نادية محمود - نائبة سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: التغييرات القانونية الجديدة للحركات والأحزاب الإسلامية التي تتيح زواج القاصرات في عراق ما بعد داعش!


نادية محمود
الحوار المتمدن - العدد: 5703 - 2017 / 11 / 19 - 21:56
المحور: مقابلات و حوارات     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة، وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى، ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء، تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -211- سيكون مع الأستاذة د.نادية محمود  - نائبة سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي  -  حول: التغييرات القانونية الجديدة  للحركات والأحزاب الإسلامية  التي تتيح زواج القاصرات في عراق ما بعد داعش! 
.
 

اود ان استهل افتتاحية حواري حول مشروع تعديل قانون الاحوال الشخصية باتجاه تشريع جواز زواج القاصرات بالتذكير ما يجري في الهند. في هذا البلد السن الرسمي للزواج هو 18 للاناث و 21 للذكور. تسعى الحكومة ووفقا للقانون ان تمنع الاسر التي تزوج بناتهن دون هذ السن، و بنفس الوقت تهب لمساعدة الفتيات التي يراد اجبارهن على من اجل حمايتهن ومنع اسرهن من تزويجهن. الاسباب التي تدفع الاسر الى القيام بتزويج بناتهن بعمر الطفولة هو جملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية منها الجهل والخوف على البنات من الاغتصاب وفقدان العذرية قبل الزواج حيث لا وجود للتعليم في تلك المناطق الفقيرة، وعلى البنات ان يمشين مسافات طويلة لاقرب مدارس يرتدنها، استعمال وسائل نقل وباصات نقل غير امنة والخ مما يعرضهن الى حالات الاغتصاب.

اذا كان الخوف والفقر والجهل هو ما يدفع الاسر في شرق اسيا وفي غربها وفي افريقيا الى تزويج بناتهم القاصرات- ونحن نتكلم هنا عن بنات في عمر ال12 او ال 13 سنة وليس ال9 سنوات، ما السبب الذي يدفع البرلمان العراقي الى اصدار قرار له ذات العقلية التي صنعها الجهل والفقر والخوف لدى الاسر الفقيرة في الهند؟

بالتأكيد ان اعضاء البرلمان ليسوا معلقين في الهواء، بل انهم مرتبطين اشد الارتباط بمؤسسة الدولة، ومؤسساتها الدينية، الرسمية وغير الرسمية. لذا ان مشروعهم المقترح هو مشروع ينصب على " بناء الانسان" الذي لا يكل ولا يمل خطباء المؤسسات الحكومية والدينية في وسائل اعلامهم وقنواتهم التلفزيونية عن الحديث عنه. انه مشروع سياسي يخدم استراتيجية طويلة المدى وهي ادامة وجود الاحزاب الاسلامية الشيعية والسنية بالحكم وفي البقاء في السلطة السياسية. ادامة هذه السلطة ستؤمن لهم ادامة سيطرتهم على ثروات المجتمع وألتي تتم عبر السيطرة على مواقع الدولة.انه مخطط لادامة وجودهم لعقود قادمة. عبر البناء من الاسفل لتغيير عقول المجتمع حتى يهيئوا عقلية ثقافية تقبل وتقر وتستلم لوجودهم، عبر جلب القوانين والثقافة والايديولوجية الاسلامية، عبر حقن تقاليد و ثقافة وعادات جديدة في جسد المجتمع. ان "بناء الانسان" كمشروع لتعميم ثقافة وايديولوجية الطبقة السائدة، وتسييدها كثقافة لعموم المجتمع هوعمل سياسي مقصود ومخطط له لهندسة عقول البشر لتتحرك بما ينسجم وهدفهم الاول والاخير للبقاء في السلطة. انه جزء لا يتجزأ من استراتيجية بناء المجتمع، مجتمع يراد ان يركن الى قوانين كتبت قبل 1400 عاما.

الحركات والاحزاب الاسلامية لن تكل ولن تتوقف عن ابتداع اساليب جديدة لتبثت نفسها في الحكم والسلطة. السلطة والحكم هو مصدر يدر الثروات عليهم. مشروعي " الطائفية" واسلمة المجتمع، تركت اثارهما في المجتمع كما هندس وخطط ساسة الاحزاب الاسلام السياسي الشيعي منهم والسني،رغم ان اقساما واسعة من الجماهير من ذات الاوساط "الشيعية" التي تدعي تلك الاحزاب الحديث باسمها خرجوا يهتفون من اعوام 2007-2008، 2011، و 2015 باسم الدين باكونا الحرامية. لم تنطلي على الناس دعوات الاحزاب الحاكمة الدينية و والشيعية. لانهم كشفوا حقيقتهم الطبقية اللصوصية. وعي طبقي لمسته الجماهير يوميا في معاشها وحياتها واوضاعها الاقتصادية والامنية بحقيقة هذه الاحزاب التي جاءت لتعتاش على خلفية" مظلومية الشيعة" من اجل النهب والسلب والبقاء في السلطة من اجل الثروات، ومنذ عام 2003.

الغريب ان هذه الدعوات لتغيير قانون الاحوال الشخصية جاءت في وقت من جهة بدأت فيه بعض الاحزاب الاسلامية بالسعي لخلع اللباس الديني واتخاذ اسماء مدنية، حزب الحكمة الذي اسسه عمار الحكيم، والذي انبثق وانشق من المجلس الاسلامي الاعلى، سليم الجبوري، يؤسس التجمع المدني للاصلاح، التيار الصدري يظهر نفسه وكأن لا خلاف لديه مع التيار المدني في العراق..في ظل هذه الموجة للتوجه الى " المدنية" تقوم هذه الاحزاب نفسها بجلب القوانين الاسلامية وجعلها قوانينا لتنظيم حياة المجتمع. هذا في الوقت، الذي يراد فيه تحويل انتصار الحشد الشعبي العسكري في الموصل وكركوك الى انتصار سياسي. ان هذا يعني، الدفع بمشروع الدولة الاسلامية قدما في العراق، وايضا دعاة دولة ولاية الفقية، بدأوا يمهدون الارض لمجيئهم واعلان مشروعهم السياسي في العراق ضمن توازن القوى الجديد الذي افرزته مرحلة ما بعد داعش وما بعد الاستفتاء.

