أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - سندس القيسي - آمنة الخروب؛ غيابك عن الحياة خسارة حقيقية














المزيد.....

آمنة الخروب؛ غيابك عن الحياة خسارة حقيقية


سندس القيسي

الحوار المتمدن-العدد: 5293 - 2016 / 9 / 23 - 09:53
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


آمنة الخروب؛ غيابك عن الحياة خسارة حقيقية

كنت قد اتصلت بأمنة، أعز وأقدم صديقة لي ومن أروع الناس الذين يمكن أن تصادفهم في حياتك، فهي طالما كانت كالشمعة تذوب لتضيء الطريق لغيرها. جاءت رنة الهاتف بطيئة وأنا أنتظر بشوق أن ترد علي آمنة، هذه المرأة العملاقة بمبادئها وسلوكها المنسجمين معًا، هذه الإنسانة التي ساعدت كل الناس بكل ما تملك من عطاء ومحبة ونكرانٍ للذات، لكن آمنة لم ترد هذه المرة وفوجئت بصوت إمرأة غريبة، سألتها أين آمنة؟ فلم ترد، فسألت ملهوفة قلقة، هل آمنة بخير؟ فكانت الإجابة كالصاعقة التي زلزلت كياني: "آمنة ماتت قبل ساعة". لم أستطع قول أي شئ، فقد تجمدت الكلمات في حلقي وشعرت بصدمةٍ قوية. إذ أنني لا أعرف كيف سأقدر على فراقها؟ رحم الله آمنة، التي لم تكن تجيد الشكوى رغم مصارعتها مرض السرطان والألم الذي عانته بعد أن توفت أختها، قبل حوالي ثلاثة أشهر. لم تمنعها معاناتها الصامتة من مساعدة الآخرين بحنية وحب ورقي.

آمنة كانت أكثر من معالجة نفسية، فهي وضعت النظريات النفسية في إطارها الثقافي والإجتماعي واجتهدت دون أن تعتمد على التقليد الأعمى بل بإحساسٍ الواثقِ بنفسه وأكثر من الإتكال على الأساليب الغربية وحدها. لا أبالغ إن قلت أن آمنة كانت مدرسة في علم النفس. في الحقيقة، آمنة كانت مدرسة في كل شيء، خاصةً العطاء المتفاني. كانت إنسانة بارة بوالديها، تقوم بواجباتها تجاههم في أحلك الظروف وفي أعتى لحظات المرض. وكانت تعتبر خدمة والديها نعمة ما بعدها نعمة.

آمنة كانت تصلي في سرها، لكنها لم تفرض معتقداتها على أحد، وكانت منفتحة تستوعب الجميع. آمنة كانت مثقفة ومسيّسة وإنسانية بكل ما في الكلمة معنى. كان يكفيني وجودها في الحيأة، كي أشعر بالطمأنينة، وأن الدنيا ما زالت بخير، وأنه لو خليت بليت . آمنة كانت واحدة من هؤلاء الناس الذين تشعر بالتفاؤل تجاههم، لوجودهم كحقيقة واقعة في الحياة. آمنة كانت عملة نادرة، غير متداولة في السوق ولم تتغير في زمن الإنحطاط والإنهزام وسقوط الشعارات. آمنة كانت إنسانة عظيمة جدًا في كل شئ تفعله، وإمرأة صلبة حقيقية، تستحق كل الإحترام، وَمِمَّا لا شك فيه أني سأفتقدها، وأتذكرها إلى ما لا نهاية، لأنه ليس لها مثيل، بأخلاقها وبجمالها الداخلي.

آمنة أخذت بيدي في عمر السابعة عشرة، عندما التقيتها في جامعة اليرموك. لقد احتضنتي كالأم الحنون، لم تبخل علي بشيء ولم تتوقع يومًا أي مقابل، كان همها أن تعطي شيئًا من نفسها بكرمٍ بالغ. لقد أصابني نبأ موتها بألمٍ عميق، فكيف لي أن أتخيّل الحياة بدونها؟ كنت دائمًا أقول لها أنها تستحق نصبًا تذكاريًا وتكريمًا استثنائيًّا لعطائها الدائم، ومساهمتها في خدمة الإنسان والمجتمع. وأتمنى على المسؤولين الأردنيين أن يأخذوا بمقترحي، لأن النبلاء أمثال آمنة الخروب لا يتكررون. فآمنة صديقة صدوقه، وكانت تقدس الصداقة وتعززها وتدعمها وتجعلها محورية في علاقاتها مع الجميع. ولهذا، فآمنة كانت تقف إلى جانب الكل، وتتنصر للحب بعد صداقة عميقة. وتكاد فلسفة آمنة حول الصداقة تقول: "لا حياة بدون صداقة". فالبنسبة لآمنة، الصداقة كانت اللبنة الأولى الرئيسية لبناء العلاقات.

كنتُ دائمًا أطلب منها أن تنزل الإنتخابات بسبب شفافيتها وأصالتها وشهامتها البالغة. هذا، عدا عن شعبيتها الكبيرة، وحب الناس العميق لها. لكن آمنة لم يكن يغريها أي شيء دعائي، بل كانت تخدم مجتمعها ووطنها بالتزامٍ وبهدوء وبدون غرورٍ وبدون تعالٍ، دون أن تنتظر حمدًا ولا شكورًا من أحد. آمنة كانت تحب أن تبني وتصلح وتساعد وتتنشل وترفع للأعلى أبناء مجتمعها، الذين يحتاجونها. فالجميع كان يعتمد عليها، وهي لم تعتمد على أحد سوى الله. وإنه لأمر مؤسف أن يكون مصير واحدة من صناع الحياة النبيلة والحقيقية في بلدنا قصيرًا. هؤلاء الناس القدوة و والحقيقيون، نحن لا نقدرهم في حياتهم لأنهم هادئون، لكن عند رحيلهم، نكتشف كبر الحمل الذي كانوا يضعونه على أعتاقهم، وبعد فوات الأوان، نتفاجأ بحجمهم الحقيقي الهائل.

