أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الغني سلامه - من أنا؟















المزيد.....

من أنا؟


عبد الغني سلامه
كاتب وباحث فلسطيني

(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 6421 - 2019 / 11 / 27 - 11:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إذا وقفتَ أمام المرآة، أو إذا التقطت لنفسك صورة "سيلفي"، سترى الكائن الوحيد لذي تملكه ملكية خالصة، والذي سيعيش معك إلى الأبد.. ذلك الكائن، هو أنت.. ربما تسأل نفسك: من أنا؟ غالبا ستجيب بسرعة: أنا فلان، وكأنك تفهم ذاتك تماما، وتعي وجودك بكل وضوح، ولكن، إذا كنت في لحظة صفاء ومصارحة صادقة مع النفس، ستجد إجابات عديدة، ومتناقضة.. وربما لا تعجبك..

يقول علماء النفس أن الإنسان يُرى من أربع زوايا؛ الأولى: يرى نفسه بوضوح، بنفس القدر الذي يراه فيه الآخرون (الشخصية الظاهرة)، والثانية: يرى نفسه بشكل ما، لا يراه غيره (وهنا العالم الجواني، والذي يظهر فيه أحيانا وهم التفوق)، والثالثة: يراه فيها الآخرون، ولكنه لا يراها (هنا الشخص يغفل عن صفات معينة قد تكون متعبة للآخرين)، أما الرابعة فلا يراها لا هو ولا غيره؛ زاوية معتمة، غامضة، تشبه منطقة مجهولة غير مستكشفة (وهذه المنطقة تتفجر أحيانا جنونا، أو عبقرية، أو مواهب دفينة).

إذا التقيت شخصا ما (أو مجموعة أشخاص)، ورغبت بالتعريف عن نفسك، في كل مرة ستجد أنك تعرف عن ذاتك بشكل مختلف، حسب المناسبة، فربما أول ما يخطر ببالك أن تقول أنا فلان، من القرية الفلانية.. أو تقول أنا فلسطيني، عربي، مسلم، إنسان... وبالتأكيد لكل شخص ترتيبه المختلف.. وإذا أردت التخصيص أكثر قد تقول أنا من الحزب الفلاني، أو ناشط في مجال البيئة، أو مناصر لقضايا المرأة، أو مدافع عن حقوق الأطفال..

أحيانا يلزم التعريف عن نفسك بأولوية جديدة، كأن تقول أنا مهندس (إذا كنت ستقدم إلى وظيفة)، أو أنا نباتي (إذا كنت مدعوا على وليمة). أو تقول أنا من برج العقرب، إذا كنت في جلسة دردشة. وفي موسم الكلاسيكو ستقول أنا مدريدي. وربما تقدم أولوية لون بشرتك (إذا كنت عنصريا) فتتصرف بمنطق الرجل الأبيض. أو تعرف نفسك بأن "سُـنّي" في حُمّى الجنون الطائفي. أو تحتار بين جنسيتك الأمريكية وأصولك العربية. أو تفاخر برجولتك إذا كنت في مجلس ذكوري.. وربما تهيمن عليك فكرة أنك مجرد أب في لحظة ما، أو أخ، أو موظف، أو مندوب مبيعات..

من أنت؟ لا تتعجل في الإجابة، لأنها ستحدد هويتك، وشخصيتك، وأسلوب تفكيرك، وأولوياتك.. لا شك أن للإنسان شخصيات متعددة، ومركبة، ومتعايشة معاً في آن واحد.. فتطغى إحداها على الأخرى في لحظة ما، ثم تختفي في لحظة أخرى، وهكذا.. وعيك لذاتك يتغير مع السنين والتجارب، وهذا وضع طبيعي.. وربما تعاني من انفصام في الشخصية، أو تعيش بشخصية مزدوجة، أو بشخصيات متعددة، وهذه حالات مرضية غالبا..

نحتاج أن نعي حقيقة وجودنا، ونتعرف على دواخلنا بشكل حقيقي.. وهذه مسألة صعبة، وتحتاج شجاعة..

أحيانا تقول لنفسك: أشعر بالخجل من نفسي، أو "زهقان حالي"، أو أكره حياتي.. والسؤال هنا: من الذي خجل من الآخر؟ من الذي ملَّ، وكره، وأحبّ؟؟ هل انفصلت عن ذاتك، وانشققت إلى نصفين، وصار كل نصف يكلم الآخر، ويبوح له بمشاعره؟؟ ربما يجيب البعض "إنه الضمير".. فما هو الضمير؟ هل هو عقلك الواعي؟ أم عقلك الباطن؟ أم روحك؟ أم شخصيتك الأصلية التي تشكلت في الطفولة؟ هل للضمير تشكّل مادي؟ هل له وحدة قياس؟ ودرجات؟ ومن يحددها، وكيف؟؟ أسئلة لا تنتهي.. ولكن يتوجب طرحها..

