أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمود رجب فتح الله - الجريمة الاقتصادية .......................... د/ محمود رجب فتح الله















المزيد.....



الجريمة الاقتصادية .......................... د/ محمود رجب فتح الله


محمود رجب فتح الله

الحوار المتمدن-العدد: 5963 - 2018 / 8 / 14 - 02:16
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


مبحث تمهيدى
ماهية الجريمة الاقتصادية
مما لا شك فيه ان الجريمة الاقتصادية تستهدف فى البدء عالم الاقتصاد كبيئة خاصة لظهور ونمو الجريمة فيه، وأن عالم الاقتصاد فى تطور بتطور الحضارة البشرية، فقديمًا كان الاقتصاد يبنى على الزراعة لذا كانت الجرائم الاقتصادية في ذلك الوقت محورها الزراعة وهو ما نجده في أقدم التشريعات التي عرفتها البشرية وهو " تشريع حمورابي"(1) ثم تطور الاقتصاد بتطور الحضارة في عصر النهضة الصناعية الذي كثرت فيه الاختراعات الصناعية التي نقلت التطور الحضاري إلى التقدم والنمو ثم وصلنا إلى عصر النهضة الحديثة حيث ثورة التكنولوجيا والفضائيات والحاسب الآلي واستخداماته وبالتالي ظهرت أنواع أخـرى من الجرائم الاقتصادية التي لم تكن معروفة من قبل والتي لا يصاحبها بالضرورة عنف ما، بل ظهر أن مرتكبي هذه الجرائم نوعية مختلفة تهدم نظرية "لومبروزو" من أساسها حول شكل الإنسان المجرم، إذ صرنا نشاهد مجرمين من طراز آخر أفخم من ذوي الياقات البيضاء وأذكى من أعتى المجرمين الذين قرأنا عنهم أو صادفناهم في حياتنا العملية،
وفى ظل التحولات الاقتصادية فى مصر إلا أن يقول إن صانع السياسة الاقتصادية تبنى بامتياز اقتصاد الطريق الثالث القائم على الجمع بين النهجين الموجه والحر في تنظيم الأنشطة الاقتصادية؛ وهذا اقتضى بالضرورة اتساع وتنوع التجريم الاقتصادي الذي يضطلع بعبء حماية القوانين الاقتصادية الناظمة للنشاط الاقتصادي، فبعد أن سادت الجرائم المرتبطة بالاقتصاد الموجه ظهرت في العقد الأخير عدد من الجرائم المرتبطة باقتصاد السوق، لعل أهمها المذكورة في قانون المنافسة ومنع الاحتكار، قانون حماية الإنتاج الوطني من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية، قانون حماية المستهلك، قانون العلامات الفارقة والمؤشرات الجغرافية والرسوم والنماذج الصناعية والمنافسة غير المشروعة، قانون سوق الأوراق المالية، قانون غسيل الأموال (تبرز الصفة الاقتصادية لجريمة غسيل الأموال من خلال ضررها أو خطرها على المنافسة المشروعة من جهة، وتأثيرها في السير الطبيعي للعرض والطلب من جهة ثانية؛ فالمشاريع المكونة على أرضية الأموال القذرة تستطيع تخفيض أسعار منتجاتها إلى حد يقوض فرص المشاريع المشروعة في منافستها، وهذا يستتبع بالضرورة انفرادها بالسوق دون أدنى منافسة، وبالتالي القضاء على الاقتصاد الحر، أيضاً هناك التضخم الذي يفتك بالقوة الشرائية للنقود من جراء تهافت الشركات القذرة على الشراء أثناء تكوينها وبعده) قانون التجارة، قانون الشركات.
ستتناول الدراسة الجريمة الاقتصادية economic crime من الوجهة الموضوعية حيث تعرج على مدلولها والركن المادي والركن المعنوي فيها، ومن ثم الجزاء المفروض عليها.




المبحث الأول
تعريف الجريمة الاقتصادية
الجريمة الاقتصادية تختلف من مجتمع إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، وهي محل عناية عالية واهتمام لدى المراكز الدولية المتخصصة بعالم الاقتصاد؛ لمعرفتهم بمدى خطورة هذا الملف على الإنسان وكارثيته وهذا شيء مشاهد على أرض الواقع.
ا
لجرائم الاقتصادية غير محصورة في مصنف، ومن أبرز الجرائم التي يشير إليها شُرَّاح القانون هي :
الجرائم المالية كالسرقة والاختلاس والتزوير والرشوة والابتزاز والنصب والاحتيال، وجرائم غسل الأموال، وجرائم التهريب الجمركي، وجرائم الغش التجاري، وجرائم مخالفة التسعيرة الجبرية وجرائم التموين، وجرمن المتوقع أن يزداد نشاط الجريمة الاقتصادية في عصر العولمة واستحداث أنماط جديدة منها ومستحدثة ، لأن من أهم مظاهر العولمة زوال الحواجز الاقتصاديةبين الدول وشيوع النشاط الاقتصادي العابر للحدود الوطنية ما يجعل سوق الجريمة عامة متعولم وخاصة الجريمة الاقتصادية والتي تستفيد من التطورات في مجال التقنيات خاصة والاتصالات عامة . حتى غدت غالبية هذه الجرائم إلكترونية أو فضائية Cyber ، ومرد ذلك هو تحوّل البنى الاجتماعية والاقتصادية إلى عالمية وإلى معلوماتية و إلكترونية ، ظهرت مسميات جديدة لمثل هذه الأبنية مثل الطريق السريع للمعلومات والبناء المعلوماتي العالمي . إن تطور التقنيات ووسائل الاتصالات قد ساعد على انتشار وعولمة الجريمة وإنتاج جرائم اقتصادية مستحدثة فقد استفادت العصابات الإجرامية من مجالات توظيف التقنيات والاتصالات في النشاط الإجرامي مثل التنصت والاحتيال على المصارف واعتراض بطاقات الائتمان وسرقتها واستخدامها غير المشروع ، والابتزاز والسطو على البنوك إلكترونيًا والتزوير والتزييف ، والتهرب الضريبي والاحتيال بالحاسب ، وسرقة أرقام الهواتف والهواتف المزورة والمقلدة ، وتدمير الحسابات البنكية ، والوصول للمعلومات الأمنية الحساسة وسرقتها وبيعها ، والأسرار التجارية والعسكرية ...إلخ . واستخدام برمجيات التشفير لحماية النشاطات الإجرامية . (15)
إذن يمكننا القول إن أسباب الجريمة الاقتصادية ، خاصة العصرية أو المستجدة منها ، هو ما يلي :
1. ما شجع على ازدياد خطورة الجرائم الاقتصادية والمالية ،عملية العولمة الجارية حاليًا وما ينتج عنها من تكامل لأسواق العالم المالية ، مع تضعضع الضوابط والولاءات الاجتماعية.
والعولمة Globalization مصطلح يقصد منه النظر إلى العالم كوحدة واحدة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
2. ازدياد التقدم التكنولوجي.
3. التكامل السريع للاقتصاد العالمي يسر ليس فقط انجاز المعاملات التجارية المشروعة بل ليضاهي انجاز المعاملات غير المشروعة.
وترتكب الجماعات الإجرامية المنظمة جرائم اقتصادية ومالية كبيرة بوسائل منها ، مثلا : الجرائم المتعلقة بالاحتيال باستعمال البطاقات الائتمانية ، وانتحال الشخصية ، والتزوير . وأدى أيضًا انتشار المعاملات المصرفية الالكترونية والنمو السريع للانترنت إلى إتاحة فرص جديدة للجرائم الاقتصادية والمالية. ويسلم الآن بأن الاحتيال باستعمال البطاقات الائتمانية أو بطاقات السحب يمثل مشكلة عالمية خطيرة، تنتج مستوى من الأرباح العالمية غير المشروعة أعلى بكثير، مثل: من مستوى الأرباح الناتجة عن تزوير العملات. ووفرت الانترنت أيضًا أداة قوية لارتكاب جريمة الاحتيال ، وذلك بإتاحة الحصول بسهولة على معلومات عن الأفراد والشركات يمكن أن يستغلها المحتالون ، وبتوفر آلية يمكن بواسطتها ارتكاب أنشطة احتيالية متعددة في وقت واحد. ففي حالة الاحتيال المتعلق بدفع الأتعاب مقدمًا ، مثلا، يستعمل الانترنت كمصدر لتحديد الأهداف المحتملة ، ويتيح البريد الالكتروني القدرة على الاتصال بالآلاف من الضحايا المحتملين بالتزامن.
فالجرائم الاقتصادية والمالية تنتج في كثير من الأحيان عائدات غير مشروعة كبيرة يتعين غسلها لإدخالها في النظام المالي المشروع ، وبالتالي تشكل هي نفسها جريمة أصلية هامة ، وليس ذلك فحسب ، بل أن غسل الأموال هو حلقة وصل هامة بين جميع الأنشطة الإجرامية التي تدر أرباحًا غير قانونية كبيرة، من ناحية ، وضرورة غسل تلك الأرباح لإدخالها في النظام المالي المشروع ، من الناحية الأخرى ، يوفر غسل الأموال التدفق النقدي ورأس المال الاستثماري اللازم للجماعات الإجرامية. وهناك سببان رئيسان لالتزام البلدان بتطوير وصول نظام فعال لمكافحة غسل الأموال.
وفي بلدان ومناطق أخرى ، أدى تحرير الأسواق والتقدم التكنولوجي معًا إلى نهضة في قطاع المعاملات المصرفية الالكترونية ، أتاحت أشكالا جديدة من السداد الالكتروني ، (منها السداد عن طريق الانترنت). ويمكن أن تعود نهضة قطاع المعاملات المصرفية الالكترونية بالفائدة على الجريمة المنظمة ، لأنها تتيح نقل مبالغ هائلة من الأموال بسرعة دون التثبت من الهوية ، وهنا يسهل غسل الأموال. وبالنظر إلى عدم وجود أطراف ثالثة وسيطة (مثل المصارف) ، في نظم السداد على الشبكة العالمية فإن هذه النظم تتيح المزيد من الغفلة عند تحويل الأموال وتخفض تكاليف المعاملات تخفيضًا كبيرًا مما يصّعب تتبع هذه المعاملات ، الأمر الذي سيعزز فرص تمويل الإرهاب والفساد.
إن إساءة استخدام النظام المالي يمكن أن يلحق الضرر بسمعة المؤسسات المالية، محدثًا آثارًا سلبية على ثقة المستثمرين وبالتالي يزيد من ضعف النظام المالي. ولا ينشأ الضرر الاقتصادي من أفعال الجريمة الاقتصادية والمالية المباشرة وحسب بل أيضًا من مجرد وجود تصور بان تلك الأفعال تحدث ، وذلك يؤثر على سمعة النظم المالية ويرد الاستثمار الخارجي . وفي العديد من البلدان أيضًا يؤدي اشتباه الجمهور على نطاق واسع بان الصفوة ترتكب الجرائم الاقتصادية والمالية في القطاعين العام و الخاص إلى تقويض شرعية الحكم . ولذلك تتسم المكافحة الفعالة للجريمة الاقتصادية والمالية بأهمية حاسمة للتنمية المستدامة وبناء المؤسسات. يمة الخداع التجاري للمستهلك، وجريمة الإعلانات الخادعة، وجريمة تزوير العلامات التجارية، وجرائم تزييف النقود، وجرائم الاحتكار، وجريمة الربا، وجرائم البورصات المالية والمصارف، والجرائم ضد البيئة.
في هذا المبحث سنعرف من خلال عدة مطالب عن بدايات ظهور الجريمة الاقتصادية ، يعقبها تعريف للجريمة الاقتصادية ، والفرق بين الجريمة التقليدية والجريمة الاقتصادية المعاصرة.

المطلب الأول : ظهور الجريمة الاقتصادية

كما قلنا من قبل فإن تطور الحضارة يعتمد على الاقتصاد ، وعالم الاقتصاد تطور بتطور الحضارة البشرية ، وكل حقبة زمنية طويلة تتميز عن غيرها ، فأساس الاقتصاد الأول لحضارات العالم اعتمد على الملكية والزراعة لذا كانت الجرائم الاقتصادية تتمحور حول الزراعة ، وفي عصر النهضة بل وحتى وقتنا الحالي مازالت الصناعة وعالم الشركات متعددة الجنسيات يلعب دورًا مؤثرًا وحيويًا في الاقتصاد العالمي وتوجد جرائم اقتصادية تتعلق بسرقة الاختراعات والتجسس الاقتصادي ومخالفة أنظمة الدول بل وتطور الأمر إلى جرائم عابرة للقارات فيما عرف بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.
أولا - التطور التاريخي للجرائم الاقتصادية :
إن تدخل الدولة في الاقتصاد وتدخل القانون الجزائي لحماية السياسة الاقتصادية معروف منذ العصور القديمة .
- ففي مصر الفرعونية كانت الدولة تتدخل في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية ، وتفرض عقوبات على الأشخاص الذين يخالفون أوامرها . ومن ذلك تدخل الدولة في توزيع المياه ونظام الري ومراقبتها للمكاييل والأوزان واعتبارها الغش في وزن البضائع ذنبا يجلب العقاب الدنيوي وخطيئة أخروية وكذلك اهتمامها بنظام الضرائب ووضعها لعدد من التشريعات الجزائية الاقتصادية التي تهدف إلى حماية الاقتصاد .
- واهتم الرومان بتنظيم الاقتصاد ، والمعاقبة على مخالفة هذا التنظيم . وقد عرف القانون
الروماني نصوصا تتعلق باستيراد الحبوب وتجارتها وبارتفاع الأسعار والتموين .
وعاقبت هذه النصوص على مخالفات التسعيرة والأنظمة المتعلقة بالتموين وتجارة الحبوب واستيراد السلع وتصديرها ، وسائر المخالفات المتعلقة بالبائعين والمشترين ، بعقوبات شديدة جدا ، فيها المنع من مزاولة التجارة والإبعاد ، والنفي والغرامة ومصادرة الذمة المالية ، والأشغال الشاقة ، والإعدام في بعض الحالات .
- وفي فرنسا صدرت عدة قوانين خلال عامي 1311 و 1312 تحت حكم فيليب لوبيل بحظر تصدير الحبوب الغذائية لتحسين تموين باريس والمعاقبة عليها بعقوبات بدنية ومالية وحين وضع قانون العقوبات الفرنسي عام 1810 نص في المادة 413 وما بعدها على تجريم مخالفة اللوائح المتعلقة بالصناعة والتجارة والفنون وجميع الأعمال الضارة بالصناعة الفرنسية مثل إفشاء أسرار الصناعة في الخارج وتصدير بضائع ذات صنف رديء ، وجميع أشكال التحالف الضارة بالصناعة والمضاربة على الأسعار والقيم .
- وقد تميز القرن العشرون بتدخل واسع للدولة في الحياة الاقتصادية تبعه بالضرورة وضع نصوص جزئية لحماية التنظيمات الاقتصادية . وازداد حجم التدخل بصورة خاصة في الحربين العالميتين الأولى والثانية ن وفي الأزمة الاقتصادية الكبرى التي اجتاحت العالم الرأسمالي في سنة 1929 فصدرت نصوص جزائية تجرم الأفعال المخلة بنظام التموين والتسعير والاتجار بالحبوب الغذائية واستيرادها وتصديرها ، وعمليات الإنتاج
والتوزيع والاستثمار ... وكان من نتيجة ذلك أن تبنت الدول الرأسمالية مبدأ حماية السياسة الاقتصادية بتنظيمات اقتصادية وتأييدها بعقوبات إدارية أو اقتصادية أو جزائية .
- واليوم يشهد العالم بأسره أزمة اقتصادية اجتاحته من دون أي استئذان الأمر الذي دفع الدول وخاصة الكبرى منها لأن تعيد البحث في سياساتها الاقتصادية عبر استصدار قوانين مختلفة مالية وإدارية وجزائية لمواجهة هذه الأزمة و للحد قدر الإمكان من تأثيرها .

