أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - 5 العدمية كحركة ثورية














المزيد.....

5 العدمية كحركة ثورية


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 5275 - 2016 / 9 / 4 - 23:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هذا الإنسان بلا أبعاد الذي نحاول أن نثبت عدم صلته بالعدمية يمكن تتبعه وملاحقته في عصرنا الحاضر في كل مكان كما سبق القول، فهو الإنسان العادي، المواطن المثالي الذي يقوم بواجباته كما يطلب منه المجتمع والدولة والقانون. بطبيعة الحال ليس هناك نمودج أو عينة وحيدة من هذا الإنسان الحديث، بل يتشكل ويتشيأ في نماذج مختلفة الأشكال والألوان. إنه هذا المثقف الملتزم بالقضايا الإنسانية العاجلة، الذي يندد باختراقات حقوق الإنسان، ويوقع على كل حملات المساندة لكل القضايا الإنسانية والإجتماعية والبيئية، ولكنه في نفس الوقت مثقف " وطني " ويطالب بحق الديموقراطية الرأسمالية في التدخل أينما أرادت للدفاع عن قيمها ومبادئها، التي يمكن ترجمتها بكلمة أوضح بـ " مصالحها ". وهو أيضا هذا العسكري الذي يقتل الأطفال من أجل قطعة الخبز له ولأطفاله، كالجندي الإسرائيلي والطيار الأمريكي أو الضابط الفرنسي الذي في قواعده العسكرية في أعماق الدول الأفريقية يتدخل لحماية مناجم اليورانيوم وذلك لضمان إضاءة الشانزيليزيه وبرج إيفيل، وهو أيضا هذا الأمير السعودي أوالقطري أوالكويتي بعقاله الحريري وسيارته الأمريكية أمام قصره وهو يسّبح بحمد ربه الذي أعطاه كل هذه الخيرات وأخرجها له من باطن الأرض، دون أن يفكر لحظة واحدة في أطفال غزّة الذين يموتون بالجوع والحصار والقنابل. وهو هذا المستوطن الإسرائيلي برشاشته يمنع الفلاح الفلسطيني من الوصول إلى زيتوناته القليلة، وهو هذا السلفي والأصولي والداعشي الذي يفجر نفسه في الأماكن العامة أو يقطع رؤوس البشر بالسكين أو بالفأس هاتفا الله أكبر. إنه يتجلى أيضا في هذه القبيلة الكبيرة من الخبراء والمتخصصين في كل المجالات العلمية والإجتماعية والتقنيّة، من أساتذة وباحثين عن لقمة العيش أينما كانت : تحت الصخور، في أعالي الجبال، وسط الغابات البعيدة، تحت الأرض أو في أعماق البحار، يبحثون عن " الحقيقة " حسب ما يزعمون، أينما كانت، بين المكاتب والدوائر الحكومية، في معامل ومراكز البحوث في الجامعات والمؤسسات العلمية المختلفة، أينما كانت هذه " القطعة النحاسية " ينحنون على ركبهم يبحثون عن آثارها، تحت الطاولات والكراسي، تحت الأثاث والدواليب، تحت الحصيرة وتحت السجادة ينحنون لإلتقاطها، ويجرون ورائها ليل نهار. هذا الإنسان الممتليء إيجابية والمكتفي بنفسه هو ذاته نفس الكتلة الإيجابية في أمريكا وأوروبا وأفريقيا وآسيا، إنه نفس النموذج المؤمن والممتليء بذاته حتى النخاع بحيث لم يعد هناك مكان لأي شيء آخر. فكل ما ليس هو يتحول بكل بساطة إلى عدم وخواء وفراغ من اللامعنى والعبث. غير أن هذا الخواء والفراغ يشكل القوة الوحيدة التي يمكن أن تزحزح هذه الصخرة الصلدة الممتلئة حتى الحافة إيجابية وكينونة، هذا الخواء السرمدي الذي يهرب منه الإنسان الغرائزي أو الفطري هو الذي يمكن أن يفجّره ويعدّمه في ذاته. وذلك ليس ليحل محله أو ليمتص إيجابيته وسلطته، وإنما لكي ينقذه من إمتلائه وتخمته، يفجرفي قلبه زلزالا أو بركانا ليحدث شقا وشرخا يدخل منه الوجود إلى هذه الكينونة المغلقة. والعدم بطبيعة الحال لا يمكنه أن يخرج من العدم ذاته، بل لا بد له من كينونة تنتجه وتسانده، وهو بالتالي ليس خارجا عن هذا الإنسان الكينونة، إنه بطريقة ما ينخره من الداخل كالدودة، ولكنه لا يُرى ولا يمكن وعيه أو الإحساس به، ولذلك لا يمكننا نعت الإنسان الإيجابي أو الذي لا أبعاد له أو الإنسان المعاصر أو الإنسان الجدّي ـ كم تسميه سيمون دي بوفوار ـ الذي وصفناه سابقا بالعدمية، لأنه ما أن يعي ذاته ويرى فجأة وجهه في المرآة ـ أثناء الحلاقة إذا لم يكن داعشيا ـ ما أن يرى وجهه قبيحا ملطخا بالدماء حتى تختفي إيجابيته وتهرب منه ذاته وتتشقق إنيته ويتجاوز نفسه ويحيل ذاته إلى عدم وينبثق هذا الإنسان الآخر الذي سنسميه " الإنسان " العدمي والذي يقوم على فكرة الرفض والثورة والعصيان على وضعه في العالم وعلى العالم كما هو كائن. إنه النقيض المطلق للإنسان المنتمي المنغمس في مجتمعه ووطنه ودينه وثقافته ـ كالنازي والفاشي والإسلامي والديموقراطي والليبرالي .. إلخ. إنه الإنسان الذي لا هوية مسبقة له، فهو ما ليس هو، وليس هو ما هو، إنه تجاوز وبناء وتكوين ثم تجاوز ، إنه إنسان غير محدد ، غير كامل، متعدد الأبعاد، مجرد مشروع وجود جنوني وعبثي ولا ضرورة له على الإطلاق. هذا المشروع العدمي والفكر الذي يسانده ويغذيه هو الأمل الوحيد لإنقاذ البشرية العمياء المعاصرة وتفجير الفكر الإيجابي المسطح من الداخل. وهذا الفكر الثوري هو ما يطلق عليه اليوم تسمية " الفوضويه العدميه " من قبل فطاحلة الفكر اللابُعدي وهو ما يعني بالنسبة لنا الفكر الأناركي الشيوعي، أي الشيوعية الأناركية، أو التحررية الشيوعية، أو الشيوعية اللاسلطوية. ولذلك فإن الثورة العدمية لا بد لها أن تتجاوز الفكر العدمي ذاته وتتجذر في عمق الواقع الإجتماعي لمحاولة الخروج من مخالب الرأسمالية والإمبريالية والوطنية والدين. والفترة العصيبة التي تمر بها البشرية هي فرصة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، لتنمية ونشر الفكر الثوري، نظرا للتخمة المصاب بها الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي والرأسمالي عموما جراء الإمتلاء بالذات الإيجابية والنرجسية، وهيمنة القبول والإستمرار في عبادة الماضي والحاضر وإلغاء المستقبل، حيث المستقبل كما يقول كامو " هو النوع الوحيد من الملكية الذي يتنازل عنه السادة بطيبة خاطر للعبيد "






