أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سيف الدولة عطا الشيخ - قضية التراث 3















المزيد.....


قضية التراث 3


سيف الدولة عطا الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 6553 - 2020 / 5 / 3 - 23:54
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


قضية التراث 3---3
قراءة في كتاب " نحن والتراث " د. محمد عابد الجابري
دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت الطبعة الثاني 1982م
مقدمة:
في المقال السابق (2 – 3 ) ظهر أن " الجابري " يُحمِّل فلسفة " أبن سينا " ( المشرقية ) مسئولية تكريس الإتجاه الروحي الغنوصي؛ والذي كان سبباً في ردة الفكر العربي – الإسلامي, وأرتداداً عن العقلانية المنفتحة التى سبق أن حمل لواءها " المعتزلة "؛ وقد بلغت أوجها مع " الفارابي ". ونتيجة لهذا التحول أنتجت الفلسفة " السينوية " مسارات لا عقلانية قاتلة لم يعمل الإمام " الغزالي " و " السهروردي " وأمثالهما إلا على نشرها وتعميمها في مختلف الأوساط والمجالات. وهذا هو سبب السقوط في ظلامية الغيب الخرافي. بناءً على هذه النتيجة, يرى " الجابري " أن الأمل سيكون في المغرب العربي, حيث الفيلسوف العربي وشارح أرسطو " ابن رشد ". فهل بالفعل قامت المفلسفة المغربية وخاصة فلسفة " ابن رشد " بإعادة بناء العقل العربي الإسلامي الذي دمره " ابن سينا " أم أن الأمر لم يختلف إلا في بعض الوسائل المنهجية, ومن ثم كان الشقوط الكامل في دائرة العقل الغيبي؟
في اعتقادي ومن أجل انبثاق الفكر البشري, فلا بد من أن تكون هناك منصات انطلاق ثقافية تدفع الجدل ما بين الواقع وحاجيات الإنسان إلى إنبعاث مقولات التواصل الذهني؛ والتي في اساسها تنشأ وتنمو من جذور خبرات سابقة ومكتسبات لا حقة يحكمها الواقع الراهن. وعليه, ومن أجل معرفة إن كان " ابن سينا " بالفعل مداناً بالهدم, أو أن " ابن رشد " هو من أعاد البناء, فيتوجب العودة إلى سابق الخبرات الثقافية التي كانت سبباً في تشكيل مسطح الإنتاج. ومع ذلك فلكل باحث رؤيته الخاصة في اختيار الأفق المناسب لجدلية فكره. فهنا نجد " الجابري " قد اختار الأفق الإسلامي لينتج من عناصره عروبة الإسلام عكساً لـ " حسن حنفي " الذي كان قد اختار الأفق العربي لينتج منه عناصر اسلامية العروبة. بمعنى أن الأخير يرى الأفق هو إسلامي في حين يرى الأول أنه أفق عربي.
لقد كان " الجابري " مهتماً بتحديد الحقل " العربي – الإسلامي " الخالص. وعلى قاعدته الإسلامية المكتسبة كان التركيز على ما أُصطلح على تسميته بـ " التوفيق بين العقل والنقل ", تلك الرؤية التي كرّسها الإسلام. ومن خلال هذا المصطلح سيكون البحث عن الإشكالية التي واجهت الفلسفة المغربية, المتمثلة في " الفلسفة المشرقية ".
علينا, وقبل الدخول في متاهات هذا البحث التراثي أن نضع في الحسبان أن اللغة التراثية تنتمي إلى تلك التي تم جمعها من مضارب العروبة البدوية بحجة أنها تنتمي إلى الماضي الغائب. في حين أن اللغة التي تقوم بالبحث هي لغة اليوم الحاضر. وفي إطار هاتين اللغتين تظهر القاعدة المنهجية التي سار عليها التراث العربي ولازال, أي " الإستدلال بالشاهد على الغائب ". هذا الغائب هو الذي أدى إلى فتح الثغرات لدخول مفهوم "الفيض " القادم من حضارات ما قبل الإسلام. وهنا ستشتد المواجهة مع العقل النظري " الرشدي " من ناحية, والعقل الشرعي عند " الفقهاء " من ناحية أخرى. وعلى هذ, سيبدأ البحث من منصة اللغة للوقوف قليلاً عند علاقتها بمقولة " الشاهد والغائب ". ثم محاولة الكشف عن العلاقة ما بين المشرق والمغرب. وأخيراً نتجه صوب " ابن رشد ".
