أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - موريس صليبا - - الكافر سعيد- رسول المغاربة (5) -شقيقتي الكبيرة تعتنق المسيحيّة-















المزيد.....


- الكافر سعيد- رسول المغاربة (5) -شقيقتي الكبيرة تعتنق المسيحيّة-


موريس صليبا

الحوار المتمدن-العدد: 5220 - 2016 / 7 / 11 - 14:37
المحور: مقابلات و حوارات
    


"شقيقتي الكبيرة تعتنق المسيحيّة"

في الحلقة السابقة من الحوار مع الأخ سعيد حدّثنا فيها عن علاقات أسرته مع بعض العائلات الفرنسيّة، خاصّة العائلة التي كانت تسكن في نفس المبنى والتي اهتمّت بأسرته عندما أضطرّت والدته إلى المعالجة في المستشفى. كما أشار لنا إلى مدى تعلّق شقيقته الكبرى بهذه العائلة وخروجها معها باستمرار إلى ما سمّاه بـ"النزهة الترفيهيّة".
في هذه الحلقة سيوضّح لنا خلفيّات هذا الخروج غير المألوف والتحوّل الذي حصل مع شقيقته واصفا لنا الصدمة الرهيبة التي حلّت بأسرته وكيف تعاملت معها.

س – عودة إلى متابعة حوارنا معك يا أخ سعيد. هل لك أن تحدّثنا أوّلا عن موقع أختك الكبيرة في الأسرة وقد أتينا على ذكرها في الحلقة السابقة؟
ج - أختي فاطمة، بكر عائلتنا، مارست مسؤوليّة كبيرة في حياة أسرتنا المؤلفة من أحد عشر ولدا. كانت بالنسبة لنا الأم الثانية في البيت سواء عندما كنّا في المغرب أو بعد وصولنا هنا إلى فرنسا. تحمّلت إذا مسؤوليتنا وهي ما زالت طفلة، وساهمت في خدمتنا إلى جانب الوالدة. فهي التي كانت تغسل ثياب (قبيلتنا) بكاملها في مغطس الحمّام، بسبب عدم توفّر غسّالة ثياب كهربائيّة لدينا آنذاك. فمغطس حمّامنا كان غرفة الغسيل، كما كان المكان الأنسب لذبح الخراف كلّ سنة في عيد الأضحى. فقبيلتنا كانت تحتاج إلى من يطبخ لها ويؤمن حاجاتها، لذلك كانت (فاطمة) الساعد الأيمن للوالدة في كلّ شيء.

س – ألم تذهب "فاطمة" إلى المدرسة في فرنسا بعد وصولكم إلى فرنسا؟
ج - كما ذكرت لك سابقا، لم أكن أنا الوحيد الذي تأثّر بسبب هذه الهجرة. فكل من إخوتي وأخواتي عاش هذه المأساة على طريقته وصُدم على أثرها وتالّم كثيرا من انعكاساتها.أما الشقيقة فاطمة التي كانت في البداية تلميذة جيّدة ومتفوّقة في المغرب، فقد أثّرت هجرتنا ووضعنا العائلي كثيرا على مستوى دراستها في فرنسا، إذ اضطُرّت إلى إعادة كلّ صفوف المرحلة الإبتدائيّة. فعاشت تلك المرحلة بألم وتعرّضت لفشل ذريع على غرار معظم أولاد المهاجرين في تلك الحقبة من الزمن. شعرت بالإذلال والإهمال والتهميش وعانت كثيرا من جرّاء ذلك.