وإذا كانت قد برزت الجريمة الاقتصادية بصورة واضحة خلال القرنين الماضيين ، فإن ذلك يرجع لأهمية الحياة الاقتصادية في حياة الدول وأمنها واستقرارها ، وإلى الفوارق الطبقية التي تجلت فيهما بوضوح ، وعصفت بكثير من الأنظمة الاجتماعية فأسقطتها. ومنذ القرن التاسع عشر .. بدأت النصوص القانونية ذات الطابع الاقتصادي تأخذ دورها في التشريع الجزائي ، إلا أنها برزت بشكل واضح خلال النصف الثاني من هذا القرن ، وخاصة في الدول التي نحت منحى الاقتصاد الموجه ، وكانت الضرورة فيها ملحة لإصدار تشريعات تحمي التحولات الاقتصادية من العبث والتسلط والفوضى والفساد. وكانت هذه النصوص القانونية إما أن تصدر بصورة مستقلة وإما ضمن القانون العام ، ومن خلالها تجلت بشكل واضح الجريمة الاقتصادية. ولقد اعتبر بعض شراح القانون أن ظهور الجرائم الاقتصادية واحتلالها الأهمية التي فاقت جرائم الاعتداء على الأشخاص هو من أهم خصائص القرن العشرين . لأنها جرائم حضارية مرهونة بنظام الدولة حين تبلغ درجة معينة من التطور الحضاري . ولقد لقى هذا الاتجاه التشريعي نحو تدخل قانون العقوبات لحماية الاقتصاد ترحيبًا من الفقه الجزائي ؛ لأن على المشرع أن يحمي سياسته الاقتصادية بالتهديد بإجراءات شديدة تصيب المخالفين( )
لكن الحق يقال بأنه منذ القرن الماضي – القرن العشرين – وتحديدًاق أثناء الحرب العالمية الأولى وكذلك الحرب العالمية الثانية ظهرت جرائم اقتصادية تمثلت في احتكار السلع والمواد الغذائية والتلاعب في أسعارها بواسطة فئات محددة من التجار مما دعى الحكومات إلى التحرك لتجرم أية أشكال احتكارية أو تلاعبًا في الأسعار وظهرت لأول مرة فكرة أن يتم الاستعانة بالموظفين العموميين في الحكومة لضبط تلك المخالفات بدلاً من الاستعانة برجال الشرطة ، وكان من الضروري منح الموظفين العموميين أو المكلفين بخدمة عامة صفة الضبطية القضائية لأداء مهامهم المكلفين بها ، وظهرت في تلك الحقبة فكرة الضبطية القضائية لموظفي الحكومة ( )
في الثلاثين عامًا الأخيرة من القرن العشرين وبسبب فكرة العولمة ، واعتبار العالم قرية كونية صغيرة بسبب ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومــات وتطورات الحاسب الآلي ظهرت أنواع وأنماط أخرى من الجرائم الاقتصادية العصرية أو المستحدثة مثل : جرائم الاحتيالات الماليــــــة ، وجرائم النقد والتهريب الجمـــــركي وجرائم الحاسب الآلي والانترنت وجرائم عالم الاقتصاد الخفي مثل غسل الأموال وتمويل الإرهاب وغيرها.
ترتب على التطور التكنولوجي في قطاع الزراعة مثلا استحداث آلات جديدة تستطيع حصد محصول الأرز، وفصل البذور عن القش ، وتعبئة البذور في أجولة معدة للاستخدام المباشر، كل ذلك في عملية آلية واحدة لا تستغرق أكثر من ساعة ، في حين كانت ذات العملية تستغرق في الماضي أربع عمليات منفصلة، وعمل ما يزيد على ثلاثين عاملا للفدان ، عملاً متواصلاً لمدة أسبوع . فقد ترتب على آلية النشاط الزراعي تعميق مشكلة البطالة في هذا القطاع . وعلى الرغم مما أفضت إليه ثورة التكنولوجيا من خيرات على الإنسانية ، إلا أن هناك ثمنًا يجب أن يدفع A price has to Paid في مقابل خيرات ثورة التكنولوجيا ، والثمن هو الوظائف ؛ فتكنولوجيا توفير الوظائف أزالت ومستمرة في إزالة قطاعات وظيفية بأكملها. وبمرور الوقت فلن تكون هناك فرص وظيفية جديدة في أسواق العمل. وللخروج من هذا التنبؤ المتجهم. أكد بعضهم أن الحل سيكمن في تقليل عدد أيام العمل الأسبوعي والتوسع في قطاع العمل التطوعي . أكدت منظمة العمل الدولية أيضًا أن نمو معدل البطالة عالميًا يعزى في جانب كبير منه لثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، وحالة الركود في الدول الصناعية مما قلل الطلب على صادرات الدول النامية ومن ثم مزيد من البطالة والفقر عالميًا. كما أكدت المنظمة الدولية أن النزاع المسلح أدى إلى المزيد من البطالة والفقر في دول مثل كولومبيا والشرق الأوسط كما هو حادث في الضفة و غزة. ( )
ومن الحقائق التي لا تحتاج إلى تأكيد أن الجريمة كانت أسبق مجالات العولمة Globalization ، فالجريمة الدولية ظهرت منذ زمن بعيد ، فها هي الجريمة المنظمة بدأت في الظهور منذ بداية القرن العشرين في إيطاليا وتعتبر منظمة المافيا العالمية أخطر تنظيم إجرامي شهده المجتمع الإنساني حيث انتشرت أفرعها في معظم دول العالم وقد تنوعت أنشطة المافيا ما بين الاغتيال والسرقة والاحتيال وتهريب المخدرات والابتزاز ، وتزايدت خطورة المنظمـــة خلال النصف الأخير من القرن العشرين عندما نقلت نشاطها إلى الولايات المتحدة الأمريكية و خارج الحدود الإيطالية وضمت شخصيات بارزة من أرقى الطبقات الاجتماعية في المجتمع – أطلق عليهم اسم ( اللصوص أصحاب الياقات البيضاء ) تميزًا لهم عن اللصوص التقليديين الذين توحي ملامحهم بالإجرام. ( )

أولاً - مدلول الجريمة الاقتصادية
المطلب الثاني : تعريف الجريمة الاقتصادية :
الجريمة لغة مشتقة من مادة (جرم ) والجريمة أي الذنب ، وتجرم عليه أي أدعى عليه ذنبًا لم يحمله ، ويقول الله سبحانه وتعالى " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا " ، و(أجرم) : ارتكب جرمًا ، ويقال : أجرم عليهم وإليهم: جنى جناية( )
أما اصطلاح الجريمة وفقًا لتعريفها في القانون فيستعمل للتعبير عن سلوك مخالف للقانون الجزائي مستحقًا للعقاب لوقوع المخالفة على حق – سواء لفرد أو للمجتمع – يحميه القانون ، لذلك عرّف فقهاء وشراح القانون الجنائي الجريمة بأنها فعل أو امتناع عن فعل يؤدي إلى الضرر بالغير ويعاقب عليه القانون، ولكن بشأن الجريمة الاقتصادية ظهرت تعريفات عديدة للجريمة الاقتصادية ، ولكن هناك رأي فقهي يرى أن الجريمة هي الجريمة ولا داعي للمسميات المختلفة ، إذ أن من الجرائم العادية ما يكون له آثار اقتصادية مثـل السـرقة والرشـــوة والاختــــلاس والتزويــــر
والنصب والاحتيال والغش والتهرب الضريبي ، إشهار الإفلاس بالتدليس وكل المماطلات الخاصة بسداد المديونيات وغيرها العديد من الصور المختلفة للجرائم المالية والتي تؤثر على اقتصاد الدول ونحوها .
Crime : A wrong against society through fines and /´-or-imprisonment – and , in some cases , death. " West s Business Law - Seventh Edition- Kenneth W. Clarkson & Others"
من معرفة ما تعنيه كلمة الاقتصاد، يتضح مفهوم الجريمة الاقتصادية. فمفهوم الاقتصاد، كما عرفه سميث، هو ((علم الثروة)) ، وعرفه مارشال بأنه " نشاط الفرد والمجتمع للحصول على الموارد اللازمة لتحقيق الرفاهية العامة " . وقد عرفه روبنر " ما يهتم بسلوك الإنسان كحلقة اتصال بين الأهداف والحاجات المتعددة والوسائل النادرة ذات الاستعمالات المختلفة " .أما "ريمون بار" فعرفه بأنه "ما يبين السبل التي يتبعها الأفراد والمجتمعات لمواجهة الحاجات المتعددة باستعمال وسائل محدودة". وفي ضوء هذا الفهم ينظم القانون العلاقات بين المنتج والمستهلك، اي تنظيم التبادل،كما يؤسس القواعد الدستورية للتوزيع، ومن المذهبية الاجتماعية تظهر محددات الإنتاج وأنماطه، والقيود على الاستهلاك، بما يشكل هرما نظريا يرسم تنظيمًا لمجمل النشاط الاقتصادي، ويلاحظ مدى دور الربحية، والتناسب بين المداخيل وآثار التفاوت والأسعار، وأسلوب التصرف بالفائض. فما يحصل من سلوك مخالف لما نظمه من هذا القانون، الأمر الذي جعلت عليه عقوبات محددة، هو ما يطلق عليه اسم الجريمة الاقتصادية . لذا فأقصر تعريف لمفهوم الجريمة الاقتصادية هو " السلوك المخالف للقوانين المنظمة للتصرف الاقتصادي، والذي نص عليه القانون بعقوبة محددة ". وحيث أن الشريعة الإسلامية أسست المذهب الاقتصادي بأطروحة تمتلك تصورًا للمشكلة الاقتصادية، وإجراءات لحلها، وقوانين لتنظيم نشاط الأفراد وحقوقهم وواجباتهم، فان مخالفات الفرد لما أسسه الشارع تعد أفعالاً إجرامية بمقياس الشريعة، على مستوى القضاء الشرعي حدًا أو تعزيرًا، أو على مستوى الديانة التي تترتب عليها عقوبات أخرى . لذلك يمكننا القول: إن ماهية الجريمة الاقتصادية هي التصرفات المحظورة لتنظيم الإسلام للإنتاج والتوزيع والاستهلاك وإدارة اقتصاديات المجتمع من خلال التنظيم والتنفيذ والتخطيط والرقابة.
يتحفظ الكثير من الفقهاء حين وضع تعريف موحد وشامل للجريمة الاقتصادية صالح للتطبيق في أزمان وأماكن مختلفة ، كما هو الأمر عادة في الجرائم العادية ويعود ذلك لعدة أسباب منها :

السبب الأول - إن تسمية الجرائم الاقتصادية تطلق عادة على الجرائم المخالفة للسياسة الاقتصادية للدولة . والسياسة الاقتصادية تختلف من نظام اقتصادي إلى نظام اقتصادي آخر ، كما تختلف بين بلدين خاضعين لنظام اقتصادي واحد .
السبب الثاني – إن مخالفة سياسة الدولة الاقتصادية لا تعد جريمة اقتصادية في جميع الأوقات في مختلف الدول . فما يعد جريمة اقتصادية عادة هو الفعل الذي يسميه المشرع جريمة اقتصادية ، ويعاقب عليه بعقوبة جزائية .
وهناك من الفقهاء من عرّف الجريمة الاقتصادية بأنها كل فعل غير مشروع مضر بالاقتصاد القومي إذا نُصّ على تجريمه في قانون العقوبات ، أو في القوانين الخاصة بخطط التنمية الاقتصادية الصادرة من السلطة المختصة . ( )
وليس من الصعب في بعض البلدان أن نحدد الجرائم الاقتصادية فالمشرعون قد حددوها بدرجة كبيرة من الوضوح ، ففي فرنسا صدر في 30 يونيـه
سنة 1945 قانون بعنوان " ضبط الجرائم الماسة بالتشريع الاقتصادي واتخاذ الإجراءات بشأنها ، وفي هولندا صدر بتاريخ 22 يونيه 1950 تشريع نموذجي لقانون العقوبات الاقتصادي ، وفي ألمانيا (الغربية وقتئذ ) نص على الجرائم الاقتصادية في قانون العقوبات الاقتصادية الصادر في 9 يوليو 1954وقد تم تعديل هذا القانون عدة مرات ، وهكذا صدرت عدة قوانين في الاتحاد السوفيتي القديم وبلغاريا وغيرها من دول الكتل الشرقية في منتصف القرن الماضي، وفي هولندا في 22 يوليو 1950كان قد صدر قانون خاص بالجرائم الاقتصادية ، وانتشرت قوانين مشابهة في كل من قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وفي المنطقة العربية لم تعرف قوانين خاصة بالجرائم الاقتصادية إلا كل من مصر والعراق وسوريا وليبيا والأردن ، بل في بعضها قوانين باسم قانون الجرائم الاقتصادية تحديدًا ،ويوجد من شراح القانون والفقهاء الذين سموا الجريمة الاقتصادية باسم آخر وهو " الجرائم المالية " ولكنهم اتفقوا على نفس التعريف مثل الدكتور هيثم عبد الرحمن البقلي في كتابه " الأحكام الخاصة بالدعوى الجنائية الناشئة عن الجرائم المالية – دار النهضة العربية بالقاهرة ، 2005".

