أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد الله مزرعاني - ضياع الاستقلال اضمحلال الدولة















المزيد.....

ضياع الاستقلال اضمحلال الدولة


سعد الله مزرعاني

الحوار المتمدن-العدد: 5225 - 2016 / 7 / 16 - 10:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



في مستهل دستورنا الحالي (غير النافذ!) أن «لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة...» (المادة الأولى منه). وفي مقدمة الدستور، التي أضيفت بعد «اتفاق الطائف» واستناداً إلى تفاهماته (عام 1990)، أن «لبنان وطن سيد حر مستقل». لكن لبنان لم يصبح مستقلاً وذا سيادة، بالفعل، لا بعد انتهاء الانتداب الفرنسي وجلاء قواته عام 1945، ولا بعد إقرار اتفاق الطائف عام 1989.

ونستطيع أن نضيف أنه، بالتأكيد، لم يصبح كذلك بعد خروج القوات السورية منه في أواخر نيسان من عام 2005. الواقع أنه لا علاقة لذلك: لا بالنصوص ولا بالنوايا، بل بالأسس والمسارات التي حكمت حركة الوضع في لبنان منذ الاستقلال إلى اليوم.
لا داعي لتقديم براهين على ذلك، آخذين بعين الاعتبار، دائماً، أن الاستقلال التام والحصين ليس سهل المنال، وأنه لا يُكتسب دفعة واحدة في كل الأحوال. الواقع، أن تحقيق مثل هذا الاستقلال ليس مجرد قرار. هو مسار طويل يتطلب توفير مستلزمات سياسية واقتصادية وأمنية وحتى روحية... لكن الأمر، بالنسبة للوضع اللبناني، انطوى، منذ التأسيس، وما قبله وما بعده، على اختلال جوهري حال دون أن يتمكن اللبنانيون من ولوج مسار طبيعي ومتنامٍ للاستقلال. كان ذلك حالة شاذة قياساً إلى ما حصل، تقريباً، في معظم دول العالم التي أصبحت بعد كفاح، طال أم قصُر، وبدرجات نسبية ومتفاوتة، كيانات سيدة ومستقلة. باتت هذه الدول، وإلى حدٍ طبيعي، تمارس سيادتها، بشأن معظم أمورها الأساسية. كما أنها حاولت أن تمتلك المقومات الضرورية للدفاع عن سيادتها واستقلالها حسب إمكانياتها والضرورات: خصوصاً عبر بناء عناصر وحدة وطنية جامعة تشكّل السلاح الأمضى في مواجهة أطماع وتهديدات من الخارج أو تهاون وتفريط من الداخل.
ما بعد استقلال عام 1943 تعرّض لبنان لمحن وطنية متكررة كان أخطرها الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990. استدعت هذه الحرب (في امتداد تعثر سابق) وضع لبنان تحت الوصاية أو الإدارة السورية لمدة مماثلة. وحين فُرض على القوات السورية الانسحاب بعد غزو العراق واغتيال الرئيس رفيق الحريري، دخل لبنان في مسار وصايات جديدة ذات طابع دولي دون أن تزول كل مفاعيل الوصايات الإقليمية السابقة أو المستحدثة. ما يحصل اليوم ليس خارج هذا السياق، بل هو امتداد «طبيعي» ومتفاقم له وإلى درجة غير مسبوقة. إن العجز الذي نعيشه اليوم، قد شارف بلبنان الى مستوى الفشل الكامل: تعطيل المؤسسات بشكل شبه تام. توقف عجلة الدولة عن الدوران ولو بالمستويات المتواضعة والمتدنية التي كانت تعمل فيها. استشراء النهب والفساد وانعدام المسؤولية واستخدام العام لمصلحة الفئوي والخاص على غرار ما حصل في ملف النفايات وفي ملفات هدر وتهاون يرتقي بعضها إلى مستوى الخيانة الوطنية (التعامل مع ملف النفط وملفات بيئية وصحية عديدة وفضائح متناسلة من دون توقف...).
