أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسان خالد شاتيلا - ممارسة السياسة من حيث هي مصدر المعرفة - جورج لابيكا - الملحق الحادي عشر















المزيد.....


ممارسة السياسة من حيث هي مصدر المعرفة - جورج لابيكا - الملحق الحادي عشر


حسان خالد شاتيلا

الحوار المتمدن-العدد: 5221 - 2016 / 7 / 12 - 09:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


                                الملحق الحادي عشر
                                          جورج لابيكا
                         روبيسبيير: تَسْيِّس الفلسفة
                                        أو
              ممارسة السياسة من حيث هي مصدر المعرفة
                                  حسان خالد شاتيلا
 
-/ جورج لابيكا، روبيسبيير تسيِّس الفلسفة، باريس، منشورات لافابريك، 2013، المقدِّمة، "فكر غير مسبوق"، ص.ص  41-48 .
-/Labica Georges, Robespierre, Une politique de la philosophie, Paris, éd. La Fabrique 2013
-/ تييري لابيكا، م.س، مقدمة الطبعة الثانية، "هذه الديمقراطية المرفوضة"، ص.ص 7-40
Labica Thierry, bis, l’inadmissible démocratique, pp. 7-41
-/ لابيكا جورج، روبسيير، سياسة للفلسفة، ترجمة منصور القاضي، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1994 (النص أدناه لا يعتمد هذه الترجمة، ولا يرجع إليها).
 
