أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - موريس صليبا - سعيد الكافر، رسول المغاربة















المزيد.....

سعيد الكافر، رسول المغاربة


موريس صليبا

الحوار المتمدن-العدد: 5213 - 2016 / 7 / 4 - 14:05
المحور: مقابلات و حوارات
    


الحياة في الغربة تفرّق كثيرا بين المعارف والأصدقاء وتباعد بينهم بحكم ظروف العمل وأمكنة السكن وبعد المسافات. غير أنّ المناسبات واللقاءات الثقافيّة والفنّيّة والإجتماعيّة الكثيرة تفتح غالبا المجال واسعا للتعرّف على وجوه جديدة وطاقات فكريّة وفنيّة وعلميّة، وخاصّة على أشخاص عرفوا خلال مسيرتهم تحوّلا مدهشا يدعو إلى التساؤل والإعجاب والإطّلاع والبحث عن العوامل الخفيّة الكامنة وراء هذا التحوّل.
في بداية العقد الأوّل من هذا القرن دعاني صديق جزائري لحضور أمسية باريسيّة مخصّصة للتعريف بالفنّ والثقافة والتراث المغاربي والأمازيغي في صالة أحد دور البلديّات في العاصمة الفرنسيّة. هناك حيث كانت تُباع على منصّة خاصّة أزياء مغاربيّة وكتب وأفلام واسطوانات وفيديوهات لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالموضوع. اشتريت خلالها بعض الكتب والروايات وإسطوانة فيديو استرعى انتباهي عنوانها بالفرنسيّة: ((ليبرتي، إيغاليتي، كُسكُس)) للكوميدي المغربيّ سعيد أوجيبو. يعد مشاهدتها اكتشفت هذا الكوميدي المغرّد في غير سربه، الذي يقدّم بأسلوب مرح وفكاهي وجذّاب كيفيّة تعرّفه على سيدنا يسوع المسيح.
تشوّقت منذ ذلك الحين كثيرا أن التقي يوما بهذا "الفنّان" الرائع. فمرّت سنوات وشاءت الصدف أن أتعرّف عليه واجتمع به أكثر من مرّة. وعندما عبّرت له عن رغبتي في التعريف عنه باللغة العربيّة، لأنّه من أصول مغاربيّة، ولم يسمع عنه أحد بعد في العالم العربيّ ولا في الصحافة العربيّة، تجاوب معي وقبل بسرور إجراء حوارات عدّة حول مسيرة حياته.
في لقائنا الأول وللوهلة الأولى شعرت فعلا وكأنني أمام ممثّل كوميدي من الدرجة الأولى، بإمكانه تقمّص كل الأدوار الفكاهيّة والهزليّة والدراماتيكيّة. ولكن ما أن بدأت بالحوار معه حتى اكتشفت أنني أمام إنسان يعشق عيسى بن مريم، يسوع المسيح، يعيش معه، يبشّر باسمه المؤمنين والكفرة، المسلمين والمسيحيين، الملحدين والهراطقة.
أجريت هذه الحوارات في فترات زمنيّة متقطعة، بسبب ضيق وقت ((الكافر سعيد))، كما يحلو له تقديم ذاته، وكثرة أنشطته وأسفاره. جرت مناقشاتنا أحيانا خلال لقاءات شخصيّة ممتعة، وأحيانا في محطّات السكك الحديديّة بانتظار موعد إنطلاق القطار الذي ينتظره، أو عبر مكالمات هاتفيّة، أو رسائل إلكترونيّة.
لم يُعدّل ((الكافر سعيد)) شيئا في أجوبته باللغة الفرنسيّة، والتي يزيّنها بعبارات عربيّة مغربيّة كنت أحتاج أحيانا إلى شرحها. تعمّدتُ بنوع خاص الأمانة في ترجمتها من الفرنسيّة إلى العربيّة واحترام أسلوبه الخاصّ وطريقة عرضه للأمور، وإن كانت أحيانا ذات نكهة فكاهيّة.
بعد هذا عناء طويل دام سنوات، يسعدني اليوم أن اقدّم محصلة هذه الحوارات عبر سلسلة من الحلقات لقرّاء لغة الضادّ الكرام. فيها تبرز مختلف المراحل التي مرّ بها ((سعيد أوجيبو)) منذ نعومة أظفاره وحتّى اليوم. هكذا سيتمكّن القارئ تتبّع مسيرة إنسان غير عاديّ، انطلاقا من مسقط رأسه في المغرب إلى تحوّله، بعد فترة طويلة مضمّخة بالأحداث المأسوية والإنحرافات المدمّرة لشخصيّة الإنسان، إلى رسول خير وسلام وحوار، يجوب ضواحي المدن الساخنة في فرنسا وأوروبا، ويتنقّل في كلّ الأقطار الأوروبيّة والأميركيّة، لا هدف له إلاّ نشر رسالة المسيح.