آمنة كانت تحدث جلبة عندما تمشي في أي مكان تتواجد فيه، كان الناس يتهافتون على لقائها، وإلقاء التحية عليها بكل محبة واحترام. فقد كانت قيادية من الطراز الرفيع وبشكل متواضع وإنساني للغاية. مهما قلت عن آمنة، فأني لن أوفيها حقها. كان لي شرف معرفتها على مدار عقود، كانت دائمًا هي آمنة، ذات معدنٍ غالٍ ثمين وقلبٍ كبيرٍ للغاية. يؤسفني أن أفقدها الآن. كم أشعر بالفراغ ومن سيمدني بالقوة من بعدك يا آمنة؟ كان آخر حديث مع آمنة حول وفاة أختها، الذي قصم ظهرها. كنت أحاول أن أرفع من معنوياتها، لكن من يعرف آمنة، يدرك أنها لا تظهر نقاط ضعفها بسهولة أمام أحد، وتبلع حزنها لكي تكون دومًا في موقف المعطي، ولا تقبل أن تأخذ أي قوة من أي أحد، بل تستمدها من ذات نفسها، ولعل الحياة لم تعد تعني لها أي شيء بعد وفاة شقيقتها، فآثرت اللحاق بها. هذه هي آمنة عندما تحب وعندما تعطي. نامي بسلامٍ يا صديقتي، فلعل السماء تنصفك بحق يا من كنت مشعلاً في حياتي. أما أنا، فسأشتاق لكِ مدى الدهر، يا غالية.









لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,232,580,204
- إلى اللقاء باريس
- من لندن إلى باريس لقضاء العيد وقصة الجاسوسة القديمة على الحد ...
- باريس ولندن والكيس أبو خمسة قروش
- باريس وتفجيرات نيس والخدمة العربية
- باريس وتفجيرات نيس والتطرف
- لماذا لا يتعاطف العالم مع الإستشهادي الفلسطيني؟
- لمن يكره الفلسطينيين: حلوا عنا
- فلسطين وحواراتي مع اليهود
- فلسطين: اللاسلم واللاحرب
- فلسطين وطن وليست أرض ميعاد
- فلسطين أول مرة
- بريطانيا والإتحاد الأوروبي 2: الأجندة الداخلية والخارجية
- بريطانيا والإتحاد الأوروبي 1: بريطانيا، هل هي صاحبة الحق؟
- بريطانيا تقف وحيدة والصليبيون الجدد عائدون
- الشرطة العربية 4: التلفيق والتصديق
- الشرطة العربية 3 : العرف العشائري أقوى من القانون المدني
- الشرطة العربية 2: القانون والقضاء أم الواسطة والعشيرة؟
- الشرطة العربية 2: القانون والقضاء أم الواسطة والعشيرة
- الشرطة العربية: إضرب، فليس غيرك مستبد!
- المرأة العربية 10: حرية المرأة بين مطرقة التحرر وسندان الذكو ...


المزيد.....




- فيروس كورونا: ما علاقة الوباء بتزايد حالات انتحار وسط النساء ...
- تجمع نسائي يطلب نصف مقاعد البرلمان والجماعات للنساء في الانت ...
- تعديلات مقترحة لتوسيع مشاركة المغربيات في السياسة
- الحركة النسوية في تونس بين الأمس واليوم
- حاكم نيويورك يقبل بتحقيق مستقل في قضية التحرش الجنسي المتورط ...
- حاكم نيويورك يقبل بتحقيق مستقل في قضية التحرش الجنسي المتورط ...
- فائزة الخرافي..أول عربية تتولى منصب مدير جامعة
- الجزائر بلد المهندسات
- مرض الزهايمر يصيب النساء والرجال بطرق مختلفة
- حاكم نيويورك يطلب من القضاء السماح له بتعيين محام في قضية ال ...


المزيد.....

- الجندر والإسلام والحجاب في أعمال ليلى أحمد: القراءات والمناه ... / ريتا فرج
- سيكولوجيا المرأة..تاريخ من القمع والآلام / سامح عسكر
- بين حضور المرأة في انتفاضة اكتوبر في العراق( 2019) وغياب مطا ... / نادية محمود
- ختان الإناث بين الفقه الإسلامي والقانون قراءة مقارنة / جمعه عباس بندي
- دور المرأة في التنمية الإجتماعية-الإقتصادية ما بعد النزاعات ... / سناء عبد القادر مصطفى
- من مقالاتي عن المرأة / صلاح الدين محسن
- النسوية وثورات مناطقنا: كيف تحولت النسوية إلى وصم؟ / مها جويني
- منهجيات النسوية / أحلام الحربي
- الواقع الاقتصادي-الاجتماعي للمرأة في العراق / سناء عبد القادر مصطفى
- -تمكين النساء-، الإمبرياليّة، وقاعدة كمّ الأفواه العالمية / أريان شاهفيسي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - سندس القيسي - آمنة الخروب؛ غيابك عن الحياة خسارة حقيقية