بينما هناك دول ذات الاتجاه الفردي تعرف الجرائم الاقتصادية بأنها ترمي إلى حماية العلاقات الاقتصادية القائمة على المنافسة الحرة . ومثال ذلك القانون الذي أصدرته حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1890 والمعروف باسم قانون "شيرمان" Sherman Act وهو يعتبر – من حيث المبدأ والتعديلات التي أدخلت عليه – كل عقد أو اتفاق يرمي إلى خلق تكتل اقتصاديTrust" " أو احتكار "Monopoly" أو إلى تقييد التجارة بين الولايات أو مع الدول الأخرى ، غير مشروع. ( )
وقد اتفق الفقه الجنائي تحديدًا على أن الجرائم الاقتصادية ذات مخاطر عالية أكثر من أي نوع آخر من الجرائم – لماذا ؟
لأن الجرائم الاقتصادية ذات تأثير ممتد لأجيال متعددة وذات تأثير واسع على أكبر كم ممكن من الناس ، وهي ذات تأثيرين كبيرين اقتصادي واجتماعي – كيف ؟
لتأثيرها الاقتصادي على الدولة واقتصادها وماليتها والتأثير الاجتماعي بتهديدها حياة وأموال الناس من جهة أخرى .
ويقصد بالإجرام الاقتصادي: الأفعال الضارة الاقتصادية والتي يتولى القانون تحديدها لحماية مصالح البلاد الاقتصادية .. فثمة نصوص تهتم بحماية النظام الاقتصادي في مجال الأنشطة المختلفة ومن أهمها حماية الأموال العامة والخاصة من العبث أو امتلاكها خلسة أو حيلة أو عنوة ، وتحقيق أرباح غير مشروعة ، أو بتوجيه سياسة الدولة لتحقيق مصالح ذاتية ومن بين تلك الجرائم الضارة بالمصلحة العامة استغلال الوظيفة العامة لتحقيق أغراض شخصية عن طريق الرشوة والتربح واستغلال النفوذ لتحقيق مصالح ومنافع وميزات شخصية.
ولما كان القانون الجنائي يهتم بحماية المصالح الأساسية للمجتمع الإنساني فإن من أهم هذه المصالح حماية المال من جرائم الاعتداء عليه سواء كان المال عامًا أو خاصًا. وباستقراء نصوص التشريعات الاقتصادية تتضح سياسة المشرع تجاه حماية المال العام من العبث بوصفه جرمًا جسيمًا، وتطبيقًا لذلك فقد نص المشرع على جرائم اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر والاستيلاء عليه بأي صورة أخرى ، ومن بينها أيضًا تقاضي عمولات عن صفقات أو غير ذلك من الأفعال، وقد فرضت عقوبات جسيمة لمنع العبث بالمال ، ومن أهم الجرائم الاقتصادية جرائم الفساد واختلفت النظم السياسية في شأن محاسبة المسئولين السياسيين وكبار الشخصيات في حالة انحرافهم بالمسئولية المنوطة بهم وفساد ذممهم .. إذ تجنح بعض النظم إلى الاكتفاء بالتطهير أو الجزاء الإداري والإقالة في حالة شئون الاتهام بالانحراف والفساد .. بينما تأخذ دول أخرى بنظام الجمع بين العقوبة الجنائية والجزاء الإداري مهما كان مركز الجاني الوظيفي وذلك إعمالاً لمبدأ " سيادة القانون" الذي يعتبر أصلاً من الأصول التي تقوم عليها الديمقراطية. ( )
لذا عرف الفقهاء الجريمة الاقتصادية بأنها " فعل ضـــار أو امتناع عن فعــل
محدد ويكون للفعل أو الامتناع مظهر خارجي يخل بالنظام الاقتصادي والإنمائي للدولة و بأهداف سياستها الاقتصادية ، ويكون ذلك محظورًا قانونًا وله عقاب ويقوم بذلك إنسان أهل لتحمل المسئولية الجنائية " أو باختصار أكثر الجريمة الاقتصادية هي كل فعل أو امتناع من شأنه المساس بسلامة اقتصاد الدولة.
ومن هذا التعريف نستطيع أن نخرج منه بعناصر الجريمة الاقتصادية :
1- النشاط الإجرامي : وهو القيام بفعل مادي ضار أو الامتناع عن القيام بالعمل المادي.
2- الضرر : أي يكون لها مظهر خارجي أي ما يدل على إخلالها بالنظام الاقتصادي ونمو الدولة وبأهدافها وسياستها الاقتصادية.
3- أن النشاط الإجرامي ( الفعل المادي أو الامتناع المادي ) محظور قانونًا.
4- أن اقتراف النشاط الإجرامي ( الفعل المادي أو الامتناع المادي ) يؤدي إلى توقيع عقوبة نص عليها التشريع .
5- أن من يقوم بالنشاط الإجرامي ( الفعل المادي أو الامتناع عن العمل المادي ) الضار شخص طبيعي أو اعتباري خال من عيوب الإرادة ، ويكون أهلاً للمسئولية الجنائية. ( )
ولقد وضعت الحلقة العربية الأولى للدفاع الاجتماعي التي عقدت في القاهرة عام 1966 تعريفًا للجريمة الاقتصادية جاء فيه : " يعد جريمة اقتصادية كل عمل أو امتناع يقع مخالفًا للتشريع الاقتصادي إذا نص على تجريمه قانون العقوبات العام ، أو القوانين الخاصة بخطط التنمية الاقتصادية والصادرة من السلطة المختصة لمصلحة الشعب ، ولا يجوز أن يكون محل جزاء غير ما نص القانون على حظـــره والمجازاة عنه " وهو تعريف لا يخرج عن تعريف مشابه ورد في إحدى توصيات الحلقة العربية الأفريقية للدفاع الاجتماعي التي عقدت في القاهرة ( فبراير 1960).

ولكون الجريمة الاقتصادية تختلف من مجتمع إلى آخر ومن دولة إلى أخرى فقد اهتمت بها المنظمات الدولية المختلفة . وذلك لخطورتها وتأثيرها الشديد على برامج التنمية وتقدم المجتمعات ، ولصعوبة حصر نتائجها أو حتى تحديدها من جهة أخرى
ومع ذلك فليس من السهل تعريف فئة "الجريمة الاقتصادية" ، وما زال وضع مفهوم دقيق لها يمثل تحديًا ففي عام 1981 ، مثلا ، حددت اللجنة الوزارية لمجلس أوروبا 17 جريمة باعتبارها جرائم اقتصادية (القرار رقم 12(81) (R، وهي :

1. جرائم الكارتلات.
2. الممارسات الاحتيالية .
3. استغلال الحالة الاقتصادية من جانب الشركات المتعددة الجنسية.
4. الحصول على المنح من الدول أو المنظمات الدولية عن طريق الاحتيال أو إساءة استعمال تلك المنح.
5. الجرائم الحاسوبية.
6. الشركات الوهمية.
7. تزوير ميزانيات الشركات وجرائم مسك الحسابات.
8. الغش بشأن الحالة الاقتصادية للشركات وحالة رأسمال الشركات.
9. مخالفة الشركة لمعايير الأمن والصحة المتعلقة بالعاملين.
10. الاحتيال الذي يلحق الضرر بالدائنين.
11.الاحتيال على المستهلكين.
12.المنافسة الجائرة بما في ذلك دفع الرشاوى والإعلان المضلل.
13.جرائم الضرائب وتهرب المنشآت التجارية من سداد التكاليف الاجتماعية.
14.الجرائم الجمركية.
15.الجرائم المتعلقة بالنقود ولوائح العملة.
16.جرائم البورصات المالية والمصارف.
17.الجرائم ضد البيئة ( )

1- في المنظور الفقهي:
أ- في الفقه الألماني: ينطلق جانب من الفقه الألماني في تعريف قانون العقوبات الاقتصادي من علاقة الجريمة الاقتصادية بالنظام الاقتصادي حيث عرفه بحزمة القواعد الجنائية التي تتضمن عقوبات أو غرامات إدارية للأفعال التي تلحق ضرراً باقتصاد السوق الاجتماعي كله أو تعرضه للخطر، ويعتمد جانب آخر من الفقه (وهو المذهب الراجح) على المصلحة المحمية، فيرى فيه مجموعة القواعد الجنائية التي تتضمن عقوبات أو غرامات إدارية للأفعال الصادرة عن الشركات أو للأفعال المؤذية اقتصادياً التي تلحق ضرراً بالمصلحة المختلطة (العامة والخاصة) في حماية النشاط الاقتصادي أو تعرضها للخطر.
ب- في الفقه والقضاء الفرنسيين: عرفت محكمة النقض الفرنسية بدوائرها المجتمعة القانون الاقتصادي بالنصوص التي تنظم إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها واستهلاكها وتداولها وكذلك النصوص المتعلقة بوسائل الصرف، ويدخل فيها بصفة خاصة وسائل صرف النقود بصورها المختلفة، وطبعاً يعد جرماً اقتصادياً الخروج على أحكام القانون الاقتصادي. وقد تصدى الفقه الفرنسي لمحاولة تعريفه فانتهى الفقيه لوفاسور إلى أنه «التصرفات التي تمثل عدواناً على قواعد السياسة الاقتصادية ذات الطبيعة الآمرة».
ج- في الفقه العربي: هناك شبه إجماع على مدلول الجريمة الاقتصادية في الفقه العربي، وهذا مستفاد من تشابه مضامين التعريفات الفقهية لها، فهناك من يرى أن الجريمة الاقتصادية «كل فعل أو امتناع يعاقب عليه القانون ويخالف السياسة الاقتصادية للدولة»، أو هي «مباشرة نشاط معين سواء تمثل في تصرف اقتصادي أو سلوك مادي بالمخالفة للتنظيمات والأحكام القانونية الصادرة كوسيلة لتحقيق سياسة الدولة الاقتصادية»، ولا يشذ عن ذلك التعريف القائل إن الجريمة الاقتصادية «سلوك الأفراد أو الجماعات الذي يمثل عدواناً على قواعد النظام العام الاقتصادي التي تعد تعبيراً عن السياسة الاقتصادية للدولة».
وصفوة القول الجرم الاقتصادي انتهاك معاقب عليه للقانون الاقتصادي (القواعد القانونية الضابطة للنشاط الاقتصادي سواء أكانت محلية أم إقليمية أم دولية) من شأنه الضرر بالمصلحة المختلطة (العامة والخاصة) في استقرار النشاط الاقتصادي ونمو الاقتصاد أو تعريضها للخطر.
وهنا تجدر الإشارة إلى اتجاه المشرع في الجرائم الاقتصادية أحياناً نحو رفع درجة الحماية الجزائية للمصلحة المحمية إلى ما قبل الضرر والاجتزاء بتهديد المصلحة بالضرر، وهذه الجرائم يطلق عليها جرائم الخطر المجرد كجريمة الرشوة الاقتصادية.
وعليه يمكن تعريف الجريمة الاقتصادية بأنها «فعل أو امتناع ضار له مظهر خارجي يخل بالنظام الاقتصادي والائتماني للدولة وبأهداف سياستها الاقتصادية، يحظره القانون ويفرض عليه عقاباً ويأتيه إنسان أهل لتحمل المسئولية الجنائية.
وهناك من يرى أنها كل فعل أو امتناع من شأنه المساس بسلامة البنيان الاقتصادي، كما تعبر عنه القواعد الآمرة للنظام الاقتصادي المشمولة بالجزاء الجنائي. تفوق مخاطر الجرائم الاقتصادية أي نوع آخر من الجرائم وذلك لان آثارها قد تشمل أجيالا وحياة آلاف من البشر فإنهاك اقتصاد الدولة أو الشركات والمؤسسات الكبرى يؤدي إلى كوارث مالية واجتماعية تهدد حياة العاملين فيها وضياع لمدخراتهم ومصادر دخلهم كما أن التلوث في البيئة البحرية والأرضية يؤدي إلى الإضرار بحياة الإنسان والثروات النباتية والحيوانية فيؤدي إلى موته أو انتقال الأمراض القاتلة إليه، ومن جانب آخر فان الممارسات غير المشروعة التي تقوم بها الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات وسيطرتها على الاقتصاد الوطني والدولي زاد من خطورة الجرائم الاقتصادية مما حدا بكثير من الدول والمنظمات إلى التنبيه والعمل علي التصدي ومكافحة الجرائم الاقتصادية بمختلف الوسائل والأساليب .
المطلب الثالث
التمييز بين الجريمة التقليدية والجريمة الاقتصادية المعاصرة

بعض شراح القانون ، مثل الدكتور طاهر حبوش - ويؤيده في هذا الاتجاه الدكتور ذياب البداينة - يرى أن الجرائم المستجدة هي صورة من الجرائم المستحدثة، ولكنها مرتبطة بالتطور العام للمجتمع ، وأن الجرائم المستجدة يستخدم في ارتكابها تقنيات حديثة ، أما الجرائم المستحدثة فتشمل الجرائم المستجدة والأنماط الأخرى الناجمة عن التطورات التقنية عامة. ( )
وكما ذكرنا من قبل فإن من شراح القانون من يرى أن الجريمة هي الجريمة ولا داعي لأي تصنيف ، ونستطيع أن نجمل التفرقة أو التمييز بين الجريمة التقليدية والجريمة الاقتصادية خاصة المعاصرة أو المستجدة أو المتحدثة منها فيما يلي :
أولاً : الجريمة التقليدية جريمة محددة بنص قانوني غالبًا في قانون العقوبات ، بينما الجرائم الاقتصادية و خاصة المعاصرة أو الحديثة منها هي جرائم لم يشملها قانون العقوبات بل قوانين خاصة بكل جريمة والبعض منها لم يصدر بتجريمه أي تشريع أي نعاني من قصور تشريعي نحوها.
ثانيًا : تتفق كل من الجرائم التقليدية والجرائم الاقتصادية و خاصة المعاصرة أو الحديثة منها في المضمون كالسرقة و الاستيلاء على مال الغير ، ولكنها تختلف في الشكل بسبب روح العصر والتغيير في البنى الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع .
ثالثًا : الجرائم التقليدية تعد جرائم محلية بينما الكثير من الجرائم الاقتصادية و خاصة المعاصرة أو الحديثة منها هي جرائم عابرة للدول والقارات وقد تكون مرتكبة عن بعد عبر أجهزة إلكترونية واتصالات ومعلوماتية بسبب التكنولوجيا الحديثة .
رابعًا : الجرائم التقليدية تستهدف الفرد في جسمه أو في ماله أو في سمعته وشرفه ، بينما الجرائم الاقتصادية تستهدف المصالح العامة في جانبها الاقتصادي والمالي.
خامسًا : الدافع في الجرائم التقليدية قد يكون الانتقام أو الثأر أو الإضرار الأدبي أو الاجتماعي بالإضافة إلى الكسب المادي ، بينما الدافع في الجرائم الاقتصادية هو الكسب المادي أو الإضرار المالي فقط.