س – هل كان لهذا الوضع تأثير معيّن على حياتها الروحيّة؟
ج - لا أدري، بل جلّ ما استطيع قوله هو أنّها كانت دائما هائمة بمحبة الربّ الإله، وتبحث باستمرار عن معنى لحياتها. لاحظتُ، وأنا طفل، أنّها لم تكن مرتاحة إطلاقا لإيمانها بالإسلام. كانت تتخبّط في أزمة مزدوجة بالنسبة لهويّتها كما بالنسبة لحياتها الروحيّة. داخل البيت، كنّا نعيش مغربيّتنا وتقاليدنا وعاداتنا. أما خارجه، فحاولنا العيش كفرنسيّين. فمهما فعلنا، لن يكون بوسعنا الإنعزال والقوقعة فقط داخل "أمّتنا وقبيلتنا". لذلك مررنا جميعا في مرحلة دقيقة من التثاقف مع الحضارة الفرنسيّة، وهذا أمر لم يُرض إطلاقا الجماعات الإسلاميّة الراديكاليّة المتكاثرة من حولنا والتي كانت تتدخّل في شؤوننا العائليّة والداخليّة. فعندما رأى أخواي الكبيران شقيقتي تلبس بنطلونا، ثار غضبهما، واعتبرا تصرّفها خيانة لدين العائلة ولهويّتها وتراثها، ولكن لم يكن بوسعها الذهاب إلى المدرسة بـ"الجلاّبة" المغاربيّة. وعندما كانت تترك شعرها يسترسل في الهواء، اعتبر الإسلاميّون ذلك استفزازا أو تحريضا على الخلاعة والفسق والدعارة، وبالتالي كشفا متعمّدا لجمالها أمام الفرنسيّين الذين بدورهم لن يتردّدوا عن التحرّش بها وحتى اغتصابها. وعندما بدأت تعانق رفاقها على الطريقة المألوفة في فرنسا، ثار غيظ شقيقاي وبلغ ذروته، فنعتاها بالبغيّة الجاهزة لخدمة الزبائن الفرنسيّين الفاسدين والمفسدين لأبناء وبنات جلدتنا. وقد أشرت لك في الحلقة السابقة كيف مارس أخي الكبير شراسته وتعامل معها.

س – هل تألّمت كثيرا بسبب ذلك؟
ج - نعم، تألّمت كثيرا من هذا الوضع وبنوع خاص من أهوال ما يسمّى بـ"التلفون العربيّ" وانعكاساته، أي الثرثرة الخبيثة المغرضة بين المهاجرين المغاربة والأخبار الكاذبة التي اعتادوا على تلفيقها على الآخرين واستنباطها من لا شيء. مثلا، يحوّلون القبلة التي يتبادلها الرفاق بين بعضهم إلى ما يسمّى بـ"الفرانش كيس" (French kiss)، إلى مغامرة عاطفيّة غراميّة ستؤدّي إلى حَبَل شقيقتي من عشّاقها الفرنسيّين. وهذه ذروة العار بالنسبة لنا نحن المسلمين. تكفي مثل هذه الإتهامات الخياليّة لفبركة افلام سينمائيّة هوليوديّة تتجاوز بفجورها كل المسلسلات التلفزيونيّة العاطفية على الطريقة الأميركيّة وغيرها والتي تبثّ على الفضائيّات وتشاهد باستمرار في بيوت العرب والمسلمين منذ سنين عديدة.

س – هل تعرّضت شقيقتك فاطمة بسبب ذلك إلى ردود فعل عنيفة من قبل الوالدين والإخوة الكبار؟
ج - نعم، وكما أشرت إلى ذلك من قبل، لم يكترث كثيرا الوالدان، بالرغم من أميّتهما، إلى كلّ هذه الأمور. ولكن شقيقي الكبير الذي اتهّمها بتقبيل شابّ فرنسيّ، اعتبرها فتاة داعرة فاسدة منحطّة أخلاقيّا، اوسعها ضربا ولطما. وهكذا ازدادت كراهيتنا لفرنسا ولكلّ ما هو فرنسيّ، وبالتالي تضاعف التوتر والإنقسام والتمزّق داخل الأسرة وبين أفرادها. في هذا الجوّ، كيف تريد من أبناء المهاجرين النموّ الهادئ داخل أسرهم والتأقلم والتكيّف في مجتمعهم الجديد؟ فهم يعيشون ويعانون من التشرزم بين الحفاظ على تقاليدهم وعاداتهم وبين الإنخراط في بلد آخر، في مدرسة جديدة وقيم مختلفة وبرامج تلفزيونيّة تؤجّج هذا الصراع.

