أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جهاد علاونه - صلاة الكنيسة الصامتة














المزيد.....

صلاة الكنيسة الصامتة


جهاد علاونه

الحوار المتمدن-العدد: 5258 - 2016 / 8 / 18 - 05:00
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


اكتشف مزارع ذات يوم أنه فقد ساعته اليدوية في مخزن الحبوب , كانت الساعة بالنسبة له تعني الشيء الكثيروكانت تلك الساعة غير عادية ليس لأنها مصنوعة من الذهب وليس لأنها مرصعة بالأحجار الكريمة، كانت بالنسبة له تحمل قيمة رمزية ولنقل عن تلك القيمة أنها كانت عاطفية ورومنسية وله ذكريات جميلة مع الذي أهداها له, انها هدية من شخص غالي على قلبه وفكره ووجدانه وعاطفته.

فتش عنها بين الحبوب كثيرا وكانت المسألة بالنسبة له صعبة جدا كقولنا اليوم ( فتش عن إفطيم بسوق الحب), سمع كل من في الشارع خارج المستودع صوته وهو يقلب بالأشياء ويبعثرها هنا وهناك, لقد أحدث ضجيجا عاليا وأزعج نفسه والجيران حتى أن الفئران والجراذين والقطط هربت من صوت الضجيج الذي أحدثه أثناء عملية البحث, أزعج نفسه وأزعج غيره من الناس, توجه طالباً مساعدة مجموعة من الفتية الذين كانوا يلهون ويمرحون بالقرب من مخزنه الكبير لعل وعسى .. ووعد الصبية بمكافأة مالية مجزية لمن يعثر له عليها.
لم يكذب الأولاد الخبر فأسرع الفتية وأخذوا بالبحث الحثيث عن الساعة في كل ركن وزاوية وقاموا الدنيا ولم يقعدوها وأحدثوا ضجيجا هائلا في المزرعة لا يقل إزعاجا عن الضجيج الذي أحدثه هو بل على العكس ابتز ضجيجهم ضجيجه حتى أنه شخصيا إنزعج من الأصوات الصادرة عن تقليب الأواني ورميها هنا وهناك ولكن إذا كانت عملية البحث بالنسبة له مثل البحث عن فطوم في سوق الحب فقد كانت أيضا بالنسبة لهم مثل البحث عن إبرة في كومة من القش, وفعلا وليس تشبيها بل واقعا كانت الصورة عبارة عن ساعة ضاعت ليس في كومة من القش بل في مستودع من الحبوب والقش والتبن والشعير , استمرت عملية البحث لساعاتٍ طويلة ولكن دونما أي جدوى !
عندما كان المزارع على وشك الاستسلام واليأس من إيجادها بل فعلا يئس الرجل واستسلم وفقد الأمل نهائيا في العثور عليها، وبينما كان جالسا يستعيد ذكرياته مع الساعة ذات القيمة الرمزية العاطفية تقدم إليه فتى صغير طالباً منه منحه مهلةً أخرى إضافية للبحث شريطة أن لا يشاركه غيره من الصبية عملية البحث الجديدة عن الساعة التي سيبدأ فورا في أطلاقها . ألقى المزارع نظرة على الفتى من فوق إلى تحت ومن تحت إلى فوق وقال في نفسه:امممم لم لا؟ يظهر أنه جاد .

وبعد وقت قصير عاد الفتى والساعة بيده.
فرح المزارع وبدت عليه علامات الدهشة والفرح فسأل الفتى: كيف نجحت في هذه المهمة في حين فشل أقرانك الآخرون, وفشلتُ أنا أيضا في عملية البحث, لقد أزعجنا الناس والجيران والمخلوقات الأخرى ونحن نبحث عنها ولكن قل لي كيف وجدتها؟ قل: بالله عليك ؟؟
ردّ الفتى قائلاً: لم أعمل شيئاً , لم أحدث أي ضجيج سوى الجلوس على المصطبة وإرهاف السمع ركزت ذهني وبالذات سمعي.في مثل ذلك الجو من الهدوء والسكينة تناهت إلى مسامعي تكتكات الساعة .. فقمت وبحثت عن مصدر الصوت وتتبعته وأنا هادئ ومنصت وأخيرا وضعتُ يدي على مصدر صوت تكات الساعة ووجدتها دونما أن أحدث أي ضجيج, لو أحنى الصبية رؤوسهم قليلا وركزوا حواسهم وخصوصا حاسة السمع دون أي ضجيج لتتبعوا ولسمعوا صوت تكات الساعة.

