أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سيف الدولة عطا الشيخ - الفسفة والنقد















المزيد.....



الفسفة والنقد


سيف الدولة عطا الشيخ

الحوار المتمدن-العدد: 6544 - 2020 / 4 / 23 - 04:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الفلسفة والنقد
مقدمة:
إنه مدخل, وربما من الأجدر أن نقول إنها مجرد محاولة أولية إلى المدخل ويعود هذا الحذر إلى أننا هنا نمارس الفلسفة وكما هو ملاحظ فإنها لاتٌحظى بالتفاعل المنهجي النقدي الموٌثر في تحولات الوعي. فهي عند أمناء العقل تُصنف من العلوم الفاسدة والمنحرفة عن القيد الايديولوجى.وفى ذات الإطار الفلسفي , وبما أن الفلسفة أصلا في طبيعتها نشاط عقلي ناقد , نجد أن النقد نفسه يتعرض للهجوم من أمناء الإبداع. ولهذا دائما ما نجد مسافة من الريبة والشك الشخصانى ما بين المبدع والناقد , بل ويتحرك الرفض إلى إن يصل إلى أعالى السلطات سوأء السياسية أو الإقتصادية أو الاجتماعية ....الخ. وهنا تظهر الصورة الكاملة ضد النقد ,ومجاورة لذلك يتم رفض الفلسفة.... , وهكذا يكون الوعي تحت أيدي أمينة .
عندما يكون الوعي في أساسه قد تم اكتسابه تلقينيا , فإنه بلا شك لايقبل التحليل والنقد ولا يسمح بالبحث في ماورأ الظاهر والذي يشكل الحقيقة , ذلك أن الحقيقة نفسها يتم تلقينها بواسطة الأمناء فأي عقل غير عقل الأمناء هو قاصر ومحدود. الطريف في الأمر أن تلك العقول الأمينة لاتكتسب الحقيقة تحليليا وإنما إسناديا, وبالتالي هي نفسها عقول تلقينية , ومع ذلك يجب الأخذ بما يقوله الأمناء وإلا نكون خارج ملة الخطاب المعرفي المسيطر على بوصلة الوعي .
إذن , ليس أمامنا إلا أن نقف بالقرب من الجدار المانع وألاَ نلج إلى الداخل إلاَ إختلاسا ,فما سنقوم به وعلى سنن هذه الذكورية التلقينية الإسنادية يُعد قلباً للنظام المعرفي , والدخول إلى عالم نهايات السلطة النخبوية مما يعنى ضرب وتفكيك الايديولوجيا المانعة للحرية , وهنا بالضبط يكمن أساس الحذر , فالحرية تعنى نهاية سلطة الرجال .
بناءا على هذا فإن ألمحاولة وعلى الأقل ومبدئيا ,لاتخرج عن مجرد الإشارات السريعة العابرة , ولهذا رسمنا العنوان (الفلسفة والنقد )) دون الإشارة إلى نوعية نقد معين , إضافة إلى أن الفلسفة نفسها لانتعامل معها كبناء مذهبي لمفاهيم متعالية عن الحراك العام المتداول . بل هي النشاط العقلي الناقد للعقل نفسه مما يعنى أن الفلسفة نشاط دائم لتأسيس التواصل المعرفي من خلال تداول الصور النقدية للتأسيس.
أما مفردة "نقد", فإن وضعها بلا تحديد, يترك لنا مجالا واسعا لتعميم حركة العقل التواصلي على سائر نشاطات المهارة الذهنية ,ذلك أن النقد وفى مبدئه الأساسي سلوك طبيعي في الوعي.
