أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسان خالد شاتيلا - الماركسية اللينينية (أدلة من أجل النقد) - من أعمال جورج لابيكا















المزيد.....



الماركسية اللينينية (أدلة من أجل النقد) - من أعمال جورج لابيكا


حسان خالد شاتيلا

الحوار المتمدن-العدد: 5175 - 2016 / 5 / 27 - 23:52
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


 
‏                             من أعمال جورج لابيكا                     ‏
‏                           في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم                                           ‏
                       الملحق السادس / القسم الثالث                          ‏
‏                     الماركسية اللينينية (أدلة من أجل النقد)                                          ‏
‏                              حسان خالد شاتيلا                                    ‏
 
‏                                                            أحد عشر: ستالين والماركسية ‏
 
إلى ذلك، فإن الوقت قد حان، بعدما نتخطَّى كل ما تقدم عن الماركسية اللينينية في قالبها الستاليني، ‏كي نُقْدِم على مقاربة للماركسية اللينينية، من حيث هي جسم أو هيئة ذات تاريخ يزيد عن نصف قرن، ‏مقاربة لها بغيرها من مقاربات ماركسية. من هذه المقاربات الثورة النظرية لدى ماركس، ونقيضها ‏الفلسفي من حيث هو خطاب الشمولية. هذا مع العلم أن الفلسفة الماركسية، من حيث هي محض فلسفة من النمط الستاليني، لا يُعثر عليها في المادية التاريخية. ‏
ثمة ثلاثة اتجاهات ناضلت واكتسبت مسمَّىً لها، وهي: فلسفة ردود الفعل، يناء الماركسية، ثم ‏ماركسية الأنفاق.‏
 
‏1/- ماركسية ردود الفعل:‏
هذه التسمية تضم كل الأعمال الفلسفية التي يَجمع بينها قاسم مشترك أعظم وهو انقيادها لأسس ‏ماركسية. إنها أقرب ما تكون إلى ردود فعل مصدره خارجي، بقالبٍ من الأطروحات الماركسية،  أقرب منها ‏إلى التطورات أو البناء الذي يَضَع نفسه تحت تسمية "الفلسفة الماركسية". هنا يكمن مصدر الخلط ‏دوما بين أدلَّة دفاعية عن الماركسية وتوضيح لها، وبين ما يزعم لنفسه أنه فلسفة ماركسية تجد في ‏هذه الأدلة تعبيرا لها. هذا مع العلم أن الأفعال عندما تَصْدُر عن ردود فعل، سواء كانت هجوما مضادا ‏أم توضيحا للماركسية، فإنها لا تشبه بتاتا أعمال البناء. هذا يعني أن الفلسفة الماركسية سواء كانت ‏بناء أم استعراضا ليس لها معنى أكثر مما للماركسية اللينينية  بمعناها الستاليني والتي وُجِدَت ما قبل هذه الأدلة ‏والتوضيحات والبناء. ذلك أن الظروف التاريخية ومساراتها التاريخية الملموسة، تُعْتبَر، في هذا ‏المجال، بمثابة القانون، وهي حائزة على قوة القانون.‏
ما يُستخلص من أعمال ماركس يقرُّ أن ماركس، بعدما سوَّى حساباته مع وعيه الفلسفي، وذلك كما ‏يظهر من أعماله ما بين 1845 و1846، "الإيديولوجية الألمانية" و"أطروحات فويرباخ"، فإن ‏ماركس لا يعود مجددا إلى الفلسفة، وإنما ينصب انشغاله كله على نقد الاقتصاد السياسي، أو، وبتعبير ‏آخر، على علم التاريخ، أو المادية التاريخية.‏