المبحث الثاني
خصائص الجريمة الاقتصادية
سنتعرف في هذا المبحث ، وعبر المطلبين التاليين كل من أسباب خطورة الجرائم الاقتصادية وازدياد تلك الخطورة ، وفي المطلب الثاني سندرس أهم خصائص الجريمة الاقتصادية .
المطلب الأول : أسباب ازدياد خطورة الجرائم الاقتصادية:
من المتوقع أن يزداد نشاط الجريمة الاقتصادية في عصر العولمة واستحداث أنماط جديدة منها ومستحدثة ، لأن من أهم مظاهر العولمة زوال الحواجز الاقتصادية بين الدول وشيوع النشاط الاقتصادي العابر للحدود الوطنية ما يجعل سوق الجريمة عامة متعولم وخاصة الجريمة الاقتصادية والتي تستفيد من التطورات في مجال التقنيات خاصة والاتصالات عامة . حتى غدت غالبية هذه الجرائم إلكترونية أو فضائية Cyber ، ومرد ذلك هو تحوّل البنى الاجتماعية والاقتصادية إلى عالمية وإلى معلوماتية و إلكترونية ، ظهرت مسميات جديدة لمثل هذه الأبنية مثل الطريق السريع للمعلومات والبناء المعلوماتي العالمي . إن تطور التقنيات ووسائل الاتصالات قد ساعد على انتشار وعولمة الجريمة وإنتاج جرائم اقتصادية مستحدثة فقد استفادت العصابات الإجرامية من مجالات توظيف التقنيات والاتصالات في النشاط الإجرامي مثل التنصت والاحتيال على المصارف واعتراض بطاقات الائتمان وسرقتها واستخدامها غير المشروع ، والابتزاز والسطو على البنوك إلكترونيًا والتزوير والتزييف ، والتهرب الضريبي والاحتيال بالحاسب ، وسرقة أرقام الهواتف والهواتف المزورة والمقلدة ، وتدمير الحسابات البنكية ، والوصول للمعلومات الأمنية الحساسة وسرقتها وبيعها ، والأسرار التجارية والعسكرية ...إلخ . واستخدام برمجيات التشفير لحماية النشاطات الإجرامية . ( )
إذن يمكننا القول إن أسباب الجريمة الاقتصادية ، خاصة العصرية أو المستجدة منها ، هو ما يلي :
1. ما شجع على ازدياد كمية وخطورة الجرائم الاقتصادية والمالية ،عملية العولمة الجارية حاليًا وما ينتج عنها من تكامل لأسواق العالم المالية ، مع تضعضع الضوابط والولاءات الاجتماعية.
والعولمة Globalization مصطلح يقصد منه النظر إلى العالم كوحدة واحدة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
2. ازدياد التقدم التكنولوجي.
3. التكامل السريع للاقتصاد العالمي يسر ليس فقط انجاز المعاملات التجارية المشروعة بل ليضاهي انجاز المعاملات غير المشروعة.
وترتكب الجماعات الإجرامية المنظمة جرائم اقتصادية ومالية كبيرة بوسائل منها ، مثلا : الجرائم المتعلقة بالاحتيال باستعمال البطاقات الائتمانية ، وانتحال الشخصية ، والتزوير . وأدى أيضًا انتشار المعاملات المصرفية الالكترونية والنمو السريع للانترنت إلى إتاحة فرص جديدة للجرائم الاقتصادية والمالية. ويسلم الآن بأن الاحتيال باستعمال البطاقات الائتمانية أو بطاقات السحب يمثل مشكلة عالمية خطيرة، تنتج مستوى من الأرباح العالمية غير المشروعة أعلى بكثير، مثل: من مستوى الأرباح الناتجة عن تزوير العملات. ووفرت الانترنت أيضًا أداة قوية لارتكاب جريمة الاحتيال ، وذلك بإتاحة الحصول بسهولة على معلومات عن الأفراد والشركات يمكن أن يستغلها المحتالون ، وبتوفر آلية يمكن بواسطتها ارتكاب أنشطة احتيالية متعددة في وقت واحد. ففي حالة الاحتيال المتعلق بدفع الأتعاب مقدمًا ، مثلا، يستعمل الانترنت كمصدر لتحديد الأهداف المحتملة ، ويتيح البريد الالكتروني القدرة على الاتصال بالآلاف من الضحايا المحتملين بالتزامن.
فالجرائم الاقتصادية والمالية تنتج في كثير من الأحيان عائدات غير مشروعة كبيرة يتعين غسلها لإدخالها في النظام المالي المشروع ، وبالتالي تشكل هي نفسها جريمة أصلية هامة ، وليس ذلك فحسب ، بل أن غسل الأموال هو حلقة وصل هامة بين جميع الأنشطة الإجرامية التي تدر أرباحًا غير قانونية كبيرة، من ناحية ، وضرورة غسل تلك الأرباح لإدخالها في النظام المالي المشروع ، من الناحية الأخرى ، يوفر غسل الأموال التدفق النقدي ورأس المال الاستثماري اللازم للجماعات الإجرامية. وهناك سببان رئيسان لالتزام البلدان بتطوير وصول نظام فعال لمكافحة غسل الأموال.
وفي بلدان ومناطق أخرى ، أدى تحرير الأسواق والتقدم التكنولوجي معًا إلى نهضة في قطاع المعاملات المصرفية الالكترونية ، أتاحت أشكالا جديدة من السداد الالكتروني ، (منها السداد عن طريق الانترنت). ويمكن أن تعود نهضة قطاع المعاملات المصرفية الالكترونية بالفائدة على الجريمة المنظمة ، لأنها تتيح نقل مبالغ هائلة من الأموال بسرعة دون التثبت من الهوية ، وهنا يسهل غسل الأموال. وبالنظر إلى عدم وجود أطراف ثالثة وسيطة (مثل المصارف) ، في نظم السداد على الشبكة العالمية فإن هذه النظم تتيح المزيد من الغفلة عند تحويل الأموال وتخفض تكاليف المعاملات تخفيضًا كبيرًا مما يصّعب تتبع هذه المعاملات ، الأمر الذي سيعزز فرص تمويل الإرهاب والفساد.
إن إساءة استخدام النظام المالي يمكن أن يلحق الضرر بسمعة المؤسسات المالية، محدثًا آثارًا سلبية على ثقة المستثمرين وبالتالي يزيد من ضعف النظام المالي. ولا ينشأ الضرر الاقتصادي من أفعال الجريمة الاقتصادية والمالية المباشرة وحسب بل أيضًا من مجرد وجود تصور بان تلك الأفعال تحدث ، وذلك يؤثر على سمعة النظم المالية ويرد الاستثمار الخارجي . وفي العديد من البلدان أيضًا يؤدي اشتباه الجمهور على نطاق واسع بان الصفوة ترتكب الجرائم الاقتصادية والمالية في القطاعين العام و الخاص إلى تقويض شرعية الحكم . ولذلك تتسم المكافحة الفعالة للجريمة الاقتصادية والمالية بأهمية حاسمة للتنمية المستدامة وبناء المؤسسات. ( )



المطلب الثاني
أهم خصائص الجريمة الاقتصادية


تتمتع الجرائم الاقتصادية بمجموعة من الخصائص من أهمها :
1- يتطلب التشريع في مجال الجرائم الاقتصادية العلم بكل مشاكل الحياة الاقتصادية وأبعادها المختلفة مما يسهل تحقيق الهدف المنشود للسياسة الاقتصادية.

2- تتجه بعض التشريعات إلى إسناد سلطة التحقيق والحكم في بعض الجرائم الاقتصادية إلى لجان إدارية وليس إلى السلطة المختصة بالتحقيق في الجرائم الجنائية أو المحاكم على أساس أن هذه الجرائم أقرب إلى المخالفات لأوامر السلطة.
3- تتسم معظم الجرائم الاقتصادية بأنها جرائم تقوم لمواجهة حالات طارئة أو ظروف موقوتة بظواهر غير دائمة أو لتغير أسباب منها تغيّر السياسة الاقتصادية من نظام إلى آخر أو التدرج في نفس النظام. ( )

4- الجريمة الاقتصادية جريمة متحركة ، عارضة تقع في زمن محدد وتعاقب بعقوبة محددة وفي ضوء الحالة الاقتصادية التي تعيشها البلاد مهما كان نظامها ، والنص الخاص بها يستنفد غرضه .

5- أن الجرائم الاقتصادية تجري في معظمها على تأثيم الفعل الخطر ، وإن كان لم يحقق ضررًا أو قد لا يحققه ، بل قد يصل بها الأمر إلى حد التأثيم على مجرد مجانية الإجــــراء الوقائي كما هو الحال على سبيل المثـــال في المعاقبـــة على مجــرد عدم
الإعلان عن سعر السلعة المسعرة في حين أن الأصل المستقر في جرائم القانون العام أن التأثيم لا يكون إلا للفعل الضار، وأحيانًا للفعل المنبئ بالضرر.


6- كثيرًا ما تخرج الجرائم الاقتصادية عن بعض القواعد العامة في قانون العقوبات وخاصة في أحكام المسئولية حيث تجري المساءلة أحيانًا عن فعل الغير ، وتقوم مساءلة الشخص الاعتباري ويضعف الاعتداد بالركن المعنوي في الجريمة ويساوي المشرع بين الشروع وأحيانًا المحاولة المجردة عن النية الجرمية والفعل التام.

7- بعض التشريعات العقابية تجرم الفعل الاقتصادي وإن كان المجني عليه راضيًا بما أصابه من ضرر ، كمن يشتري بقصد الاتجار سلعة بسعر يزيد على السعر الذي تعينه لجنة التسعيرة ، ومرد ذلك أن المقصود بتجريم الأفعال المكونة للجرائم الاقتصادية هو حماية الاقتصاد ذاته.

8- ازدواج طبيعة الجريمة الاقتصادية في بعض الأحيان فتشكل المخالفة الجنائية مخالفة إدارية ، كما إذا وقع الفعل المخالف من موظف في الإدارة وكان الفعل مكونًا لجريمة من الجرائم الاقتصادية .

9- إن العديد من الجرائم الاقتصادية ينقضي بالتصالح أو المصالحة مع الإدارة المختصة ولا سيما في القانون الخاص بالجمارك والتهريب الجمركي.

10- العقوبة على الجرائم الاقتصادية تتسم في الأغلب بالقسوة بغية الوقاية ، حتى أنها قد تصل حد الإعدام في بعض البلدان ذات الاقتصاد الموجه بالنسبة إلى بعض الجرائم عندما ُتقترف عن عمد أو تخلف ضررًا بليغًا أو تجرى على سبيل الاحتراف، كما يضيف في العقوبة مجال التفريد لمصلحة المتهم حيث تحرص معظم النصوص الخاصة بالعقاب على عدم جواز الحكم بوقف تنفيذ العقوبة ، ويخرج نفس قدر ا لعقوبة المقررة أحيانًا عن حده الأقصى المفروض لنوع الجريمة فتتجاوز مثلاً عقوبة الجنحة حد الحبس في الجنح ، كما هو الحال في بعض الجرائم النقدية.

11- لا يعترف الاتجاه الحديث للمتهم في الجريمة الاقتصادية بقاعدة الأثر المباشر للقانون الأصلح ولو كان القانون السابق غير محدد بفترة معينة.

12- إن القوانين الخاصة بالجرائم الاقتصادية ، قوانين قابلة للتغيير السريع وإن كانت المرونة والحركة من مقتضياتها حتى تواجه دائمًا الاحتمالات المضادة للسياسة الاقتصادية ، وهي قوانين لا تحرص دائمًا على الوحدة في سياسة التجريم والعقاب.

13- ومن أبرز خصائص القوانين العائدة للجرائم الاقتصادية النص كثيرًا على التفويض التشريعي ، ومع أن هذا التفويض محدد في القانون العام بحيث لا يرد غالبًا على المخالفات ، وفي غير ما يفرض قيودًا على الحرية الشخصية ، إلا أنه شائع وسائغ في بعض الجرائم الاقتصادية ، كالتشريعات الجمركية ، نظرًا لما يتطلبه التشريع في مجالها من خبرة فنية قد لا تتوافر لدى السلطة المفوضة ، بالإضافة إلى المرونة والسرعة المطلوبين في علاج الظواهر الاقتصادية .

14- بعض الجرائم الاقتصادية تسير وفقًا لأصول المحاكمة والإجراءات في حدود القواعد العامة ، ويخرج عن حدود ذلك البعض الآخر من الجرائم الاقتصادية . ( )



- الضابط القانوني للجريمة الاقتصادية:

قد يتصدى المشرع بنفسه ومباشرة لتعريف الجرم الاقتصادي، أو يكتفي بتعداد الجرائم التي تدخل في ولاية القضاء الجزائي الاقتصادي بما يفيد خلع الصفة الاقتصادية على الجرائم المعددة. هذا ما تبناه المشرع الألماني والفرنسي والمصري، في حين مال الشارع السوري إلى المباشرة في تعريف الجرم الاقتصادي (المادة الثالثة من قانون العقوبات الاقتصادية) فوصفه بـ «الأعمال الضارة بالأموال العامة وبعمليات إنتاج وتوزيع وتداول واستهلاك السلع والخدمات»، وفيما خلا الجرمين اللذين تناولتهما المادتان (8-21) من قانون العقوبات الاقتصادية (جرمت المادة الثامنة تعيين عمال أو مستخدمين أو موظفين أو منحهم ترفيعات أو تعويضات أو مكافآت بصورة مخالفة للقانون، وجرمت المادة الحادية والعشرون إضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني والغش في نوعية المنتجات والصادرات والمستوردات والسلع الاستهلاكية) لا تنسلخ الصفة الاقتصادية عن الجرائم الواردة فيه ما لم يقل ضررها أو نفعها عن مئة ألف ليرة سورية في الجرائم المقصودة، وعن مئتي ألف ليرة سورية في الجرائم غير المقصودة. وركن الضرر أو النفع من شأنه أن يجعل العديد من الجرائم الاقتصادية الواردة في قانون العقوبات الاقتصادية بمنأى عن التجريم عند انتفائه. على أي حال لم يكن كون الجرم اقتصادياً يستتبع حتماً اختصاص القضاء الجزائي الاقتصادي (أُحدث القضاء الاقتصادي بالمرسوم التشريعي رقم 46 تاريخ 8/8/1977) في الفصل فيه باعتبار أن المشرع حصر ولاية هذا القضاء بالجرائم الواردة في قانون العقوبات الاقتصادية وفي جرائم التهريب وجمع الأموال وقانون تهريب العملة السورية والمعادن الثمينة الملغى (بموجب المرسوم التشريعي رقم 33 تاريخ 8/7/2003)، وقد أعاد المشرع النظر في ضرورة القضاء الاقتصادي فقرر الرجوع عنه (قضى المرسوم التشريعي رقم 16 تاريخ 14/2/2004 بإحالة جميع الدعاوى المنظورة أمام محكمة الأمن الاقتصادي وقضاء التحقيق الاقتصادي إلى محكمة الجنايات أو محكمة البداية طبقاً لكونها جناية أم جنحة. وسبق أن أنهى المشرع السوري ولاية القضاء العسكري بالنظر في جرائم قانون التموين وجرائم قانون قمع الغش والتدليس بموجب القانون رقم 47 تاريخ 9/7/2001 والمرسوم التشريعي رقم 2 تاريخ 19/3/1990)، وأصبحت الجرائم المنظورة أمامه من اختصاص محكمة الجنايات أو محكمة البداية تبعاً لوصفها وتختص دائرة في محكمة النقض بالنظر في الطعون الواقعة على الأحكام الصادرة عنها.

وخلافاً للشارع السوري فقد آثر المشرع الألماني عدم تعريف الجريمة الاقتصادية والاجتزاء بتحديد الجرائم الاقتصادية التي تدخل في اختصاص الغرفة الجزائية الاقتصادية في محكمة الولاية، ومن هذه الجرائم (كما وردت في الفقرة (1) من المادة (C. 74) من قانون تنظيم القضاء) تلك الواردة في قانون براءة الاختراع، وقانون النماذج، وقانون العلامات التجارية، وقانون العقوبات الاقتصادية لعام 1954، وقانون حق النشر، وقانون أشباه الموصلات، وقانون المنافسة غير المشروعة، وقانون الشركات المساهمة، وقانون الشركات المحدودة المسؤولية، وقانون الجمعيات، وقانون التجارة، وقانون البنوك، وقانون سوق الأوراق المالية، وقانون التجارة الخارجية، وقانون الرقابة على النقد، وقانون التجارة بالأوراق المالية، وقانون الإشراف على التأمين، وقانون الأغذية إضافة إلى الجرائم الاقتصادية التي نص عليها قانون العقوبات الألماني كالاحتيال المتعلق بالمساعدات الحكومية والاحتيال المصرفي والاحتيال المرتبط بالاستثمار والإفلاس ومحاباة الدائنين ومحاباة المدينين واتفاقات العارضين المقيدة للمنافسة والرشوة الإيجابية والرشوة السلبية في القطاع الخاص، إلى جانب الجرائم التي تدخل في اختصاص الغرفة الاقتصادية في حال كان الحكم فيها يتطلب معرفة بالشؤون الاقتصادية، كالرشوة ومنح فائدة لذوي الصفة العامة والاحتيال وإساءة الائتمان وجرائم الحاسوب والربا.