اللغة ما بين الشاهد والغائب:
لم يكن المجتمع الإسلامي – خاصة الفترة العباسية – عربياً خالصا؛ وإنما تشكل من كثرة ثقافية مختلفة في بعض عناصرها إلى درجة التباين. إنعكاساً لهذا الوضع تداخلت اللهجات واللغات وأسفحلت العُجمة. وهي ظواهر تهدد لغة القرآن بالتفكيك والإندثار,327. الشئ الذي دفع علماء اللغة والنحو إلى القيام بمحاولة (تنظير جادة ... إلى تجميع وتقنين اللغة العربية لغة القرآن)326. ولنجاح هذه العملية لجأ العلماء إلى منهج الإستقراء لقياس ما لم يسمعوه من كلام العرب " الغائب " على ما أجتهدوا في سماعه من الأعراب والقبائل النائية "الشاهد "327. بهذا الإجراء تشكلت كيفية استدعاء الماضي من خلال الشواهد المتبقية من عربية على وجه الصحراء. وعلى ذات النمط الماضوي قام علماء الدين بـ ( تقنين الشريعة وتعميمها ... على المجتمع والتاريخ) 328. ولإكتمال مثلث الضبط المعرفي تحرك علماء الكلام لتأسيس " التوفيق " بين النقل والعقل. وهنا بالضبط كانت فتحة الإختراق الثقافي. ذلك أن مفهوم " التوفيق " يسمح للشعوب غير العربية أن ترجع إلى ماضيها لإستدعاء حضارتها؛ ومن ثم يتم توفيقها مع العقيدة الإسلامية وثقافتها والتي في أصلها ثقافة لكافة الشعوب وليس للعروبة فقط كما أسلفنا القول مع " د. حسن حنفي " الذي كان يسير بموجب الأفق الإسلامي.
بتكاثف التوفيقات المختلفة وما نتج عنها من جدل, تصاعدت الأشعة العقلية إلى خارج الأفق الثقافي العام غير انها كانت مصطصحبةً معها تلك اللغة القادمة من منطقة الغياب الماضوي؛ وذلك للبحث عن خبرة مشابهة إلى حدٍ ما تستطيع خلالها أن تنتج علوماً تتناسب مع البئية الإسلامية الشاملة. وعلى أثر ( حلم الخليفة المأمون غير البريء اندفعت الترجمة لـ " قراءة البنية الفكرية اليونانية بواسطة ثوابت الفكر الإسلامي )331.
إن قراءة الفلسفة داخل الثوابت الدينية والتي هي في الأصل مؤسسة على منطق " الشاهد والغائب " والذي تم إبداعه لتأسيس لغة الماضي بديلاً عن الحاضر, فإن هذه القراءة لن تنتج عقلاً له من الحرية ما يسمح له إبداع مفاهيم جديدة. وإنما عقل لا يعمل إعادة بناءً الحاضر الفكري على نمط ما سبق من حضارات سواء اليونانية عند الفارابي أو الفارسية عند ابن سينا. وبذا يكون منطق " الشاهد والغائب " قد تم تطبيقه على الفلسفة مثلما كان ذلك في اللغة والشريعة. وهذا ما أدى إلى تمزيق الوعي الفكري ما بين مدينة فارابية فاضلة تأمل في ظهور حاكم فيلسوف لمجتمع " فاضل " بعيد كل البعد عن مجتمع الجاهلية والضلال الحاضر. أما ابن سينا وبإستخدامه للفكر الإسماعيلي – الحراني وما أخذه من " فيثاغورث " وأمشاج من العلوم السرية, فقد أنتج حكمته المشرقية والتي بها دمر كل آمال الفارابي.129 اما اللغة صاحبة الأصل فقد صعدت إلى عوالم التراث المقدس. ونتيجة لهذا الوضع لم يبقى غير المعراج الصوفي. فهل تمكن الفكر الأندلسي المغربي من الإفلات ومن ثم تكوين عقلاً عربياً خالصاً؟
ما بين المشرق والمغرب:
يؤكد " الجابري " أن ( محاولات فلسفة ابن رشد ... ونظريته في العلاقة ما بين الدين والفلسفة, والفارابي وفلسفة السياسة والدين .. ابن سينا وفلسفته المشرقية, المحاولات الثلاث يكمل بعضها بعضاً بالفعل في المنهج والرؤية؛ ولكن موضوعاتها لا تشكل حلقات من سلسلة واحدة) 304. فبالنسبة للمنهج, يرى " الجابري " أن " ابن سينا " قد استخدم نفس طريقة المتكلمين في " الإستدلال بالشاهد على الغائب " على حسب اصطلاحهم. غير أن " ابن سينا " لم يتوقف عند حضور الغائب عن أرسطو أو الفارابي؛ بل ذهب