المزرعة من الممكن أن نقول عنها أنها مثلا بيت الرب.
إنها الكنيسة.
والذين يبحثون أو كانوا يبحثون هم أعضاء الكنيسة الذي جاءوا إليها ليسمعوا صوت الرب.
الكنيسة بيت عبادة يختلف في كثير من الأحيان عن بيوت العبادات الأخرى, المصلون مع القس يحنون رؤوسهم قليلا ويسرحون في ملكوت الرب, يركزون سمعهم تركيزا حثيثا دون أن يحدثوا أي ضوضاء, تماما مثلهم مثل الصبي الذي جلس على المصطبة وركز السمع قليلا لصوت تكات عقارب الساعة, يركزون سمعهم دون أن يدعو بالصوت العالي ودون أن يستعملوا مكبرات الصوت وكأنها قنابل صوتية أو طلقات بندقية, فقط ينصتون جالسين لبرهة من الزمن فيستمعوا لصوت الرب, يجدونه في الصلاة الهادئة دون أن ينطقوا ببنت شفا, هذه العملية تشبه عملية الحوار بين كاتب كتب عشرات الكتب وكتب ملايين الكلمات دون أن يصل إلى الناس, ولكن فنان واحد صامت بريشة خفيفة الدم وصل إلى الناس من خلال لوحة تعبيرية صامتة ففهمه الناس وفهمهم.
نحن نحتاج إلى الهدوء قليلا لكي نستمع إلى صوت من نحب, نحتاج أن نتوقف قليلا عن إحداث الضجيج...نحتاج أن ننصت لغيرنا دون أن نثرثر كثيرا...الثرثرة وكثرة الكلام على الأغلب غير مجدية, الهدوء أفضل بكثير من الضجيج, نحن نريد أن نهدئ قليلا لنسمع صوت الله, الله موجود, الرب موجود معنا ولكن ضجيجنا وأعمالنا المخزية تجعلنا عاجزين عن سمع صوت الرب, والآن لنهدئ قليلا ونحني رؤوسنا وكأننا في الكنيسة لنستمع إلى صوت الرب.
لقد أدى الصبي صلاة صامتة مثل الأفلام الصامتة التي لا تنطق بكلمة واحدة, مثل (مستر بين) اذي اضحك الملايين دون أن ينطق بكلمة واحدة بينما غيره من الفنانين ملأ الدنيا ضجيجا والمسارح عويلا دون أن يجد من يبحث عنهم, تلك الأفلام السينمائية الصامتة نفهم منها كل شيء دون أن ينطق الممثلون بكلمة واحدة, صلاة صامتة ومعبرة مثل لوحة فنية صامتة, نحتاج إلى الصمت (السمت) لكي نحل مشاكلنا مع أزواجنا وأولادنا, حين نتكلم في البيت كثيرا وندرك أنه لا أحد يفهمنا يجب علينا أن نصوم عن الكلام وعن أحداث الضوضاء, نحتاج لنتوقف عن الكلام وأن نجعل بيوتنا كنائس نحني فيها رؤوسنا قليلا لنمارس الهدوء كي يفهمنا كل من حولنا.
الرجاء أن تهدءوا قليلا, نحتاج إلى هُدنة صامتة,لنتوقف قليلا عن التفكير بالصوت العالي, صدق المثل القائل: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,244,358,901
- تجويع المثقفين
- كف المرأة وشعر المرأة
- حملة تضامن مع معتقل الرأي اليساري الأردني ناهض حتر
- ملكوت الرب
- قضية عمالية أم وطنية!
- كفر الفرنجه وأصل التسمية
- اللهم احشرني مع الضالين والمغضوب عليهم
- شاركوا معنا في حملة: خليك بالبيت
- حدوته مصريه اردنيه حصلت معي
- قوة الروح القُدس
- رجائي إلى الله في ليلة القدر
- دعائي في ليلة القدر
- بس بكفينا شهداء
- صدور البطاقة الشخصية الجديدة في الأردن
- سلام المسيح
- أحذية المسلمين على عتبات المساجد
- الكاريتاس والأحزاب الإسلامية,الكاريتاس رسالة وليست عمل وظيفي
- دعاء الانتهاء من العمل
- (أنا هو الطريق والحق والحياة , من آمن بي وان مات فسيحيى)
- لما بصير معي 100دينار أردني


المزيد.....




- رحلة شديدة التعقيد..هكذا تمكن دبلوماسيون روس من مغادرة كوريا ...
- ميغان ماركل: لماذا تعتبر مقابلتها والأمير هاري مع أوبرا وينف ...
- البابا فرنسيس يزور مناطق خضعت لسيطرة تنظيم الدولة شمالي العر ...
- حادثة دهس متعمدة لمحتجين في بيروت
- علماء يكشفون تاريخ تكون القمر
- أزمة أمن إلكتروني عالمية.. اختراق أكثر من 60 ألف مؤسسة حول ا ...
- وسائل إعلام سعودية: التحالف يعلن تدمير خمس طائرات مسيرة ملغم ...
- قد تكون سلفا مباشرا للبشر.. تقنية متطورة لمسح أحفورة -ذات ال ...
- تفاجأ بوقوف موكب السيسي عنده.. شاهد ردة فعل بائع فاكهة مصري ...
- أنفاق كهفية في تركيا..نظرة على مدن كابادوكيا الجوفية


المزيد.....

- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي
- صيرورة الإنسان العاقل (منعرجات تطور الجنس البشري) / مصعب قاسم عزاوي
- أسرار الدماغ البشري / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جهاد علاونه - صلاة الكنيسة الصامتة