ماركس يعزف عن كتابة المطوَّل في الجدلية التي كان وَعَدَ بها. أضف إلى ذلك أن أعماله تخلو ‏بصورة كاملة من أية إشارة، ليس فقط في ما يتعلق بالجدل، وإنما في يتعلق أيضا ب/"المادية ‏الجدلية". هذا، مع العلم أن مصطلحي "المادية التاريخية"، و"المادية الجدلية" غريبة كل الغرابة ‏عن أعماله. فماركس لا يزعم أنه يعتزم بناء فلسفة جديدة، أو فلسفة ثورية، بما يقود إلى تغيير العالم ‏فوق أنقاض الفلسفة التي كانت تكتفي بتفسير العالم. فلقد ترك ماركس لتابعيه في المستقبل مهمة ‏الخوض في المغامرة التي ابتدأت مع انطلاقة الأطروحة الحادية عشرة لفويرباخ. بل، وإن ماركس لم ‏يزعم أبدا أنه ينتمي إلى فلسفة ما أيا كانت هذه الفلسفة، سواء كانت فلسفة ثورية ل/"تغيير العالم"، ‏أو كانت فلسفة جديدة. ‏
إن العلاقة التي تربط أو لا تربط ماركس بالفلسفة الهيجلية ما بعد 1846، أي ما بعد "البيان ‏الشيوعي" و "رأس المال"، تطرح مسألة واقعية. مسألة تبحث في طبيعة المادية. تبحث أيضا عما إذا ‏كان ثمة فلسفة ماركسية ما، أو حتى مقولات فلسفية، في متن أعماله في مجال نقد الاقتصاد ‏السياسي. هذا السؤال يراد منه استنتاج مذهب ماركسي في أعماله، أو فلسفة ماركسية. فإذا كان ‏الجواب ينفي وجود أي فلسفة ماركسية في أعماله، فإن مثل هذا الجواب يستدرج سؤالا آخر لمعرفة ‏ما الذي يحوُل دون وجود فلسفة ماركسية، ما دامت أعماله تتضمن ثورة نظرية في ما يتعلق ‏بالشمولية. هذه الشمولية التي تندرج بالضرورة في سياق الفلسفة طالما هي شمولية. ‏
ثم تأتي المواقف الفلسفية ل/أنجلز أثناء حياة ماركس و ما بعد وفاته.  الواقع إن المواقف الفلسفية ‏ل/أنجلز ليست واحدة، وإنما هي تنقسم إلى أقسام، وإن كان "رد الفعل" يَجٍمَع ما بينها من حيث هي ‏تفنيد لمقاربات غير مادية للتاريخ وجدليته. من هذه المقاربات "أنتي دوهرينغ"، حيث يفنِّد أنجلز ‏مساعي هذا الأخير الرامية إلى ابتداع نظام فلسفي لسد الفراغ المتأتي عن افتقاد الاشتراكية إلى ‏فلسفة، وذلك باقتراح مجموعة متماسكة من الأطروحات تفتقد لدى فلسفة دوهرينغ وبصورة ‏جوهرية، للجدل. الجدل، على حد قول إنجلز في رده على دوهرينغ، المتأتي إلينا مباشرة من "علم ‏المنطق" لدى هيجل. إن تماسك النظام الفلسفي لدى دوهرينغ، حتى وإن كان يظهر بمظهر واقعي، ‏طالما يعالج مختلف مجالات الطبيعة، والأخلاق وتاريخ الفلسفة، فإنه رائج بسعر زهيد، لاسيما وأن ‏صاحبه دوهرينغ يزعم أنه فيلسوف مادي، ويُعطي، في القسم الفلسفي من مؤلَّفِه، لمفهوم الصراع ‏الطبقي حيِّزا مركزيا. هذا مع العلم أن تفنيد أنجلز لدوهرينغ عبارة عن مدونات وهوامش غير منتهية، ‏جُمِعت في كتاب واحد – دون علم إنجلز - بعنوان "دياليكتيك الطبيعة". أيا كان الأمر، فإن أعمال ‏ماركس وإنجلز تبيِّن أن الماركسية في تلك الفترة توخَّت الرد على التيارات العلمية التي كانت حينذاك ‏سائدة. لاسيما وأن المادية والجدل والفلسفة كانت تقع تحت التأثير الإيديولوجي الذي كان يُرَوَّج له في ‏حينه تحت تأثير الأخصائيين في علوم الفيزياء، والكيمياء، وعلم الطبيعة (البيولوجيا). إنجلز بصورة ‏خاصة، ووجهات نظره، في نهاية القرن التاسع عشر، تأتي في سياق علم الكونيات (كوزمولوجيا) ‏الذي كان سائدا في حينه. بل، وإنها تقع أسيرة لها، وبمناهجها. تلك المناهج التي تفتقد اليوم إلى ‏المعيار العلمي. إن أنجلز في مؤلفه "لودفيغ فويرباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية"، والذي ‏يُسَجِّل آخر مداخلة فلسفية له، تَستعيد المخطوط القديم ل/الإيديولوجية الألمانية"، وتَنبُشُ من القبر ‏‏"الأطروحات الإحدى عشرة" لفويرباخ، والتي كانت تُنشر تباعا كالمسلسل في صحيفة الحزب ‏الاشتراكي الديمقراطي الألماني. إن الشغل الشاغل لماركس و أنجلز في البيئة العلمية من تلك الفترة ‏كان يتوخى نقل المسار النظري للماركسية إلى الطبقة العاملة الناشئة. هذا، ومن الملاحظ، أن رسائل ‏أنجلز العجوز، والمنشورة في متن "ماركس/ أنجلز دراسات فلسفية" تتسم بالتلقائية والمقاربة وغير ‏هذه وتلك من التناقضات، وما هي سوى "أجوبة" و"توضيحات، جاءت على حد قول ماركس ‏الشاب، في زحمة العمل. ‏
