أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد الله مزرعاني - السعودية المذعورة والحد من الخسائر















المزيد.....

السعودية المذعورة والحد من الخسائر


سعد الله مزرعاني

الحوار المتمدن-العدد: 5039 - 2016 / 1 / 9 - 00:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



لا تُطيق الأنظمة المستبدة (الملكي التقليدي منها والحديث «التقدمي») الاعتراض. هي لا تتردد في إسكات أصحابه بأقسى وأقصى الوسائل المتاحة وفي مقدمها القتل. هذا ينطبق بامتياز (بين أنظمة أُخرى)، اليوم والأمس وفي المستقبل بالتأكيد، على النظام السعودي الذي ما زال يجمع، إلى الطابع الاستبدادي، فرض صيغ من التخلف الاجتماعي والاستئثار السياسي لم يجاره فيها إلا نظام «طالبان» في أفغانستان، ونظام سلالة الـ»كيم» «الثورية» في جمهورية كوريا الشمالية (الديمقراطية!) اليوم.

لكن لاغتيال رجل الدين السعودي الشهيد نمر النمر سياقاً آخر أيضاً. هذا السياق، هو تحديداً، تصاعد الصراع الإقليمي (الذي لم تعد إسرائيل طرفاً مباشراً فيه!) بين محور أول تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومحور ثان، تحاول بلورته وتوطيده وتفعيله قيادة المملكة العربية السعودية.
كانت قيادة المملكة العربية السعودية تعوِّل على حكومات الولايات المتحدة الأميركية في دعم واستقرار حكمها، وفي الدفاع عن دورها ونفوذها ومصالحها، في مواجهة كل العواصف والتهديدات والمتغيرات الداخلية والخارجية. وكانت قيادة المملكة، تبصم للولايات المتحدة، في المقابل، على كل سياساتها ومشاريعها في المنطقة وحول العالم، حتى لو كان معظمها موجهاً ضد المصالح الفعلية للشعب السعودي نفسه ولكل الشعوب العربية بشكل عام.
تغيَّر الوضع كثيراً في السنوات الأخيرة. الولايات المتحدة انكفأت عن سياسات الغزو والاحتلال باستخدام القوة والتدخل العسكري «الوقائي». كان الثمن هائلاً. في المقابل تقدمت على امتداد العالم، وفي الشرق الأوسط خصوصاً (الذي شهد اندفاعة واشنطن و»إخفاقاتها» أيضاً) قوى منافسة على المستويات كافة: الاقتصادية والعسكرية والسياسية. كانت قيادة المملكة تراقب هذه التطورات وانعكاساتها، في المنطقة وعليها، بقلق بالغ. آخر خيباتها من السياسة الأميركية كان توقيع الاتفاق بين واشنطن (الدول الست) وطهران بشأن الملف النووي الإيراني. كادت المملكة تفقد صوابها و»اتزانها» التقليدي. كان ذلك الاتفاق بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير». بعد ذلك قررت قيادة المملكة أن تنزع أشواكها بيديها. اندفعت في محاولة بناء استراتيجية متكاملة لهذا الغرض (وإن بدأت وما زالت على شيء من التسرع والارتباك والتخبط حتى هذه اللحظة). صادف ذلك وفاة الملك عبد الله وانتقال العرش السعودي إلى أخيه سلمان. سرع ذلك في بلورة السياسات والقرارات والعلاقات والتحالفات الجديدة. جوهر هذه الاستراتيجية هو الانخراط المباشر في الصراع عبر: الانتقال من الدفاع إلى الهجوم بما في ذلك شن الحروب خارج أراضي المملكة (حرب اليمن). تصدر المواجهة وإقامة الأحلاف من أجل ذلك. تجاوز الحساسيات والمخاوف المؤجلة (من «الإخوان المسلمين» مثلاً) لحساب التركيز على الأخطار الداهمة وأولها الخطر الماثل في الداخل السعودي نفسه... الإنفاق بسخاء منقطع النظير على التسليح وللتأثير في سياسات بعض الدول الغربية والإقليمية (فرنسا ومصير السيسي مثلان). مواصلة سياسة عض الأصابع مع الخصوم بشأن أسعار النفط في لعبة خطيرة بدأت قيادة المملكة تدرك ضخامة انعكاساتها السلبية عليها وعلى شركائها الخليجيين بشكل خاص.
في امتداد ذلك قادت المملكة سياسة إعلامية نشيطة لجهة تحديد العدو دون مواربة (إيران)، وكشف أسباب الشكوى من سياساته (التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة). وهي اختبرت، ولا تزال، بناء تحالف ذي طابع سياسي مذهبي رداً على ما تعتبره منطلقات ووسائل مذهبية للنظام الإيراني في بناء أذرع له، على هذا الأساس، في البلدان المجاورة والمستهدفة، بغرض زعزعة أنظمة وإستقرار تلك البلدان، خصوصاً عبر العبث بالنسيج الاجتماعي وبالوحدة الوطنية فيها.