بعيداً جداً في استدعاء الروح اليونانية السابقة لأفلاطون. وبهذا الخلاص الروحاني وفي حضور تربيته " الإسماعيلية " استطاع الوصول إلى غايته الأساسية. هذه الغاية وكما يزعم " الجابري " هي ( تخريب الذات العربية بتحويلها من العقل إلى اللاعقل؛ وبذا يكون الشيخ الريس أكبر مكرّس للفكر الغيبي الظلامي الخرافي في الإسلام )211. لا في المشرق فقط وإنما إمتد إلى الغرب والأندلس. غير أن فلاسفة المغرب كانوا ( وآعين به كل الوعي )358. هذا الوعي هو الذي أدى إلى تمايز " الروح السينوية والروح الرشدية " وبكيفية أعم , الفكر النظري في المشرق والفكري النظري في المغرب. وهكذا يريد " الجابري " فصل الفكر المغربي العربي عن الفكر المشرقي الإسلامي. وبالرغم من وحدة القاعدة الميتافيزيقية إلاّ أن " الجابري " يؤكد عل القطيعة الأبستيمولوجية بين الضفتين.
تظهر هذه القطيعة جلياً في مبادئ التأسيس. فالسفة المشرقية قد تأسست على سُنن علم الكلام أو على الأقل ظهرت في كنفه وترعرت بجانبه؛ فشاركته مهمته وأشكاليته. 249 ولأن علم الكلام أصلاً نتج دفاعاً عن العقيدة ومن ثم أصبح منصة انطلاق للفكر الشرقي. ومن خلال ذلك صار دمج الدين في الفلسفة لدى "الفارابي" وسيلة لبناء دولة الخلافة على أساس العقل الكوني.. أما " ابن سينا " فقد اصب الدمج عنده يمثل قضايا الدين وجزئياته في قضايا الفلسفة وجزئياتها. وهنا تسربت المفاهيم الحرانية؛ وبواسطتها أنتج الشيخ الريس فلسفته الدينية المشرقية. وقد كانت هذه الفلسفة المشرقية تنشد الوحدة على الصعيد الروحي بعد أن تعذر تحقيقا على الصعيد الواقعي. بهذا الترقي الصوفي كان الإلتقاء مع فكر " الفيض " والتي كانت تمثل القاعدة الأبسميولوجية المشتركة للفكر النظري الفلسفي المشرقي. وعلى أثر ذلك اكتسبت هذه الفلسفة مظهراً إرتدادياً مشدوداً إلى مدرسة حرا الصابئية.
في اعتقادنا أن القرب من الحضارة الفارسية وما قدم من ترجمات الفلسفة اليونانية في بغداد وكثافة الجدل الفلسفي, كل هذا قد أدى إلى التباعد من نمط الثقافة العربية الخالصة وبامقابل تأسست ميتافيزيقا الثقافة الإسلامية. في هذا الإطار الجديد ذابت الخصوصية العربية ومن ثم صارت الفلسفة إسلامية تعتمد على علم الكلم المشرقي. أما في المغرب العربي, فإن الفقهاء والعلماء وكما يرى " الجابري " انهم على وعي بهذا الإنفلات, ولذلك عملوا كل جهدهم في التحكم على سلطة المعرفة الثقافية والسياسية. فما من فكر ينطلق إلا بإذنهم. ومن منصة هذه السلطة كان السماح في ( أول الأمر بتداول علوم الطب والحساب والفلك لفائدتها العملية وصيغتها " الحيادية " في مجال الصراع بين النقل والعقل وبالتالي في مجال السياسة. ثم لما أخذت الحاجة تدعو إلى المنطق – أو على الأقل إلى بعض مفاهيمه – وبكيفية خاصة في الفقه وفي أصوله, سُمح بتعليم هذا الفن والتاليف فيه.)252 ولهذا التوجه المُحكم, كانت الفلسفة في الأندلس – فلسفة ابن ماجه وابن طفيل و ابن رشد – قد تأسست على العلم؛ على الرياضيات والمنطق مما سيجعلها فلسفة علمية " علمانية "
إذا وافقنا " الجابري " على هذه العلمانية, فيجب أن نكون على حذر, ذلك أن هذه العلمانية لم تخرج لتصبح نماً للفكر العقلاني منفصلاً عن الميتافيزيقا الدينية, بل وكما يذكر " الجابري " نفسه أن الحكام السنيين والفقهاء المتزمتين ولخوفهم على هيبتهم السلطانية, أقاموا سداً إرهابياً " ضد البحث في الطبيعيات والإلهيات والتي تسربت مقولاتها الفلسفية إلى المجتمع الأندلسي عبر الجمعية المسرية " محمد بن عبدالله بن مسرة الباطني "245.