 
                            أولا: مقدِّمة جورج لابيكا للكتاب
يقدِّم جورج لابيكا الفلسفة السياسية ل/مكسيميليان روبسبيَّر في كتابه "روبسبيِّر، تسيِّس الفلسفة" من حيث هي "فكر غير مسبوق"، "أصيلٌ ومبتكرٌ"، وممتنع، ما أمكن له ذلك، عن الوقوع في "فخ النظرية"، من حيث هي مفاهيم، قيم فلسفية، ومقولات منطقية، مسبقة وشاملة. فإذا كان الفكر السياسي ل/روبسبيِّر تجديدا فريدا من نوعه، إلا أن فكره السياسي ، وإن كان لا مثيل له في الحاضر، فإنه فكر مشترك بين العديد من معاصريه، ومنهم الاشتراكيين الثوريين سان-جوست، وبابوف. إذ إن هذا التشابه الفكري لا يعفي روبسبيِّر من قيمته الرمزية. الجِّدة لديه قوامها التفكير بالثورة في ما هي قيد الإنجاز، حيث يتكوَّن فكره، وإن كان كبريق الفكرة خاطفة السرعة، إلا أن صاحبها يُحكم في نفس الوقت سيطرته عليها بفضل ابتكاره قاموساً من المفردات الحديثة. غير أن مفهوم الثورة لديه مستعص على الإدراك بالرغم من ثقافتنا الماركسية، ومرور قرن ونصف القرن من الخبرات التاريخية والنظرية. السبب وراء ذلك يعود إلى واقعة مؤداها أن روبسبيِّر نِتاج للثورة، بل وإنه صنيعتها، ومحمول بحركتها، ومنكبٌ بعناد فريد من نوعه على البحث عن معنى الثورة، وذلك بالتصاقه بمساراتها. هو الذي لم يتنبأ بها، ولم يشارك في صنعها. روبسبيِّر يسير وراء الثورة لمتابعة وقائعها غير المسبوقة، للاستلهام منها يوما وراء يوم، ولإحكام قبضته، دونما جدوى، على حوادثها. روبسبيِّر، بخلاف ماركس الذي كان طوال حياته يعدُّ العدَّة للثورة، ويحدِّد شروطها، ويكشف عن صانعيها وقواها المتحركة، ويرسم لها مسارات، ويحدَّد أهدافها وأفاقها، إلا أنه، بخلاف روبسبيِّر لم يشارك فيها، أو بالأحرى لم يكن صانعها. ماركس، أيا كان الأمر، وبالرغم من التزاماته بها بين حين وآخر، أو بصورة هامشية، يبقى مشاهدا يتابع ثورة 1848، متابعته لكومونة باريس.
لينين أعدَّ العدَّة منذ السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر لثورة أكتوبر، وهي من ابتكاراته، ونتيجة لعمل دؤوب طوال عقدين اثنين من الزمان.  غير أن الثورة، بالرغم من أنه صانعها، وهي صورة عن أفكاره وأعماله، قد فاجأته في ما كان منكبا على كتابة "الدولة والثورة"، حيث يرسم لها قواعد مستقبلها ويَعْرُض لمراحلها. لينين قاد الثورة وفق مبادئه، وأرسى لنمط جديد من السلطة، وحكم مجتمعا، وأملى قواعده الممكنة، وقاس تناقضاته. بل، إنه مضى إلى أبعد من ذلك، عندما أسَّس الأممية الشيوعية، وكشف عن شمولية الثورة. لينين منظِّم الدفاع عن الثورة، الضامن لأصالتها، وهو الذي ينشر في العالم مسارات لإنجاز الثورات. روبسبيِّر أبعد ما يكون من حيث الشبه عن لينين.
عندما كان في السابع عشرة من عمره، وذلك في العام 1775، عَهَدَت إليه كبرى المدارس الثانوية في فرنسا، ليسِّي لويس لوغران، وكان أحد تلامذتها النجباء، أن يُلقي كلمة ترحاب بمناسبة الزيارة التي كان ملك فرنسا لويس السادس عشر، وزوجته الملكة ماري انطوانيت، يقومان بها للمدرسة الثانوية. في العام 1789. تميَّر في الواحدة والثلاثين من عمره بين زملائه المحامين. وحَظِيَ بمكانه اجتماعية مرموقة، وعُرِف هذا الأكاديمي الشاب باندماجه في الأوساط التي كان يشارك بنشاطاتها، من نائب في مجلس النواب، إلى عضو في الجمعيات. بيد أنه كان شبه مجهول غير ذي شهرة بين كبار الكتاب الفرنسيين من أمثال كوندرسيه، لافاييت وميرابو، وذلك بالرغم من خطاباته الكثيرة في المجلس الدستوري، والتي مرَّت مرور الكرام. بالرغم من هذا وذاك، فإن روبسيِّر يولد مع الثورة، ومعها في وقت واحد، وكان أكثر الثوار، طوال حياته وحتى غاية مماته، تمسكا بتجسيده للثورة.
إن حياته أو وجوده يختلط، من المهد إلى اللحد، بمسار الثورة، ليختلف، على هذا النحو، جوهريا عن حياة عظماء الكتاب من معاصريه الذين غابوا في ما كانت الثورة مستمرة على مسارها، من أمثال ميرابو، كوندرسه، دانتون، سان جوست، وغيرهم. هذا المسار الممتد ما بين تاريخ إلقائه لأول خطاب له مع قيام الثورة في العام 1789، إلى تاريخ آخر خطاب له في 26 تموز/يوليو 1794 (الثامن من ترميدور) قبل إعدامه. إن خطابه الأخير يسجل لنهاية الثورة وانكفائها إلى الوراء. إليكم، هنا، هذه الخبَّازة صاحبة المخبز السيدة بوميِّه تردِّد على أسماع زبائنها المرتعدين خوفا مما تقوله لهم: "إن الثورة المضادة منذ اغتيال روبسبيِّر قد بدأت". نعم، الثورة من حيث جذريتها أو تطرفها. هذه الثورة التي كرَّس، عن وعيٍّ وإرادة، روبسبيِّر حياته من أجلها.