في خضم هذا الازدحام في المجالين العلمي والفلسفي، ينبثق سؤال يسأل عن الموقع الفلسفي ‏للماركسية. وما إذا كان أنجلز يريد إدراج الصراع الطبقي ضمن النظرية. إن نسبة هذه الأعمال إلى ‏‏"علم التاريخ" تحوَّل بدوره إلى عقيدة فلسفية غير موجودة أصلا. ولماذا يسمَّى الصراع الطبقي ‏بالفلسفة الماركسية وهو الذي يتمخض عن "علم التاريخ"، ولا علاقة له البتة بأية فلسفة، وبوجه ‏خاص فلسفة ماركسية لا وجود لها من حيث الأصل. ‏
لقد تأسَّس عبر الزمان مبدأ في ما يتعلق ب/أنجلز ما ينفك يتردَّد كلما تكوَّنت لدى أنجلز أجوبة للرد ‏على هجوم ما، أو "انحراف" ما"، ناهيكم والشتائم. أنجلز هو دوما الذي يسدِّد الثمن من جيبه، ‏وهو الذي بأجوبته يغني الماركسية. وكانت علاقة أعمال ماركس بالفلسفة في مطلع عهدها، لم ترغم ‏أعمال ماركس و أنجلز على اتباع الفلسفة. ففي ما كانت الفلسفة الماركسية تشيِّد أحجارها الأولى، ‏عبر أعمال بليخانوف، إبان تراسله مع أنجلز حينما كان يسأله عن أسس النظرية الفلسفية في أعماله ‏وأعمال ماركس.  بليخانوف هو أول مهندس معماري للفلسفة الماركسية. كاوتسكي، وهو الذي كان ‏رئيس تحرير نيوزايت (الزمن المعاصر) عندما نُشر كتاب أنجلز "أطروحات فويرباخ" عبر صفحاتها، ‏يقول: إن الماركسيين مرتبطون بالنظرية الاقتصادية، لكنهم أحرار في يتعلق بالفلسفة. لابريولا في ‏مراسلاته مع أنجلز يتساءل ما إذا كنا أمام فسلفة، في إشارة الى الماركسية. كروتشي، وهو الذي ‏يستلهم ماركس يتساءل ما إذا كانت الفلسفة   ما تزال على قيد الحياة لدى هيجل، أم أنها ‏توفِّيت...شميث، مراسل أنجلز، يتساءل ما إذا كان ماركس اتبع مذهب عمانويل كنط. لينين كان انتقد ‏بليخانوف عندما وصف فلسفة هذا الأخير بأنها تقع تحت إغراء "الأحادية"، وإن كان هو الذي يؤرِّخ ‏للمادية، ويروِّج لعبارة "المادية الجدلية" بعدما يأخذها عن ديتسجين. "المادية الجدلية" تروج في ‏الماركسية على يد بليخانوف، المروِّج لها. ‏
لينين لا يُستثنى من هذا السياق. فمن أول أعماله الفلسفية "من هم أعداء الشعب" وكيف يناضلون ‏ضد الاشتراكية الديمقراطية، وإلى غاية "المادية والتجريبية النقدية" يرد على الشعبويين ، او  ‏‏"الماركسيين الشرعيين" الذين يُزوِّرون ما يحمله "رأس المال" من معنى على المدى البعيد. هنا ‏لينين يخالف رفاقه في النضال، بغدانوف، لوناتشارسكي، غوركي، وغيرهم، الذين يعيدون النظر، ‏بعدما فازت الثورة المضادة، بالمبادئ، بل وإنهم يحلمون بالله باني الكون، ويغريهم بعض علماء ‏الفيزياء ممن يقولون إن المادة دخلت في مرحلة الغيبوبة". مقابل ذلك، فإن لينين لا يوفِّر جهدا في ‏أبحاثه حول "الينابيع الثلاثة البانية للماركسية" والعلاقة ما بين المادية التاريخية والمادية الجدلية. ‏لينين ينتهي في هذه الأبحاث إلى نتيجة مؤداها أن ماركس و أنجلز لم يطوِّروا بصورة كافية "الجانب ‏المادي"، ويؤكد أن أعمال ماركس مصبوبة "في كتلة واحدة من الصلب". عناد لينين ليس موضع ‏شك. فدفاتره الشخصية ملأ بالملاحظات والأفكار حول كتابات ماركس، وفويرياخ، وهيراقليط، والإنتاج ‏الفلسفي المعاصر. لينين لم ير عشية الثورة مانعا من العودة إلى هيجل...‏