س – ماذا جرى مع شقيقتك هذه وكيف أعلنت للعائلة عن اعتناقها للمسيحيّة؟
ج - ذكرت من قبل علاقتنا بتلك العائلة الفرنسيّة التي كانت تسكن في الطابق الذي يلي شقّتنا، وكانت شقيقتي تخرج معها يوم الأحد. فقد حصلت شقيقتي من هذه العائلة على الكتاب المقدّس لأنّها كانت شديدة الرغبة والانشغاف بالتعرّف أكثر فأكثر على إله المسيحيّين. وقد أعطت قراءة هذا الكتاب ثمارها ودفعت بشقيقتي إلى التعمّق في فهم مضمونه وتعاليمه. واعتقد أنّ تلك العائلة ساعدتها كثيرا. وهكذا، في أحد الأيّام، وبينما كان أبي وأمّي جالسين في غرفة الجلوس مع بعض الإخوة، رأيت شقيقتي فاطمة تنهض من مكانها، وتقف في وسط القاعة، ثمّ تركع فجأة على ركبتيها بتواضع واحترام. إرتعبنا جميعا، لأنّ مثل هذا التصرّف يشير في ثقافتنا إلى الإعلان عن شيء مهمّ وخطير في حياتنا. فقبل أن تتلفّظ بكلمة، شعرنا بأنّ حربا عالميّة ثالثة ستندلع داخل أسرتنا. أدركنا جيّدا أنّ سجودها بهذه الطريقة ليس أمرا تافها، وأنّ مستقبل أسرة (أوجيبو) المغاربيّة سينقلب في لحظة سريعة رأسا على عقب وينهار تماما. فهناك هزّة أرضيّة عنيفة ستهدّد كياننا ومصيرنا.

س – بأيّ طريقة تكلّمت وماذا قالت؟
ج - تحدّثت بصوت منخفض، بجدّيّة غير عاديّة، وباقتناع شديد. قالت لوالديّ وللإخوة الحاضرين بكلّ هدؤ: "اريد أن أعلمكم اليوم بأنّي أصبحت مسيحيّة وقد اخترت المسيح نورا لحياتي". خيّم حالا الذهول علينا جميعا، إذ اعتبرنا إعلانها عن مسيحيّتها إعلان حرب بين أمّتين أو حضارتين. وقد شابه الحزن الذي برز على وجوهنا جميعا ذلك الحزن الذي يعتري الإنسان عندما يبلّغ عن وفاة إنسان عزيز جدّا عليه. أن تصبح شقيقتي فاطمة مسيحيّة، كان بالنسبة لنا أسوأ من خسارة فريق كرة القدم الجزائريّ في الدور النهائي من مباراة كاس إفريقيا، أو إنهيار المغرب أمام ضربة جزاء في لعبة الكرات الحديديّة (الباتانك)، أو خسارة فريق "باريس سان جرمان" أمام فريق "أولمبيك مرسيليا". أعتقد أنّ شقيقتي فاطمة ما كان بمقدورها أن تقول لنا شيئا أكثر ألما وأسى وتكديرا لنا ممّا أعلنت عنه.

س – ما كان شعورك شخصيّا عند سماع ذلك؟
ج – يومها كنت في سنّ الثالثة عشر، وكانت أختي قد بلغت الثامنة عشر. صدمت آنذاك فعلا واضطربت كثيرا. اعتقدت أنّ كارثة رهيبة ألمّت بنا، أو طائرة سقطت علينا من السماء. شعرت بالخيانة الكبرى لبلدي ولثقافتي وديني، وكذلك اعتراني الخوف والعار. فقد لطّخت شقيقتي فاطمة شرف العائلة وكرامتها. ماذا سيقولون عنّا الآن أبناء جلدتنا والمؤمنون بديننا الحنيف؟ لا نستطيع أن ننسى أنّ قانون الشرف في المغرب أهمّ وأسمى بكثير من القرآن ونبيّ القرآن وإله القرآن. فنظرة المغاربة إلينا سترهبنا وتحطّم معنوياتنا وكراماتنا. وكأنّ مصيرنا مرتبط بهذه النظرة. يا للعار لنا! وكيف سنتخطّى تلك المرحلة ونمحو هذا العار؟