على ما تقدم من تحكم وحذر, يمكن القول أن تأخر ظهور الفلسفة في المغرب كانت تحكمه عدة عوامل من بينها واساسها الخوف من فقهاء السنة المتزمتين من ناحية, والخوف من الفكر الإسماعيلي من ناحية أخرى. وللخروج من هذا السياج كان لابد من ثورة إنقلابية يتم فيها تجاوز صراعات السنة والشيعة, ثم التوجه إلى تحرير الفلسفة من علم الكلام واشكالية التوفيق بين النقل والعقل. وفي ذات الوقت الخروج الكامل من " الصيقة المشرقية " والأفلاطونية المحدثة, وكذلك مسألة دمج الدين في الفلسفة والعكس. هذا العمل ولضمان نجاحه يتوجب الرجوع إلى أصل النصوص الفلسفية اليونانية وبالذات فلسفة أرسطو. وفي هذه المنطقة يمكن تجاوز التأويلات السينيوية التي كانت تشكل أنذاك العمود الفقري لـ " المشائية " العربية في المشرق.
من داخل هذا الحقل التجاوزي كانت إنطلاقة " ابن ماجة " لتدشين العمل الذي سيكمله ابن رشد فيما بعد. نقصد بذلك شرح أرسطو بواسطة أرسطو نفسه.257
إبن رشد:
يأخذ ابن رشد على فلاسفة المشرق ومتكلميه في كونهم ( أذاعوا الفلسفة بين الجمهور دون ان يراعوا قدرتهم على تقبلها, فشوشو تفكيره وعقيدته ... إن الإفصاح بالحكمة لم ليس من أهلها, يلزم عن ذلك بالذات إما ابطال الحكمة وإما ابطال الشريعة, وقد يلزم بالعرض الجمع بينهما.)341 غير أنه وبالرغم من الفصل التحذيري, فـ " ابن رشد " لا يقول بـ " حقيقتين " أحدهما للخاصة وأخرى للعامة؛ بل إنه يؤكد على أن الحقيقة واحدة. ولكن إدراك العلماء لهذه الحقيقة الواحدة يختلف عن إدراك الجمهور لها. وهذا الإختلاف في إدراك الحقيقة والوعي بها يرجع فقط إلى المستوى المعرفي للشخص لا إلى الشئ.254
يحدد ابن رشد " الخاصة " بأهل البرهان, أهل المعرفة العلمية؛ وهم أصل المعرفة العقلية التي تنطلق من المحسوسات لتصعد إلى النظرية المجردة بواسطة التعليم وتحصيل المعرفة. وهي المعرفة الوحيدة التي يعترف به. اما " الجمهور " ولإرتباط قدرتهم الإدراكية بالمحسوسات فإنهم ولكثافة عملية التخيل غير المشروع والخالي من مقاصد المعرفة, فيعسر وقوع التصديق لهم بموجود ليس منسوباً إلى شئ مُتخيل.254
قبل أن نسقط في متاهات طرق العثور على العقل يذكرنا " الجابري " أن حقل البحث هنا لا يخرج عن إطار عالم الغيب " الدين " وعالم الشهادة " الفلسفة "؛ ومهما كان الإختلاف فإن الغاية – الحقيقة – واحدة. وعليه لا يكون الفصل بين العالمين إلاّ مجرد فصل إجرائي. وتأكيداً لهذا يرى " الجابري " أن الخلاف بين القول الديني والقول الفلسفي بغض النظر عن مبادئ كل منهما, يتعلق فقط بطريقة التعبير عن الحقيقة والإفصاح عنها. العقل يستعمل البرهان, أما الوحي فيلجأ إلى الإستعانة بالحس والخيال.347 وهكذا, تهتز مبادئ الفصل والوصل. وحلاً لهذا الإشكال يكون التراجع إلى العقل الديني الموافق للقرآن. ذلك أن القول الديني؛ القرآن بكيفية خاصة – هو دوماً على وفاق ما يقرره العقل؛ وتواصلاً لهذا التوافق العقلي والديني, فإن آيات القرآن وحتى إن ظهر فيها ما يخالف البرهان العقلي, فيجب البحث مرة أخرى داخل القرآن, وحتماً تُوجد " آية " أخرى يشهد ظاهرها على المعنى الحقيقي المقصود بالآية الأولى, أي المعنى الموافق لما يقرره العقل.348 ومن هنا كان معنى التأويل هو: إعادة بناء القول الديني بناءاً عقلياً مع وحدته الداخلية.348