وفي فرنسا نص قانون الإجراءات الجنائية في المادة 704 منه (وردت هذه المادة ضمن الباب الثالث عشر من الكتاب الرابع من قانون الإجراءات الجنائية، وقد وضع المشرع عنواناً لهذا الباب «الملاحقة والتحقيق والمحاكمة في الجرائم الاقتصادية والمالية» على إنشاء محكمة أو أكثر في دائرة كل محكمة استئناف تكون مختصة بمحاكمة الجرائم الاقتصادية والمالية (والجرائم المتصلة بها) إذا كانت جنحاً على جانب كبير من التعقيد (بسبب تعدد الفاعلين أو المساهمين أو المجني عليهم أو بسبب النطاق الجغرافي الكبير للجريمة)، هذه الجرائم هي: جريمة غسيل الأموال، جريمة غسيل الأموال الناجمة عن جرائم المخدرات، جريمة الاستخدام الاحتيالي لقاصر أو شخص غير سوي لارتكاب فعل أو امتناع ضار به، الاحتيال، إساءة الأمانة، جرم رفض أو تقييد العروض المقدمة للمزايدات أو المناقصات الناجم عن ِمنح أو وعود أو تفاهمات أو أي وسائل احتيالية، جرائم الوصول غير المشروع إلى أنظمة معالجة البيانات الآلية، جرائم الغدر، والرشوة، وصرف النفوذ، والتربح أو التدخل، والمحاباة الاقتصادية، والاختلاس، جرائم التزوير، جريمة العجز عن تبرير مصدر الدخل لشخص مرتبط بشخص متورط بتشكيل عصابي، الجنح المنصوص عليها في قانون التجارة وفي القانون النقدي والمالي وفي قانون البناء والإسكان و في قانون الملكية الفكرية، الجنح المنصوص عليها في المواد (1741 حتى 1753 مكرر أ) من قانون الضرائب العام وفي قانون الجمارك وفي قانون تخطيط المدن وفي قانون المستهلكين وفي قانون المقامرة وفي قانون الأسواق الواعدة وفي قانون الصحافة. من الواضح اضطراب خطة الشارع الفرنسي في تعداد الجرائم الاقتصادية فقد أدرج ضمنها جرائم عديمة الصفة الاقتصادية كالاستخدام الاحتيالي لقاصر أو شخص غير سوي المنصوص عليها في المادة (2-15-223) من قانون العقوبات الفرنسي، في الوقت نفسه أغفل ذكر إحدى أهم الجرائم الاقتصادية وهي جريمة الرشوة الاقتصادية الدولية أو رشوة الموظفين العموميين الأجانب التي جرمتها اتفاقية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وأدخلتها فرنسا إلى قانونها من خلال المادتين (3-435) و(4-435)، أيضاً يؤخذ على خطة المشرع الفرنسي تعليق اختصاص المحاكم الاقتصادية على كونها معقدة؛ فربما لا يتحقق معيار التعقيد في العديد من الجرائم الاقتصادية الخطرة كالرشوة والغدر وبالتالي يكون النظر فيها من القضاء العادي وانعدام الغاية من إحداث قضاء متخصص.

وبعد أن ألغى المشرع السوري القضاء الاقتصادي وأعاد إلى القضاء الجزائي العام اختصاص النظر بالجرائم الاقتصادية أصدر المشرع المصري قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية رقم 120 لعام 2008، وقد حُدد اختصاص هذه المحاكم بالجنايات والجنح الاقتصادية المنصوص عليها في مجموعة من القوانين الاقتصادية الليبرالية، وهي جرائم التفالس، وجرائم شركات الأموال، وجرائم سوق المال، والجرائم المنصوص عليها: في قانون الإشراف والرقابة على التأمين، وقانون ضمانات وحوافز الاستثمار، وقانون التأجير التمويلي، وقانون الإيداع والقيد المركزي للأوراق المالية، وقانون التمويل العقاري، وقانون حماية الملكية الفكرية، وقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد، وقانون الشركات العاملة في مجال تلقي الأموال واستثمارها، وقانون التجارة في شأن جرائم الصلح الواقي من الإفلاس، وقانون حماية الاقتصاد القومي من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية، وقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وقانون حماية المستهلك، وقانون تنظيم الاتصالات، وقانون تنظيم التوقيع الالكتروني.

ثانياً - الركن المادي في الجريمة الاقتصادية

قد تكون الجريمة الاقتصادية من جرائم النتيجة أو من الجرائم الشكلية، والنشاط الجرمي بدوره قد يكون إيجابياً أو سلبياً، ففي جرائم التشريعات الاقتصادية الجزائية الحديثة يتجلى النشاط الجرمي في إنتاج أو عرض أو توزيع أو حيازة منتج مغشوش أو فاسد أو ضار بالصحة أو منتهي الصلاحية (المادة 12 من قانون حماية المستهلك)، أو التواطؤ ضد المستهلكين (المادة 8 من قانون حماية المستهلك )، أو حيازة أو إنتاج أو عرض الآلات أو الأدوات أو الوسائل التي تساعد على الغش (مادة 13 من قانون حماية المستهلك )، أو الإعلان المضلل (المادة 35 من قانون حماية المستهلك)، أو نشر وقائع كاذبة بهدف حمل الجمهور على الاكتتاب بالأسهم أو أسناد القرض (الفقرة /ط/ من المادة 203 من قانون الشركات)، أو توزيع أرباح صورية أو غير مطابقة لحالة الشركة الحقيقية (الفقرة /ز/من المادة 203 من قانون الشركات)، أو إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة أو تحويلها أو استبدالها أو حيازتها أو استثمارها (المادة الثانية من المرسوم التشريعي رقم 33 لعام 2005 المتعلق بغسيل الأموال)، أو تقليد علامة فارقة أو استعمالها (المادة 61 من قانون العلامات الفارقة والمؤشرات الجغرافية والرسوم والنماذج الصناعية والمنافسة غير المشروعة). وقليلٌ تحقق النشاط الجرمي في الجريمة الاقتصادية بالامتناع كالتقصير في اتخاذ الاحتياطات العادية الممكنة لتلافي الضرر(المادة 11 من قانون العقوبات الاقتصادية).

وقد يجتزئ النص القانوني في الجرائم الاقتصادية بالعقوبة من دون الفعل الجرمي مفوضاً إلى السلطة التنفيذية بيانه من خلال لائحة أو قرار. وتعد المادة /16/ من قانون قمع الغش والتدليس تجسيداً لذلك حيث نصت «إذا كان مقدار المنتجات أو قياسها أو كيلها أو طاقتها أو وزنها أو مصدرها أو طريقة صنعها أو العناصر الداخلة في تركيبها من العوامل التي لها دخل في تقدير قيمتها جاز بقرار من وزير التموين والتجارة الداخلية منع بيعها أو عرضها للبيع أو حيازتها بقصد البيع ما لم ترفق ببيانات بأوصافها وتركيبها، ويحدد في القرار أشكال هذه البيانات وأوصافها. يعاقب على مخالفة القرارات المذكورة بالغرامة من/1000/إلى/15000/ ليرة سورية، يعاقب في حال التكرار بغرامة من/2000/ إلى/30000/ ل0س وبالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر أو بإحدى هاتين العقوبتين».

ونظراً لضرورة احتواء كل الأنشطة الجرمية التي يشير إليها النص الاقتصادي ومواجهتها قد يركن هذا النص في بيان الفعل الجرمي إلى عبارات واسعة وغير دقيقة كمقاومة النظام الاشتراكي (المادة 15 من قانون العقوبات الاقتصادية، وقد خلصت محكمة الأمن الاقتصادي إلى تكييف الأفعال الآتية كمقاومة للنظام الاشتراكي تخزين الأدوية من جانب الصيادلة، سرقة عدة سيارات، ممارسة مهنة الصرافة) وإضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني (المادة 21 من قانون العقوبات الاقتصادية، وعدت الهيئة العامة لمحكمة النقض في حكمها المؤرخ بـ 20/11/2000 وحكمها المؤرخ 19/3/2001 تزييف النقد مشكلاً لجرم إضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني). وسواء أكانت عبارات النص دقيقة أم غير ذلك ينبغي على القضاء أن يلتزم بقواعد تفسير النصوص الجزائية المستوحاة من مبدأ الشرعية التي مفادها التفسير الضيق ورفض القياس.

أخيراً ربما لا يعبأ الشارع بتطبيق القواعد العامة في الشروع والمساهمة في الجريمة على الجريمة الاقتصادية، فلا يهتم بكون الجريمة تامة أو مشروعاً فيها، ولا بطبيعة المساهمة فيها وحجمها. فالمتدخل والمحرض يقفان على قدم المساواة مع الفاعل وهذا يصدق على قانون العقوبات الاقتصادية وقانون غسيل الأموال (نصت المادة 31 من قانون العقوبات الاقتصادية «يعتبر الشروع في الجريمة الاقتصادية كالجريمة التامة». وجاء في المادة 32 منه والفقرة ب من المادة 14 المتعلقة بجرم غسيل الأموال «يعتبر المحرض والمتدخل والشريك بحكم الفاعل»).

ثالثاً - الركن المعنوي في الجريمة الاقتصادية

كسائر الجرائم يجب تحقق القصد العام لدى مرتكب الجرم الاقتصادي لقيامه، وربما بعض الجرائم تذهب إلى ما وراء القصد العام كجريمة إصدار قرار ضار بالاقتصاد التي يتعين لقيامها توافر قصد خاص هو تحقيق الجاني مصلحة شخصية من جراء القرار، وهكذا قصد إلحاق الضرر بالمشاريع والمهمات في جريمة عدم تنفيذ الالتزامات المتصلة بها.

لكن قد ينكمش الركن المعنوي في الجرم الاقتصادي إلى حد عدم الاكتراث بالقصد والاستعاضة عنه بالخطأ أو افتراض القصد أو الخطأ حتى إثبات انتفائهما، وتنطبق الحالة الأولى على عدد من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات الاقتصادية (المواد/6/و/7/ والفقرة الأولى من المادة/10/ والمادة /13/ والمـــــــــادة /14/ والمـــــــــــادة /18/ والمادة /19/) حيث احتاط المشرع لانعدام القصد فعادل القصد بالخطأ، وقد يلجأ الشارع إلى افتراض توافر القصد أو الخطأ لدى المتهم بمجرد اقترافه الجرم وإلقاء عبء نفي القصد أو الخطأ عليه، ومن ذلك افتراض المشرع توافر القصد لدى التاجر الذي يعرض للبيع أو يبيع أغذية أو عقاقير طبية أو حاصلات مغشوشة (الفقرة الأولى من المادة الحادية عشرة من قانون قمع الغش والتدليس).

من جانب آخر ثمة جرائم اقتصادية تتطلب في تكوينها أن يكون مقترفها متعمداً ولا يكفي فيها القصد كجريمة تعمد تخريب رأس المال الثابت أو المعدات، وجريمة تعمد إساءة تصميم المنشآت المختلفة، لكن في جرائم أُخر يتراجع العمد إلى طبيعته الأصلية كظرف مشدد خاص، مثال ذلك جريمة التبذير في استخدام المواد الخام وجريمة إفشاء معلومات تقود إلى تخفيض الإنتاج أو تفويت فرص على البلاد.

وفيما يخص انتفاء العلم بالتجريم الاقتصادي سواء أورد النص الجزائي في قانون العقوبات الاقتصادية أم في قانون عقابي آخر: فقد ذهب القضاء السويسري (أحياناً) والبلجيكي إلى اعتباره نافياً للمسؤولية الجزائية إن لم يكن بمقدور المتهم العلم به. أما على الصعيد التشريعي فهنالك تفاوت واضح في التعاطي مع هذه المسألة، فالمشرع السوري رفض صراحة الاعتذار بالجهل بالقانون الجزائي إذ تناول الغلط القانوني في المادة /222/ من قانون العقوبات حيث جاء فيها: «1- لا يمكن لأحد أن يحتج بجهله القانون الجزائي أو تأويله إياه تأويلاً مغلوطاً. 2- غير أنه يعد مانعاً للعقاب: (أ) الجهل بقانون الجديد إذا اقترف الجرم في خلال الأيام الثلاثة التي تلت نشره (ب) جهل الأجنبي الذي قدم سورية منذ ثلاثة أيام على الأكثر بوجود جريمة مخالفة للقوانين الوضعية لا تعاقب عليها قوانين بلاده أو قوانين البلاد التي كان مقيماً فيها».

واللافت للانتباه في هذا السياق عدم تفريق المشرع في إطار الغلط القانوني بين قانون العقوبات والقوانين الأخرى مدنية كانت أم شخصية أم إدارية. في حين اعتد به المشرعان الألماني والسويسري إذا انتفت إمكانية العلم بالقانون لدى المتهم، وإزاء ذلك ذهبت محكمة النقض المصرية إلى رفض الجهل بالقانون الجزائي الاقتصادي، لكن الفقهاء انقسم على نفسه فقد أيده بعضهم واتجه إلى اعتباره جهلاً بالواقع، في حين ميز جانب آخر من الفقه بين المخاطبين بقواعد قانون العقوبات الاقتصادية، وهؤلاء يقبل منهم الجهل المبرر بالقانون، أما غير المخاطبين فيؤخذ بجهلهم بالقانون ولو كان غير مبرر.

ومع ذلك كله تبقى المشكلة الأهم هي العصف بالركن المعنوي في الجريمة الاقتصادية وتحويلها إلى جريمة مدنية أو جريمة مادية، فقد أقرت محكمة النقض الفرنسية وأيدها جانب من الفقه قاعدة الاكتفاء بالركن المادي لقيام غالبية جرائم الأسعار التي نص عليها المرسوم (248/45) تاريخ 30/6/1945. وعدم المبالاة بالركن المعنوي من قبل هذه المحكمة طال جرائم النقد والجرائم الجمركية والجرائم الضريبية وجرائم الصيد وجرائم حماية الثروة الطبيعية. ويكمن تأصيل ذلك في فكرة الجنح كمخالفات التي أُسقط بموجبها حكم المخالفات باعتبارها «جرائم مادية خالصة» على الجنح الاقتصادية. ولا محل لهذه الفكرة في قانون العقوبات السوري لأنه لا يعترف أصلاً بالمخالفات المادية. وقد اتجهت محكمة النقض المصرية إلى معاقبة الجاني بمجرد توافر الركن المادي فحسب، فعلى سبيل المثال عدت جريمة صناعة أرغفة خبز ناقصة الوزن جريمة مكتملة بمجرد صنعها وعرضها في المخبز أو إحرازها. وقد وجه الفقه سهام النقد – بحق - لهذا المسلك القضائي على قاعدة عدم اختلاف طبيعة الجريمة الاقتصادية عن أية جريمة أخرى من حيث تعارضها مع قيم المجتمع الجوهرية وبالتالي ينبغي توافر الإثم فيها المطلوب في جميع الجرائم.

وتبرز المسؤولية الجزائية من دون خطأ أيضاً أساساً لمساءلة القائم بالإدارة عن الجرائم الاقتصادية التي يقارفها تابعوه، ولعل الفقرة الأولى من المادة /35/ من قانون التموين والتسعير تعبير صارخ لهذه المسؤولية حيث نصت على: «يكون صاحب المحل مسؤولاً مع مديره أو القائم على إدارته عن كل ما يقع في المحل من مخالفات لأحكام هذا القانون والقرارات المنفذة له ويعاقب بالعقوبات المقررة لها، فإذا ثبت أنه بسبب الغياب أو استحالة المراقبة لم يتمكن من منع وقوع الجريمة اقتصرت العقوبة على حدها الأدنى وذلك مع عدم الإخلال بما ورد في قانون العقوبات في حالة الاستحالة المطلقة». بالمقابل تنكر قانون العقوبات الاقتصادية لهذا الأساس المادي وبنى مسؤولية متولي الإدارة على القصد حيث جاء في المادة /30/ منه:

«تُوقع العقوبات والجزاءات المقررة في هذا المرسوم التشريعي على من يعهد إليهم بأية صفة بإدارة جهة ما في الدولة إذا تركوا عن علم منهم الجرم يقع من شخص يخضع لسلطتهم أو إشرافهم». ومؤدى هذا النص انتفاء الجريمة في حال عدم توافر القصد الجرمي لدى متولي الإدارة، في حين سوى المشرع الفرنسي بين القصد والخطأ في قيام جريمة مدير المنشأة.