إن المنعطف الوحيد للعدل يَعْرِف ساعته الأخيرة،
وإن المنعطف الوحيد الذي من أجله سأتمزَّق
هو أن أرى في ما أموت أن الرغبة الشاحبة والكئيبة
التي تقطر من جبيني الخزيَ والعارَ
تعبِّرُ عن موتي من أجل الشعب وأنا مبغوضٌ منه.  
هذا هو ما كان يردِّده على الدوام، في ما كان يخالجه شعورٌ ما بتعذيب الذات (المازوشيَّة)، حتى غاية الخطاب الأخير له والموجَّه لليعقوبيين، حيث يقول لهم "إنكم لن ترونني بعد اليوم مطولا". أو في متن خطابه الأخير أمام النواب، والذي يردِّد فيه قوله: "مَن هو الذي يستطيع أن يَقبَل من بين أصدقاء الشعب أن ينجو بنفسه من الموت...". هذا، إلى حدِّ أن حياته شبيهة بالانتحار السياسي عن سابق حرية واختيار. الحقيقة، فوق كل ذلك، أن مسلكه الثوري يؤكِّد على نزاهته – هذه الصفة التي كانت تفرض نفسها اعتبارا من شهر أيلول/سبتمبر 1791 – وأن شعبيته لامثيل لها، أو كما يشير ماسَّان، فإن محبة الشعب الفرنسي له لا مثيل لها، ولم يحظَ بها أي قائد سياسي، وأية حكومة، معاصرة له". كان روبسبيِّر، على حد قول المؤرِّخ المعاصر سوبول، يحظى، منذ قرنين اثنين، من بين رجال السياسية في فرنسا، بشعبية لا يضاهيه بها أيا غيره. يَشهد على ذلك انتخابه مرارا، منذ بدء الثورة، رئيسا للمجلس الدستوري (لاكونفاسيُّون). بل وإنه انتخب في المرة الأخيرة (6 حزيران/يونيو 1794) بالإجماع. هذا مع العلم أنه كان يتجول في أحلك الأوقات سيرا على قدميه بلا حراسة.
لقد بات مسلَّما به أن ظاهرة الثورة، أو فكر الثورة الفرنسية، قد بَلَغَ من الشمولية أو العالمية ما لم تبلغ إليه أية ظاهرة مماثلة. بل وإن الثورة الفرنسية لم تَعرِف أبدا قبله ثوريا مثله. حتى أن معاصريه من ذوي الشهرة في زمان الثورة الفرنسية 1789 يذهبون إلى تشبيهه بالعظماء الأسطوريين في التاريخ الروماني ما قبل المسيح. روبسبيِّر كان واعيا بهذه الجِدَّة. ففي شهر نيسان/أبريل من العام 1789، وفي متن الإهداء الذي يوجِّهه إلى جان جاك روسيو، ينوِّه بالمجرى الخطير لحياة ثورة خارقة تشق الطريق أمامها. إنه يعلن، بتاريخ 25 كانون الأول/ديسمبر 1793 : "إن نظرية الحكومة الثورية لا يضاهيها من حيث الجدَّة إلا الثورة التي انبثقت منها حكومتها. هذه النظرية لا وجود لها في كتب الكتَّاب السياسيين الذين لم يتنبؤوا بتاتا بالثورة، وهي لا وجود أيضا لها في متن قوانين الطغاة الذين يَلْهَون إلى حد الإفراط بقوتهم، ويُعْنَون قليلا بالبحث عن الشرعية". حداثة الجدَّة أنها خلق-ذاتي ثوري "لأول جمهورية في العالم(1793). حداثة تَمنح لفرنسا، عبر حماسها، سبقا على النوع البشري يبلغ مقداره ألفين سنة إلى الأمام. إنه "العصر الفرنسي"، وجدَّته المطلقة. إنه نقيض مونتسكيو. فإذا كانت الثورة الفرنسية، من حيث أولويتها وأصالتها مقارنةً لها بالثورة الأمريكية، نالت التقدير لها من قِبَل كوندورسي وبورك، إلا أن اقتناع روبسبيِّر بها لا يضاهيه أي اقتناع آخر: "إن الفرنسيين هم أول شعب يشيِّد الديمقراطية الحقيقية، وذلك بإقرارهم التساوي بين الناس، وحيازة حقوق المواطن كاملةً" (4 شاط/فبراير 1794).
من السمات البارزة لروبسبيِّر الذي لم يمارس الكتابة، خطاباته البليغة. ويَذْكر المؤرِّخون أنه كان من بين رجال الثورة معشوقا من الجنس الآخر، وأن النساء كنا يتزاحمن في المنصات عندما كان يلقي خطابا. وغالبا ما كانت توصف بلاغته بأنها مثيرة للعواطف. وعُرِف أيضا بتزهده. فقد خَلَت حياته من العلاقة الجنسية، ومن الحياة العاطفية، وذلك من جراء الثورة التي وهب حياته من أجلها. بيد أن الأهم من هذا وذاك أنه كان رجلا صادق القول. فمن مرافعاته كمحامٍ إلى خطاباته الطويلة في المجلس التأسيسي (لاكونفاسيون): 100 خطاب أمام النواب في العام 1790، وأكثر من ثلاثمئة خطاب    خلال العام 1791، وما بين 250 إلى ثلاثمائة خطاب في مجلس النواب، وما بين 200 إلى 144 خطاب أمام مجلس العامية. تلكم هي أعماله المنشورة ضمن مذكراته اليومية "المدافع عن الدستور"، بالإضافة إلى ملاحظاته المدوَّنة تحت عنوان "مدوَّنات"، وآخر تحت عنوان "كرَّاس". أي إن خطاباته يبلغ عددها نحو الألف خطاب، والتي غالبا ما كانت تُكتَب بعناية، وتُلقى على الأقل مرتين اثنتين في اليوم الواحد، أمام النادي (لوكلوب)، ثم أمام مجلس النواب. هذه الخطابات كانت تُكتب على ورقة تحمل الشعار الرسمي، وتوزَّع من ثم في جميع أنحاء فرنسا. بعض هذه الخطابات كانت عفوية، وتُلقى وِفْقَ الظروف والمناقشات.
 