الحلقة الأولى: من الطفولة في المغرب إلى الهجرة إلى فرنسا


س – قبل الدخول في الحديث عن التحوّل الذي بدّل مجرى مسيرتك كشاب مغربي مهاجر إلى فرنسا، ما هي البيئة المغربية التي نشأت فيها قبل وصولك إلى هذا البلد؟
ج – أنا من أسرة ذات أصول بربرية أمازيغيّة كانت تقطن منطقة جبال الأطلس الشاهقة في المملكة المغاربية. يتحدّر أبي "(لحسين) وأمي (يمينة) من تلك المنطقة. ولد كلاهما في قرية قريبة من قمة "التوبكال" الأكثر ارتفاعا هناك (4165 م)، حيث تتواجد أشجار الزيتون واللوز وتتألّق بألوانها الجميلة الزاهية، خاصّة الأحمر والأمغر.
عند بلوغه سنّ الرابعة عشرة غادر أبي ((لحسين)) أسرته ليعمل في البداية في حفر الآبار، ثم في مجال البناء. فتنقّل بين كبرى المدن المغاربية، كالدار البيضاء، والرباط، وطنجة، ومراكش، وغيرها. في سن الثامنة عشرة، عاد إلى مسقط رأسه ليتزوّج ((أمينة))، أمي فيما بعد. ثمّ نزحا معا إلى مدينة قريبة من (الرباط) تدعى (القنطرة)، تقع على شاطئ المحيط الأطلسي الغنيّ بالثروة السمكية. في تلك الأثناء، عرفت تلك المنطقة موجة نزوح كثيفة من سكان الأرياف، خاصة من جبال البربر. فكان معظم النازحين من الريف يتجمّعون في ضواحي مدينة (القنطرة) المعروفة آنذاك باسم مرفأ ليوتاي (Port Lyautey)، فيبنون منازل من الصفيح للإيواء والسكن فيها. أما المكان الذي حطّ فيه والداي رحلهما فكان على قطعة من الأرض تملكها سيّدة فرنسيّة تدعى (رالما)، قدّمتها للنازحين. لذلك أطلق على هذا المكان إسم (دوّار رالما). فهناك أبصرتُ النور في التاسع من شهر تموز (يوليو) عام 1968.

س – هل لديك ذكريات عن الطفولة في تلك المنطقة بالذات؟
ج – حتما، وبالرغم من صغر سنّي أنذاك ما زالت بعض الذكريات محفورة في ذهني يصعب عليّ نسيانها. فالدوّار الذي كنا نسكن فيه كان كناية عن منازل صغيرة مصنوعة من الصفائح المعدنية، حيث كنتُ أسرح وأمرح بين أزقّته بكل حريّة، بالرغم من الفقر المدقع والحرمان من كل الخدمات البسيطة.
أذكر منزلنا الذي بناه لنا أبي من الحجارة. كانت أمامه شجرتا لوز وتين جميلتين، كنّا نجتمع للراحة في ظلّهما يوم الجمعة من كلّ أسبوع ونأكل الكسكس، الطبق الشعبيّ المفضّل، مع الجيران. كان ذلك البيت يتألف من ثلاثة غرف، واحدة للنوم لكل العائلة، والثانية للجلوس والاستقبال، وُضع فيها صندوق خشبي كبير يضمّ الأغطية والسجادات البربريّة، وأغراض قيّمة أتينا بها من الجبل. كان ذلك الصندوق كبيرا لدرجة أنني كنت أختبئ في داخله أحيانا هربا من القصاص ومن المشاجرات مع إخوتي الكبار أو مع أولاد الجيران. أما الغرفة الثالثة المصنوعة من الصفيح فكانت مطبخا يطلّ على فسحة كبيرة تنمو فيها الأشجار.
من تلك الذكريات الرائعة ما زلت أتذكّر المشجارات في ذلك الحيّ البائس بسبب غياب المياه عن المساكن ووجود سبيل ماء واحد لكل السكان. كنت أشاهد بعض النسوة يتجاوزن الصفّ ويتشاجرن على الأسبقية للحصول سريعا على سطل ماء، إذ كان عليهن كلّ صباح توفير المياه لغسل الثياب وتأمين الطبخ. وبالرغم من كل ذلك، كان هناك جوّ من الأخوّة والتعاطف والتضامن والغيريّة مهيمنا بين الجيران في ذلك الحيّ.