أخيراً ذهب العديد من المشرعين إلى ما وراء المسؤولية من دون خطأ عندما تبنى المسؤولية الجزائية للشخص الاعتباري عن الجرائم التي يجترحها أعضاؤه باسمه على الرغم من انتفاء الأهلية القانونية لديه، وهذه المسؤولية إما أن تكون تضامنية بحيث يتقاسم الشخص المعنوي مع ممثليه الجزاء المحكوم به من ذلك ما قررته المادة /35/ من قانون التموين السوري بقولها: «وتكون الشركات والجمعيات والهيئات مسؤولة بالتضامن مع المحكوم عليه عن قيمة الغرامة والمصاريف التي يحكم بها إلا إذا ثبت أن تصرفه كان شخصياً» وإما أن تكون مستقلة عندما يخص القانون الشخص المعنوي بجزاء منفصل عن جزاء أعضائه على نحو ما بينته المادة (209) من قانون العقوبات السوري.

رابعاً - الجزاء

واجه المشرعون الجرائم الاقتصادية بمجموعة من الجزاءات بعضها يتناغم مع طبيعتها الاقتصادية وبعضها الآخر تقليدي لا يخرج عما سنّه المشرع لبقية الجرائم. في الجزاءات التقليدية هناك عقوبة الإعدام حاضرة في بعض التشريعات العربية، ففي الجزائر يعد الغش في الأدوية والمواد الغذائية المفضي إلى الموت أو عجز دائم جريمة عقوبتها الإعدام، ولم يشأ الشارع السوري التوسل بهذه العقوبة حيث اقتصر في قانون العقوبات الاقتصادية على العقوبات السالبة للحرية المؤقتة، فهناك العقوبات الجنائية كعقوبة الأشغال الشاقة في جريمة تخريب رأسمال الثابت أو المعدات (مادة 4)، وجريمة سرقة الأموال العامة أو اختلاسها أو إساءة ائتمانها (مادة 10)، وجريمة مقاومة النظام الاشتراكي المضرة بالأموال العامة (المادة 15)، وجريمة الرشوة الاقتصادية (المادة 25)، فضلاً عن العقوبات الجنحية كعقوبة الحبس في جريمة التسبب بإلحاق الضرر بالأموال العامة نتيجة عدم المحافظة عليها ( المادة 10)، وجريمة تعيين عمال… بصورة مخالفة للقوانين أو الأنظمة (مادة 8). أما خارج إطار قانون العقوبات الاقتصادية فقد عاقب المشرع على جريمة غسيل الأموال بعقوبة جنائية مؤقتة (الاعتقال من ثلاث سنوات إلى ست سنوات الفقرة /آ/ من المادة 14 من قانون غسيل الأموال)، في حين هيمنت العقوبات الجنحية على الجرائم المنصوص عليها في قانون حماية المستهلك (المواد 41 وما بعدها من قانون حماية المستهلك)، وقانون الشركات (المادة 203 من قانون الشركات)، وقانون العلامات الفارقة والمؤشرات الجغرافية والرسوم والنماذج الصناعية والمنافسة غير المشروعة (المواد/61- 69/ والمادة /81/ والمادة /105/).

ولم يغفل الشارع السوري في الجرائم الاقتصادية العقوبات التي تنال من اعتبار الجاني والثقة فيه أي نشر الحكم بالإدانة وإلصاقه (نصت المادة /18/ من قانون قمع الغش والتدليس والمادة /40/ من قانون التموين والتسعير على:

1- تشهر خلاصة الأحكام التي تصدر بالإدانة في الجرائم التي ترتكب بالمخالفة بأحكام هذا القانون طبقاً للنماذج التي تعدها وزارة التموين بتعليقها على واجهة محل التجارة أو المعمل أو المستودع مكتوبة بحروف كبيرة وذلك لمدة تعادل مدة الحبس المحكوم بها، ولمدة شهر إذا كان الحكم بالغرامة.

2- يجوز للمحكمة أن تأمر بنشر ملخص الحكم في جريدة أو جريدتين ويجب عليها ذلك في حالة التكرار. أما المادة /16/ من تشريع غسيل الأموال فقد جعلت النشر والإلصاق وجوبيين في جريمة غسيل الأموال).

وهناك أيضاً العقوبات المالية، فقد فرض المشرع الغرامة الثابتة في جرائم قانون التموين وقانون قمع الغش والتدليس (يجوز تجاوز الغرامة في الجنح مبلغ الألف ليرة سورية، المادة 53 من قانون العقوبات)، في حين آثر الغرامة النسبية على الغرامة الثابتة في قانون العقوبات الاقتصادية حيث نصت المادة /33/ منه «يعاقب بغرامة أقلها ضعفا الضرر الحاصل من جراء ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا المرسوم التشريعي إضافة للعقوبة الأصلية».

على أي حال قرر الشارع في الفقرة /آ/من المادة الرابعة عشرة من قانون غسيل الأموال غرامة ذات طبيعة مزدوجة لجريمة غسيل الأموال حيث جاء في هذه الفقرة «يعاقب بالاعتقال المؤقت من ثلاث سنوات إلى ست سنوات وبغرامة تعادل قيمة الأموال المضبوطة أو بغرامة تعادل قيمتها في حال تعذر ضبطها على ألا تقل عن مليون ليرة سورية». (تنسجم الأرقام الفلكية للغرامات في الجرائم الاقتصادية بالمقارنة مع غيرها من الجرائم مع ذاتية هذه الجرائم القائمة على الكسب وبالتالي تحقق ردعاً حقيقياً لمرتكبيها).

وللمصادرة مكانٌ في العقوبات على الجرائم الاقتصادية وذاتيةٌ أيضاً فهي ذات طابع وجوبي (المادة 15 من تشريع غسيل الأموال، والفقرة الرابعة من المادة 38 من قانون التموين والتسعير، والمادة 21 من قانون قمع الغش والتدليس) بخلاف ما هو مقرر في قانون العقوبات من ترك فرضها للسلطة التقديرية للمحكمة، ولا يعد عدم الضبط للأشياء غير المشروعة مانعاً من تطبيق عقوبة المصادرة، فمثلاً ينص قانون قمع الغش والتدليس في هذه الحالة على جواز مصادرة ما يساوي ضعف قيمتها من أموال المحكوم عليه المشروعة (المادة السابعة عشرة من قانون قمع الغش والتدليس).

ومن الجزاءات الاقتصادية التدابير الاحترازية الآتية:

q المنع من مزاولة النشاط الاقتصادي: فقد أعطت العديد من التشريعات الاقتصادية السورية (أجازت الفقرة الثانية من المادة الثامنة والثلاثين من قانون التموين والتسعير المعدلة بالمادة الخامسة من القانون رقم 22 لعام 2000، والفقرة الثانية من المادة السابعة عشرة من قانون قمع الغش والتدليس للقضاء الحكم بوقف مزاولة العمل إيقافاً مطلقاً أو لمدة محدودة ما لم يترتب على ذلك إعاقة تموين منطقة بإحدى المواد الأساسية) والأجنبية، كالتشريع الفرنسي والتشريع البلجيكي الحق للقضاء بمنع المحكوم عليه من مزاولة مهنته.

q إغلاق المنشأة الاقتصادية: أخذ بهذا التدبير قانون التموين والتسعير وقانون قمع الغش والتدليس بصورته المؤقتة ولكن الأول منهما جعله جوازياً في حين أن الثاني جعله وجوبياً (الفقرة الثانية من المادة الثامنة والثلاثين من قانون التموين والتسعير المعدلة بالمادة الخامسة من القانون رقم 22 لعام 2000 والفقرة الثانية من المادة 17 من قانون قمع الغش والتدليس، وكان قانون التموين قبل تعديله يجعل إغلاق المحل وجوبياً)، وهذا بشرط ألا يترتب على الإغلاق تعويق تموين منطقة بإحدى المواد الأساسية، كما منحت المادة الثالثة عشرة من اللائحة التنفيذية لقانون المنافسة ومنع الاحتكار مجلس المنافسة الحق في إقرار الإغلاق المؤقت للمؤسسة أو المؤسسات المدانة مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، وذلك كله على خلاف التشريع الفرنسي الذي يجيز الإغلاق النهائي.

q وضع المنشأة تحت الحراسة: على ضوء الأثر السلبي الذي يترتب على تدبير الغلق المتمثل بتعطيل نشاط المنشأة وما ينجم عنه من ضرر بحقوق الغير رأى المشرعون الاستعاضة عنه بهذا التدبير، وبموجبه يتم تعيين مدير آخر للمنشأة يعمل تحت إشراف الدولة بدلاً من مديرها الذي تمت إدانته. ففي فرنسا يمكن للمحكمة أن تعين مديراً مؤقتاً للمنشأة خلال مدة الغلق المحكوم بها وتكون أرباح المنشأة من نصيب الدولة، وتحسم الخسائر من الجزاءات النقدية المحكوم بها على مدير المنشأة الحقيقي وبمجرد تخطي الخسائر هذه الجزاءات ينتهي تدبير وضع المنشأة تحت الحراسة.

q تعليق نشاط شخص اعتباري أو حله: بينت المواد (108-111) من قانون العقوبات السوري قواعد وقف هيئة اعتبارية أو حلها كما يلي:

يجوز للقضاء أن يحكم بوقف كل نقابة وكل شركة أو جمعية وكل هيئة اعتبارية ما خلا الإدارات العامة مدة لا تقل عن شهر ولا تتجاوز السنتين إذا اقترف مديروها أو أعضاء إدارتها أو ممثلوها أو عمالها باسمها أو بإحدى وسائلها جناية أو جنحة مقصودة يعاقب عليها بسنتي حبس على الأقل، ويقصد بالوقف منع الهيئة من ممارسة أعمالها وإن تبدل اسمها أو مديروها، ويحول هذا الوقف دون التنازل عن المحل بشرط الاحتفاظ بحقوق الغير ذي النية الحسنة.

ويجوز أيضاً للمحكمة حل هذه الهيئات إذا لم تتقيد بموجبات التأسيس القانونية، أو إذا كانت الغاية من تأسيسها مخالفة للقوانين، أو كانت تستهدف في الواقع مثل هذه الغايات، أو إذا خالفت الأحكام القانونية المنصوص عليها تحت طائل الحل، أو إذا عادت وارتكبت جريمة أخرى من الجرائم التي تصلح لوقفها قبل انقضاء خمس سنوات على الحكم المبرم بوقفها، ويتجسد الحل بتصفية أموال الهيئة الاعتبارية، وفقدان المديرين أو أعضاء الإدارة وكل مسؤول شخصياً عن الجريمة الأهليةَ لتأسيس هيئة مماثلة أو إدارتها.

إلى جانب ذلك يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة تراوح بين مئة وألف ليرة من يخالف تدبير الوقف أو الحل بعد الحكم بأحدهما، من ذلك أن يقوم المدير بأحد الأعمال باسم الهيئة الاعتبارية بعد الحكم بوقفها. ومن شأن التكرار أن يجعل وقف الهيئة الاعتبارية وحلها فضلاً عن إقفال المحل لازماً في جرم غسيل الأموال (المادة 16 من تشريع غسيل الأموال).

إلى جانب هذه التدابير هناك جزاءات أخرى كالغرامة الإدارية التي يفرضها مجلس المنافسة على المخالفات المنصوص عليها في المادة 19 من اللائحة التنفيذية لقانون المنافسة ومنع الاحتكار، ولا تقل عن واحد بالمئة ولا تزيد على عشرة بالمئة من الإجمالي السنوي لمبيعات السلع أو إيرادات الخدمات لمرتكب المخالفة، وفي حال كون رقم المبيعات غير محدد فعندئذٍ لا تقل الغرامة عن مئة ألف ليرة سورية ولا تزيد على مليون ليرة سورية.

أيضاً يجوز لوزير الاقتصاد والتجارة وفقاً لقانون حماية الإنتاج الوطني من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية أن يفرض رسوم مكافحة الإغراق في حال وجود حالة إغراق، كما يفرض رسوماً تعويضية عند توافر دعم غير مشروع للمنتجين أو الموزعين أو الناقلين أو المصدرين فضلاً عن اتخاذه تدابير وقائية تتمثل بوضع قيود على الواردات أو رسوم جمركية إضافية على السلع أو كليهما عند وجود زيادة غير مبررة في الواردات (المواد الرابعة والسادسة والرابعة عشرة من قانون حماية الإنتاج الوطني من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية).

وفي إطار تطبيق الجزاء الاقتصادي تبرز مسألة منع وقف تنفيذ العقوبة في بعض الجرائم الاقتصادية كالجرائم المنصوص عليها في قانوني قمع الغش والتدليس وقانون التموين والتسعير (الفقرة الأولى من المادة /38/ من قانون التموين والتسعير والفقرة الأولى من المادة /17/ من قانون قمع الغش والتدليس)، وهذا المسلك المتشدد من جانب المشرع وإن كان له صداه في الردع لأن اللاعب الاقتصادي يعلم بحتمية التنفيذ في حال اقترافه جرماً اقتصادياً لكنّه غير مبرر، فأهم الاعتبارات الذي تقوم عليه مؤسسة وقف التنفيذ المتمثل بتوافر احتمال كبير في تأهيل المحكوم عليه من دون تنفيذ العقوبة يمكن تحققه في مرتكب الجرم الاقتصادي فضلاً عن إخلال هذا المسلك التشريعي بقاعدة المساواة في المعاملة العقابية بين المجرمين.

أخيراً تجمل الإشارة إلى أن المشرع قد يسمح للإدارة بالتصالح مع المتهم في الجرائم الاقتصادية لقاء مقابل معين ومن شأن الصلح عدم إقامة الدعوى العامة بحقه، وهذا ما نصت عليه المادة السادسة من القانون رقم 22 تاريخ 9/12/2000 المتضمن تعديل قانون التموين والتسعير بقولها:

أ- تسوى الجرائم المنصوص عليها في الفقرتين أ، ب من المادة الرابعة من هذا القانون إذا أدى الفاعل مبلغاً لا يقل عن الحد الأدنى لمبلغ الغرامة المعاقب بها على فعله خلال مدة معينة ووفق قواعد تحدد بدليل تسويات تصدر بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح من وزراء التموين والتجارة الداخلية والعدل والمالية.

ب- التسوية المشار إليها في الفقرة السابقة تؤدي إلى وقف الملاحقة القضائية وكف التتبعات بشأنها بحسب الحال.
ثالثا- أنواع الجرائم الاقتصادية :

تعد الجرائم الاقتصادية بأنواعها المختلفة أكثر تأثيراً واشد خطراً على برامج التنمية والتقدم الحضاري لأي مجتمع حيث إنها تقوض من تقدمه نحو النمو الاقتصادي وتضر بمصالحه ولاسيما في الوقت المعاصر حيث الانفتاح الاقتصادي والتقدم السريع لمناحي الحياة والثورة التكنولوجية التي بدورها زادت من انتشار التجارة الالكترونية وعولمة الاقتصاد وبالتالي عولمة النشاط الإجرامي.