ينبغي في هذا السياق ملاحظة أن القيادة السعودية تحاول، بين أهداف أخرى، أن تدفع السياسات الإيرانية نحو ردود انفعالية ومتشددة. هي، من جهة، ما زالت تأمل في عرقلة تطبيع العلاقات الأميركية الإيرانية. وهي، من جهة ثانية، تحاول المساهمة في أن يتقدم «المتشددون» في إيران إلى الواجهة مجدداً، خصوصاً أن الانتخابات التشريعية الإيرانية على الأبواب (الشهر المقبل)، وأن مواقع من يوصفون بالتشدد قد تراجعت، نسبياً، لمصلحة الفريق والسياسات اللذين يمثلهما الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني.
بشكلٍ عام، تخوض قيادة المملكة مغامرة كبيرة بكلفتها وتبعاتها ونتائجها القريبة والبعيدة. هي تتصرف على أساس أنها قد استنفذت الخيارات الأخرى التي باتت، في المشهد الدولي والإقليمي والعربي الراهن، معدومة أو ما يشابه ذلك (خصوصا بعد تعاظم خطر الإرهاب وزئبقية وتبدلات الموقف الأميركي، وبعد الانخراط العسكري الروسي، السريع والحازم والفعال، في سوريا). الشهيد نمر باقر النمر هو ضحية هذا الانسداد كما هو ضحية الاستبداد. في المقابل، ليس في المتناول العربي الآن من أو ما يمكن أن يشكل طوق نجاة أو عامل احتواء للكارثة. ثمة أُمور أخرى أخطر من اغتيال معارضين أو زجهم في غياب الظلم والظلمات: ماذا عن قضايا العرب الكبرى! وهل بقي لديهم، أساساً، مثل تلك القضايا في خضم كابوسهم الطويل المتواصل دون رحمة؟ ماذا عن شعب فلسطين الذي يقاتل، منفرداً ومستفرداً، باللحم الحيّ؟ ماذا عن مآسي التدمير والتهجير والخراب والجوع والتشرد والهوان... التي تجتاح معظم دول عالمنا العربي وتزداد توسعاً وإيلاماً يوماً بعد يوم؟ ماذا عن الإرهاب والتطرف ومخاطرهما ووحشيتهما (يمكن دون أدنى شك افتراض أن الآتي أعظم طالما أن الحرب ضد الإرهاب ما زالت محدودة ومشوبة بأولويات أخرى، وطالما أن الإرهاب بات يدير دويلات ويتمتع بقدرات قد تمكنه من امتلاك أسلحة وأدوات إبادة وقتل شاملين...)؟
يعيش العالم العربي والإسلامي الآن بدايات فعلية لفتنة مخيفة يستعاد فيها الانقسام المذهبي خصوصاً ليشكل عامل تفرقة واقتتال وتنابذ شامل. يراقب المتربصون (المستعمرون والصهاينة) هذا الواقع بارتياح عظيم. يدير الأميركيون حروبنا «بالنظارات»، يراكمون الأرباح من كل نوع. لم يخسروا جندياً واحداً في «حروبهم» الجديدة. أما الصهاينة فلم يعد مستبعداً أن يتشكلوا في أحلاف وتجمعات عربية، وأن يتصدروا مسيرة الدفاع عن «الحقوق العربية» في صيغتها العجيبة الجديدة!
لا يجوز الاستسلام إزاء هذا المآل المرعب والمرشح للمزيد من التفاقم والتعقيد. لم يعد ذا معنى عملي، أو حتى أخلاقي، الاكتفاء بإلقاء المسؤولية على الخصم المحلي الذي بات عدواً وأن قتاله بات ذا أولوية مطلقة. ثمة أشكال من الممارسات والتوجهات وصيغ التعبئة مما ينبغي تفحصه ودراسة نتائجه بعد أن تمَّ استخدامه كذريعة لإطلاق مرحلة مخيفة جديدة من استجلاب الفتنة أو الاندفاع فيها. لقد أصبحنا في مرحلة بات فيها السعي من أجل تحديد الخسائر وعدم المضي في الهاوية السحيقة الراهنة مسألة ذات أولوية. تحديد المسؤوليات لا يلغي التبعات إذا كان خطرها يتهدد الجميع وفي المقدمة قضايانا الأكثر مصيرية وحيوية. قيادة مذعورة ومكابرة كالقيادة السعودية غير مؤهلة للاهتداء إلى المخارج أو حتى للسعي من أجلها. لا بد من التفتيش عن مقاربة جديدة للأزمات وللتعامل معها بما يسحب فتيل التفجير ويعطل المسار التدميري الراهن. نحن كمن في قطار يقوده سائقه نحو الهاوية برعونة وغضب ومن دون حسابات. الأولوية لوقف القطار لا للعن السائق المجنون والانتحاري! مسؤولية القوى الحريصة، في مسألة حصر الخسائر وتفادي أفدحها، لا تحتمل التأجيل.