س – هل حاولت العائلة أن تفكّر بالأسباب أو أن تفهم الدوافع التي ساهمت قي اعتناق شقيقتك فاطمة للمسيحيّة؟
ج - في البداية، اعتقدنا أن جماعة "شهود يهوه" غسلوا دماغها برواياتهم وأساطيرهم المغرية، وسهّلوا عليها بالتالي قبول الخطاب المسيحي. كذلك اعتقدنا أن نفسيّتها المعقّدة لربّما دفعتها إلى الإنخراط المتطرّف في المجتمع الفرنسيّ كي تتحرّر من مركّب النقص الذي كانت تعاني منه. قد تكون أيضا قد اعتنقت المسيحيّة كي تتفرنس مائة بالمائة، بينما كنّا نعتبر طلب التجنّس هرطقة وخيانة لأصولنا وتراثنا. لم تخطر على بال أحد منّا حتّى ذلك الحين فكرة طلب الحصول على الجنسيّة الفرنسيّة. كذلك تجاذبتنا وساوس وأفكار غريبة. اعتقدنا أنّ اعتناق المسيحيّة من قبل مسلمة، ولدت وترعرعت في عائلة مسلمة أبا عن جدّ منذ آلاف السنين، يشكّل سبقا لا مثيل له في التاريخ، أو حالة فريدة قد تحصل مرّة واحدة بين ملايين المسلمين، وقد وقع علينا هذا القدر وحلّت بنا هذه الكارثة. كان قبول ذلك أمرا عسيرا علينا جميعا. حاولنا، خلال ثوان معدودات، إعادة مسلسل فيلم حياتنا في خيالنا منذ مغادرتنا المغرب ومراجعة كلّ الصعوبات والمآسي التي اعترضتنا حتى ذلك الحين، للتأكّد من فشلنا. برزت لدينا رغبة شديدة للهرب حالا من هذا "البلد القذر" الذي دفع بشقيقتي فاطمة إلى ترك الإسلام واعتناق المسيحيّة. في الحقيقة، خيّم على أثر ذلك صمت رهيب مرعب للغاية داخل اسرتنا. ذُهلنا من شدّة هذا المصاب، وانقطعت أنفاسنا من هول هذه المأساة التي صدمتنا وزعزعت كيان أسرتنا.

س – بعد كلّ هذا الذهول المرعب الذي أصابكم، الم تلاحظوا شيئا مغايرا قبل ذلك في حياة شقيقتك وتصرّفاتها؟
ج _ حتما. تذكّرنا كلّنا أن سلوكها في البيت كان قد تبدّل منذ فترة. كانت تطرح أسئلة عديدة وصعبة عن تمزّق العائلات وتشرزمها وأسباب هجرتها من وطنها الأصليّ إلى الغرب، وعن رفض الناس لبعضهم بعض وعن الخلافات والنزاعات الرهيبة التي تمزّق العائلات المغربيّة. كانت تريد أن تندمج تماما في المجتمع الفرنسيّ، الأمر الذي كان يزعجنا كثيرا ويسبّب لنا الخوف والإضطراب، لاعتقادنا أنّ الحفاظ على هويتنا هو حفاظ على ديننا وتراثنا. وهكذا بدأتُ أنا أيضا أتساءل حول موقفها وهدفها: هل تريد أن نشاركها في إيمانها الجديد ونترك الإسلام؟ فهذا أمر صعب وشبه مستحيل. بالنسبة لي لم يكن باستطاعتي إطلاقا أن أسمعها تقول لنا: "يسوع المسيح هو إبن الله، هو المخلّص، هو الحقّ". غير أنّها قالت لنا ذلك وردّدته مرارا في ذلك اليوم.