ولا شك أن هناك جرائم عادية لها آثار اقتصادية كالسرقة والاختلاس والتزوير والرشوة والابتزاز والنصب والاحتيال والغش والتدليس والتهرب الضريبي والسطو والمماطلة في سداد الديون وغيرها من صور الجرائم المالية، حيث يتأثر بها المجني عليه كسلب أمواله فلا يحقق تقدماً ونمواً اقتصادياً يستفيد منها أو يستفيد اقتصاد بلاده إلا أن الجرائم الاقتصادية هي في المقام الأول موجهة للسياسة الاقتصادية للدولة وتضر بمصالحها المالية.

وهناك العديد من أنواع الجرائم الاقتصادية التي تختلف من مجتمع لآخر باختلاف نظمه الاقتصادية وتطوره الحضاري إلا انه مع التطور السريع الذي يمر به العالم، فان ذلك يؤدي إلى استحداث أنشطة جديدة وعولمة لأنشطتها الإجرامية وظهور أنواع جديدة الجرائم الاقتصادية، وهنا مكمن الخطر لأثر هذه الجرائم وتهديدها للنمو الاقتصادي الأمر الذي يصعب حصر نتائجها وتحديدها لأنها تشمل كل ما يلحق الضرر بعمليات الثروات والتوزيع والتجارة والتصنيع أو تداول واستهلاك السلع والخدمات وتهدد الثروات البيئية من نبات وكنوز معدنية وثروات بحرية، فتشمل تخريب الأراضي الزراعية وتبويرها ودفن النفايات النووية في باطن الأرض أو البحر والتخلص من النفايات الناتجة من استهلاك المصانع أو الاستخدامات البشرية في الحياة اليومية، وكذلك إنتاج وزراعة المخدرات الطبيعية على حساب الأراضي الزراعية أو تصنيع المخدرات والمؤثرات بطرق كيميائية وكذلك التنافس غير المشروع كإغراق الأسواق وتقليد وتزوير المنتجات الاستهلاكية وتزوير العلامات التجارية واحتكار السلع، بالإضافة إلى الجرائم المتعلقة بالحاسوب من برمجة عمليات وهمية أو تزوير معلوماتها، وكذلك الاختراق أو التجسس للحصول على معلومات بهدف التخريب أو تحقيق أرباح مالية .
وفي ظل العولمة وهيمنة التجارة العالمية علي الأقطار كافة وبسبب عوامل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية التي يشدها العالم سيترتب عليها بلا أدنى شك أنواع جديدة للجرائم الاقتصادية وستنشط الجريمة المنظمة التي تشمل أنماطا وأنشطة منحرفة هي بحد ذاتها جرائم اقتصادية خطيرة، ففي المسح الذي أجرته الأمم المتحدة عام 1994م عن اتجاهات الجريمة المنظمة تضمن عدداً من الجرائم الاقتصادية كغسيل الأموال وتهريب المخدرات واختراق قطاع الأعمال المشروع والإفلاس بالتدليس والغش والفساد ورشوة الموظفين العموميين وجرائم الحاسب الآلي وسرقة الملكيات الفكرية والاتجار غير المشروع في الأسلحة وفي النساء والأطفال والاتجار غير المشروع في الأعضاء البشرية وسرقة المقتنيات الفنية والثقافية والغش في التأمين ، ومع التقدم السريع والثورة التكنولوجية الهائلة سوف تظهر أنماط وصورة جديدة للجرائم الاقتصادية.
إلا أن ابرز أنواع الجرائم الاقتصادية التي يمكن أن تشكل أخطارا جسيمة في ظل العولمة هي:
1- جرائم غسيل الأموال:

تعرف جرائم غسيل الأموال بأنها «أي نشاط أو عملية من شأنها إخفاء المصدر غير المشروع الذي اكتسبت فيه الأموال» ، وذلك بهدف تمويه السلطات ليجعله يبدو وكأنه دخل مشروع، وفي البيان الذي ألقاه الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة عام 1990م ذكر إن حجم الأموال التي يتم تبييضها أو غسلها في العالم يقدر ب 500 مليار دولار . الأمر الذي يوضح جلياً مدى تهديده للاقتصاد الوطني والقضاء على المشروعات الشريفة التي تعمل في المجتمع والقضاء على القيم الأخلاقية عن طريق الرشوة والفساد الإداري علاوة على إن أموال الاقتصاد الوطني تصبح ملوثة.

وتتخذ جرائم غسيل الأموال طرقاً وأنماطا متعددة ومتشعبة لتغطية أنشطتها الإجرامية وتزداد خطورتها بعد استغلالها للتقنيات الحديثة من شبكة الانترنت والحاسب الآلي الذي سهل انتقال الأموال وحركة البيع والشراء دون رقابة الأجهزة الأمنية والمصرفية.

2 جرائم البيئة والإخلال بتوازنها:تعرف الجريمة البيئية بأنها «ذلك السلوك الذي يخالف به مرتكبه تكليفاً يحميه المشرع بجزاء جنائي الذي يحدث تغيراً في خواص البيئة يؤدي إلى الإضرار بالكائنات والموارد الحية أو غير الحية مما يؤثر على ممارسة الإنسان لحياته الطبيعية ، ولجرائم البيئة والإخلال بتوازنها صور وأنماط تشمل تلويث الهواء والماء والأرض وتهديد الثروات البحرية والحيوانية التي بدورها تؤثر على حياة الإنسان الذي هو محور التنمية وهدفها، فما يحدث من إفراغ للنفايات النووية والمواد الكيميائية يؤدي إلى القضاء على حياة البشر وإصابتهم بالأمراض المزمنة والفتاكة التي تعطل تقدم الشعوب ونموها.
2- الجرائم الالكترونية

إن التقدم الالكتروني الذي تحقق في العقد الأخير من القرن السابق جعل العالم قرية كونية صغيرة وتجاوز بقدراته وإمكاناته أجهزة الدول الرقابية واضعف من قدراتها في إنفاذ قوانينها وأصبح يهدد أمنها وتتعدد أنواع الجرائم الالكترونية وتتخذ أشكالا مختلفة من تجسس ونشر مواد إباحية وقرصنة معلومات واتصالات ومؤامرات إجرامية مستترة وتخريب وإرهاب، وجرائم اقتصادية مختلفة تتم عبر الحاسوب التي من المتوقع أن يتفاقم دورها في الوقت الحاضر ومن ابرز هذه الجرائم الغش في التسويق ونقل الأموال بالوسائل الالكترونية وغسيل الأموال والتهرب الضريبي حيث تساعد التحويلات الالكترونية في إخفاء عائدات الجريمة ونقلها وإخفاء الأرباح المشبوهة عبر الإيداع ببطاقات الائتمان مباشرة. كما تتيح التجارة الالكترونية فرصاً للغش في البيع من سندات واسهم مزورة واستثمارات كاذبة، وكذلك الاعتراض واختراق سرية البنوك وسرقة الأرصدة وتحويلها إلي حسابات أخري ودعم هذه الأموال في تحويل أنشطة إجرامية أخرى .

رابعا – موجز بياني لنسبة الجريمة الاقتصادية في سورية خلال عام 2007 :

ترسم البيانات المعدة سنويا في وزارة الداخلية جزءا مهما من صورة الجريمة الاقتصادية في سورية و واقعها، ومع أن تلك البيانات ليست كافية لاعتبارين أساسيين، الأول أن البيانات الإحصائية ترصد الجرائم الاقتصادية المكتشفة أو التي قيد البحث، و الاعتبار الثاني أنها تتعلق بجهد جهة واحدة فيما تتشارك في موضوع مواجهة الجريمة الاقتصادية عدة جهات أمنية و رقابية..
لكن ذلك لا يقلل من أهمية جهد إدارة الأمن الجنائي في إعداد هذه البيانات... .
و قبل أن نستعرض معا أبرز معالم الجريمة الاقتصادية خلال العام الماضي 2007 تبعا لبيانات الأمن الجنائي المعدة مؤخرا .نوضح أن نسبة الجرائم المكتشفة خلال العام الماضي بلغت نسبتها 96% من مجموع الجرائم...

تشير البيانات إلى أن الرشوة تصدرت الجنايات التي ارتفع عددها في سورية خلال العام الماضي مقارنة بالعام 2006، إذ بلغ عددها نحو 33 جناية بزيادة قدرها 22%، وجاء بعدها تزوير الأوراق الرسمية بنحو 286 جانية و بزيادة قدرها 22% ، فسرقة المساكن و المتاجر بنحو 5261 جناية بزيادة قدرها 10% مقارنة بالعام 2006.

أما الجنايات التي شهدت تبعا لبيانات الأمن الجنائي انخفاضا فهي جنايات الاختلاس التي سجلت في العام الماضي 14 جناية وبنسبة انخفاض عن العام 2006 نحو 13%، تزوير أوراق مالية 637 جناية وبنسبة انخفاض قدرها6%..

- بالنسبة للتوزع الجغرافي للجنايات السابقة الذكر، فإنه فيما يتعلق بعدد جنايات الرشوة فقد جاءت إدلب أولا بنحو 13 جناية، محافظتا دمشق وريفها ولكل منها 5 جنايات فحلب 3 جنايات، ولم تسجل أية جناية رشوة في محافظات حماة، اللاذقية، السويداء، ودرعا... طبعا هذا لا يعني أنها نظيفة من هذه الجناية، إنما لم تسجل حالة لدى فروع الأمن الجنائي في هذه المحافظات...

وكان واضحا تمركز جنايات سرقة المسكن والمتاجر في محافظتي دمشق وريفها، حيث سجلت ريف دمشق 1394 جناية في العام الماضي ودمشق 1351 جناية، وجاءت حلب بعدد وصل لنحو 886 جناية سرقة، أما أقل محافظة فكانت القنيطرة بنحو 18جناية..

في جنايات تزوير الأوراق الرسمية احتلت دمشق القائمة بنحو 78 جناية، ثم حلب 44 جناية، فحمص ثالثا بنحو 34..ولم تسجل في القنيطرة إلا جناية تزوير واحدة...

وطالما أننا في موضوع التزوير، فإن دمشق حافظت على موقعها الأول في جنايات تزوير الأوراق المالية بنحو 299 جناية فحلب 76 جناية، وحمص ثالثا بنحو 66 جناية...

النوع الأخر من الجرائم الاقتصادية التي أصبحت تخيف اقتصاديات الكثير من الدول يتعلق بسرقة السيارات نظرا لتأثيراتها على الأموال الشخصية وشركات التأمين، والبيانات التي بين أيدينا تشير إلى حصول تراجع في هذه الجريمة حيث سجلت في العام الماضي نحو 714 جريمة مقابل 882 جريمة في العام 2006 أي بتراجع قدره 24% ، حيث جاءت حلب أولا بنحو 197 جريمة سرقة سيارات، فدمشق ثانيا بنحو 174 سرقة، فريف دمشق 124 جريمة... .و لم تسجل أية سرق للسيارات في القنيطرة و أقل الجرائم المسجلة كانت في السويداء بنحو 4 جرائم..

- تحمل البيانات السابقة مؤشرات مختلفة يمكن أن تشكل محورا أساسيا لعدد من الخطوات، المفترض بالكثير من الجهات والمؤسسات إتباعها للتعامل مع الجريمة كمنعكس مباشر أو غير مباشر للظروف الاجتماعية والاقتصادية، فالبيانات المتعلقة بالرشوة يمكن أن تحدد مدى جدوى إجراءات الحد منها من عدمه، و جنايات تزوير الأوراق الرسمية و المالية يمكن أن تقود الجهات المعنية للتفكير مليا في زيادة إجراءات منع التزوير و مواجهة المزورين... .لذلك ثمة جوانب كثيرة لقراءة البيانات السابقة

المبحث الأوّل :

الجرائم الاقتصاديّة : ماهيّتها ، أركانها

من معرفة ما تعنيه كلمة الاقتصاد يتّضح مفهوم الجريمة الاقتصاديّة .

فمفهوم الاقتصاد ـ كما عرّفه سميث ـ : هو ( عِلم الثروة ) ( 18 ) ، وعرّفه مارشال بأنّه : ( نشاط الفرد والمجتمع للحصول على الموارد اللازمة ؛ لتحقيق الرفاهيّة العامّة ) ( 19 ) ، وعرّفه روبنر بأنّه : ( ما يهتمّ بسلوك الإنسان كحلقة اتّصال بين الأهداف والحاجات المتعدّدة والوسائل النادرة ذات الاستعمالات المختلفة ) ( 20 ) .

أمّا ريمون بار ، فعرّفه بأنّه : ( ما يُبيّن السُبل التي يتّبعها الأفراد والمجتمعات ؛ لمواجهة الحاجات المتعدّدة باستعمال وسائل محدودة ) ( 21 ) .

وفي ضوء هذا الفهْم ينظّم القانون العلاقات بين المُنتِج والمُستهلك ، أي تنظيم التبادل ، كما يؤسّس القواعد الدستوريّة للتوزيع ، ومِن المذهبيّة الاجتماعيّة تظهر محدّدات الإنتاج وأنماطه ، والقيود على الاستهلاك ، بما يُشكلّ هَرَماً نظريّاً يرسم تنظيماً لمُجمل النشاط الاقتصادي ، ويلاحظ مدى دَور الربحيّة والتناسب بين المداخيل وآثار التفاوت والأسعار ، وأُسلوب التصرّف بالفائض . فما يحصل من سلوك مخالف لِما نظّمه من هذا القانون ، الأمر الذي جعلت عليه عقوبات محدّدة ، هو ما يطلَق عليه اسم الجريمة الاقتصادية .

لذا ، فأقصر تعريف لمفهوم الجريمة الاقتصادية هو : السلوك المخالف للقوانين المنظِّمة للتصرّف الاقتصادي ، والتي نصّ عليها القانون بعقوبة محدّدة ) ، وحيث إنّ الشريعة الإسلاميّة أسّست المذهب الاقتصاديّ بأُطروحة تمتلك تصوّراً للمشكلة الاقتصاديّة ، وإجراءات لحلّها ، وقوانين لتنظيم نشاط

الصفحة 150

الأفراد وحقوقهم وواجباتهم ، فإنّ مخالفات الفرد لِما أسّسه الشارع تُعدّ أفعالاً إجراميّة بمقياس الشريعة ، على مستوى القضاء الشرعيّ حدّاً أو تعزيراً ، أو على مستوى الديانة التي تترتّب عليها عقوبات أُخروية .

لذلك يمكننا القول : إنّ ماهيّة الجريمة الاقتصاديّة هي التصرّفات المحظورة ؛ لتنظيم الإسلام للإنتاج والتوزيع والاستهلاك وإدارة اقتصاديّات المجتمع في التنظيم والتنفيذ والتخطيط والرقابة .

وحيث أجملنا في هذه المقدّمة ، فإنّ الباحث يميل إلى عَرْض نماذج من اللوائح والقوانين التي تجرّم أفعالاً إنسانيّةً في مجال النشاط الاقتصاديّ ؛ ليتبيّن أُسلوب المشرّع في الحظر .. تمهيداً لعرض نمط الاستجابة لهذا الأُسلوب . وسعياً وراء بيان فرضيّة البحث ، لا بدّ من عرض صور من المخالفات في مجال الإنتاج والتبادل والتوزيع ، ففي الإنتاج يجد الباحث في كُتب الفقه الإسلاميّ فصلاً من كتاب المكاسب يعني بالمكاسب المحرّمة ، عرَض لبعضٍ منها جاعلاً منه عيّنة للوصول إلى التأكّد من فروض البحث .