#سعد_الله_مزرعاني (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مخاض التسويات بعد خطأ الحسابات والأولويات الأمل: في التوحد ض ...
- التذرّع بالدستور لانتهاك... الدستور!
- فرنجية مرشحاً: محاولة متعددة الهدف
- حسابات أردوغانية خاطئة
- غباء وسوء تقدير وسوء نية!
- «الحراك المدني» والتحرك الوطني
- الفشل والتململ والبديل
- كيسنجر مجدداً: لإدخال موسكو لا لإخراجها!
- التحرك الشعبي: نجاحات وأخطاء وآفاق
- الحركة التصحيحية الروسية؟!
- من الطائفية إلى العنصرية
- خللان لا خلل واحد!
- سؤال روسيا... والتنويه بدورها
- تداركاً للفوضى والعنف والتآمر...
- مهمات متداخلة لمشروع التغيير
- الصحوة والسخط المقدسان
- التعقيد والاستعصاء السوريان
- هل بدأ التغيير؟ لا بد من ذلك!
- معادلة المعرِّي هي الأنبل!
- اتفاق واشنطن وطهران


المزيد.....




- الأسطول الأمريكي السابع: بيان الجيش الصيني حول إبعاد الطراد ...
- جنرال إيطالي يدعو الناتو إلى التركيز على العراق بسبب -نفوذ ر ...
- كوريا الجنوبية تنوي غزو القمر
- مقتل ثلاثة فلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي بالضفة الغربية ا ...
- الصين تعلن تسريع عمليات تطعيم المسنين ضد كوفيد
- بعد نشر سفارة موسكو تغريدات مناهضة للمثليين في كندا.. استدعا ...
- قائد جديد للجيش .. هل ينهي تعيين الجنرال عاصم منير الفوضى في ...
- بعد قرون من تأليفها- -أورميندو- أوبرا -مغربية- تعرض لأول مرة ...
- الإعلام التركي: شاب دخل مستشفى في ألمانيا لعلاج قدمه اليسرى ...
- اليابانيون يبتكرون مكملا غذائيا من الفطر


المزيد.....

- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب
- جريدة طريق الثورة، العدد 68، جانفي-فيفري 2022 / حزب الكادحين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد الله مزرعاني - السعودية المذعورة والحد من الخسائر