ألمنهج:
لانريد في هذا المدخل غير الوصف من مسافة معقولة , بمعنى أن العمل سيكون تداولي مابين الفلسفة والنقد وحواري إلى درجة المطابقة . ماسيتم ليس مقارنة وإنما بحث عن علاقة ترمى إلى دمج النشاطين في وحدة حركية ذهنية عقلية معرفية, فالنقد كنشاط فكرى يهدف إلى (المعرفة الفكرية ,وهو لايخلق عالما خياليا مختلفا كعالم الشعر أو الموسيقى , بل هو معرفة فكرية ,أو يهدف إلى التوصل إلى مثل تلك المعرفة.)1, وهذا يعنى أن النقد هنا يستخدم أدوات الاكتشاف مثل الاستنباط والإستقراء والاستنتاج , وتلكم ذات أدوات الفلسفة , وربما يكون الاختلاف في أن الفلسفة تتحرك إبداعيا لإنتاج المفهوم الذي من خلاله تتم المعرفة الكلية للمسطح الذي تنثال عليه المفاهيم في تسارع حدسي , وعمل الفلسفة هنا التقاط وإبداع للفهوم الذي يمثل هذا الحراك المفاهيمى ,في حين أن النقد يتحرك إبداعيا للوصول لا إلى المفهوم مباشرة ,وإنما لكشف المعرفة الإبداعية المرتبطة بمفهوم مسطح النص أو الموقف الخاضع للنشاط النقدي. إن هذا التداخل هو الذي يحدد سلوك منهج الوصول إلى الوحدة المتمثلة في النشاط المنطقي للذهن , وهذا النشاط في طبيعته نشاط نقدي , ولهذا سيكون مبدأ الإنطلاق هو النقد ومن خلال الحراك النقدي تظهر معالم المفهوم الفلسفي للنقد..

كلية النقد:
إن تداخل النقد مع الفلسفة يتيح لنا إمكانية تعميم "النقد" على ساير أنماط المعرفة , بمعنى انه لم يعد يعنى بالآداب والفنون فقط , وإنما يستمر في إختراقاته داخل كافة المهارات ولهذا الحراك الكلى طرحت جماعة مدرسة فرانكفورت مفهوم "النظرية النقدية" ليتم تطبيقها كسلوك نقدي داخل البحوث الاجتماعية, ذلك من اجل (دفع قضية التحرر والإنعتاق من خلال ماتراه جهداً نظرياً موجهاً ضد الهيمنة التي أشاعتها مرحلة التنوير واستمرت مع كانط)2 ,وبتطور هذه النظرية كان الوصول إلى إمكانية تحليل البنى الاجتماعية , ومن ثم تعميمها بشكل ديالكتيكى ناقد متناسبا مع اللحظة التاريخية المعنية ,ولهذا فإنها نفسها ناقدة فاحصة لأيديولوجية المجتمع ومعرية له ..
من المؤكد أن نقد التشكيلات الاجتماعية يعنى نقد الثقافة بكامل منتجاتها , الأدبية والفنية , إضافة إلى نقد الايديولوجيا المهيمنة على ذهنية المبدع , ولهذا قامت " النظرية النقدية " بإستدعاء "الفلسفة النقدية" الكانطية ومن ثم إعادة بناءها على واقع الوعي الاَنى . ولان هذه الانية هي تراكمات تاريخية وايديولوجيات ثقافية متعددة أصبح النقد (فعالية فكرية لعملية تفكير ذاتي للعقل )3 منقولة إلى ذات المسطح الموضوعي لتلك التراكمات , وبإنكشاف ثغرات هذا المسطح في اتجاه التفكير الذاتي يتفاعل الوعي لإبداع المفهوم المحتوى على كامل المفاهيم المتسارعة. ولهذه الحركة الديالكتيكية كان حضور الماركسية في نقدها الإقتصادى السياسى, ونقدها للنظام الهيجلى في انعكاسية النقد الجدلي للمعرفة , وبهذا التكوين تم تركيب المشروع (القاضي بإقامة نظرية إجتماعية تستمد مصادرها من داخل الماركسية التي جددوا طاقتها النقدية وأخصبوها بعلائق مضافة مع نظرية التحليل النفسي والأبحاث السوسيولوجية التجريبية)4 .
هكذا نجد النقد قد ظهر من داخل الفلسفة بل أصبح أداة فلسفية للكشف , وهى ذات الوظيفة التي يقوم بها كأداة فنية للكشف عن الظاهرة الإبداعية في الفنون والآداب. فالنقد يتقدم إلى الظاهرة الإبداعية متجها نحو فكرتها الشاملة التي تغطى كامل العناصر المكونة للنص,كما تتقدم الفلسفة إلى الظاهرة الجوهرية التي أنتجت الظاهرة الإبداعية , وذلك من خلال نقد التكوين الإجتماعى المؤدلج , وعند إلتقاء صدق المفهوم الفلسفي للظاهرة مع صدق النقد المكتشف لبنية الظاهرة , يكتمل الفضاء المعرفي , وبهذا الإجراء يكون التواصل مابين النقد والفلسفة..