انواع الجرائم الاقتصادية : غسيل الاموال ،التهرب الضريبي ،الرشوة ،الغش الضريبي ،جرائم المحاباة ،جرائم تمويل الإرهاب والتدليس والتهريب والجرائم الالكترونية وجرائم الصفقات الدولية ولقد حددت اللجنة الوزارية لمجلس أوروبا 17 جريمة باعتبارها جرائم اقتصادية جرائم الكارتلات.والممارسات الاحتيالية .
واستغلال الحالة الاقتصادية من جانب الشركات المتعددة الجنسية.
والحصول على المنح من الدول أو المنظمات الدولية عن طريق الاحتيال أو إساءة استعمال تلك المنح.والجرائم الحاسوبية.والشركات الوهمية.
والمنافسة الجائرة بما في ذلك دفع الرشاوى والإعلان المضلل.والجرائم الجمركية.وجرائم البورصات المالية والمصارف والجرائم ضد البيئة الخ الخ وهي جد متنوعة .

نظرا لظهور العولمة وتنوع الحقول الاقتصادية وكثرة التعاملات التجارية وسيادة مفاهيم كونية اقتصادية والسياسات الضابطة لحركية الراسمال الاجنبي والدولي كل هاته العوامل افرزت الجريمة الدولية الاقتصادية والتي كانت ظاهرة قبلا في ايطياليا والتي كانت تعرف بجريمة اصحاب الياقات البيضاء .
ونعني بالجريمة الاقتصادية الدولية وهناك من الفقهاء من عرّف الجريمة الاقتصادية بأنها كل فعل غير مشروع مضر بالاقتصاد القومي إذا نُصّ على تجريمه في قانون العقوبات ، أو في القوانين الخاصة بخطط التنمية الاقتصادية الصادرة من السلطة المختصة .
وفي المنطقة العربية لم تعرف قوانين خاصة بالجرائم الاقتصادية إلا كل من مصر والعراق وسوريا وليبيا والأردن ، بل في بعضها قوانين باسم قانون الجرائم الاقتصادية تحديدًا ،ويوجد من شراح القانون والفقهاء الذين سموا الجريمة الاقتصادية باسم آخر وهو " الجرائم المالية " .

القانون اليمني :
سوف نستعرض الجزاءات المنصوص عليها في التشريعات لبيان مدى كفايتها للحد من جرائم رجال الأعمال على النحو التالي:-
العقوبات المنصوص عليها في القانون التجاري المواد 804 وما بعدها الحبس مدة لاتتجاوز خمس سنوات أو الغرامة لاتتجاوز خمسون ألف ريال.
الجزاءات المنصوص عليها في قانون الشركات في المواد 287 وما بعدها الحبس مدة لاتتجاوز سنتين أو الغرامة لاتقل عن خمسة ألف ريال ولاتتجاوز أربعمائة وثمانون ألف ريال.
الجزاءات المنصوص عليها في قانون السجل التجاري المواد 16 وما بعدها الحبس مدة لاتزيد عن شهرين أو الغرامة لاتزيد عن عشرين ألف ريال.
الجزاءات المنصوص عليها في قانون تنظيم وكالات وفروع الشركات والبيوت الأجنبية في المواد40 وما بعدها الحبس مدة لاتزيد عن سنة أو الغرامة لاتزيد عن خمسمائة ألف ريال.
الجزاءات المنصوص عليها في قانون البنوك في المواد 75 وما بعدها الحبس مدة لاتزيد عن سنة أو الغرامة لاتزيد عن مائتين ألف ريال.
الجزاءات المنصوص عليها في قانون الاستثمار في المادة 76 الحبس مدة لاتتجاوز سنتين أو الغرامة لاتتجاوز خمسمائة ألف ريال، ونصت الفقرة هـ من المادة 76 بأنه لاترفع الدعوى العمومية بالنسبة لأي مخالفة إلا بناءً على طلب أو موافقة خطية من رئيس الهيئة ، ويجوز لرئيس الهيئة أو من يفوضه أن يجرى تصالح في هذه الدعاوى العمومية.
الجزاءات المنصوص عليها في قانون تشجيع المنافسة ومنع الاحتكار والغش التجاري المادة 22 الغرامة لاتقل عن عشرة ألف ريال ولاتتجاوز مائة ألف ريال وفي حالة العود يكون الحبس وجوبياً بحسب ما يقرره القضاء ، وهذا يتعارض مع الدستور والقانون (لاجريمة ولاعقوبة إلا بقانون).
ونصت المادة 23 منه بأن تحال المخالفات المنصوص عليها في هذا القانون إلى النيابة بقرار من الوزير..ولاترفع الدعوى العمومية عنها إلا بطلب من الوزير.
والعقوبات المنصوص عليها في قانون أعمال الصرافة في المواد 29.28 بالسجن مدة لاتقل عن ستة أشهر ولاتزيد عن ثلاث سنوات أو بغرامة لاتقل عن خمسمائة ألف ريال أو بالعقوبتين معاً وفي حالة العود تضاعف العقوبة.
والقضايا الجمركية والتهريب وعقوباته المنصوص عليها في قانون الجمارك بالمواد 271 وما بعدها بفرض عقوبة جمركية عن التهريب وما هو معتبر كذلك ، ونصت المادة 206 بأنه لايجوز رفع الدعوى في المخالفات الجمركية وجرائم التهريب إلا بناء على طلب خطي من رئيس المصلحة أو من يفوضه بذلك . ونصت المادة 207 أن لرئيس المصلحة أو من يفوضه أن يعقد التسوية عن المخالفات وقضايا التهريب قبل إقامة الدعوى أو خلال النظر فيها أو بعد صدور الحكم وقبل اكتسابه الصفة المبرمة..
والجزاءات المنصوص عليها في قانون ضرائب الانتاج والاستهلاك في المواد 38 وما بعدها بالغرامة لاتقل عن 25% من قيمة الضريبة المستحقة ولاتزيد على ثلاثة أمثال مالم يؤد من الضريبة ... وبالحبس مدة لاتزيد على سنتين أو بغرامة لاتزيد على خمسين ألف ريال وهذه الجرائم من جرائم الطلب والذي لايحق للنيابة تحريك الدعوى الجزائية فيها إلا بناء على طلب من رئيس مصلحة الضرائب.
كما أن بعض الجرائم التي يرتكبها رجال الأعمال منصوص عليها من قانون الجرائم والعقوبات وخاصة جرائم الاحتيال ، خيانة الأمانة ، الغش التجاري في المواد 310 ، الاحتيال، 312 الغش التجاري، 318 خيانة الأمانة وعقوباتها لاتزيد على ثلاث سنوات أو الغرامة لاتتجاوز سبعين ألف ريال.
والجزاءات المنصوص عليها في قانون العمليات المالية والمصرفية الالكترونية بالحبس مدة لاتقل عن سنتين وبغرامة لاتقل عن خمسة ملايين ريال.
ومن استعراض الجزاءات الجنائية سالفة الذكر يتبين أنها تنقسم إلى قسمين أساسيين أولاهما وهي عقوبة الحبس والتي لاتزال الوسيلة الأولى للحد من الجريمة نظراً لأثرها الرادع الذي ينأى بالبعض عن سلوك السبيل الإجرامي ، والملاحظ فيها تخفيف عقوبة الحبس وهي مدة لاتكفي لتحقيق الأثر الإصلاحي للعقوبة ومن المؤكد أن العقوبة التي لاتزيد عن ستة اشهر ليست لها أي فائدة إصلاحية، ، ولتلافي هذه السلبيات اقترح البعض(5) في عدة مؤتمرات دولية حلولاً لهذه المشكلة عن طريق جعل الحد الأدنى لهذه العقوبة لاتقل عن ستة أشهر.
وثاني تلك العقوبات وهي الغرامة والتي يؤخذ عليها عدة عيوب، منها أنها تتنافى مع مبدأ المساواة أمام الجزاء الجنائي فأثرها على الثري جداً ضئيل إذا ما قورن بأثرها على الفقير ، إلا أن البعض ذهب إلى أن هذا العيب يمكن ملافاته إلى حد بعيد عن طريق الأخذ بالنظم الحديثة للغرامة فبعض التشريعات تقدر وجوب تناسب الغرامة مع دخل المحكوم عليه، ويقدر القاضي مبلغ الغرامة مراعياً المركز المالي للمحكوم عليه(6).
وإذا كانت العقوبة جزاء يوقع باسم المجتمع ، حماية له وضمانة لمصلحته ، وهي جزاء يتناسب مع جسامة الواقعة الإجرامية ومقدار الخطيئة والإثم إعمالا لمبادئ العدالة ، وقد يترك المشرع أمر مراعاة هذا التناسب للقاضي ، بعد وضع الضوابط الخاصة به.

القانون المصري :
استحدث المشرع المصري بموجب القانون120 لسنة 2008 ( قانون المحاكم الإقتصادية ) اختصاصا أصليا للمحكمة الاقتصادية - باعتبارها عضواً جديداً في هيكل محاكم القضاء الطبيعي العادي- في نظر الدعاوى الجنائية الناشئة عن العديد من الجرائم المنصوص عليها في سبعة عشر قانونا تتمثل في :
*جرائم التفالس في قانون العقوبات.
*جرائم شركات الأموال ،والواردة في قانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالاسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة.
*الجرائم الواردة في قانون سوق راس المال.
*الجرائم الواردة في قانون الإشراف والرقابة على التأمين في مصر.
*الجرائم الواردة في قانون ضمانات وحوافز الاستثمار.
*الجرائم الواردة في قانون التأجير التمويلي.
*الجرائم الواردة في قانون الايداع والقيد المركزي للأوراق المالية.
*الجرائم الواردة في قانون التمويل العقاري.
*الجرائم الواردة في قانون حماية الملكية الفكرية.
*الجرائم الواردة في قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد.
*الجرائم الواردة في قانون الشركات العاملة في مجال تلقي الأموال واستثمارها
*الجرائم الواردة في قانون التجارة في شأن جرائم الصلح الواقي من الإفلاس.
*الجرائم الواردة في قانون حماية الاقتصاد القومي من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية.
*الجرائم الواردة في قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.
*الجرائم الواردة في قانون حماية المستهلك.
وقد أوضح المشرع المصرى أن هذه الخطوة تأتي في إطار الإصلاح الاقتصادي واستكمالا لمنظومة التشريعات الاقتصادية الهادفة إلي توفير المناخ الملائم للتنمية الاقتصادية وتشجيع الاستثمار وتحرير التجارة وجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية فضلا عن تشجيع رؤوس الأموال المصرية للمشاركة في مشروعات التنمية.
وقد تضمن القانون رقم 120 لسنة 2008 المشار اليه - إنشاء محكمة اقتصادية بدائرة اختصاص كل محكمة استئناف القاهرة والإسكندرية وطنطا والمنصورة والاسماعلية و بني سويف وأسيوط وقنا. وتتكون المحاكم الاقتصادية من دوائر ابتدائية ودوائر استئنافيه. وتشكل كل دائرة من الدوائر الابتدائية للمحكمة الاقتصادية من ثلاثة من القضاة يكون احدهم علي الأقل بدرجة رئيس بمحكمة الاستئناف. وتختص – دون غيرها – نوعيا ومكانيا بنظر الدعاوى الجنائية في الجرائم المنصوص عليها في القوانين المشار اليها سابقاَ . وحدد القانون أن الدوائر الابتدائية بالمحكمة الاقتصادية تختص بنظر قضايا الجنح وتختص الدوائر الاستئنافية بالمحكمة الاقتصادية بالنظر ابتداء في قضايا الجنايات والمنصوص عليها في هذه القوانين . وتختص نيابة الشئون المالية والتجارية بمكتب النائب العام تختص بالإضافة إلي الاختصاصات المقررة لها – بالتحقيق والتصرف في الجرائم التي تختص بنظرها المحكمة الاقتصادية بدائرة نيابة استئناف القاهرة، وكذا ما تري تحقيقه والتصرف فيه بنفسها من هذه القضايا والتي تدخل في اختصاص نيابات أخري كما تختص نيابة الشئون المالية والتجارية بالإسكندرية – بالإضافة إلي الاختصاصات المقررة لها – بالتحقيق والتصرف في الجرائم التي تختص بنظرها المحكمة الاقتصادية بدائرة نيابة استئناف الإسكندرية. وطالب النائب العام من النيابات دراسة هذه القضايا بعناية تامة وتحقيق قضايا الجنايات والجنح الهامة تحقيقا قضائيا.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شرح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وفقا للقانون المصرى ا ...
- الضوابط الرقابية للعمليات المصرفية الالكترونية وإصدار وسائل ...
- الانعكاسات المتبادلة بين التنمية المستدامة والبيئة........
- الجهود الدولية لمكافحة ظاهرة غسل الاموال ...
- جرائم تقنية المعلومات فى القانون المصري الجديد
- آليات الحماية القانونية للبيئة
- الضوابط القانونية والاخلاقية للاعلام
- دور الشريعة والقانون فى استقرار المجتمعات
- ظاهرة غسل الأموال خارج الحدود وأثرها على المصارف العاملة في ...


المزيد.....




- ارتفاع النفط متأثرا ببيانات قوية من الصين
- الأردن يطرح 7 مناطق للاستثمار في مجال الغاز والنفط... ما الع ...
- أسعار النفط ترتفع مع التفاؤل إزاء أفاق الاقتصاد العالمي
- باريس سان جيرمان ينهي سطوة بايرن ميونخ في -ليلة الأمراء-.. و ...
- 8 أشخاص فقط يمتلكون تريليون دولار من ثروات العالم
- انهيار بعض العملات العربية.. ما الأسباب والتداعيات؟
- نشرة الاخبار الاقتصادية من قناة العالم 15:30بتوقيت غرينتش 1 ...
- انتعاش في صادرات المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروربي رغم ا ...
- انتعاش في صادرات المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروربي رغم ا ...
- التحول الرقمي... ما أسباب زيادة حجم التجارة الإلكترونية في ا ...


المزيد.....

- مقاربات نظرية في الاقتصاد السياسي للفقر في مصر / مجدى عبد الهادى
- حدود الجباية.. تناقضات السياسة المالية للحكومة المصرية / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد المصري وتحديات وباء كورونا / مجدى عبد الهادى
- مُعضلة الكفاءة والندرة.. أسئلة سد النهضة حول نمط النمو المصر ... / مجدى عبد الهادى
- المشاريع الاستثمارية الحكومية في العراق: بين الطموح والتعثر / مظهر محمد صالح
- رؤية تحليلية حول انخفاض قيمة سعر الدولار الأمريكي الأسباب وا ... / بورزامة جيلالي
- الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعيتها على الطبقة العاملة / عبد السلام أديب
- تايوان.. دروس في التنمية المُقارنة / مجدى عبد الهادى
- تاريخ الأزمات الاقتصادية في العالم / د. عدنان فرحان الجوراني و د. نبيل جعفر عبدالرضا
- سد النهضة.. أبعاد الأزمة والمواجهة بين مصر وإثيوبيا / مجدى عبد الهادى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمود رجب فتح الله - الجريمة الاقتصادية .......................... د/ محمود رجب فتح الله