أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الحسين شعبان - الهوّيات والدرس الهندي















المزيد.....

الهوّيات والدرس الهندي


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 5774 - 2018 / 2 / 1 - 18:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الهوّيات والدرس الهندي
عبد الحسين شعبان

"الهند – الفوضى التي تعمل" ذلك ما قاله المفكّر الأميركيّ المعروف جون كينت غالبرايت في وصف حالة الهند التي تمثِّل "الوحدة في إطار التنوّع"، وقد قصد به "الفوضى التي تشتغل بشكلٍ جيّد"، فكيف يُمكن تصوّر مثل ذلك المسار الاستثنائيّ الذي يبدو مُتناقضاً بشكلٍ حادّ؟
إذا كانت الهند قد عاشت معاناة طويلة تحت السيطرة الاستعمارية البريطانية، فإنّها تمكّنت بفعل المقاوَمة السلمية اللّاعنفية بقيادة المهاتما غاندي من إحراز الاستقلال في العام 1947، وهو استثناء آخر لدرسٍ هنديّ متميّز، وتمكّنت لاحقاً من تحقيق تنمية متميّزة جَعلتْها لاعِباً مهمّاً في "دول البريكس" التي تضمّ روسيا والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا إضافة إليها.
عبّرت "خيا باتاشاريا" سفيرة الهند في المغرب خلال محاضرتها في "مهرجان السينما العالَمي للذاكرة المُشترَكة"، الذي انعقد في مدينة الناظور الشمالية الريفية، عن استثنائية الدَّرس الهندي في تدبير التعدّد والاختلاف من خلال مقولة هنديّة قديمة بقولها " أنا هندي، لا أذهب إلى المسجد أو إلىالكنيسة أو إلى المعبد، وإذا أردتَ أن تراني، فستجدني في جميع هذه الأماكن".
فكيف تمّ بلوغ الوحدة والتجانس والتناغم في ظلّ التعدّد والاختلاف والتنوّع؟ ثمّ كيف تمكّنت الهند من تحقيق مثل هذا القدر من النجاح في التنمية لمليارٍ وما يزيد على 20 مليون نسمة، وبهذه المساحة الشاسعة والمختلفة من التضاريس الجغرافية والمَناخية وعشرات اللّغات والأديان والطوائف والقوميّات والإثنيّات؟
الأركان الأساسيّة للمُواطَنَة
وإذا كان ثمّة عوامل تاريخية أسهَمت في إنتاج هذا التنوّع، فإنّ مسألة التحكّم به وإدارته لضمان الاستقرار والسلام تحتاج إلى تدبيرٍ قياديّ في فلسفة الدولة وإدارتها، ولاسيّما تحقيق قدر من المساواة والحرّية والعدالة والمُشارَكة، وهي أركان أساسيّة للمُواطَنة، وخصوصاً بمواجَهة سياسات الاستعلاء والتمييز ومحاولة الاستتباع.
وقبل الحديث عن القيَم الديمقراطية الحديثة، فالحضارة الهندية القديمة، ولاسيّما الكونفوشوسية والبوذية قامت على التسامح، وهو ما شكّل خلفية فكرية تاريخية لحاضر الهند، التي عرفت كيف توظّف ذلك التنوّع والاختلاف في إطار الوحدة التي تمّ تثبيتها بالدستور كأحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها الدولة وأسهَم وقوفها على مسافة واحدة ومع الجميع، ومن دون انحياز، في ترسيخ هذه القيَم الإنسانية، ولكنّ ذلك لا يعني عدم حدوث اختراقات أو تجاوزات أو أعمال عنف منفلت، وخصوصاً في ظلّ وجود تعصّب وتطرّف وعنف وإرهاب حاولت الدولة احتواءه بتوسيع دائرة المُواطَنة والمساواة.
في حوارٍ مع الصديق الفيلسوف والشاعر والسينمائي "خال طورابولي" من موروشيوش، وهو من أصل هنديّ، قال: "نحن شغوفون بالألوان والأشكال الهندسيّة وبالتنوّع، فأرضُنا بسبعة أنهار، وهيبلاد التوابل، وطريق الحرير يمرّ منها، و"الفضاء الثالث" هو حِكمة الهند التاريخية ضدّ الثنائية،فليس هناك مركز وهامش، واللّون الرماديّ هو "اللّون الثالث" بين الأبيض والأسود، وهو أقلّيقيناً، بل إنّه يخفِّف من اليقينيّات، ولذلك نحن نحبّ التعامل مع الغير، والغيريّة بالنسبة إليه تعنيقبول الآخر وحقّ الاختلاف، وتلك واحدة من "معجزات" الهند كما عبّر عنها وهي "الاختلاف عندالتشابه" و "التّناظر عند الاختلاف".
وبحسب "المهاتما غاندي"، فإنّ القبول بفتْح النوافذ يعني الاستعداد لاستقبال الثقافات الأخرى والانفتاح عليها وقبول الآخر، وبالطبع فإنّ ذلك لا يعني مُصادَرة ثقافتنا التي تمتاز بالغنى الروحي.
الأوهام حيال الهويّة
حين نتوقّف عند الدرس الهندي تُواجهنا خمسة أوهام بخصوص الهويّة، وهي التي طَبعت كلّ مرحلة الحرب الباردة، وهذه الأوهام هي:
الوهم الأوّل– الذي يقول إنّ الدول الصناعية المتقدّمة بفعل ما حقَّقته من منجزٍ اقتصادي وتنموي ورفاه اجتماعي حلّت مسألة الهويّة.
الوهم الثاني – الذي يزعم أنّ الدول الديمقراطية حلّت مسألة الهويّة بتأكيد احترام حقوق الإنسان والحرّيات.
الوهم الثالث– اعتقادنا أنّ الدول الاشتراكية السابقة حلّت مسألة الهويّات، ولاسيّما القومية بالاعتراف بحقوقها وحقّ تقرير المصير، وأنّها وضعت مسافة متساوية من جميع الأديان، وفقاً لمنهجها العلماني.
الوهم الرابع– إنّ الدول الفيدرالية بشكلٍ عامّ كانت أكثر رحابة في حلّ مسألة الهويّات، بفعل توزيع السلطات والصلاحيّات بين الدولة الاتّحادية والأقاليم.
أمّا الوهم الخامس فيقوم على أنّ مشكلة الهويّات، هي حكر على البلدان النامية، التي تعاني من شحّ الحريات، وعدم المساواة، وتقليص فُرص المُشارَكة والعدالة الاجتماعية.
وإذا فَحصنا هذه الأوهام سنرى أنّ الدرس الهنديّ أجاب عنها بشكلٍ متميّز؛ فحتّى الآن تعاني بلدان صناعية ومتقدّمة وديمقراطية وفيدرالية من مشكلة الهويّة، التي هي أبعد وأعقد من مسألة التنمية، لأنّها تتعلّق بالخصوصية وتحقيق الذات. فهناك نحو 20 حالة في الغرب تريد تحقيق هوّيتها الخصوصية بغضّ النظر عن التنمية والتقدّم ومستوى المعيشة، كان آخرها استفتاء كاتالونيا، وقبل ذلك استفتاء اسكتلندا، ولا تزال مشكلة إقليم الكيبك (كندا) وإقليم الباسك (إسبانيا)، قائمة ومستمرّة، فضلاً عن التهديد بالانقسام بين الوالانيّين والفلامانيّين في بلجيكا.
كما يُمكن استحضار ما آلت إليه أوضاع البلدان الاشتراكية السابقة من انبعاث الهويّات الفرعية لدرجة الاحتراب والتشظّي، بحيث تفتَّتت يوغسلافيا السابقة لتنقسم بعد حروب وأعمال إبادة إلى 6دول، والاتّحاد السوفييتي إلى 15 دولة، ولا تزال تركة الماضي ثقيلة عليها جميعاً، بحيث يبحث بعضها عن هويّات وكيانيّات لتعويض ما فاته من فُرص ضائعة ولتحقيق "ذاته".
ويبقى موضوع إدارة التنوّع وتدبير أُسس الوحدة مع الحفاظ على الخصوصيّات واحدةً من معضلات العصر الرّاهن الموضوعية والذّاتية التي تُواجِه الجميع بلا استثناء، وتتطلّب تطامناً وتضامُناً وتعايُشاً وتشارُكاً وسلاماً.