النقد الإبداعي:
ترتبط مفردة إبداع, بظاهرة الفنون والآداب,مع أن النقد في أصله إبداع لأنه كشف. وطالما ذلك كذلك , فإن النقد يصبح إبداع الإبداع . وإن كانت (الفلسفة هي فن تكوين وإبداع وصنع المفاهيم)5, كما يقول جيل دلوز , فإنها تلتقي مع الآداب والفنون في فن التكوين الإبداعي للمفاهيم ,ثم تخرج لتلتقي مع النقد في تحليل ذات المفاهيم لإصدار المفهوم الذي يكون النموذج"الباراديغم" للمرحلة, وهذا النموذج يكون دائما في حالة الدفاع عن وجوده أمام حركة العقل الناقدة لما هو كائن , فليست هناك نظرية مطلقة الصحة , والإبداع دائما وابدآ إبن مرحلته ,ومع هذا يتوازى دائما نقد الآداب والفنون ونقد الفكر الذي تقوم به الفلسفة.
يكتمل النقد الأدبى بالصياغة الفكرية التي تقابل المفهوم في الفلسفة , غير أن النقد داخل الفلسفة يستمر في دورانه الذهني ناقدا للمفهوم نفسه , ومن ثم يعاد البناء مثلما ماحدث في عودة النقدية الكانطية والماركسية. إضافة إلى ذلك فإن تحولات الفلسفة في عمومها ومنذ ماقبل سقراط والى الآن ماهى الإ سلوك نقدي لما تم انجازه, وفى المقابل فإن ظهور المدارس النقدية المتعددة دليل على أن النقد وفى توجهه إلى الإبداعات الأدبية والفنية ينعكس على ذاته فيظهر نقد النقد ممهدا لنموذج "باراديغم" جديد مناسبا للمرحلة الإبداعية.
ينتقل النقد الأدبى حاملا فكرته من حقل إلى اخر وغالبا مايكون للمفهوم الفلسفي تأثير في هذه التحولات , إذ بظهور المفهوم الحديث تحدث تأثيرات نقدية ذاتية وموضوعية,تؤدي إلى تغييرات في النظرة الكونية مما يتطلب إعادة النظر في طبيعة الإنسانية في ذاتها. وبالطبع فإن هذا يؤدى أيضاً إلى الإبداعات المواكبة, وبالمقابل يتحرك النقد الموضوعي لتحديد خطوط التوازن الإبداعي في الإنسان ,وبهذا الحوار يكتمل التواصل النقدي.
إن العلوم الطبيعية والإنسانية , لم تظهر الإ بعد حراك ذهني نقدي للموروث المفاهيمى المتميز بقابلية التحليل والتركيب, ومن ثم تكشفت بنيات الوحدات القابلة لتحولات الوعي , وفى مقابل التغيرات وتجدد المتطلبات وتداخل النشاط النقدي تتكشف بعض الثغرات , وبامتلاء مستحدث منتج من الواقع الانى , يكون التجاوز للبناء السابق لا بإقصائه تماما وإنما بإعادة بناء النهج بما يناسب المرحلة .. وهكذا يتابع الذهن الانسانى مسيرة التماسك سرديا منذ انكشاف وجوده الذاتي ككائن مخترق للحجاب الطبيعي إلى ماوراء الطبيعة, ومن داخل هذا الخيال المتناثر على مسطحات الوعي تظهر الإبداعات الفنية المختلفة باختلاف بيئة الحوار النقدي.
ليس كل من توجه إلى المنتوج متفحصا يعد ناقدا؛ فهناك مبدع ودارس ثم ناقد. ولايعنى ذلك ترتيبا تصاعديا أو العكس وإنما تواصل تحليلي يكون فيه النقد أكثر حرية في افتراض ماسكت عنه المنتوج والذي ظهرت معالمه من خلال تتبع الدراسات والتي كانت في الأصل تبحث وتنقب عن وحدات تشكيل الخطاب الذي يمثل مسطح المنتج. وبناءا علي هذا التداخل المتمايز يمكن القول أن(الأدب والدراسات الأدبية ... فعاليتان متمايزتان , إحداهما خلاقة وفن , والأخرى إذا لم تكن علما بالضبط فهي ضرب من المعرفة أو التحصيل)6 , ومابين الفعالتين يتحرك النقد داخل الموضوع الإبداعي موظفا خبرته الإبداعية والدراسية وفى نشاط معرفي متكامل تظهر خفايا المنتوج, وبالجدل مع الظاهرة يكون التماسك والإنسجام النصي ومن ثم يكون إكتشاف الإضاءات المشعة من كامل الخطاب. بهذا يكون عمل الدارس الأدبي ومن خلال مادة الإبداع, محاولة بحث عن تاريخ وتطور وانتماء للمادة وهنا يمكن تحديد السمة المميزة للمرحلة. أما الناقد , ومن خلال تراكم الخبرات الإبداعية والدراسات المنهجية فإنه يتجه إلى المقاييس والمعايير التقيمية والتي بالفعل تحكم ذاك الإنتماء. إن هذه الحركة بكاملها تتصادم مع حركة الوعي الممنهج فكريا. وهنا يكون التداخل مابين العلوم والفلسفة والدراسات الأدبية ,وبما أن هذه العلوم تتحرك في تفاعل نقدي, فإن النقد الأدبي يتمايز دون التخلي عن تأثيرات العلوم المجاورة للطبيعة الإبداعية. ذلك أن النقد لايأتى من خارج الوعي الإنساني المنتج للعلوم ذاتها .