من خصائص روبسبيِّر هذا الفكر الثوري الذي يعايش سياقه الزماني والمكاني، والمنقول عبر وتيرة من الوثبات الفجائية، والملتصق بأفعاله، تارة يعزِّزها، وتارة يُّعدِّل فيها. هي خطابات للفكر الثوري، تبحث عن تلاحمها, فكر ثوري  يحاول،  في ما هو  يبحث عن تلاحمه، أن يستقيها من مسار الثورة بالرغم من فخ النظرية. فكر ثوري ليس صورة عن فكر مكوَّن في السابق، ولا يتحوَّل ما بعد ذلك إلى شكل جامد.
 
إن هذا الكتاب، يكتب جورج لابيكا في خاتمة مقدِّمته له، مهدىً إلى هذه الخواص الناصعة من حيث وضوحها، للثورة، والتي تُعَرِّف بالفكر السياسي  للفاعل الرئيس فيها.
 
                        ثانيا: مقدِّمة تييري لابيكا للطبعة الجديدة
                               الصادرة عن منشورات لافابريك
1-/ المسألة الدينية مهمة من الدرجة الثالثة:
روبسبيير، برأي جورج لابيكا، لا يختلف عن لينين في ما يتعلق بمقاربة كل منهما (لفلسفة) الدين، وذلك – على حد ما يكتبه لابيكا – في تحليله النقدي ل/"مقدمة ابن خلدون". ذلك أنه يدافع عن فكرة مؤدَّاها أن الإعداد و التهيئة لحدث ثوري، ونشر المشروع الثوري بين الجماهير، يستدعي بالضرورة الامتناع عن نشر الإلحاد الجذري بوصفه مهمة تحتل مكانة المقدِّمة الأولى في البرنامج السياسي. بتعبير آخر، فإن ماركسية لا بيكا لا تختلف عن صيغة لماركس يعود إليها الأول في عمله "ابن خلدون: "إن نقد الدين يُعْتَبَر شرطا لكل نقد"، وامتدادا لرؤى سياسية تتميِّز، كما هو الحال لدى روبسيير"، برفضها للعقلية النخبوية، أو في ظروف مختلفة لدى لينين (1905) الذي يؤكِّد "أن النضال أو الصراع هو الذي يُنير الطريق أمام البروليتارية. هذا النضال الذي تتبناه البروليتارية نفسها ضد ظلامية الرأسمالية. النضال والصراع لدى البروليتارية، وليس الإيديولوجية بما في ذلك الدين. إذ إن الكتب والدعاية لن تُنير البروليتارية ما لم يُضيء الصراع والنضال أمامها الطريق. فالوحدة في هذا النضال الواقعي الثوري من أجل تشييد جنة فوق الأرض تعنينا أكثر من وحدة صف البروليتارية حول رأيها في ما يتعلق بالجنة في السماء. لذا، هنا يكمن السبب الذي يحملنا بالضرورة على الامتناع في برنامجنا عن الدفاع عن إلحادنا. هنا يكمن السبب الذي من أجله نمتنع، ويجب علينا أن لا نُرغم البروليتارية، التي ما تزال تحتفظ ببعض بقايا أحكامها المُسْبَقَة، على الامتناع عن التقارب مع حزبنا. إننا إذ نحتفظ دوما بمفهومنا العلمي عن العالم، فإن من الضروري أن نناضل ضد بعض "المسيحيين" ممن يفتقدون لكل منطق. لكن ما نقوله هنا لا يعني مطلقا أن من الضروري أن نضع المسألة الدينية في الخط الأمامي. فأولوية المهام لا علاقة لها بالمسألة الدينية. إننا ملزمون بالحيلولة دون أن تنقسم القوى المنخرطة في النضال السياسي والاقتصادي بكل ما لهذا النضال من معنى ثوري، لا لشيء سوى باسم رأي يحتل المركز الثالث من حيث أهميته، هذا إن لم يكن خرافيا"(لينين، "الاشتراكية والدين"، كانون الأول/ديسمبر 1905، الأعمال الكاملة باللغة الفرنسية، المجلد العاشر، موسكو، منشورات التقدم، 1967).
 