س – كيف تعامل أبوك وأمّك مع شقيقتك على أثر ذلك؟
ج – الإحباط أفقدهما الصواب. بذلا كلّ جهد ممكن لردعها وإقناعها بلطف، قائلين لها ومردّدين: "إنّك متهوّرة، ضللتِ الطريق المستقيم، سحرك الفرنسيّون المسيحيّون! تعرضتِ لعملية غسل دماغ خطيرة! فقط الإسلام هو الدين الصحيح. والله لا يقبل غير الإسلام دينا! مصيرك سيكون عذابا مريرا في النار الأبديّة!". قدّما لها كل البراهين من العهد القديم ومن القرآن. فسّرا لها سموّ نبيّ المسلمين و وتساميه على باقي الأنبياء، فهو "أشرف خلق الله"، وأـشرف من يسوع المسيح بالذات ومن موسى وكلّ الأنبياء. منذ ذلك الوقت، لم تتوقّف المناقشات الدينيّة الطويلة معها. كان من المفترض طردها من البيت العائلي، ولكن لا أعرف لماذا لم نتجرّأ على طردها، بل سُمح لها بالبقاء معنا. وهكذا تبدّل الجوّ العائلي كثيرا وأخذ يسوء وينهار بسبب تركها دين محمّد واعتناقها دين المسيح.

س – هل توقّفت العائلة فعلا عن تهديدها؟
ج – احتجنا إلى بعض الوقت لابتلاع تلك الصدمة الرهيبة. ثمّ أخذت فكرة قتلها والتخلّص منها جسديّا تراودنا، لأنّ ما اقدمت عليه يعتبر في الإسلام خيانة كبيرة وفقا لما يعلّمنا القرآن والسنّة النبويّة. لقد اقترفت خطأ جسيما لا يغتفر، يفرض علينا تطبيق حدّ الردّة بحقّها سريعا. نعم حدّ الردّة. فلو كنّا نعيش آنذاك في المغرب، لكانت اليوم شقيقتي فاطمة في خبر كان، أو في نار جهنّم، و أسدل الستار عليها نهائيّا. غير أنّ تعنيفها في البيت لم يتوقّف. فأخواي الكبيران كانا يشبعاها ضربا وتعذيبا، وقد واصلا ذلك خلال الأسابيع والأشهر التالية، بالإضافة إلى الإهانات القاسية والبصق المستمرّ عليها. فعاشت فاطمة إضطهادا مريرا من قبل أقرب المقرّبين إليها، من إخوتها من لحمها ودمها.

س – إزاء كلّ ما حدث مع شقيقتك، هل تغيّرت نظرتك إليها؟
ج - في تلك الفترة وجدت نفسي في حالة صراع وتمزّق بين حبّي لشقيقتي، وكراهيّتها بنفس الوقت. عشت فعلا حالة من اليأس والفصام الداخلي. توقّفت عن تناول الطعام، ولا أعلم إذا كان ذلك بهدف الدفاع عنها وحمايتها، أو لأنّها استحقّت الضرب والإهانات والتعذيب؟

س – وكيف تقبّلت شقيقتك كلّ ذلك؟
ج - بالرغم من كلّ التوقّعات، كشفت لنا فاطمة قوّتها وصلابتها وعنادها. عرفت كيف تقاوم بثبات هذا الهيجان والسخط الملطّخ بالعنف. كنت أعرفها جيّدا كفتاة متنمّرة، مستأسدة، تتأكلها الكراهيّة. فعندما كان أخي الكبير يتهجّم عليها سابقا ويوسعها ضربا، كانت تردّ له الصاع صاعين، وتخدّش وجهه بأظافرها. ولكن منذ أن أعلنت إيمانها بالمسيح ومخلّصا ونورا في حياتها، تغيّر كلّ شيء. تقمّصت النمرة واصبحت حملا وديعا. لم تعد تردّ إطلاقا على الضربات القاسية التي تتلقّاها. واجهت الضرب والغضب والكراهية بالإبتسامة والحب والشفقة. ولم تتوقّف عن الحديث دائما أمامنا عن حبّ يسوع للبشر وتحمّله الإضطهاد والعذاب والصلب من قبل أعدائه وأقرب المقرّبين له. هكذا تصرّف أثار لديّ آنذاك نوعا من القلق والتساؤل على المستوى الروحيّ والوجدانيّ.