جلبت الاحزاب الشيعية خلال ال15 عاما المنصرمة: الطائفية، الفساد، المحاصصة، "الاقتصاد الحر"، الميلشيات والعصابات، وهي تسعى جاهدة منذ عام 2003، ثم في عام 2014 والان في عام 2017، الى تغيير قانون الاحوال الشخصية بكل قواها. لم ينجحوا في مساعيهم بسبب مدنية الناس، وانسانيتهم التي تأبى القبول بهذا الاجرام المنظم والمقنون ضد الاطفال. ان الاسر في العراق تحرص على تعليم بناتهم واولادهم، عبر تدريسهم في البيوت- نظرا لبؤس التعليم في العراق- تصرف عليهم ما يتمكنون منه من دورات تدريسية، او حتى ارسالهم الى مدارس خصوصية، ليأتي برلمانيون ليعطوا حق تزويجهن بعمر التاسعة. ان هذا لاكثر اثارة للرفض والادانة من ان يتقبله اي انسان سوي، ومن ان تتقبله الاسرة في العراق لبناتهم.

ولكن اذا كانوا هم، هذه الطبقة اللصوصية السائدة يريدون اعادة " بناء الانسان" لاجل ادامة بقاءهم في السلطة تحت ايديولوجية دينية، فان ردنا هو التالي: ان الصراع في المجتمع، هو صراع طبقي، وهو يجري في قلب و في ميدان العلاقات الاجتماعية ايضا، في ميدان الحياة الشخصية، بين اولئك الموجودين في السلطة من برلمان وحكومة وقضاء ومؤسسات التي تسعى لادامة سلطتها عبر مختلف الاشكال ومنها منهجيتها ب" بناء الانسان" عبر سن القوانين الاجرامية، والجماهير المليونية في الخندق المقابل لها، مع الاسر التي تأنف من هكذا قوانين، والتي لن تكف عن المقاومة وبمختلف الاشكال ضد هذا النوع من تشريع ارتكاب الجرائم. ان الغضب على تلك الاحزاب ورفض الجماهير لها عبرت عنه الجماهير باشكال مختلفة، ولما تزل، لم تخضع ولن تركن الى السكون. ان الجماهير والمنظمات ومختلف اطياف المجتمع عبرت عن رفضها لهذا القانون وغيره من القوانين المشرعة بالضد من مصالح الجماهير.

ان حماية الاطفال هي مسؤولية المجتمع. توفير الامان لهن. توفير الاجواء التي يستطعن فيها النمو نحو اكتمال نضوجهن العقلي والجسدي والنفسي اسوة بالكبار. ان البرلمان الذي يقر ويقنون ارتكاب وتدمير حياتهم وحياة المجتمع، لاية اهداف يسعون اليها- ليس فقط لا "يمثل الشعب" و يمثل نفسه، بل هو خطر على المجتمع بأسره، ويجب ازالته من حياة الناس. وان الجهود لن تتوقف، وستواصل الناس وبمختلف الاشكال لصد ورد محاولات هذه الاحزاب التي لا يهمهما لا من قريب ولا من بعيد حجم المآسي التي سيتعرض لها الاطفال. انهم وبدلا من ان يخلقوا اوضاعا افضل، يخلقون اوضاع ترسل بالاطفال الى اوضاع مأساوية والمجتمع برمته الى الهمجية. ان ردود الافعال التي ظهرت لحد الان تبشر بالخير، ففي معظم مدن العراق من البصرة والناصرية الى نساء ورجال السليمانية وتحرريو هذه المدن عبروا عن رفضهم لهذا المشروع. وايضا مبادرتكم في الحوار المتمدن عمل يصب في التحريض ضد تشريع هذا القانون الذي يجب ان يقبر حاله حال مشروعهم لسن قانون للشريعة الاسلامية المرقم 137 والذي طرحوه عام 2003، ثم القانون الجعفري الذي طرحوه عام 2014، وها نحن الان في عام 2017، يريدون تغيير قانون الاحوال الشخصية او موادا منه. انها معركة سياسية بامتياز وليست معركة قانونية او " فقهية". انه صراع طبقات. الطبقة الحاكمة تريد فرض قوانينها لتديم نفسها في الحكم، عبر اخضاع المجتمع قانونيا، والملايين التي لا مصلحة لها في هذه السلطة ولا في قوانينها ولا في مصالحها ترفض هذه القوانين.
ان من حق المرء ان يتسائل لماذا حاربوا داعش اذن، ان كانوا قد جلبوا قوانينه لتطبيقها في العراق؟ ماهو خلافهم بالضبط مع داعش اذن؟ علماذا يختلفون؟ لو كان داعشيا في البرلمان العراقي لرفع يده تصويتا وتأييدا لهذا القانون. ان البرلمان والاحزاب التي يمثلها، والمصالح الاقتصادية التي تقف خلفه، وكامل المؤسسة الدينية التي تعطيه الشرعية لاصدار هكذا قوانين، كلها تشكل اخطارا على حياة البشر وحياة الاطفال، ويجب التصدي لها بكل الاشكال الممكنة.