‏.النتيجة المُستَخلَصة مما تقدم تقود جورج لابيكا إلى استخلاص الملاحظات التالية: ‏
الماركسية لم تكف عن البحث لنفسها عن مكان تأوي إليه. أنجلز يخلِّف وراءه إرثا من الأوهام. وهْمُ ‏الفلسفة الماركسية ذات البنى المتماسكة. بل وإن تعلُّقه بالعمل المُنَظَّم والمنهجي يقوده مباشرة إلى ‏ذلك. لينين كان قبل كل شيء آخر قراءأنجلز. ستالين يسير في نفس المنحى. ذلك أن البحث عما ‏هي الأسباب التي تقودهم إلى مثل هذه النتيجة تعود إلى أن الوصول إلى ماركس يمر عبر هذا الدليل ‏المُخَوَّل، أي أنجلز. شرط أن لا ننسى أيضا الصمت العميق لماركس الذي لم يعط "اسما" للثورة ‏التاريخية التي نشأت بأعماله. ماركس لم يجد أو لم يبحث عن "اسم" لأعماله. "نقد الاقتصاد ‏السياسي"، بالرغم من أنه طاغٍ في أعماله، فإن أعماله لم تبح إلا بصورة افتراضية عن منشئها ‏العلمي، أم الفلسفي؟ إلا أن التسميات التي تابعت أعماله كثيرة: المادية الجدلية، المادية التاريخية، علم ‏التاريخ، فلسفة البراكسيس، فلسفة البروليتارية، الفلسفة الجديدة، الفلسفة الثورية، ممارسة جديدة ‏للفلسفة.‏‎ ‎‏ ثم تأتي، أخيرا وليس أخرا، الستالينية.‏
هذا الرواج ل/"المادية الجدلية" لا يعدم من مبرِّرات تفسِّر رواجه. بيد أنه لا يخلو، بالمقابل، من ‏خفايا. فالتمسك السائد بهذا التعبير يكشف، كلما عاد إليه الماركسيون، عن اعتزامهم ابتكار "بداية ‏جديدة للمادية الجدلية". فكأن هذا التعبير ما كان لهم أن يتيهوا، وهم على حق، عنه. لأن "المادية ‏الجدلية" تملأ الفراغ الذي ينشأ عن غياب الأسس "الأصيلة" للبناء الماركسي، لاسيما وأن الحاجة ‏إلى هذا الاسم الأصيل، يتجدد كلما كان الماركسيون يحتاجون بالرغم عنهم إلى مصطلح يلزمهم ‏بالعودة إليه كلما واجهوا مسألة السياق التاريخي، لاسيما وأن الفلسفة – كما هو معلوم - تتعالى عن ‏كل ما هو تجريبي، وذلك على غرار المداخلات الفلسفية التي كان أنجلز بدأ بها. هذا الإعمال لم يتوقف ‏مع لينين، كما لم تتوقف المناقشات الفلسفية الماركسية، أو المناقشات الماركسية ضمن الفلسفة. بل، ‏وإنها استمرت أيضا ما بعد ستالين. منها، ما يأتي به ألتوسير من جهود لصقل الماركسية من أجل ‏إزاحة الصدأ عما لحق بها من جراء المذاهب الاقتصادية، والإرادية، والإنسانية، والتاريخانية، ‏والانكفاء  الهيجلي، أو مثالية العلم. ومنها أيضا ما هو أحط مقاما من سابقاتها، ألا وهو انتشار العودة ‏إلى مرجعية النص. ‏
إلا أن هذه الحالة تأخذ مع ستالين منحى راديكاليا يعلن عن إنجاز الفلسفة الماركسية على نحو التمام ‏والكمال, فلقد التقت الفلسفة الماركسية ب/"عقل الدولة"، وذابت في قربان "المادية الجدلية" و"المادية التاريخية"، ‏وانتهت، بصورة لا عودة عنها ، إلى مصادرة الماركسية واللينينية معا. فلقد أصبحت هي الأساس ‏لمبادئ النظام النظري السياسي. حتى أن الحديث عن "صيغة ستالينية للماركسية" أضحى ممتنعا، ‏ناهيكم و"الانحراف" الستاليني. وأصبح من الضروري الاكتفاء بالإشارة إليها من حيث هي البناء، ‏ومن حيث انتظار ما ستأتي به. ‏
‏2/- بناء الماركسية:‏