س – هل ذهبت إلى مدرسة ما في ذلك الدوّار؟
ج – عند بلوغي سنّ الثانية من العمر كان أخي الكبير وأختي الكبيرة يصطحباني معهما إلى مكان يسمّى بـ(الكتّاب)، أي المدرسة القرآنية. كنّا نجلس فيها على أرض ترابية، ويقوم رجل يلعب دور الإمام أو الشيخ بتحفيظنا القرآن، وتدريبنا على تجويد بعض آياته، وتلقيننا الصلوات الميكانيكية الكلاسيكية. وأثناء تعلّمها كنت أحاول الإقتداء بالكبار فأهزّ رأسي على غرارهم بطريقة عفويّة.

س – هل تتذكّر فترة مغادرة المغرب والهجرة إلى فرنسا؟
ج – أذكر أولا عندما تفاجأنا بمغادرة أبي البيت إلى مكان بعيد دون أن ندري ما السبب. قيل لنا إنه ذهب إلى بلاد أخرى لم يذكر لنا أحد إسمها. ولم تمض سنة على غيابه حتى حدث اضطراب مفاجئ في حياتنا. فأخذتنا والدتي إلى مستشفى لاجراء لقاحات كانت آنذاك إلزامية للذين يرغبون مغادرة البلاد، كما حضّرت مجموعة من المستندات والوثائق الشخصيّة. ثمّ أخذت توضّب حاجات عديدة، من بينها سجّادة بربريّة ما زالت لدينا حتى اليوم، وبعض الأواني المنزلية. جمعت كل هذه المقتنيات في صندوق كبير حملته عربة خيل كانت تنتظر أمام البيت.
أتذكّر كيف تجمّع الجيران آنذاك حول والدتي، كما لم أفهم حينها لماذا كانت الدموع تذرف من عيون إخوتي وأخواتي الكبار؟ لماذا كانت والدتي مضطربة؟ لماذا كانت الجارات يبكين مثل النائحات في المآتم؟ فكانت دموعهن حقّا مؤلمة. غير أنّ بعضهنّ كنّ فرحات، وأخذن يردّدن على مسامع والدتي: "هنيئا لكِ، ستعرفين حياة جديدة بعد وصولكم إلى فرنسا". لم أكن أعرف آنذاك إطلاقا ماذا تعني كلمة "فرنسا"، ولكنّي كنت أرى على وجوه تلك النسوة ملامح تشير إلى الأمل وتبشّر به. كذلك لاحظت ألما بارزا على وجوه تلك النسوة، بسبب غيرة بعضهنّ أو بسبب الحسد لدى البعض الآخر.
بعد تحميل كل الأغراض، ذهبت بنا عربة الخيل إلى محطة للسكك الحديدية، حيث أخذنا قطارا نقلنا إلى مدينة طنجة. خلال سفرنا في القطار عبرنا أراضي المغرب الفسيحة التي شاهدتها لأوّل مرّة. وهكذا تسنّى لي رؤية المدن نفسها وسطوح البيوت نفسها والوجوه نفسها.