س – كيف واصلتم التعامل معها داخل الإسرة؟
ج = اعتقد أنّ أبي وأمّي بلعا الموس مؤقتا أملا بتغيّر الظروف وبروز إمكانيات أخرى لردعها وإعادتها إلى دين محمّد، "الدين المستقيم". غير أنّنا بقينا نتساءل غالبا داخل العائلة: هل ستصمد فاطمة على هذا الاقتناع وهذا الخيار في حياتها طويلا؟ متى ستكفر بالمسيحيّة وتتخلّى عنها وتعود إلى حضن إسلامنا الحنيف؟ لماذا تتمسّك بهذا اليسوع الناصريّ؟ لماذا تفضّل العيش مع "الخنازير المسيحيّين" الضّالين كما يصفهم قرآننا الكريم؟ ماذا اكتشفت لدى هؤلاء المشركين، الكفّار، الصليبيّين، هؤلاء اليهود السفلة الأنجاس المغضوب عليهم؟ أعتقد أنّنا كنّا نتألّم في البيت اكثر منها بكثير.

س – هل تعتقد أنّ إيمانها بالمسيح أثّر كثيرا على سلوكها؟
ج - نعم، هذا التغيّير كان بارزا للعيان، سواء في سلوكها، أو كلامها، أو معاملاتها معنا. في نظرها كنّا نرى الحبّ فوق كلّ شيء. في السابق، عندما كانت فاطمة تخاطبني، كنت أخافها ولا أجرؤ على النظر إليها. كانت توحي لي الرهبة وأخاف من تلقّي أيّ ضربة موجعة من يدها. والآن، أصبحتُ أمام شخص آخر مختلف تماما. فاطمة القديمة غابت عن الوجود، وحلّت مكانها فاطمة جديدة. فاطمة التي كان الغضب يتجسّد في حياتها، أصبحت اليوم تشعّ نورا ومحبّة واحتراما حتى لمضهديها وأعدائها.

س – هل تبدّلت نوعيّة تعامل الوالدين معها نحو الأفضل والقبول أخيرا بالواقع الجديد؟
ج - بدا لي أنّ أبي وأمّي قبلا على مضض هذا الواقع الجديد بانتظار اللجوء إلى خطّة رديفة نصفها اليوم باللغة الإستراتيجيّة بـ"الخطّة ب"، وهي تطبيق حدّ الردّة المعروف بـ"الأبوستازيا". في البداية، توقّف العنف والتهديد فجأة، وأخذ الجميع يتودّد إليها ويعاملها معاملة طيّبة. كما حاول أبي وأمّي وإخوتي الكبار أن يشرحوا لها كيف نجح المسيحيّون في غسل دماغها والتلاعب بمشاعرها واستغلال ضعفها، وكيف وقعت ضحيّة في فخّ المشركين.
ثمّ جاءت مرحلة الدفاع عن الدّين الإسلاميّ. فأخذ الوالدان وأخويا الكبار يشرحون لها اصول الإسلام وأركانه، ويكشفوا لها "أخطاء وهرطقات" المسيحيّة بالتفصيل وانحرافاتها ومساوئها عبر التاريخ، وكيف حرّف المسيحيّون واليهود كتبهم المقدّسة بشهادة القرآن الموحى من قبل إله الإسلام. ولكن لم يؤثّر شيء فيها، لا بل كانت تناقشنا وتزعزع إيماننا جميعا ببراهينها الدامغة العقلانيّة وروحانيّتها المسيحيّة وجمال كلامها ونظرتها المحبّة إلينا رغم كلّ ما فعلناه معها. كانت تحدّثنا عن أشياء كثيرة يرغب المسلمون في الوصول إليها، ولكن دون نتيجة أو أمل ممكن. كلّمتنا عن يسوع كما نحن نتكلّم عن الله، إله المسلمين. كانت تعيش في يسوع ومع يسوع وكأنّه صديقها الحميم الذي لا يفارقها. تستمدّ القوّة والجرأة من كلامه ومن إنجيله. كنّا نتصدّى لها ونجابهها بالدفاع عن ثقافتنا وهويّتنا وديننا ومحمدنا الذي كمايقول القرآن، هو "أشرف خلق العالمين". ولكنّها كانت تعود دائما لتشرح لنا كيفيّة لقائها بالمسيح، وتحدّثنا عن أمور كثيرة غيّرت قلبها وحياتها. غير أنّ كلامها كان بالنسبة لنا نوعا من الوقاحة والسخافة، لأنّ المسلم لا يحق له أن يتكلّم بهذه الطريقة الحقيرة عن الله، جلّ جلاله، بالرغم من كونه "ماكر وخير الماكرين". ولكنّ يسوعها الناصريّ كان حاضرا في قلبها ومسيطرا على عقلها وقريبا منها...