العلوم الطبيعية والنقد:
هنا تقريبا تبدأ إشكالية تداخل المناهج,فالعلوم الطبيعية من إبداع الإنسان وكذلك العلوم الإنسانية. ولكن ..... كيف تتمايز مناهج البحث, فالطبيعة غير الإنسان؟ ولهذا فإن البحث في الطبيعة يختلف عن البحث في الإنسان. صحيح أن الإنسان لايخرج عن أسر الطبيعة , ومع ذلك فهو متمايز بخصوصية الوعي بذاته ككائن له وجوده المطلق خارج الطبيعة, وفي هذا الفضاء ينطلق العقل ليملأ معظم المساحات التي يمكن بواسطتها التوازن مابين الداخل الذاتي والخارج الموضوعي, بهذه الإمكانية فإنه لا يمكن تشكيل صورة الطبع الانسانى في إطار صارم من المعادلات كما نفعل مع العلوم الطبيعية. لقد ظهر هذا الإشكال لاحقا , ومن قبل لم يكن غير الطبيعة بما فيها الإنسان نفسه. ثم وبعد أن خرجت العلوم عن الفلسفة "اٌم العلوم" لم يكن أمام هذه العلوم غير مناهج الطبيعة المرتبطة بعقلانية الأنساق الفلسفية الكبرى؛ ومن ذات الحقل ظهرت الدراسات الأدبية والنقد للمعالجة الإبداعية المستوحى من تأثيرات ذات الحقل. هكذا يكون تشكيل وحدات الخطاب .
لقد كانت محاولات الإستقلال وتأسيس الخصوصية هو واحد من أهم تطور مناهج النقد, فهناك من يرى أن العلاقة بين الطبيعة والإنسان تبادلية حوارية يأخذ الإنسان ماينفعه في مقابل مايقدمه من اصلاح وترميم. وهناك من يرى أن الإنسان أصلا جاء مستعمرا للأرض ,.....الخ, أما الإبداع الحر فإنه يخاطب الطبيعة ككائن لا مجسما هناك وإنما صورة ذهنية تحملها لغة التطابق الإجتماعى في موضوعية تتشكل بحجم الطبيعة نفسها, وفى هذه المنطقة" الهيولية" تكمن مشكلة المعالجة النقدية الكاشفة والتي تحاولى السير بين سيرين , اى مابين التطابق مع الطبيعة والخصوصية الفكرية , .... إنه صراع فكرى نقدي داخل مناطق الإبداع الأدبي, فهناك إعتراف في (أن للبحث الادبى مناهجه الخاصة التي لاتتطابق دائما مع العلوم الطبيعية إلا أنها مع ذلك مناهج فكرية )7 , وهذا يعنى أن التجربة الإبداعية وبالرغم من اختلافها فإن ترجمتها إلى عمل موضوعي تتطلب مصطلحات فكرية متمثلة ومتحولة إلى خطة متماسكة , وبناءا على ذلك يتوجب ( أن تكون عقلانية إذا كان لها أن تٌعد نوع من المعرفة)8 ... ولكن عقلانية الأدب ليست هي عقلانية الفكر الفلسفي أو العلمي ، ف ( العقل الأدبى هو بكل بساطة عقل هاوٍ وغير مختص يرجع إلى أيام ماقبل العلم, يحاول أن يصمد ويستفيد من التسهيلات اللفظية ليخلق الإنطباع بأنه ينطق "بالحقائق" الهامة فعلاً)9 ألا يعنى هذا التداخل أن العقل الأدبي يتحرك مابين العقل الخالص الذي يبحث عن شرعية المطلق داخل تناقضات أخلاقية العقل العملي دون الركون إلى الربط بينهما كي لا يصبح عقلا فلسفيا صارما ؟.... بالطبع يحاول "رينيه ويليك" التخلص من عقلانية التنوير , ولكنه لم يكن بإمكانه الإفلات من الحقل العام. فهي أزمة لحقت معظم بحوث المناهج المتصارعة في سبيل فك الإشتباك مابين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. وهذا ما أدى إلى أن يستنبط "ويلهام ديلثي" ( الفرق بين مناهج العلوم الطبيعية والتاريخ إنطلاقا من التعارض بين الشرح والإدراك وأحتج "ديلثي " في أن رجل العلم يعلل الحادثة إنطلاقا من سوابقها العلية , في حين أن المؤرخ يفهم معناها, وعملية الفهم هذه فردية بالضرورة , بل ذاتية ) 10, بهذا قد فصل مابين العلوم الطبيعية