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشارة الإستفهام القاتلة
- 6 الرؤوس الطائرة
- 5 - الحلم والثورة
- 4 الجنة المستحيلة
- 3 العاصفة
- المحطّة
- الحيوان الفطري
- الحقيبة
- آكلة لحوم البشر
- الموت بالمجان
- 3 الإنسان الإيجابي
- 2 بين العدالة والحرية
- من أجل تحرير العدمية
- طفل خيّوس
- مذبحة خيّوس
- 5 - رحلة الست ساعات إلى خيّوس
- 4 - دموع التماسيح
- 3 - المركب السكران
- 2 - الرحلة الزرقاء
- 1 - صورة الطفل الغريق


المزيد.....




- بعد استغاثة ابنته بالرئيس السيسي... تحرك مصري يمني لإنقاذ إب ...
- ذكريات خالدة... شاحنات من الحقبة السوفيتية لدى الجيوش الأجنب ...
- غانتس يطالب بتحقيق للكشف عن مُسرب تفاصيل عمليات عسكرية
- وكالة: تحركات -مريبة- في كوريا ومخابرات أمريكا تراقب ميلاد - ...
- منظمة الصحة: الطريق ما زال طويلا أمام نهاية وباء كورونا
- مجلة: من يفوز في الحرب بين أمريكا والصين؟
- وعد الأمير وليام لجده الراحل فيليب بشأن ملكة بريطانيا
- إيران: لدينا معلومات موثقة تؤكد دعم أمريكا لتنظيم -داعش-
- الرئاسة المصرية: أمير قطر يتصل بالسيسي لأول مرة منذ سنوات
- إثيوبيا تضع جميع الخيارات على الطاولة


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - 5 العدمية كحركة ثورية