نشرت في مجلة أفق العدد 866، تاريخ 1/20/2018






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أمريكا «العظيمة»
- النجف في وجهها الآخر!
- ثقافة التنمية وتنمية الثقافة
- وعد بلفور في مئويته : وقفة مراجعة
- الامبراطور عار
- ما بعد حل الدولتين
- العنف وفريضة اللّاعنف- شذرات من تجربة شخصية
- التنمية والبيئة العربية
- العلاقات العراقية - الأمريكية : أي تاريخ وأي مستقبل؟
- ثلاثية السياسي والحقوقي والديني
- دوافع قرار ترامب
- لن يكون للسلطة قيمة إذا لم تنحَزْ لخيار الشعب بالمقاومة
- المرأة وعملية بناء السلام
- أبو كَاطع يشرق في بغداد
- الحق في التعليم
- رسالة مفتوحة إلى الراحل آرا خاجادور
- صفقة العصر وثقافة الاعتذار
- الطفولة الملغومة
- تحديات ما بعد داعش!
- حافة الحرب


المزيد.....




- دراسة إسرائيلية: كورونا الجنوب إفريقي قادر على اختراق لقاح - ...
- هزة أرضية بقوة 4.5 درجة تضرب سواحل اليونان
- أفضل 7 أطعمة لتحسين خصوبة الرجال
- برازيلي يقضي 38 يوما وحيدا في غابات الأمازون بعد تحطم طائرته ...
- وفاة وزير العدل الأمريكي الأسبق محامي صدام حسين
- الأردن.. إعفاء المواطنين والعرب من رسوم دخول المواقع الأثرية ...
- السعودية.. 70 كاميرا حرارية لرصد درجات حرارة المعتمرين في مك ...
- النمسا.. توقيف مواطن من أصل مصري على صلة بهجوم نوفمبر الإرها ...
- العسكريون الروس يقدمون مساعدات إنسانية لبلدة الشيخ عجيل شرقي ...
- عواصف عاتية تضرب الساحل الجنوبي الشرقي للولايات المتحدة


المزيد.....

- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الحسين شعبان - الهوّيات والدرس الهندي