2-/ حالة الطوارئ أو الثورة بمفهوم روبسبيير:
يسير العالم في عهد العولمة النيوليبرالية نحو تطبيع حالة الطوارئ، إذ إن مثل هذا التطبيع يُعْتَبَر ضروريا لسيطرة الطبقة الرأسمالية الحاكمة في النظام النيوليبرالي، وكأن هذه الطبقة تتمرد دوما وبصورة عنيفة لاسترداد المكاسب التاريخية التي كانت الحركة العمالية ومعارك الشعوب اكتسبتها في الماضي. فالطغيان وهو نفسه عدم المساوة يَتْبَع المنطق الداخلي للمسار الثوري. روبسبيير يرى أن الافتقاد للمساواة يَتْبَع المسار الثوري لسببين اثنين. السبب الأول مؤداه أن كل ثورة تُعلِّقُ القانون. فالثورة من حيث تعريفها تلغي النظام السابق. إنها فترة الاستراحة ما بين حالتين اثنتين لسيطرة النظام البورجوازي الظالم (...). السبب الثاني يعود إلى أن الثورة نِتاج لامتداد الطبيعة. أي إن الثورة تُعيد للطبيعة حقوقها. هذه الحقوق – حسب ما يؤكِّده روبسبير – غير معروفة بصورة كافية، وبصورة مسبقة.
الظلم، أو الافتقاد للمساواة مشكلة ذات علاقة وثيقة بالحق الطبيعي لدى روبسبيير. المسألة لدى لينين مرتبطة بديكتاتورية البروليتارية، من حيث هي تَعَطُّل الدولة وتَلَفِها. إلا أن عدم المساواة لدى الأول كما الثاني لا تنفصل عن مسألة الديمقراطية من حيث أن الديمقراطية غير مقبولة في إطار الدولة البورجوازية (لابيكا جورج، مقدمة "الدفتر الأزرق" للينين، بروكسيل، منشورات كومبليكس، 1976، ص 15).
 