إذا كنتَ تعي نفسك من خلال جسمك (إشباع الحاجات الأساسية).. فهذا الجسم مكون من جينات جاهزة ورثتها دون إرادة منك، وهذه الجينات تحدد كل معالم شخصيتك، كما أن هذا الجسم يتبدل ويتجدد على الدوام؛ تموت الخلايا، ويتساقط الشعر، والأظافر، وكريات الدم.. ويحل محلها جسم جديد، وهذا الجسم الجديد يتشكل من مكونات الطبيعة، فيدخل في تركيبه قطرات من المحيط، وعناصر من شجرة بعيدة، أو من نبتة زرعها فلاح في بلد مجاور، أو من دجاجة تربت في مزرعة نائية.. وتلك الكائنات تغذت على أعشاب في قارة، وخضروات من قارة أخرى، وطرائد من غابات مطيرة.. وجميعها تكونت أصلا من عناصر ومركبات نشأت من الأرض، التي تشكلت من غبار النجوم، عبر ملايين السنين في دورة الطبيعة التي لا تتوقف. والخلاصة أننا جزء من الطبيعة، وجزء من الكون، متحدين معا، وما يميز الإنسان عن النهر، وعن الهواء، وعن الطحالب والطيور والسلاحف هو ترتيب ذرات نفس العناصر.

سيقول البعض أن الإنسان يتميز، ويعي نفسه من خلال الروح، أو النفس، أو الضمير، أو الوعي، أو الإدراك، أو الأخلاق... وتلك جميعها مكونات غير مرئية، وغير محسوسة، ويصعب على العلم قياسها، وإثبات وجودها.. لكنها بالتأكيد موجودة.. أو أنَّ الإنسان اختلقها لإثبات تفوقه على بقية الكائنات..
في سياق متصل، وحسب العلماء الذين يعتبرون الإنسان مكونا من أعصاب وخلايا وهرمونات وتفاعلات بيوكيمائية وعمليات أيضية.. تندرج فيها المشاعر والعواطف والتفكير والانفعالات.. يرى هؤلاء أن الحب هو تفاعل هرموني، ينشأ ويجري في العقل بفعل أنزيمات الدوبامين، التي تمنح شعورا بالسعادة والرضا، والانجذاب للطرف الآخر.. وحين يضعف هذا الإنزيم، يضعف معه الحب.. ما يعني أن للحب فترة صلاحية، مدتها بحدود السنة للرجل، وسنوات أطول بكثير عند المرأة..

في حقيقة الأمر هذا تعريف متعسف للحب، وغير إنساني، والأصح أنّ هرمونات الدوبامين والأوكسيتوسين وغيرها، هي انعكاس لمشاعر إنسانية صافية، أي استجابة كيميائية غير عاقلة لفعل حر عاقل، في عملية تأثير متبادل. المشكلة أن بعض العلماء، يزجون بالعلم في أمور يصعب على العلم فهمها وتفسيرها.. فصاروا أصوليين، مثل رجال الدين، الذين يعتقدون أن لديهم إجابات على كل سؤال.

يرتبط الحب بدرجة الوعي الإنساني، فإذا كان الوعي عند حدود إشباع الحاجات الأولية (الجنس مثلا) سيكون الحب (والزواج) لتلبية هذه الحاجة، وهنا بالفعل سيكون للحب مدى قصير، وإذا ارتقى بوعيه لمرحلة البحث عن تقدير الذات، وتقدير الآخرين، سيرتقي الحب درجة، وسيطول أمده أكثر، وإذا وصل الوعي لدرجة فوق تلبية الحاجات البشرية، والتحم بالحب الكوني الأسمى، سيكون حبا إنسانيا يدوم طوال العمر.. أي حب الذات، والطبيعة، والحياة، وكل الناس.. بتجرد يسمو على التفاصيل..

لذا، حتى تدرك ذاتك، وتفهمها، وتحبها، وتحب حياتك، وقرينك، وأحبائك، والعالم.. عليك أن تعرّف هويتك بأنك إنسان أولاً، قبل أي شيء آخر.. تجمعك مع الآخرين رابطة الإنسانية..



#عبد_الغني_سلامه (هاشتاغ)       Abdel_Ghani_Salameh#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخوف
- اعتذار عائض القرني
- تايه، رواية فلسطينية للأديب صافي صافي
- عن اليسار العالمي والعربي
- أربعة أخطاء في نظامنا التعليمي
- الحرب الطاحنة بين أمريكا والصين
- بريطانيا بين زمنين
- لعنة النفط، وأثره على المجتمعات العربية
- المسيح المخلّص، والمهدي المنتظر، وحروب نهاية التاريخ
- الدين، والضرب على نقاط الضعف الإنسانية
- النكبة، ومستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
- تاريخ النار
- عن تحديث الخطاب الديني
- أسلحة المناخ
- قصة مخطوطات قمران - مخطوطات البحر الميت
- رجل اسمه خوسيه موخيكا
- سفّاح نيوزيلندا
- عقلية المؤامرة
- نيجيريا، والفرص الإفريقية الضائعة
- النوم سنة كاملة


المزيد.....




- كلفة عشاء بايدن وماكرون بلغت نصف مليون دولار
- بعد انتقادات من ماكرون.. بايدن: هناك ثغرات في -قانون المناخ- ...
- واشنطن وباريس تسعيان إلى الاستقلال عن روسيا في مجال الطاقة ا ...
- لافروف: روسيا تقصف البنى التحتية التي تستخدها كييف لقتل الرو ...
- هزة أرضية بقوة 5.2 درجة تضرب جنوبي إيران
- اتفاق ائتلافي بين نتنياهو وحزب -الصهيونية الدينية- المتطرف
- كييف تسعى للحصول على صواريخ -إس 300- من الغرب
- شاهد: مشجع أرجنتيني يتقدم لخطبة صديقته البولندية في الدوحة و ...
- شاهد: أطفال وشباب أثيوبيون يشاركون في مسيرة من أجل السلام في ...
- بوريل يسعى لتحميل روسيا تكلفة إعادة إعمار أوكرانيا


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد الغني سلامه - من أنا؟