أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعود سالم - داغرمان - الفنان والموت















المزيد.....

داغرمان - الفنان والموت


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 6564 - 2020 / 5 / 15 - 19:01
المحور: الادب والفن
    


٢ - داغرمان - الحياة الفنية والنهاية السريعة
في عام 1945 ، نشر ستيج داغرمان في الثانية والعشرين من عمره روايته الأولى Ormen - The Snake - الأفعى-، لقد كانت قصة معادية للعسكر وللعسكرية مع فكرة "الخوف" كموضوع رئيسي لها، وهو توجه طبيعي لروح العصر في زمن الحرب. أعطته المراجعات النقدية لهذه الرواية الأولى في الصحف المتخصصة سمعة إيجابية ككاتب لامع وينتظر له مستقبل زاهر. وعلى أثر ذلك ترك عمله في الصحيفة "Arbetaren" ليتفرغ كلية للكتابة الأدبية مع مواصلة نشر قصائده في هذه الصحيفة التي يعتبرها مسقط رأسه الروحي كما سبق القول. وفي العام التالي، نشر داغرمان De dömdas ö - The Island of the Doomed - جزيرة المنكوبين - ، التي أتم كتابتها في خلال أسبوعين، كما لو أنه "ترك الله يقوم بالكتابة بدلا منه" كما قال بعد ذلك. القصة تحكي حياة سبعة بحارة غرقت بهم سفينتهم، وكل منهم محكوم عليه بالموت، كل منهم يسعى إلى شكل من أشكال الخلاص على طريقته.
في عام 1946 ، أصبح داغرمان اسمًا مألوفًا في السويد من خلال رحلته الصحفية إلى ألمانيا التي مزقتها الحرب ليجري تحقيقا عن حياة هذا الشعب بعد الهزيمة وفشل المشروع النازي. نُشر تحقيقه لاحقًا في شكل كتاب بعنوان Tysk Höst ـ الخريف الألماني. بدلاً من إلقاء اللوم على الشعب الألماني في فظائع الحرب، وبدلا من وصفهم بالجنون أو الشر كما أعتادت أن تفعل الصحافة الغربية في ذلك الوقت، صور داغرمان الاعتيادية البشرية للرجال والنساء الذين سحقتهم الحرب ومع ذلك واصلوا الحياة بين ألأنقاض. بالنسبة له، يكمن جذر الكارثة في عدم إلقاء الضوء الكافي على دور المنظمات والمؤسسات الكبرى التي تسير الجماهير وتقودها نحو الحروب والتي تعيق التعاطف والمسؤولية الفردية تجاه الآخرين وتتخلى نهائيا عن مسؤوليتها ويصبح دورها الوحيد هو طاعة أوامر الآلة الكبيرة، المنظمات الكبرى التي يندد بها هي المؤسسات العسكرية والدينية ومؤسسة الدولة. ويرى أنه بدون المسؤولية الفردية والتضامن الجماعي فإن البشرية بأسرها مهددة بالإنقراض.
"أعتقد أن العدو الطبيعي للإنسان هو التنظيم الضخم mega-organization، لأنه يحرمه من الضرورة الحيوية ليشعر بالمسؤولية تجاه رفاقه، يساهم في تقييد إمكانياته لإظهار التضامن والحب، وبدلاً من ذلك يحوله إلى أداة لقوة متسلطة، في البداية توجه قوته ضد الآخرين، ولكن في النهاية ستتوجه ضده هو نفسه ".
ثم نشرمجموعة من القصص القصيرة بعنوان Nattens lekar - ألعاب الليل - The Games of Night سنة 1947 ، حظيت باستقبال إيجابي من قبل النقاد وبتقدير كبير من الصحافة المتخصصة. أغلب هذه القصص ألفها في مزرعة أجداده، وهي مكتوبة من منظور سيكولوجية الأطفال، استخدم فيها أسلوبًا طبيعيًا رقيقًا يجذب جمهورًا واسعًا من القراء. أما أشهر قصص داغرمان القصيرة، "Att döda ett - To Kill A Child " "أن تقتل طفلا"، فإنها تجسد التأثير القوي للسينما والسرد السينمائي على كتاباته. في صور متتابعة، صورة تلو الأخرى، أدرك كيف يوصل للقاريء أن سلسلة من الأحداث العادية والطبيعية تمامًا وربما المملة تصبح مقدمة لمواقف الرعب.