س – بعد الوصول إلى مدينة طنجة، كيف سافرتم إلى فرنسا؟ وهل بالإمكان أن تصف لنا تلك الرحلة الطويلة؟
ج – عندما توقّف القطار في تلك المدينة، شاهدت وصول باخرة تفتح "خرطومها" وكأنها تريد ابتلاعنا. أبحرنا على متنها في اتّجاه مدينة "مرسيليا" في فرنسا. ثم أخذ التراب الإفريقي يبتعد عنّا شيئا فشيئا حتى اضمحلّ تماما. فبدأت تبرز أمامنا وجوه جديدة، وهنا حصل الصدام الأول. بعد نزولنا من الباخرة، انتقلنا إلى قطار كان طويلا جدّا لم أستطع رؤية آخره . فابتعدنا شيئا فشيئا عن الشمس والألوان والحرارة الدافئة، وبدأنا نشاهد الطبيعة الخضراء، والبرد يلتحفنا والضباب يحيط بنا. بدت الرحلة طويلة وكأننا لن نصل أبدا إلى مبتغانا. أما إخوتي الكبار، بلباسهم البسيط وأحذيتهم شبه البالية، ، فكانوا مثل والدتي الصامتة يلقون من حين إلى آخر، بالرغم من عناء السفر، نظرة على مناظر الطبيعة سرعان ما تغيب عنهم بسبب سرعة القطار.

س – في أيّ مدينة توقّف هذا القطار؟
ج - بعد سفر دام نهارا كاملا تقريبا، وصلنا إلى مدينة لم أكن أعرف إسمها آنذاك، ولكن اليوم أعرف جيّدا أنّها باريس. كان جوّها باردا جدّا، وسطوح أبنيتها متعددة الأشكال، ولغة سكانها غريبة تماما بالنسبة لنا. نزلنا من القطار في محطة إسمها "أوسترلتز" (Austerlitz)، حاملين ورقة عليها عنوان. كان الجوع ينهش بطوننا، فهرعت والدتي إلى دكّان قريب واشترت لنا منه خبزا وقطعة كبيرة من الزبدة. فأكلت للمرّة الأولى في حياتي زبدة مالحة. ثم أخذنا قافلة عبرنا فيها شوارع تلك المدينة الضخمة التي لم أر مثلها من قبل. كانت تعجّ بالسيارات والقوافل مطلقة العنان لزماميرها المخيفة والمزعجة. ارتعبت كثيرا وأخذت أتساءل عن إسم الكوكب الذي نزلنا فيه.

س- وصفت الآن مشاعرك عند الوصول إلى باريس التي لم تكن مقصدكم النهائي. ماذا فعلتم بعد ذلك؟
في هذه المدينة، لم أعد اذكر كيف وصلنا سالمين إلى محطّة قطار أخرى، تحمل إسم "محطّة الشرق" (Gare de l’Est)، لأنّها تقع في شرق باريس كما علمت ذلك فيما بعد. هناك صعدنا إلى قطار عسكري، طويل، أخضر اللون، كثير الضجيج، ودخلنا إحدى مقصوراته. وبعد ساعات عديدة، انتهت تلك الرحلة الطويلة في مدينة "شارم" (Charmes) الواقعة في منطقة "الفوج (Les Vosges) شرق فرنسا، وكان ذلك في شهر شباط (فبراير) عام 1972. في المحطة، كان والدي ينتظرنا ومعه عربة لا تحتاج إلى خيل يجرّها كما هو الحال في المغرب. فوضعنا عليها الصندوق الخشبي وفيه أغراضنا الثمينة، السجّادة، وأدوات الطبخ، وطنجرة الكسكس، وكذلك طنجرة التاجين، بالإضافة إلى كتاب القرآن. تنفّسنا الصعداء لوصول حاجاتنا واغراضنا سالمة. العناق بين أبي وأمي كان حارّا، قبل أن يضمّنا بكل حنان وسرور إلى صدره أنا وإخوتي واحدا واحدا. ثُمّ أخذنا إلى شقّة سكنيّة كان قد جهّزها لاستقبالنا وللسكن فيها.