تكرّس الانقسام اللبناني الداخلي في صلب «الصيغة الفريدة» (التي لا يكف بعض أطرافها عن تمجيد فضائلها ومصيريتها بالنسبة للبنان، وبعض رعاتها الخارجيين عن تعميم نموذجها على دول المنطقة...) التي انبثقت عن فئويات الداخل ورعاية الخارج الاستعماري خصوصاً. تبلور هذا الانقسام إلى تقاسم في تركيبتنا السياسية الدولتية. وهو تحوَّل إلى منظومة تحاصص لموارد وسلطة وإدارة البلاد بعيداً عن متطلبات وحدتها وتطورها وتماسكها في وجه كل المخاطر المحتملة: العادية أو الاستثنائية. كذلك فقد تحولت العلاقة مع الخارج إلى ما تجاوز بكثير حاجات اضطرارية فرضتها، في الماضي، ظروف وحالات اضطهاد من قبل مستعمر أو معتدٍ. لقد تكامل الخلل في العلاقات الداخلية مع التشوّه الخطير في العلاقات الخارجية، وشكّلا معاً معادلة مُخِلّة وهجينة، قبل وبعد الاستقلال السياسي، تقوم على هدر شروط الوحدة الوطنية الداخلية، من جهة، وعلى استقواء وتبعية ودونية وخضوع للخارج وتقديم لمصالحه على حساب المصالح الوطنية بكل عناوينها السياسية والاقتصادية والأمنية، من جهة ثانية...
تشكلت، في امتداد كل ذلك وبسببه، تشوهات يتعاظم ضررها على حياتنا العامة كل يوم. لنأخذ ما هو مثار الآن بشأن تحرك القضاء ضد الصحافي حسن عليق. هي ليست مسألة عابرة في الحياة السياسية اللبنانية. إن ما كتبه عليق والرد عليه يختصر، في الواقع، انقساماً أهلياً وسياسياً مزمناً بشأن علاقة لم ينعقد حيالها يوماً اتفاق بين اللبنانيين منذ أكثر من قرنين من الزمن. ليس العدو واحداً بالنسبة لأطراف الصراع التقليدي اللبناني. وبديهي أن الصديق ليس كذلك. هذا ما انطبق، للأسف، على العدو الإسرائيلي، حتى أثناء اعتداءاته المتكررة على لبنان (بل خصوصاً أثناء تلك الاعتداءات التي جرى إدراجها، من قبل البعض، في صلب الصراع الداخلي وتوازناته ومواقع الأطراف فيه وفيها). إزاء ذلك السلطة السياسية محايدة. لا موقف لها: لا سياسياً ولا قضائياً. وحين تتخذ موقفاً ما فبسبب الضغوط والتوازنات وليس للتعبير عن مصلحة وطنية وعن واجب! كان الأديب والمفكر الفرنسي باسكال يقول «الحقائق ليست واحدة على طرفي البيرينيه». كان يشير إلى نشوء تباينات قد تصبح، حتى في ظروف متقاربة، كاملة حيال مسلمات أو حقائق معروفة. الصداقات والعداوات، كما أشرنا، ليست واحدة بالنسبة لأطراف الانقسام اللبناني الدائم. في مثل هذا الوضع الشاذ والمشوَّه، تتخلى السلطتان السياسية والقضائية عن مسؤوليتهما وفق ما تقرره المصلحة الوطنية، ويترك الأمر للعبة الصراع القائمة. ولا يندر في مثل هذا الواقع أن يصبح العميل بطلاً، أو أن يحصل العكس، طالما أن المعايير متباينة إلى حد التناقض الكامل والثابت.
الانقسام، وتكريس وتنظيم ذلك في نظامنا السياسي، وبالترابط معه إقامة علاقاتنا مع الخارج على قاعدة الاستقواء (المؤدي بالضرورة إلى التبعية)، هي أمور تقع في أساس تفريطنا باستقلالنا وبسيادتنا، وفي أساس ضعف وتلاشي وحدتنا الوطنية. وهي بالتالي السبب الرئيس في اضمحلال الدولة لحساب الدويلات التي تتغذى من عافية الدولة نفسها وتمنع قيامها بدورها، وهي أيضاً، بالتداعي، المصدر الأساسي للنهب والفساد والهدر وعدم المسؤولية وغياب المساءلة... بديهي أن ينجم عن ذلك، أيضاً، غياب مفهوم المواطنة وتحول اللبنانيين إلى رعايا، ليس لهذه المؤسسة الدينية أو تلك (كما في المظاهر الخادعة) وإنما إلى أتباع لزعماء توارثوا استغلال تلك الانتماءات الدينية والمذهبية أو العصبيات والغرائز، لبناء مواقع تسلط وسلطة تتصارع على الحصص والنفوذ وتتعاون وتتكامل في السعي لتعطيل أي محاولة تغيير مهما كانت محدودة وجزئية.
تواجه دول عديدة، بشكلٍ عام، مخاطر وتهديدات خارجية. هذا يحصل على أوسع نطاق في منطقتنا اليوم. بعض هذه الدول تواجه، بالإضافة إلى ذلك مخاطر وتهديدات داخلية. هذا ينطبق على المجتمعات التي، على غرار لبنان، تعاني من شرخ في وحدتها الوطنية: الأمر الذي يضاعف المخاطر والخسائر والمناعة والمقاومة ويهدد، ليس فقط الاستقلال والسيادة بل الوطن ووحدته ووجوده بشكلٍ عام.