في نفس العام 1947، افتتحت مسرحيته الأولى "Den dödsdömde - The Man Condemned to Death” الرجل المدان حتى الموت" التي عرضت في ستوكهولم سلسلة من المسرحيات نشرت في العام التالي، وكذلك نشر روايته الثالثة Bränt barn - A Burnt Child - طفل محترق. القصة هي سرد لحالات سيكولوجية، تتعلق بعذاب ثلات شخصيات مضطربة شاب ووالده وعشيقة والده. كتب داغرمان بعد ذلك رواية واحدة أخرى فقط بعنوان Bröllopsbesvär - Wedding Worries ـ مخاوف الزفاف، نشرت في عام 1949، اعتبرها البعض أفضل ما أنتجه. في هذه الرواية، عاد مرة أخيرة إلى مزرعة أجداده وشخصياتهم لوصف الحالة الإنسانية، بما في ذلك البحث عن السكينة أو الغفران والخلاص. في هذا الكتاب، استخدم داغرمان، الذي جرب طوال حياته المهنية أساليب أدبية مختلفة، ما يسمى بتيار الوعي stream-of-consciousness كطريقة للإحاطة بالشخصيات المختلفة وإعطائها عمقها الإنساني.
بعد نجاحاته المبكرة والسريعة، استمرت التوقعات والآمال المعقودة عليه في الإزدياد، وهذا الضغط الخارجي ساهم في إنكفاءه على نفسه وإزدياد إحساسه بالكآبة والقلق، وأصبح يشعر بعدم الإرتياح مع عائلة Götze التي انتقلت لتعيش في الضواحي. وكان عليه أن يجد مخرجا من هذه العزلة النفسية والوحدة الوجودية الخانقة، فوجد في المسرح وجوه الإحتفالي وطقوسه مهربا من الجو العائلي الخانق. بصفته كاتبًا مسرحيًا، وحتى مخرجًا في إحدى المناسبات، التقى بالعديد من أصدقاء وعشاق عالم المسرح والتمثيل والإخراج ومصمموا الديكورات وغيرهم، تاركًا عائلته لفترات قد تطول أو تقصر في كل مرة. في نهاية المطاف، حدث ما لا مفر من حدوثه في مثل هذه الظروف وانفصل داغرمان عن زوجته الشابة النقابية والناشطة السياسية من أجل العيش مع ممثلة مشهورة في ذلك الوقت، أنيتا بيورك Anita Björk، وتزوجها لاحقًا سنة 1953. وقد أتيحت الفرصة لداجرمان لزيارة هوليوود مع شريكته الجديدة، التي تحصلت عقدًا للعمل مع ألفريد هيتشكوك في سنة 1952 لتكون صاحبة الدور الرئيسي في فيلم I Confess، وذلك بعد أن رآها في أحد أفلامها الكبيرة Miss Julie. على الرغم من أنهم أقاما صداقات مع بعض الممثلين مثل مونتغمري كليفت Montgomery Clift، إلا أنهم لم يهتموا كثيرًا بالحياة في لوس أنجلوس أو الجو الاستبدادي لحياة الاستوديو. وبعد بضعة أشهر، حزموا حقائبهم للعودة إلى السويد. كان الحدث الذي سارع في فشل مشروع الإستقرار في مدينة السينما هو أنهم أتوا إلى هوليوود مع طفلهم الصغير، رغم عدم زواجهم بعد. والأسوأ من ذلك بالنسبة لهوليوود الشديدة الرجعية في ذلك الوقت من أوائل الخمسينيات، أنه لم يتم الطلاق بعد بين ستيج وزوجته الأولى. عندما طالب الاستوديو بتقديم ملف Stig للحصول على طلاق سريع في الولايات المتحدة، رفض العشيقان هذا التطفل والتدخل في خصوصيتهما، وهنا أمر رئيس ستوديوهات وارنر، جاك ل. وارنر Jack L. Warner هيتشكوك أن يجد له ممثلة أخرى، وعادوا إلى ديارهم بدون أي ندم. وقد لعبت الممثلة آن باكستر Anne Baxter دور Ruth Grandfort بجانب مونتوجمري كلفت.