س – إذا، انتقلتم سريعا من مسكن في دوّار من الصفيح في المغرب إلى شقّة سكنيّة تقع في مكان بعيد في شرق فرنسا. ما هو الشعور الذي انتابك بسبب هذا الإنتقال؟
ج - في الواقع، كنت سعيدا في هذه الشقة لأنّ المياه والكهرباء متوفّرة فيها، وعلى جدرانها أوراق ملوّنة تغطّيها. كانت شقّة "فخمة إذا ما قارنّاها مع مساكن الصفيح التي عشنا فيها. لأوّل مرّة رأيت المنافع الصحّيّة أي التواليت داخل المسكن، عكس ما كان الحال في "البلاد" حيث كنّا نقضي كلّ حاجاتنا في حديقة مجاورة. كذلك اكتشفنا لأوّل مرّة وجود "الإلكتريسيتي" التي أدهشتنا جميعا، فوجدنا فرصة رائعة للتسلية، إذ كنّا نقضي أنا وإخوتي وأخواتي وقتا طويلا في الضغط على المفاتيح الكهربائيّة الموجودة على الجدران لإضاءة المصابيح أو لإطفائها. نعم مسكننا الجديد كان اكتشافا رائعا، إنّه "فندق خمسة نجوم" بالمقارنة مع مسكننا في "دوّار رالما" أما فرحنا الكبير فتجسّد في رؤية العائلة مجتمعة وموحّدة.
في تلك الشّقة لم تكن هناك ستائر على النوافذ ولم نكن نعرف ما هي النوافذ، وما هي الستائر. فمنها كنّا نشاهد المدينة الجميلة وقد ذُهلت عندما شاهدت نُدَفا بيضاء تتساقط من السماء، فاعتقدت أنها قطع من الخبز. فسألت إخوتي وأخواتي: "واشنو؟ واشنو؟" "ما هدا؟". فنزلنا سريعا من الشقّة لنرى ذلك مباشرة في الخارج ونلمسها بأيدينا على الأرض. ولشدّة فرحنا بها، أخذنا نلتقط ذلك "الخبز النازل من السماء". فعندما شاهدنا الفرنسيّون نفعل ذلك، أخذوا يضحكون من طريقة تصرفنا. في الواقع، كنّا في بلد آخر، وفي وطن آخر، وفي عالم آخر. نجهل طبيعته ومناخه وحضارته. وسرعان ما علمنا بوجود أسر عديدة من المهاجرين المغاربة كانت تسكن أيضا في نفس المبنى، بالإضافة إلى بعض العائلات الفرنسيّة.

س – هذا ما أفرحك كثيرا، ولكن هل صدمت بشعور آخر دفعك إلى الحنين إلى دوّار الصفيح الذي عشت فيه في المغرب؟
نعم، بعد مرور عدّة أسابيع، بدأ الحنين إلى أرض المغرب يكدّر حياتي. فأين رفاقنا الذين كنّا نمرح ونلعب معهم في "الدوّار"؟ أين ذلك الجوّ الذي كنّا ننعم به مع الجيران وأهل الحيّ؟ فبين ليلة وضحاها وجدنا أنفسنا في منطقة نائية وفي حالة من الضياع والعزلة. إذا ما خرجت إلى الشارع، فلا تجد إلاّ الصمت أو الحزن يخيّم على كلّ شيء. لا ترى إنسانا في الشارع، خاصّة في فصل الشتاء، إذ تتراكم الثلوج أينما ذهبت. وإذا صدف أن التقيت ببعض الفرنسيّين، فلا تجد أي وجه شبه مع جيراننا سابقا في دوّار الصفيح. فأقسى ما شعرت به هو نظرة بعضهم إلينا كأجانب غرباء عنهم تماما. كنت آنذاك قد بلغت من العمر ثلاث سنوات ونصف، فاشتدّ بي الحنين إلى ذلك الدوّار الذي كنّا نعيش فيه في المغرب، وإلى صراخ وضجيج الجيران، فكان صدى قهقهاتهم وضحكهم يتردّد باستمرار في داخلي. كما كنت أحنّ إلى روائح المطبخ المغربيّ، ودكّان "أبو الفحم"، وكلّ البيئة التي عشنا فيها في ذلك الدّوار.