والعلوم والإنسانية( وبعد عام من هذا القول , هاجم "ديلثي " و"يندلباند" مؤرخ الفلسفة الشهير ,الرأي القائل بان على علوم التاريخ أن تقلد مناهج العلوم الطبيعية ,فهذه ترمى إلى وضع قوانين عامة بينما يحاول المؤرخون أن يقفوا على واقعة مفردة غير مكررة)10 . يرى "رينيه ويليك" أن كل هذه المحاولات التي ترمى لإيجاد قوانين عامة للأدب قد فشلت , غير انه يعود قائلا ( إن النقد الأدبي والتاريخ الادبى كليهما يحاولان تمييز فردية اثر أو كاتب أو مرحلة أو أدب قومي م,غير أن هذا التمييز لا يتم إلا بمصطلحات كلية وعلى أساس نظرية أدبية)11 , وبهذا التقرير يعود بنا "رينيه ويليك" إلى جدل العقلانية وحصاراتها المعيارية الصارمة؛ والتي فيها يتأسس المثال الأدبي بواسطة مناهج العقلانية التنويرية , وذلك عبر التساؤل داخل النظام المفاهيمى , وعلى الطريقة التجريبية العقلانية يقرر "رينيه" أننا (نقرأ دائما وفى ذهننا بعض المفهومات المسبقة , وبفضل زيادة خبرتنا في الأعمال الأدبية العملية والديالكتيكية, فإننا نمارس النقد في تغيير وتعديل تلك المفهومات المسبقة , وهذه بالطبع محاولة تبادل مابين النظرية والممارسة)12 ,ومع ذلك , ومهما كان التعميم ( فإن معنى العمل الفني لايستنفد بل تتساوى هذه العملية مع قصد الكاتب , ذلك أن العمل الفني يعيش حياة مستقلة باعتباره منظومة من القيم)13
بهذا تصل الدراسات الأدبية والنقدية إلى المعيار الأفلاطونية لتؤسس عقلانيتها داخل أدبيات فلسفة التنوير.
التحولات:
في طرحنا لنموذج "رينيه ويليك" في نظرية الأدب , كنا نحاول وفي عجالة أن نرسم تصورا لأثر الفلسفات العقلانية النسقية في الاداب والفنون التي تم إنتاجها داخل فضاءات المراحل الكلاسيكية , فقد كانت العقلانية بدءا من ديكارت إلى نهايات هيجل مرورا بسيبوزا وكانط حداثة في مقابل الفكر الغيبي الصارم الذي كان يستند إلى اصولية الكنيسة وفلسفات العصور الوسطى المستندة على حجة الدفاع عن الكنيسة ,
غير ان الإخفاق لازم التحول الإستبدالي , فقد تحول التعالي اللاهوتي إلى تعالي عقلاني, كانت نتيجته تقوية العنصر العرقي ومن ثم تحركت روح الاستعمار ومن برجها العقلاني نظرت إلى الشعوب غير المنتمية إلى جغرافيتها مجرد جماعات بدائية أو ماقبل حضارية .ولكن.....شمل الإستبعاد إنسان الفضاء نفسه وبهذا ظهرت أزمة الفلسفة. ونتيجة لذلك خرجت الفلسفات الإنسانية في محاولة لتحطيم البناء الميتافيزيقي ومن ثم كان الهبوط المباشر إلى الواقع الإنساني وهنا كان الإصطدام ببنية الأزمة الحقيقية أى "اللغة" وبانكشاف هذا العنصر ظهرت فلسفة اللغة والتي بواسطتها إكتمل التداخل النقدي مابين الفلسفة والادب ,إذ كليهما معنيان بالإبداعات الإنسانية المرتكزة على اللغة. غير أن ثورة التحطيم أدت إلى تناثر المفاهيم إلى ذرات مبعثرة , وفي محاولة لضم هذه الإنشطارات ,(ظهرت البنيوية كمنهج ومذهب فكري على أنها ردة فعل على الوضع "الذري")14 ففي (البنيوية لم تعد النظرة "العلمية" إلى الاشياء نظرة جزئية تصل إلى معرفة "الكل" من خلال الجزء وخصائصه , فلا الجزء هو نفسه مع الكل ولا الكل هو مجرد مجموع أجزاءه فقط, بل الأهم هو "العلاقة" التى تسود بين الاجزاء وتحدد النظام الذي تتبعه الأجزاء في ترابطها في الوقت نفسه, فكل بنية هي لا محالة مجموعة علاقات تتبع نظاما معينا مخصوصا)15 .