#سعد_الله_مزرعاني (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطأ الأولويات: السعودية نموذجاً
- التبعية وثقافة التبعية
- غلطة الشاطر الروسي
- من الدويلات إلى العصابات!
- أيَّار النكبة ونوَّار التحرير
- نادي «حليف الحليف»
- معركتان لا واحدة فقط!
- سادسة الكابوس السوري
- الخلل المجتمعي والفئويات القاتلة: إلى متى!
- مداخلة علنية في مؤتمر سرّي!
- المهمة الراهنة الكبرى
- النأي بالنفس عن الفتنة!
- ثنائية خامنئي روحاني
- في إلحاحية الحوار الإيراني السعودي
- المؤتمر التأسيسي صيغتان
- تغيير النظام نحو الأسوأ!
- السعودية المذعورة والحد من الخسائر
- مخاض التسويات بعد خطأ الحسابات والأولويات الأمل: في التوحد ض ...
- التذرّع بالدستور لانتهاك... الدستور!
- فرنجية مرشحاً: محاولة متعددة الهدف


المزيد.....




- الصين تعدُ بعدم التسامح مع مؤيدي استقلال تايوان ملوّحةً باست ...
- المشرعون الأمريكيون يطورون إجراءات لتسريع توريد الأسلحة إلى ...
- وسائل إعلام: كيم جونغ أون يعلن انتصار كوريا الشمالية على فير ...
- مجزرة نظام كييف في يلينفكا أمام العالم
- مولدوفا لن تتمكن من سداد الدفعات لـ-غازبروم- في أغسطس
- دونيتسك لا تستبعد وجود صواريخ هيمارس يصل مداها إلى 150 كم لد ...
- مجلس الشيوخ التشيكي يصادق على إرسال 1200 عسكري لتعزيز الجناح ...
- الصين تحذر.. القوات الأمريكية تحشد قرب تايوان
- وزير الخارجية التشيكي يؤيد حظر إصدار تأشيرات شينغن للروس
- سوريا.. قصف يستهدف سيارة في ريف الحسكة وأنباء عن 3 قتلى


المزيد.....

- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ
- إشكالية وتمازج ملامح العشق المقدس والمدنس / السيد حافظ
- آليات السيطرة الامبريالية على الدولة السلطانية المخزنولوجية ... / سعيد الوجاني
- علم الاجتماع الجزيئي: فلسفة دمج العلوم وعلم النفس والمجتمع / عاهد جمعة الخطيب
- مَصْلَحَتِنَا تَعَدُّد أَقْطَاب العَالَم / عبد الرحمان النوضة
- تصاميم مستوحاة من الناحية البيولوجية للتصنيع الإضافي لهيكل خ ... / عاهد جمعة الخطيب
- الثورة الجزائرية: الكفاح من أجل إنهاء الاستعمار متواصل / سلمى عماري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد الله مزرعاني - ضياع الاستقلال اضمحلال الدولة