س – كيف تابعت شقيقتك مسيرتها بعد تلبّد الأجواء في الأسرة بسبب اعتناقها للمسيحيّة؟
ج – هذا الجوّ المتوتّر دفعها إلى البحث عن عمل وكسب حياتها ومساعدة العائلة مادّيّا. فجيراننا الفرنسيّون الذين كانوا يسكنون في الطابق الأعلى وجدوا لها عملا في منطقة "الفوج" البعيدة سبعين كلم عن مكان سكننا. فأخذت تذهب إلى هناك يوم الإثنين بالقطار وتعود إلى البيت يوم الجمعة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع معنا. أمّا يوم الأحد فكانت تنهض باكرا من النوم للذهاب إلى الكنيسة. حاولنا منعها، كما حاولت والدتي مرارا إقفال الباب بوجهها وإخفاء المفاتيح. لم ترتدع، بل كانت تصارع من أجل ذلك وتقول: "أنا أريد الذهاب إلى الكنيسة، ولا أحد يستطيع منعي من الصلاة ليسوع مخلّصي".هكذا أدركنا أن محبّتها ليسوع المسيح تعلو فوق كلّ شيء، نهلو على محبّة الأهل والوطن والتراث. توصّلنا أحيانا كثيرة إلى منعها واحتجازها في البيت، ولكن لم نفلح دائما. وعندما تعود بي الذاكرة إلى تلك الأحداث داخل العائلة، لا أتمنّى لأحد إطلاقا أن يعيش مرارتها أو أن يتعرّض لمثل هكذا حالة.