هكذا تحول المنهج المعرفي من محاولة معرفة "ماهية" إلى "كيفية" ترابط الأجزاء وعملها مجتمعة, وعلى أثر ذلك , تصاعدت مشكلة اللغة, ذلك أنه باللغة (نعرف العالم وبها نبنيه, فما نعرفه من العالم يتم تحديده من خلال اللغة المستخدمة ...,وبالتالي لم تعد اللغة وسيلة سلبية لنقل الأفكار والمفاهيم وإنما هي الأساس الفاعل المنتج لهذه المفاهيم التى تنتقل بواسطتها)15.
إن اللغة هي نظام الدلالة بإمتياز وهي وسيلة التواصل والمعرفة. ويعود الفضل في هذا الإكتشاف الإبداعي إلى مجهودات "فردينان دى سوسير" اللغوي السوسيري.

بنيوية الأدب:
بمثل مإحتضنت العقلانية الكلاسيكية الأدب, تحركت البنيوية لتقرر أن الأدب هو صيغة متفرعة عن صيغة أكبر, أو هو بنية ضمن بنية اشمل هي اللغة-الكتابة كمؤسسة إجتماعية- تحكمه قوانين وشيفرات وأعراف محددة تماما كما هي اللغة كنظام, ومن هذا المنظور يصبح الأدب نوعاً من الممارسة الفعلية –النقدية-داخل إطار الأدب نفسه.
وهكذا سعت البنيوية من خلال وحدة العلاقة إلى مثال "نظامي"علائقي للأدب ليصبح المرجع الخارجي المرتبط بحركة علائقيةٍ مع الداخل, أما إختلاف هذا النموذج من ذاك العقلاني,هو ان الاخير يمتلك نموذجاً ثابتاً وأبدي, في حين أن المعيار البنيوي متحرك وعلائقي, ومع ذلك,يبقى الإشكال في الإطار العام الذي يحكم الحركة والسكون.... للإجابة على هذا تقدم "لوسيان غولدمان" محددا بأن (الناس يضعون البنى التى تمنح التاريخ معنى, ولأن الناس كائنات إجتماعية فإنهم محكومون بتقسيمات عقلية قبلية "بالمفهوم الكانطى" تأخذ لديهم هيئة "رؤية العالم"...وهذه الرؤية للعالم محكومة هي نفسها بالفئة الإجتماعية التى ينتمي إليها الأفراد)16.بهذا الشمول, فإن "غولدمان" يرى أن (العمل الأدبي تعبير عن رؤية للعالم,...وطُرق للنظر والإحساس بكونٍ ملموس مشتمل على كائنات وأشياء, والكاتب نفسه يعثر على شكل ملائم ليخلق ويعبر عن هذا الكون "العالم")17.بهذا التداخل ترتبط حركة الأدب بالقيم "الفكرية الحقيقية" ولهذا فإنه من (الممكن أن يحدث تفاوت كبير أوصغير, بين النوايا الواعية أو الأفكار الفلسفية والأدبية والسياسية للكاتب, وبين الطريقة التى يرى بها ويحس العالم الذي يخلقه)18. هكذا, لم تخرج البنيوية من تأثيرات العقلانية الكلية, وفي نفس الإطار لم تتخلص البنيوية من مفهوم اللغة الوسيط الناقل, ولهذا إحتفظت المفاهيم بتجريداتها والتى تحاول دائما أن تصبح نموذجا أو معياراً .إذاً,.....لابد من التحول ..... فظهرت السيمولوجيا, أى علم "العلامة".
