق مجتمع يخلو بتاتا من التفرقة بين المواطنين لأي سبب كان. ونعرف أيضا أن المجتمع الرجالي هو الذي يكون ثقافيا وإيديولوجيا الرجل كرجل والمرأة كمرأة بواسطة أجهزة ومؤسسات متعددة كالأسرة والدين والتربية والعادات والتقاليد البالية وكذلك الإعلام والمدارس والجامعات والمساجد والأدب وغيرها من أجهزة صناعة الإنسان ليتطابق مع البروتوتيب الثقافي والديني الذي لا يوجد في حقيقته إلا في مخيلة السلطة الرجالية الفحولية. وكل هؤلاء الذين يحاربون أجسادنا وحريتنا في التصرف فيها كما نشاء، هم بكل بساطة يريدون إقالة العقل والفكر وعودة الإنسان إلى حيوانيته الأولى لكي يعيش حسب الغريزة كالماعز والأبقار.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الله يزور نيوتن
- داغرمان - الفنان والموت
- ستيج داجرمان .. أو الحياة المضعوطة
- بخصوص ذكرى أول مايو
- الهروب للأمس البعيد
- زمن الإختناق
- السيدة ليليث
- السيد إبليس
- السيد آدم
- دحو الأرض والسماء
- أسطورة التكوين في التراث الإسلامي
- كتاب الموتى
- عن الموت والفكر الميت
- عن النمل وكلام الله
- القلب الخفي لعدوى الكوفيد
- كوفيد ١٩
- الله كعدو شخصي
- العقل الديني مرآة العقل الذكوري
- في إنتظار البداية
- الصخرة


المزيد.....




- اعتقال موظفة رفضت إعادة أكثر من مليون دولار أودعت في حسابها ...
- -النواب- المصري يوافق على اتفاقية مع البنك الأفريقي بشأن الإ ...
- مقتل أربعة في هجوم لـ-داعش- استهدف منشآت عدة منظمات إغاثة في ...
- ميساء شجاع الدين: غياب الهوية الوطنية وعدم وجود رو?ية سياسية ...
- البابا فرنسيس يحيي قداساً مع سجناء ولاجئين
- في 22 دولة.. مبادرة للهلال الأحمر القطري لتوفير لقاح كورونا ...
- أحكام على أسرى وتمديد اعتقال آخرين وإفراجات
- إيطاليا تفرج عن سفينة إنقاذ المهاجرين -ألان كردي- المحتجزة
- الإحتلال يشن حملة اعتقالات بالضفة والقدس ويتوغل في غزة
- هيئة الأسرى ونادي الأسير يكرمان الأسير المحرر أبو السباع في ...


المزيد.....

- المثلية الجنسية تاريخيا لدى مجموعة من المدنيات الثقافية. / صفوان قسام
- تكنولوجيات المعلومات والاتصالات كحلبة مصارعة: دراسة حالة علم ... / لارا منصور
- المثلية الجنسية بين التاريخ و الديانات الإبراهيمية / أحمد محمود سعيد
- المثلية الجنسية قدر أم اختيار؟ / ياسمين عزيز عزت
- المثلية الجنسية في اتحاد السوفيتي / مازن كم الماز
- المثليون والثورة على السائد / بونوا بريفيل
- المثليّة الجنسيّة عند النساء في الشرق الأوسط: تاريخها وتصوير ... / سمر حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق مثليي الجنس - سعود سالم - دفاعا عن المثلية