أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - البحث عن الشجرة














المزيد.....

البحث عن الشجرة


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 5744 - 2018 / 1 / 1 - 16:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن أي إنسان يستطيع أن يرى هذه الشجرة هناك بجانب الحائط القديم، وأي إنسان يستطيع أن يعرف ماهية هذه الشجرة بالدقة، عمرها ومميزاتها المختلفة وإسمها والنوع الذي تنتمي إليه وكل خصائصها وتفاصيلها، كيف تزرع وأي مناخ يناسبها وكيف تتنفس وتتغذى وما هي الأمراض التي يمكن أن تصيبها وماذا تنتج وفي أي فصل. إنه يستطيع أيضا أن يدرس ويحلل تركيبها الداخلي ويحلل أوراقها وجذورها وأزهارها وما تنتجه، وينظم كل ذلك في علاقات معقدة ومنطقية مع بقية الأشجار والنباتات. ويستطيع أيضا أن يذهب أبعد من ذلك بواسطة العلوم والتكنولوجيا الحديثة، حيث يستطيع الآن أن يتدخل في تفاصيل تكوينها العضوي الداخلي ويغير تركيبها الجيني حسب مشيئته، بحيث تنمو بشكل أسرع، تقاوم الأمراض والحشرات الضارة ونقص المياه الناتج عن فترات الجفاف، وتنتج أكثر مما تنتجه طبيعيا أو تنتج على سبيل المثال فواكه بدون بذور .. إن كل هذا ممكن ولا يشكل في حد ذاتة إشكالية لمن يدرك هذه الشجرة، والتي يستفيد منها في حياته اليومية لإنتاج التفاح والبرتقال والعنب أو الزيت والزيتون والخشب والظل الذي يستعمله للقيلولة في ساعات الحر. إن هذه العلاقة الأولية المباشرة بين الإنسان والعالم هو مايشكل تجربته الأساسية بخصوص ما نسميه بالواقع. وقد عاش الإنسان آلاف السنين وهو منغمس في هذا الواقع يزرع الأشجار ويجني ثمارها دون أن يخطر في باله ولو للحظة واحدة التساؤل عن صحة ما يراه أو يسمعه أو يحس به. الزلزال أو الكارثة أو المعجزة وقعت عندما أراد الإنسان أن ينتقل من "الشجرة" إلى فكرة الشجرة، واضطراره لإختراع اللغة لتمكنه من إختزال الواقع واكتشاف العمليات التجريدية المعقدة ليتمكن من نقل تجربته لإنسان آخر. وهنا بدأت المشاكل الإرتيابية في الظهور، فماذا لو أن كلمة "كلب" تنبح ؟، وماذا لو أن الشجرة التي أجلس في ظلها لا توجد إلا في ذهني كفكرة ؟ ومادا لو أن كل ما نراه ونسمعه ليس سوى حلم سيء؟ يبدو أنه منذ هذا الوقت البعيد بدأ الشك ينخر نفسية الإنسان وبدأ القلق ينخره من الداخل كالموت. لم يعد يثق لا في عينيه ولا في جلده ولا في بقية حواسه. وبدأ يفتش وينقب عن هذا الخطأ الأونطولوجي الذي يوجد في مكان ما في هذه العلاقة بينه وبين الكائنات التي تزاحمه. كان يعتقد بوجود شرك ما يهدده وقد يسقط فيه في أي لحظة. وبدأ يشك جديا في حقيقة العالم المحيط به، مستندا في ذلك على تجارب أخرى في حياته اليومية ترتبط إرتباطا وثيقا بالخيال. فحينما يجلس تحت شجرته الظليلة ليستريح من عناء اليوم، سرعان ما تبدأ مخيلته في العمل على خلق عشرات ومئات الكائنات والمواقف المألوفة والغريبة والتي تتابع بعفوية ولا يمكنه التحكم فيها لأنها مستغرق فيها لدرجة لا تسمح له بملاحظتها، وما أن يركز ذهنه على صورة ما ليحاول رؤيتها بوضوح أكثر حتى تختفي هذه الصورة. وينتهي به الأمر إلى إغماض عينيه ويأخذه النوم، حيث يجد نفسه في عالم آخر مليء بالعجائب والأحداث والأشخاص الذين يتحركون بمنطق غريب وينتقلون من حالة إلى أخرى بدون مبرر واضح. وعندما يستيقظ من غفوته ويجد نفسه مستلقيا في ظل الشجرة، فإنه لا بد له من التسائل عن واقعية هذه العوالم المختلفة، أيهما أكثر واقعية وأكثر حقيقية ؟ وبدأ الإنسان منذ هذا الوقت في محاولة تخيل نظام كوني يفسر هذه الشكوك أو يضع لها حدا وذلك بتنسيقها في منظومة سردية وأسطورية مقبولة .. في البداية، التساؤلات الإنسانية كانت ترتكز على إكتشاف القانون الأول في الطبيعة وهو مبدأ العلية أو السببية، لكل شيء سبب، وهو القانون الدي استنتجه الإنسان من مراقبته وملاحظته للطبيعة من حوله. ولكنه لم يكن يمتلك الأدوات المعرفية الكافية لإكتشاف أسباب كل الظواهر التي تشكل مجمل الحياة في ذلك الوقت، المطر يسقطه السحاب، والسحب تأتي بها الرياح ولكن ما هو سبب البرق والرعد والنور والظلام والأمراض والموت ؟ وبدأ الإنسان في إنشاء الفرضيات والإحتمالات لتفسير ما لا يفهمه مباشرة، وبذلك نشأت الأساطير والخرافات التي تحولت تدريجيا إلى معتقدات وأديان تفسر نشأة الكون وخلق العالم والإنسان. وبدأت السماء تزدحم بمئات القبائل الإلهيه من كل نوع وكل شكل، لكل وظيفته وعمله وصفاته ومميزاته، وفي تراتبية ترتكز أساسا على القوة والثروة والسلطة، على غرار المجتمع الإنساني ذاته. وهكذا تخيل هذا الإنسان عالما سديميا غير محدد الملامح لا يكف عن التغير والتطور تحكمه ذوات وكائنات غريبة متصارعة ومتناحرة، عالم فوضوي متوتر يشبه الأحلام. وتدريجيا، بدأ الفكر والعقل يحتل مساحات متزايدة من الفضاء السردى، حتى حدث ما لا مفر من حدوثه وهو ظهور العقل وإنعتاقه من القيود التي كانت تكبله مما أدى إلى بدايات الفكر الفلسفي الذي سيحاول عقلنة هذا العالم والغوص في ميكانيكيته المعقدة.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,236,739,440
- الخنزير والسمكة الذهبية
- دكتاتورية التشريع
- جنة الديموقراطية
- أسطورة الحرية
- 12 المسؤول الأوّل عن الإرهاب
- 11 الكمين الأفغاني والإرهاب
- الدليل على وجود الله
- 10- وكر الحية : بيشاوار
- 9 - مصادر الإرهاب
- 8 التفجيرات العشوائية
- 7 الإرهاب حليف الديموقراطيات الرأسمالية
- عودة على أسس الكارثة الليبية
- 6 الإرهاب ليس العدمية
- صورة السيد نون
- 5 العدمية كحركة ثورية
- إشارة الإستفهام القاتلة
- 6 الرؤوس الطائرة
- 5 - الحلم والثورة
- 4 الجنة المستحيلة
- 3 العاصفة


المزيد.....




- عقوبات أمريكية وأوروبية على مسؤولين روس على خلفية قضية تسميم ...
- لأول مرة يقرأ العلماء رسائل قديمة دون فتحها
- ليبيا.. محمود الورفلي يتوعد صاحب وكالة سيارات تيوتا في بنغاز ...
- انفجار قرب مركز فحوصات للكشف عن كورونا في هولندا
- تقرير يكشف تعرض ما لا يقل عن 10000 طفل لاعتداءات جنسية في كن ...
- انفجار قرب مركز فحوصات للكشف عن كورونا في هولندا
- تقرير يكشف تعرض ما لا يقل عن 10000 طفل لاعتداءات جنسية في كن ...
- انطلاق عملية عسكرية من عدة محاور في كركوك
- القبض على متهم ينتحل صفة ضابط في بغداد
- دبلوماسي ايراني : هناك -ضوء اخضر- أميركي لتركيا باحتلال جزء ...


المزيد.....

- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي
- صيرورة الإنسان العاقل (منعرجات تطور الجنس البشري) / مصعب قاسم عزاوي
- أسرار الدماغ البشري / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - البحث عن الشجرة