الإنقلاب السيمولوجي:
يعنى هذا الحقل (علم أو دراسة العلامات أو الإشارات)19. وكدأب الفكر التاريخاني رجع "دى سوسير" في إستخلاصه لمسمى السيولوجيا إلى (المهاد الإغريقي ليطلقه على علم العلامة أو الإشارة)20, وعنده أن السيمولوجية أصل واللسانيات فرع منها)20 .وفي هذا التحول أتى دور "رولان بارت" ليقلب الإنقلاب فيزعم أن الأصل اللسانيات والسيمولوجيا هي الفرع, ثم يأتى "جاك ديريدا" فتحدث الإزاحة لزعم "بارت" ويذهب إلى أن( "النحوية" – الكتابة بوصفها أثر- هي سمة الإشارة الكبرى ولابد أن تكون الأصل الذي عنه تتفرع السيمولوجيا واللسانيات)21.
إن إنجازات السيمولوجيا لاتختلف عن إنجازات البنيوية,ذلك أنها(إستهدفت قضايا الطرح التاريخي والنقد الموضوعاتي,وكشف القناع عن سلطة المرجع وتهافت أسبقية المعنى,وكشف الأقنعة المتعددة التى إختفت خلفها هذه السلطة وهي أقنعة تمتد من الايديولوجيا الفجة إلى أدق أنواع الأحكام الجمالية والأخلاقية)22. على كل حال, فالسيمولوجيا شأنها شأن الأنشطة النقدية المعاصرة مرتبطة ببيئة الفكر المعاصر(فهى في تركيزها على حياة العلامات في النص, ومعالجتها شكلانياً يشبه إلى حدٍ بعيد نشاط النقد الجديد في إعتباره النص كياناً مغلقاً على نفسه لا يحيل إلى خارج ذاته)23. وبتداخل الدراسات الإنسانية توجهت الدراسات"العلاماتية" نحو المجتمع , فظهرت مشكلة "الفرد" وعلاقة وجوده في المجتمع, وبنفس الكيفية حضرت "الذات" الفاعلة لإزاحة "الذات" التأملية, وبهذا الحضور "الذاتوي" اصبحت إشكالية حضور وغياب المؤلف مجالاً للجدل النقدي, ولإكتمل التشكل الجديد, دخل "القارىء" كذات "اخر" في حوار "بين-ذاتيات" إبداعية ترنو إلى إعادة بناء الذات الإنسانية من خلال الإبداعات الكلية. ولإنجاح هذا المشروع, إستعادة الدراسات الأنثروبولوجية حضورها الفكري والأدبي من أجل البحث في البناء الثقافي للكشف لا عن الإنقطاعات الحضارية أو التعالي العقلي, وإنماالبحث مع الفلسفة والأدب والنقد الشامل, عن ذاك العقل التواصلي الذي يربط الإنسانية داخل تراكمها السردى لمعنى الحياة.
الخلاصة:
بخاتمة هذا المدخل, نكون قد وصلنا مع اللغة الناقدة إلى تحطيم الكائنات الأيديولوجية وإنهاء التعالي المفاهيمي. فقد ترجلت المفاهيم الصلدة متناثرة داخل ديالكتيك النقد المعرفي الباحث عن حرية تداول المهارات في تواصل وتفاعل. فلم تعد الفلسفة كائنا منعزلا في متاهات الميتافيزيقيا , بل ومع "كانط" هبطت إلى العقل ومع مدرسة " فرانكفورت " تتحرك "النظرية النقدية" في كامل اتجاهات الثقافة البشرية الناتجة من خلال جدل المهارة الإبداعية مع حرية حركة اللغة التعبيرية ,وبذات الكيفية سيصبح الأدب ممارسة نقدية مشروعة للقارئ كمشارك فاعل في الظاهرة الإبداعية , وبالتفاعل الكلي التداولي يمكن تهديد سلطة الأوصياء المتحجرة .