لكن حيِّز العودة مرارا وتكرارا إلى "المادية الجدلية"، على غرار العودة الفلسفية، لا مكان له خارج ‏التاريخ، طالما كانت كل عودة منها، بالرغم من أن القطيعة مع سابقتها ظاهري ليس غير، تروِّج ‏لفلسفة جديدة ونقيضة بصورة أكثر راديكالية من سابقتها. إن ملاحقة الفلسفة حتى الوصول إلى ‏التساوي بين تناقضاتها، لا يخلو من اكتشافات جديدة. هذه الملاحقة تكشف عن العلاقة ما بين ‏الماركسية ومصيرها. مصير لم يُنجز بصورة نهائية وكاملة. فلقد سيطر هذا النقص، ما بعد وفاة ‏ماركس، لدى كل المنظِّرين وقادة الحركة العمالية. "رأس المال" نفسه ليس كاملا، بالرغم من أن ‏أنجلز أمضى عشر سنوات لاستكمال الجزئيين الثاني والثالث، منه. "رأس المال" غير المكتمل ‏بصورة نهائية، هو الشغل الشاغل لدى كاوتسكي مؤلِّف "نظرية فائض القيمة"، و"المسألة ‏الزراعية". لدى برنشتاين و "إشكالية "لانحرافيِّين الرجعية"، لدى روزا لوكسمبورغ (نظرية ‏التراكم)، ولدى لينين (تطور الرأسمالية في روسيا)، و (الإمبريالية). إن إشكالية العلاقة ما بين البنية ‏التحتية والبنية العليا هي ضريح الآلام الذي يَجْمَع ما بين هؤلاء. الدليل على ذلك ما كان يعيره هؤلاء ‏من اهتمام، بالرغم من رواج "الإيديولوجية الألمانية" ومدخل "غرونريسيه" بمقدمة "المساهمة في ‏نقد الاقتصاد السياسي". بل، وإن الميدان السياسي لم ينج من هذا الإهمال، بالرغم من أن أحداث ‏الساعة الساخنة، كالحزب، والتحالفات، والانتقال، والاستيلاء على السلطة، كانت تشغل حيِّزا هاما من ‏الملاحظات التي كان أنجلز يدوِّنها على هامش برنامجي غوتا وإرفوت، وذلك بالإضافة إلى "المسألة ‏الفلاحية" و"مشكلة السكن". غير أن هذه وتلك من مسائل لم تحظ من هؤلاء بمثل هذا الاهتمام. ‏فلقد استأثرت الفلسفة باهتمامهم. مما ضاعف بصورة شديدة من الثغرة الواسعة التي تنجم عن هذا ‏النقص. ذلك، فضلا عن أن أنجلز خاض بصورة معمقة في مسائل كالعلوم، والطبيعة، ‏والأنثروبولوجيا، والدولة، ناهيكم ومهمة إدارة الحركة العمالية الأممية. أي إن خطة لا مثيل لها في ‏الماضي كانت مهمة تحتاج إلى التنفيذ، منها الماركسية، بما في ذلك لغتها الألمانية. ‏
ويرسم جورج لابيكا الصورة التالية للآلية التي كانت سائدة في السنوات الثلاثين، ونذكر منها:‏
‏-/ إن قوانين الجدل التي يعود مصدرها إلى أنجلز، تأخذ معنىً مؤداه أن هذه القوانين تستطيع أن تُلِمَّ ‏بكافة الظواهر، تفسِّرها وتترجم عنها. فتأخذ مكان "مفهوم العالم" الكلي الشمولي، على غرار ‏المنطق الصوري. إلى قوانين الجدل تعود الاكتشافات العلمية ذات الصلة بشموليتها، بالرغم من أن ‏كثرة من هذه الاكتشافات تغيب عنها، وهي ماثلة أمامها لا تراها. وتترك للسياسة مهمة التلاعب بها ‏كما يحلو لها.  ‏
‏-/ نظرية العوامل الحتمية التي تؤدِّي إلى تسطيح "البنى العليا" من جراء رجوعها إلى "العامل ‏المحدِّد للحتمية"، أو العودة إلى فكر ماركس الذي يغير حيزه الفلسفي، ليصبح الفلسفة الغربية. ‏ويعود الفشل في ذلك إلى بليخانوف. ‏
‏-/ بقاء نظرية الدولة على قيد الحياة.‏
‏-/ التنظيم الحزبي، ونظام الطاعة، ومراتبه، موروثة بلا منازع عن الاشتراكية الديمقراطية الألمانية ‏التي ورثتها بدورها عن كاوتسكي. ‏
‏-/ نظرية "العلمين الاثنين"، البورجوازي والبرولتاري، التي انتقلت إلى بغدانوف، قبل أن تنتشر ‏العودة إليها مع جدانوف. وهي بدورها منقولة عن كاوتسكي. ‏
‏-/ إلى كاوتسكي وغيره تعود إلى حيز التنفيذ "التعاليم العقائدية" (أو العقائدية)/ النظرية من حيث ‏هي ضرورية لصقل الوعي العمَّالي. ‏
‏-/  امتداد الجدل إلى المعرفة الإنسانية، وليس وحده التاريخ.