س – من هو "ابو الفحم" هذا وما هي ذكرياتك معه؟
ج - "أبو الفحم" هو مثلنا من أصول بربريّة، كان يمتلك دكّانا يبيع فيه الفحم والنعناع والغاز، وتنبعث منه باستمرار رائحة البنزين وكل الروائح الأخرى في تلك الضاحية الفقيرة التي تذكرني بفيلم "مدينة الفرح" (La cité de la joie). كنّا نطلق عليه لقب "أبو الفحم" أو "با فخّار". وكجار لنا في ذلك الدوّار، كان يأتي غالبا إلى بيتنا ليشرب الشاي. وفي إحدى المرّات، لم يبق أي شايّ في الإبريق، فذهبت وبوّلت فيه، ولم تنتبّه والدتي لما فعلت. عندما سكبت له ذلك السائل في فنجانه، تقطب وجهه حالا وبانت على شفتيه تكشيرة رهيبة بسبب مرارة أو ملوحة البول. لذلك لا أنسى أبدا تلك الحادثة.

وهل زاد حنينك كثيرا إلى تلك الديار؟
نعم كنّا نتوق بشوق كبير إلى تلك الحياة الإجتماعية مع الجيران في المغرب، خاصّة في ظلّ تلك الأجواء الحزينة والمعزولة التي فرضتها علينا هنا طرق العيش في المساكن الشعبية حيث عشنا وكأنّنا أسرى في أقفاص حديديّة. فلا وجود للحياة ليلا أو نهارا خارج الشقّة التي تأوينا. كان يصعب علينا جدّا تحمّل الصمت المدقع الذي يخيّم على تلك المساكن. فلا صراخ أطفال، ولا مشاجرات بين الجيران. فكنت أسأل والديّ باستمرار: "متى نعود إلى ديارنا؟" غير أنّ جواب والدتي: "إن شاء الله يا إبني! نحن هنا لسنوات معدودة أو لبضعة أشهر، أو لبعض الوقت الذي يحتاج إليه ابوك لكسب الفلوس، ثمّ نرجع إلى ديارنا." غير أننا مع الوقت أخذنا نتجذّر في المهجر، ونتعلّم اللغة التي سهّلت لنا لاحقا الإنخراط والإندماج في المجتمع الفرنسيّ. وهكذا اندثرت أحلامنا شيئا فشيئا بالعودة إلى ديار أجدادنا.

وإلى اللقاء في الحلقة الثانية.



#موريس_صليبا (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هوبار لومار : -المسلمون يكذبون علينا وعلى أنفسهم-
- القرآن في مشرحة -اللوغاريتم-
- حول كتاب حامد عبد الصمد - انهيار العالم الإسلامي -
- ألإسلام بحاجة إلى ثورة جنسية - الحلقة الثالثة والأخيرة
- ألإسلام بحاجة إلى ثورة جنسية - الحلقة الثانية
- ألإسلام بحاجة إلى ثورة جنسية


المزيد.....




- أمير سعودي يرد على مهاجمة محمد بن سلمان ويستشهد بمقولة سابقة ...
- واشنطن: ندرس عدة خيارات للرد بشأن العلاقة مع السعودية بعد قر ...
- -لماذا خلقنا الله وهل هو بحاجة لعبادتنا؟-.. أكاديمي سعودي ير ...
- أمير سعودي يرد على مهاجمة محمد بن سلمان ويستشهد بمقولة سابقة ...
- واشنطن: ندرس عدة خيارات للرد بشأن العلاقة مع السعودية بعد قر ...
- أسعار النفط: -معركة السيطرة على السوق العالمية- -الفاينانشال ...
- بلينكن: أمريكا تدرس -خيارات الرد- بخصوص العلاقات مع السعودية ...
- كيم جونغ أون يهنئ الرئيس الروسي بعيد ميلاده
- ثلث أعضاء منظمة الدول الأمريكية رفضوا قرار إدانة روسيا
- رئيس الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات: أسماء رنانة ممن يسمو ...


المزيد.....

- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- «صفقة القرن» حل أميركي وإقليمي لتصفية القضية والحقوق الوطنية ... / نايف حواتمة
- الجماهير العربية تبحث عن بطل ديمقراطي / جلبير الأشقر
- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - موريس صليبا - سعيد الكافر، رسول المغاربة