على ما تقدم, نرى ان الدين في المغرب ولإنقاذه من مدرسة الفلسفة المشرقية, قام ابن رشد بالعودة إلى أصل نصوص الفلسفة اليونانية وشرحها بما لا يخلُ القول الديني. وقد أدى هذا إلى اختزال الفلسفة وإدخالها إلى حقل التأمل المنطقي؛ وذلك في محاولة لفصل البرهان عن العرفان. أما المشرق ولغوصه في الصراعات الإيديولجية وثقافة الحاضرات السابقة للإسلام, فإننا نجد أن الجدل بين المدارس قد أنتج علم الكلام المتولد من رحم المنطق الفلسفي. وبتداخل الغيبيات السابقة مع الإسلامية القائمة, تشكلت على ضوء هذا ميتافيزيقا إسلامية شاملة لا يكون العقل العربي الخالص إلاّ على الهامش السياسي. ولهذا كما نعتقد أن مشروع " الجابري " هو محاولة لتأسيس هذا العقل العربي من خلال " ابن رشد " الذي يفصل بين العامة والخاصة في إدراك الحقيقة.
يبدأ الفصل الحاسم فيما هو قابل للتأويل وما هو لا يقبل التأويل وإنسجاماً من نزعته الأكسيومية يقرر ابن رشد, أن الدين يقوم على ثلاثة مبادئ لا يجوز أبداً تأويلها هي: الإقرار بوجود الله, الإقرار بالنبوات, الإقرار باليوم الآخر.348 ويعني هذا أن ما تبقى قابل للتأويل؛ بشرط " احترام خصائص الأسلوب العربي في التعبير, واحترام الوحدة الداخلية للقول الديني, ومراعاة المستوى المعرفي لمن يوجه إليه التأويل. فالتأويل هو مخطبة الناس حسب عقولهم. 352. بهذا يكون العقل المتوافق مع الدين هو في أساسه عقل ديني محض, يحاول ومن داخل لغة الدين أن يكشف عن الحكمة والحقيقة والأخلاق؛ وما يفعله لا يخرج عن ألعاب اللغة. أو كما يقول " الجابري " صناعة لغوية في جزء منه ... -لك أن التأويل هو ربط النتائج بالمقدمات, والمقدمات بالنتائج داخل القول الديني نفسه, هو البحث المقصود وراء التعابير المجازية والأمثلة الحسية.351 وهنا تظهر مسألة الظاهر والباطن, والتي فيها يرى " الجابري " أن لا علاقة لها ( بالظاهر والباطن عند المتصوفة او الشيعة الباطنية أو غيرها من الإتجاهات الغنوصية التي عرفها المشرق – بل وفوق كل ذلك بعيدة كل البعد عن محاولات الغزالي وابن سينا اللذين عملا على تضمين كثير من الآيات القرآنية معاني مستقاة من تصورات الأفلاطونية المُحدثة.)351
في هذا التباعد المتميز يرى " الجابري " أن الظاهر عند ابن رشد ( هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني, والباطن هو تلك المعاني التي لا تتجلى إلاّ لأهل البرهان.16 فصل المقال. ولكي يفرق " الجابري " بين أهل العرفان وأهل البرهان, يقول أن المعاني ( تتجلى لأهل البرهان لا لأنهم يملكون علم الباطن, بل فقط لأنهم يستطيعون ربط الأمثال الحسية بمدلولها العقلي, ورد النتائج إلى المقدمات والعكس.)352 وبإستخدام العقل عند أهل البرهان في عملية التأويل – أو الإجتهاد – يستطيع الفيلسوف – البرهاني – فهم الدين نفسه. ويستطيع العالم الديني إضفاء ما يلزم من المعقولية والصرامة المنطقية على معاني القول الديني. وبذلك يدركان أنهما على وفاق, وأن " الحكمة " هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة ", وأن النظر البرهاني لا يؤدي إلى مخالفة ما ورد به الشرع؛ لأن كلاً منهما يطلب الحق " والحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد عليه" 50 فصل المقال. إذا فهو جدل داخل حقل الدين وربما يكون على هامش الفلسفة.