لكن الراحة النفسية والعاطفية كانت شديدة الصعوبة وبعيدة المنال عاطفيا وماليا. شعر داغرمان بالذنب لترك أبنائه الصغار وزوجته، وتحمل الديون المتزايدة لدعم عائلته الأولى. وكان يفترض ويحاول إقناع نفسه بأنه سيتمكن من تسديد ديونه عندما ينشر كتابه التالي ... أثناء محاربته للاكتئاب المتفاقم والقلق المتزايد وعسر الكتابة وغياب "الإلهام" الذي ينهك أعصابه، كتب داغرمان مقالًا يشبه السيرة الذاتية "Vårt behov av tröst är - Our need for consolation is insatiable - " حاجتنا إلى العزاء لا تشبع - حول كفاحه والبحث عن طريقة للبقاء على قيد الحياة. كما كتب "Tusen år hos gud" A Thousand Years with God -ألف سنة مع الله" - جزء من رواية جديدة كان يخطط لها - والتي أشارت إلى تحول إلى اإتجاه أكثر "تجريدية" في كتاباته. على الرغم من صراعاته، واصل داغرمان تقديم أشعاره الساخرة اليومية لـ "Arbetaren"، آخرها الذي نشر في 5 نوفمبر 1954، في اليوم التالي لانتحاره في خريف عام 1954 مختنقا بدخان سيارته.
تتعامل أعمال داغرمان مع المشاكل العالمية للأخلاق والضمير، والجنس والفلسفة الاجتماعية، والحب، والتكافل، والعدالة. على الرغم من المحتوى الكئيب والشديد السواد، فإنه يعرض أيضًا حسًا هزليًا ونوعا من السخرية اللاذعة. وقد قارن النقاد أعمال داغرمان بأعمال فرانز كافكا وويليام فولكنر وغيرهم من القلقين، يعتبره الكثيرون الممثل الرئيسي لمجموعة من الكتاب السويديين تسمى "Fyrtiotalisterna" "كتاب الأربعينيات" الذين واجهوا مشاعر الوجود بالخوف والاغتراب والقلق وعدم المعنى الشائعة في أعقاب فظائع الحرب العالمية الثانية.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ستيج داجرمان .. أو الحياة المضعوطة
- بخصوص ذكرى أول مايو
- الهروب للأمس البعيد
- زمن الإختناق
- السيدة ليليث
- السيد إبليس
- السيد آدم
- دحو الأرض والسماء
- أسطورة التكوين في التراث الإسلامي
- كتاب الموتى
- عن الموت والفكر الميت
- عن النمل وكلام الله
- القلب الخفي لعدوى الكوفيد
- كوفيد ١٩
- الله كعدو شخصي
- العقل الديني مرآة العقل الذكوري
- في إنتظار البداية
- الصخرة
- يقظة السيد نون
- زمن الموت البطيئ


المزيد.....




- حرب المئة عام على فلسطين.. قصة الاستعمار الاستيطاني والمقاوم ...
- كاريكاتير السبت
- رواية -من دمشق إلى القدس-  للروائي يزن مصلح
- إصابة النجمة ميساء عبدالهادي برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي. ...
- كاظم الساهر يتضامن: قلوبنا مع شعب وأطفال فلسطين
- 7 أفلام جسدت النضال الفلسطيني في السينما
- سلا.. هجرة جماعية لمستشارين بجماعتي عامر وبوقنادل لحزب الحم ...
- اختيارها مخاطرة... مخرج -المداح- يكشف اسم فنانتين اعتذرتا عن ...
- طرق وحضارات ومدن عريقة.. جدل الهوية والتاريخ في تمبكتو
- انطلاق عرض «صاحب مقام» ابتداءً من الليلة على «المسرح العائم» ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعود سالم - داغرمان - الفنان والموت