روبسبيير ينتمي إلى سياق ثوري تاريخي يمتد من من سان جوست إلى تيوبالد وولف تاون، مرورا ب/عمروش، مقاتلي ال/كومونه، مقاتلي الحرب الإسبانية، المقاومة، والمدفع النظري الماركسي بجميع ميوله وتياراته بدون تمييز، من هوشي منه، إلى تروتسكي مرورا ب/ لينين، غرامشي، شو إن لاي، تشي غيفارا، و"الجنرال إنجلز، كما كانوا يلقبونه لولعه بالمسائل العسكرية، فإن الفصل لدى هؤلاء ما بين النظرية والممارسة يُعتبر حالة استثنائية وليست قاعدة. الأمر الذي يبعث على الأسف حيال أيِّندي التشيلي لأنه لم يكن قائدا عسكريا.
جورج لابيكا يَدرُج روبسبيير في سياق من الهلع. هذا العلع الذي لا ينفصل عن السياق العام للثورة. أي أنه يرفض الفصل ما بين هذا الهلع حيال روبسبيير، وتلك الديمقراطية، وذلك في السياق العام للثورة الفرنسية. كما يدحض، على هذا النحو، الإيديولوجية البورجوازية السائدة التي تفصل ما بين الثورة والديمقراطية، بحيث ترمي بالثورة إلى تقليد غير زماني للشر الشمولي المجرم، قيد الاستيراد من بلاد الثورات. ففي هذا السياق الإيديولوجي للأحداث التاريخية تصبح القطيعة الجذرية مع نظام الزمان غير ممكنة، على غرار ما يحدث في إذاعة الأنباء ونشر التعليقات، في ما يصبح المسيطِر حاضرا بصورة لا نهاية لها. روبسبيير في هذا السياق، يبدو بأنظار جورج لابيكا المثال الحي للمواجهة مع ماهو جديد مُحْدَثٌ، لا سابق له. مواجهة للمُعِدَّات الفلسفية والعقلية التي تقف حاجزا أمام ما هو جديد مُحْدَث. روبسبيير، بهذا المعنى، يحوز على "الكرامة الفلسفية" كاملة غير منقوصة. يحوز عليها من دهشته من حيث هي مصدر لفلسفة السياق التي تمسك في نفس الوقت، على عجل وبصورة خاطفة، بما يطرأ عليها من تغيير رأسا على عقب. هذه الفلسفة (المعرفة) لا قيمة لها ما لم تتخلى عن ذاتيتها بحقن ابتكار في كل يوم لسياسة الثورة. ف/"الحدث" يظهر من حيث هو نمط يقيم فيه مفهوم الثورة التاريخية من حيث هي ممكن. بيد أن السؤال ما يلبث أن يتساءل إلى أين، وإلى متى، يستطيع أن يمضي روبسبيير، ناهيكم وأن مزيدا من الأسئلة ستصدمه، وهي متعلقة بموقعه في ميزان القوى، وتنظيماتها، وأهدافها الاستراتيجية، فضلا عن مسألة السلطة. هذا علما أن ما تقدَّم قد لا يتسع له المكان في إطار حدث قابلٍ دوما للتبدُّل إلى تطرف غير شرطي، وهو بالتالي يفتقد للموضوع. روبسبيير اليوم، وبعد مرور عقدين اثنين على جفاف المياه الآسنة للحرب الباردة، مؤهَّلٌ للمساهمة في ابتكار فكر محض سياسي في ظروف جدَّةٍ لا تتبدَّل لهدف ألا وهو الديمقراطية من حيث هي وعدٌ مقطوع لم يوفى به حتى غاية اليوم. أو وعد أصبح، ليس غير، موضعا للتنكر له، لأن الديمقراطية أيضا هي في الحقيقة غير قابلة للتبديل لأن العالم حسب ما هو قائم لا يتقبَّلُها.
 