وهكذا تكشف عن الغاية التي كانت هدفاً للدين والفلسفة, أي " الحق ". وليس هذا الحق المنشود شيئاً آخر غير الفضيلة.352 وهنا تتجلى أرآء الحكيمين الفارابية, وبالذات المثالية الأفلاطونية. وللخروج من هذا المزلق يشير " الجابري " وعلى حسب ثنائية البرهان والعرفان وإعتماداً على المفاهيم الرشدية نجد ( الدين يطلب الفضيلة العملية عن طريق حمل الناس على السلوك الفاضل مباشرة, أما الفلسفة فهي تطلب الفضيلة العملية عن طريق المعرفة النظرية التي تدفع صاحبها إلى السلوك الفاضل.)352 وطالما ان الغاية – الحق – الفضيلة – واحدة, فإن طريق الدين المتمثل في التصوف العرفاني سيتقاطع مع التصوف البرهاني الذي تمثل الفلسفة. ولكن .. وحتي لا يفلت ابن رشد المغربي ويسقط في غيبية الفلسفة المشرقية, يتقدم " الجابري " ليؤكد أن فلسفة ابن رشد ( كانت فلسفة مستقبلية على الرغم من ارتباطها بأرسطو )359 بدليل أنها كانت أقرب إلى فكر النهضة في أوروبا.358 وبالذات الفلسفة المسيحية التي كانت قد تراجعت مع ظهور العقل التنويري. أما أما الفلسفة المشرقية وبقيامها على فكر الفيض, اكتسبت لدى الفارابي ولدى ابن سينا خاصة, مظهراً إرتدادياً جعلها مشدودة إلى مدرسة حران خاصة.358 ومع ذلك تظل غيبية ابن سينا هي المهيمنة على الوعي الميتافيزيقي الديني. فها استطاع الفكر العربي المعاصر الخروج بذات الكيفية التنويرية الأوروبية لإكتشاف الإنسان كذات عقلانية فاعلة؟ أم أن الصراع مابين الإسلاموية والعروبية لا زال هو المهيمن؟






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قضية التراث 2
- قضية التراث
- الفسفة والنقد
- الشفاهية والكتابة
- ديالكتيك الطبيعة
- قراءة في - الحق في الفلسفة - جاك ديريدا


المزيد.....




- فرنسا تدافع عن قدراتها على تصنيع الغواصات
- رئيس البرلمان التركي ينتقد سياسات أوروبا بشأن الهجرة والإسلا ...
- نقابي إيطالي: المتاجرة بالبشر في ازدياد.. ومصالح -إجرامية دو ...
- الهند.. لمؤلف كتاب طبائع الحيوان شرف الزمان طاهر المروزي
- السعودية...8 أعمال تضع مرتكبيها تحت طائلة القانون بتهمة التس ...
- وزير الدفاع البريطاني: 250 أفغانيا في خطر بعد كشف معلومات سر ...
- استطلاع: 78% من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة يطالبون الرئيس ...
- ألمانيا تشهد جريمة قتل غير مسبوقة بسبب كمامة طبية... -عمل مر ...
- إفشال محاولة الانقلاب في السودان قد تفتح مرحلة جديدة
- تضارب مواقف... ما الذي يترتب على سحب الثقة من الحكومة الليبي ...


المزيد.....

- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- الإنكليزية بالكلمات المتقاطعة English With Crosswords / محمد عبد الكريم يوسف
- الآداب والفنون السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع / وليد المسعودي
- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر
- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سيف الدولة عطا الشيخ - قضية التراث 3