إن السلاح الوحيد من أجل حرية إبداعية, هو سلاح النقد الإيجابي المعرفي الفاعل, وهذا النقد لا يُكتسب انطباعا ساذجاً, وإنما بالنقد الفعلي بعد دراسات وبحوث متجاوزة مرحلة الأكاديمية المدرسية, لتدخل مرحلة الأكاديمية الناقدة الحرة دون الإخلال بالأمانة العلمية. إذا كانت الجامعات هي مهبط الحقيقة واكتسابها, فإن النقد هو الفاعل الحقيقي لحركة الجامعة العلمية. وطالما ذلك كذلك , فإن تدخل الأوصياء في طبيعة الجامعة يلغي دورها وبالتالي يتوقف الوعي ويتهدد مصير الثقافة بالعودة إلى مرحلة التوحش ألغابي. وأخاف إن قلت أن مايحدث على أرضنا هو في أساسه توقف التعليم من أن يكون فاعلاً ناقدا للظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ....الخ, فكل مايفعله الأوصياء هو حسن.
هوامش:
1- رينيه ويليك مفاهيم نقدية ص 10
2- د.ميجان الرويلى ود. سعيدالبازعى دليل الناقد الأدبي " 199
3-4 علاء طاهر مدرسة فرانكفورت "22
5- جيل دلوز ماهي الفلسفة " 28
6- رينيه ويليك وأستين وارين نظريةالأدب "13
-" " " " " " "14
8- رينيه ويليك وأستين وارين نظرية الأدب ص13
9-" " " " " " " 33
10-رينيه ويليك و أستين وارين نظريةالأدب "15
11- " " " " " " " 17
12- " " " " " " " 41
13- " " " " " " " 43
14-د.ميجان الرويلى د. سعدالبازى دليل الناقد "32
15- " " " " " " " 33
16- " " " " " " " 43
17- لوسيان غولدمان , مثال المادية الجدلية وتاريخ الأدب ,ت:محمد برادة " 13
18- " " " " " " " 17
19- د.ميجان الرويلى د. سعدالبازى , دليل الناقد الأدبي "106
20- 21 " " " " " " " 107
22- " " " " " " 114
23- " " " " " " 115






المصادر:
1-. رينيه ويليك, مفاهيم نقدية " , ترجمة :د.محمد عصفور, عالم المعرفة 110 فبراير 1987
2-. د. ميجان الرويلى ,د.سعد البازى , "دليل الناقد" المركز الثقافي العربي بيروت , الدار البيضاء الطبعة الثانية 2000م.
3-. علاء طاهر , مدرسة فرانكفورت , من هوركهايمر إلى هابرماس , منشورات مركز الإنماء القومي بيروت , بدون تأريخ
4-. رينيه ويليك وستين وارين, نظرية الأدب " , ترجمة: محي الدين صبحي المؤسسة العربية للدراسات والنشر , الطبعة الثانية 1981م.
5-. لوسيان غولدمان, المادية الجدلية وتاريخ الأدب " ترجمة :محمد برادة, مؤسسة الأبحاث العربية بيروت , الطبعة الثانية 1986م.
6-. جيل دلوز و فليكس غتارى, "ما هي الفلسفة " , ترجمة : مطاع صفدى, مركز الإنماء القومي بيروت , الطبعة الأولى العربية 1997م.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشفاهية والكتابة
- ديالكتيك الطبيعة
- قراءة في - الحق في الفلسفة - جاك ديريدا


المزيد.....




- أمير قطر: إعلان العلا تجسيد لحل الخلافات بالحوار.. ولا يعقل ...
- بايدن: الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب باردة أخرى
- أمير قطر: إعلان العلا تجسيد لحل الخلافات بالحوار.. ولا يعقل ...
- إيران تعلن استئناف المفاوضات النووية خلال الأسابيع القادمة
- شاهد: العثور على ثمانية صغار لأحد أندر أنواع التماسيح في كم ...
- بنما تطالب بسحب سبع قطع تراثية من مزاد في ألمانيا
- إيران تتحدث عن استئناف المحادثات النووية خلال أسابيع وبايدن ...
- -مطرب الغلابة- ينال شهرة واسعة في مصر وموسيقار شهير يتبنى مو ...
- شاهد: العثور على ثمانية صغار لأحد أندر أنواع التماسيح في كم ...
- إيران تتحدث عن استئناف المحادثات النووية خلال أسابيع وبايدن ...


المزيد.....

- تأملات فلسفية وسينمائية / السعيد عبدالغني
- حوار مع جان بول سارتر حياة من أجل الفلسفة / الحسن علاج
- عن المادية و الخيال و أشياء أخرى / احمد النغربي
- الفاعل الفلسفي في إبداع لويس عوض المسرحي / أبو الحسن سلام
- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سيف الدولة عطا الشيخ - الفسفة والنقد