س – هل توقّفت بعد ذلك محاولات ردعها وإعادتها إلى الإسلام؟
ج – لم تثمر جهودنا إطلاقا في البيت، إذ بقيت فاطمة صامدة ومتمسّكة بعنادها وإيمانها الجديد. غير أنّ شقيقي الكبير الذي كان قد وجد عملا وسكنا آنذاك في باريس، أعدّ خطّة جهنميّة لردعها أو للقضاء عليها. فدعاها، بعد مرور سنة ونصف على اعتناقها المسيحيّة، وهدؤ الحال معها، لزيارته في العاصمة الفرنسيّة أثناء عطلتها. هناك استغلّ الظرف، فاستخدم كلّ الوسائل لإعادتها إلى حظيرة الإسلام. أقفل عليها في شقّته أسبوعا كاملا. بذل جهودا كثيرة بالتعاون مع زوجته وأصدقائه لإقناعها بخطورة ما فعلت على حياتها ومستقبلها على هذه الرض ومصيرها الأسود في الآخرة. هدّدها بعذاب القبر الذي ينتظرها وبنار الجحيم التي ستحرقها وتبتلعها. ولكن باءت جهوده بالفشل. ألزمها بتمزيق الكتاب المقدّس، ففعلت ذلك بحالة من الغضب، ولكن سرعان ما ندمت على ما فعلت. بقيت صامدة وفضّلت الموت على إيمانها بيسوع المسيح. وبعد مرور أسبوع على احتجازها في باريس، ألحّ عليها أبي وأمّي بالعودة سريعا إلى العمل كي لا تفقد مصدر رزقها وتتوقّف عن إسهامها ومشاركتها في دخل العائلة. وهذا دليل حسيّ رهيب يكشف عن الطمع وقوّة المنفعة المادّيّة التي تعلو على كلّ شيء عند المسلمين. لذلك اتّصلا بأخي وألحّا عليه بالإفراج عنها وتركها تعود إلى عملها لكسب المال الضروريّ للعائلة.

س – هل بقيت فعلا متمسّكة بإيمانها المسيحي؟
ج – نعم، لم تترك شقيقتي إطلاقا المسيح الذي أحبّته وسُحرت بتعاليمه السامية. فقد فشلت كل التهديدات ومحاولات أبي وأمّي لإعادتها إلى المغرب، وتزويجها هناك قسرا. استخدما السحرة لترويضها وتدجينها وإغرائها وزعزعة إيمانها. ولكنّها بقيت ثابتة في إيمانها بالرغم من كلّ الإغراءات التي قدّمت لها.
وهكذا اتّضح لنا أن خيارها في اتّباع يسوع المسيح خيار شخصيّ يقوم على قوّة إيمانها وعمق قناعتها، وأنّ المسيح يعلو على كلّ شيء في حياتها. وهكذا إتّضح لنا بالرغم من كلّ ما تعرّضت له، أنّها كانت تزداد اقتناعا وقوّة في إيمانها وصمودا في خيارها يوما بعد يوم.



#موريس_صليبا (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- - الكافر سعيد - رسول المغاربة (4)
- -الكافر سعيد- رسول المغاربة (3)
- -الكافر سعيد- رسول المغاربة (2)
- سعيد الكافر، رسول المغاربة
- هوبار لومار : -المسلمون يكذبون علينا وعلى أنفسهم-
- القرآن في مشرحة -اللوغاريتم-
- حول كتاب حامد عبد الصمد - انهيار العالم الإسلامي -
- ألإسلام بحاجة إلى ثورة جنسية - الحلقة الثالثة والأخيرة
- ألإسلام بحاجة إلى ثورة جنسية - الحلقة الثانية
- ألإسلام بحاجة إلى ثورة جنسية


المزيد.....




- ليبيا.. الكشف عن تفاصيل قتل أم لابنها بمساعدة شقيقيه (صور)
- الأرصاد المصرية تصدر تحذيرا -شديدا- للتعامل مع طقس اليوم
- -بلومبرغ-: مقتل 13 عنصرا من جماعة -الشباب- الصومالية بضربة أ ...
- الشرطة المغربية تبحث عن مروجي أخبار كاذبة عن مقتل سائح خليجي ...
- إجلاء 42 مصريا حاولوا اجتياز الحدود البحرية التونسية نحو أور ...
- هزة أرضية بقوة 5.1 درجة تضرب شمال غرب الصين
- النيابة السعودية تعتقل شخصا بعد انتشار فيديو له وهو يطلق الر ...
- مراوح للكلاب والقطط للتغلب على الحرارة العالية في اليابان
- تفاصيل وفاة شابين من أسرة واحدة اختناقا بالغاز في السعودية
- رويترز: بوتين يقول في رسالة إلى زعيم كوريا الشمالية إن موسكو ...


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - موريس صليبا - - الكافر سعيد- رسول المغاربة (5) -شقيقتي الكبيرة تعتنق المسيحيّة-