3-/ الديمقراطية والثورة تكوينان سياسيان متلازمان لا انفصال بينها:
إن السياسة لدى ماركس كما لدى روبسبير هي التي تُنجز القطيعة مع الفلسفة، أو هي التي تملي "الخروج" من الفلسفة " Ausgang"، على نحو ما نجدها في عمل لجورج لابيكا تحت عنوان "الموقع الماركسي للفلسفة". "الكرامة الفلسفية" لدى روبسبيير تتأتى له بدورها من قوة الابتكار في خضم الظروف الخارقة التي ترافق الثورة. المسألة الدينية أيضا، سواء ما كان منها يتعلق بنقد ماركس للدين حسب ما هو وارد في نقد فويرباخ لها، أو لدى روبسبيير، حيث تبدو حرية الشعائر، شعائر الكائن الأعلى، "كغيرها من الشعائر، دين يفتقد للدين". إن روبسبيير، من وجهة نظر ماركسية، يساهم في القطيعة مع نموذج الفكر التأريخي الفوتوغرافي السائد (بَراديغما) للثورات البورجوازية، حيث يُعْتَبَر كل ما هو غير قابل للفساد مجرد أداة لدى البورجوازية الصغيرة. هذه القضية تشغل حيِّز القلب في المجادلات الداخلية للتقليد الماركسي بين التاريخيين من أمثال E.p. Thompson  ومحاوره بيري أندرسون، أو بين الفلاسفة من أمثال إرنست بلوخ وماكس هوركهايمر. جورج لابيكا من جهته لا يعود ب/روبسبيير إلى الأنظمة الطبقية، والحتمية، فحسب، حيث تُحْصَر كلها في زمانية واحدة، تاريخية وضرورية. ففي المنظور الكنسي للثورة البورجوازية يضيع كل ما هو جديد، ومعه زمانية كل منها، ومعها أيضا فكر الأزمنة الماركسي، كالمرحلة، والفترة والسياق، حيث تتعدَّد الإيقاعات الزمانية للزمان الكلي.
جورج لابيكا لا يفصل ما بين الهلع حيال الثورة وروبسبيير وبين الحالة الكلية للثورة. ذلك أن المطلوب لدى التحليل النقدي لروبسبييرهو إدراك معنى الوضع الثوري في ما هو قيد الإنجاز، حيث تُعَلَّق حقوق النظام القديم، ليحلَّ محلَّها سياسة المقولات السياسية للحق الطبيعي. هنا، لا ينفصل الهلع عن المسار الكلي للثورة، على غرار ما يسود لدى كتَّاب التأريخ الفوتوغرافي حيال الثورة الفرنسية. فأنصار توكفيل المعتدلين، على سبيل المثال، بالرغم من اعتدالهم، يفصلون ما بين الهلع والثورة، بحيث يرمون بالثورة إلى التقليد غير الزماني للشر المطلق والإجرامي.
روبسبيير، بقلم جورج لابيكا، يدافع عن حق غير مكتوب سلفا. إن روبسبيير يطالب بحق البدء من جديد. روبسبيير يشكِّل حيِّزٌاً ولحظة زمانية تتقاطع فيها مسارات نظرية، ونضالية، وشخصية. إنه يطالب بحق الابتكار من جديد من حيث هو مطلب مُلْزِمٌ وضروري، شأنه شأن إعلان الحِداد حيال ما هو موجود، فلا يغادر ما بعد هذه المطالبة المسارَ الثوري، ولا يذهب أيضا ضحية إلى ما لا نهاية لمسارات الثورة. إن روبسبيير يملي على جورج لابيكا أن يكتشف الجريمة المَرَضِيَّة التي ترافق كل ثورة، وكل مشروع لتحرِّر جديد، بما تُحْدِثه الثورة من  قطيعة للحدث مع الزمان التاريخي، بحيث لا يخون هذا التحرر الجديد علاقة طوباوية ذات صلة وثيقة بالحالات الواقعية الموجودة. إذ إن النضال السياسي والإمكانيات المتاحة مع الثورة إنما ترافقه طوباوية مُحَمَّلَة بعنف مَرَضي شمولي ومدمِّر. فالاكتفاء بتأريخ فوتوغرافي للثورة من حيث هي أحداث مُحَمَّلَة بالمستقبل والإمكانيات يودِع، بخلاف التحليل النقدي التاريخي، مختلف التجارب والظروف التاريخية للثورة في حفرة جماعية تتسع للماضي، ويُحال إليها الشرِّرين، من أمثال خواكيم دو فلور، توماس منتذِر، روبسبيير ولينين، باعتبارهم ممثلي الطغيان الفاشي. هذا يعني أننا أمام صيغة للديمقراطية السائدة "يعاد النظر فيها"، بحيث تكون إرثا وطنيا ثقافيا أثنيا، موكل إلى وزارة الداخلية، ووزارة السياحة، ولم لا، وزارة الدفاع عندما تكون الديمقراطية معدَّة للتصدير. صيغة للديمقراطية السائدة أُعيد النظر فيها بحيث تلغي كل مشروع للابتكار ولامتدادٍ جديد للحقوق الحديثة.
هذه المقاربة الـتأريخية الفوتوغرافية للثورة الفرنسية أو للشيوعية تشكِّل في متن الإيديولوجية السائدة إرثا ما يزال يفعل فعله في المسار الثقافي لعامة الناس، لاسيما بمناسبة الاحتفال في فرنسا بمرور مائتي سنة على الثورة الفرنسية1978 . إن هذه المقاربة ليست سوى صيغة محلِيَّة وثانوية إلى حدِّ كبير للاستراتيجية الإيديولوجية الشاملة من حيث هي تقليد محافِظ قديم شأته شأن الثورة الفرنسية. فالمؤَرِّخون الفوتوغرافيُّون الذين يمارسون دورا مركزيا في الحملات المعادية للشيوعية يتَّخذون من عصر الأنوار الفرنسي أداة لهم. ف/جان جاك روسو يحتل في هذه الحملات مكان الصدارة من حيث هو "وحش مخيف وألذ أعداء الحرية في الفكر المعاصر". إنه، على حد تعبيرهم، "الأب الروحي لروبسبيير، وهتلر، والشيوعيين. حتى أن بعض هؤلاء المؤرِّخين الفوتوغرافيين  يروِّجون لفكرة مؤداها أن مشروع الثورة الفرنسية وفلسفة عصر الأنوار الفرنسي تأقلمت، من حيث معاداة هذه الثورة للديمقراطية، مع الظروف الفرنسية عبر روبسبيير. هونتينغتون، صاحب كتاب "صِدام الحضارات" يعتقد أن "أزمة الديمقراطية" ما هي سوى تصحيح ل/"الديمقراطية المتطرفة" التي تأتي بعدما سُيِّسَت الجماهير في الستينات من القرن العشرين. الأمر الذي يقود بالإيديولوجيين من أتباع التأريخ الفوتوغرافي إلى الاستماع، عبر ضجيج الصِدام ما بين توكفيل وروبسبيير، إلى المناورات الاستراتيجية التي تخلو، على حد قولهم، من أية مؤامرة، من حيث هي نقد للنظام السائد وقد فُرِّغ من أية استراتيجية دولية للطبقات.
إن أعمال لابيكا، بوجه الإجمال، تدحض كل المحاولات التي تجتاز الساحة الفلسفية والتأريخية الفوتوغرافية التي تسعى إلى الفصل ما بين الديمقراطية والثورة، وذلك منذ نحو العشرين سنة الأخيرة من تاريخ فرنسا. أأ
 






أضواء على تاريخ ومكانة الحركة العمالية واليسارية في العراق،حوار مع الكاتب اليساري د.عبد جاسم الساعدي
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العنف الثوري أو الحقد الطبقي فَرْضٌ وحَقٌ - جورج لابيكا
- القطيعة الماركسية مع الفلسفة - جورج لابيكا، الوضع الماركسي ل ...
- الديمقراطية والثورة
- الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية - مقدمة جورج لابيكا لكتاب ...
- الماركسية اللينينية (أدلة من أجل النقد) - من أعمال جورج لابي ...
- الماركسية اللينينية (أدلَّة من أجل النقد) 2 - من أعمال جورج ...
- الماركسية اللينينية (أدلَّة من أجل النقد)‏
- -الماركسية- متن معجم الماركسية النقدي - من أعمال جورج لابيكا ...
- الماركسية متن الأنسكيلوبيديا الفلسفية الشاملة - من أعمال جور ...
- من أعمال جورج لابيكا - مدخل الماركسية في الإنسيكلوبيديا أُون ...
- في اللاعنف، الإرهاب، المقاومة والعنف الثوري - حوار مع جورج ل ...
- الأزمة في الماركسية وظيفة وأداة - حوار مع جورج لابيكا
- في تاريخ الماركسية - حوار مع جورج لابيكا
- الماركسية الثورية ليست هي نفسها الماركسية الأكاديمية - الفصل ...
- الماركسية هي الرد الوحيد لتغيير عالمنا اليوم - حوار مع جورج ...
- جورج لابيكا: نقد البراكسيس
- جورج لابيكأ، شخصيته السياسية والنظرية - مقدمة ثانية
- الفصل الأول - مقدمة رابعة جورج لابيكا: تغيير العالم بلا معلّ ...
- مقدِّمة :في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم - حوار مع جور ...
- لا واشنطن ولا موسكو، لا الرياض ولا طهران، حرب التحرير الشعبي ...


المزيد.....




- اكتشاف مرعب يؤدي إلى غلق جسر في تينيسي.. وحظر مرور السيارات ...
- نتنياهو يزور القبة الحديدية: الأمر سيطول.. هاجمنا نحو ألف هد ...
- نتنياهو يزور القبة الحديدية: الأمر سيطول.. هاجمنا نحو ألف هد ...
- روسيا تحتفل بعيد الفطر
- إصابات إثر إطلاق صاروخ من غزة على منزل في سديروت
- الجناح العسكري لـ-الجهاد الإسلامي- يعلن قصفه منصة لـ-القبة ا ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف 4 غرف عمليات لـ-حماس- في غزة
- روسيا تكشف عن قطار مسيّر يعمل بالوسادة المغناطيسية
- فيديو: مسلمو العالم من القاهرة إلى بكين يؤدون صلاة عيد الفطر ...
- التصعيد الإسرائيلي الفلسطيني: كيف يعيش فلسطينيو الداخل في ظل ...


المزيد.....

- التحليل الماركسي للعرق وتقاطعه مع الطبقة / زهير الصباغ
- البحث عن موسى في ظل فرويد / عيسى بن ضيف الله حداد
- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسان خالد شاتيلا - ممارسة السياسة من حيث هي مصدر المعرفة - جورج لابيكا - الملحق الحادي عشر