‏-/ مفهوم "الوحدة العقائدية" للماركسية، التي كان لينين يدافع عنها، تتحول إلى قربان تُغلق به ‏المسائل النظرية. ‏
إن التناقضات التي جاء الحديث عنها أعلاه تتمخض عن السؤال التالي: لماذا كان التناقض، والمنطق ‏الداخلي يلزم بإنجازه، أكثر مما هو يُلْزِم بتطوره أو بالبحث المستمر، هذا مع العلم أن التطور ‏والاستمرار ينسجم مع البداية "العلمية". هنا، لا بد من ملاحظة صعوبتين اثنتين، وبالأحرى إلزام ‏مزدوج. الإلزام الأول متأتٍ من صراع الطبقات، من حيث هو يُجْمِل النظرية، قبل أن يتعرَّف عليها. ألا ‏تجعل من النظام والانضباط والعسكرة ممرا للطبقة العاملة لا بد لها من اجتيازه؟ الإلزام الثاني متأت ‏من المشكلة التي يكثر الحديث عنها، ألا وهي افتقاد نظرية ماركس إلى اسم. هذا الإلزام يُرغِم على ‏انقسام ثقافة العمل التقليدية، بالرغم من أن ماركس يعود بصورة صريحة مرارا وتكرارا إلى اِلإشارة ‏إليها في "نقد الاقتصاد السياسي". فالبحث عن تسمية ما أن ينتهي حتى يعود من جديد، تارة ما ‏تكون التسمية فلسفية، وتارة سوسيولوجية، اقتصادية، جمالية، أخلاقية أو مبحث في القانون. كلها ‏تصف نفسها بأنها "ماركسية". إن فخ الشمولية ترتسم معالمه عبر إغراءات التوحيد بين كل هذه ‏الانقسامات من أجل تشييد نظرية ماركسية هي علم العلوم. ماركسية تستحوذ على كل ما سبقها من ‏نظريات ذات خصوصية. وكان جورج لوكاش أشار إلى ذلك. ثمة من جهة ضرورة تنظيمية تجمع ما ‏بين النظرية والممارسة، وثمة من جهة ثانية ، وهي لا تقل أهمية عن الأولى، الانفتاح نحو العلوم. ‏لكن، وبالرغم من ذلك، فإن الأولى تتفوق على الثانية إن لم تسيطر عليها. إن العقائدية متأتية من هذه ‏الخديعة التي لم توفِّر على نفسها ماركس و أنجلز  إبان رابطة الشيوعيين، المنظمة الأممية للعمال، ‏والأممية الثانية. ‏
 
 
‏1-‏           ماركسية ما تحت السطح أو ماركسية الأنفاق تحت الأرض
بالرغم من هذا الفراغ أو النقص، فإن الفلسفة الماركسية، والعقيدة الماركسية اللينينية، تسيطر على ‏العقول والأفكار. بل وإن سيطرتها تجاوزت الساحة الشيوعية ومنطقة النفوذ الماركسية. هذا التأثير ‏الواسع يتضح، على سبيل المثال، مع جان بول سارتر ومؤلَّفه "مسائل المنهج" حيث يشخِّص هذه ‏المسألة بقوله: "إن أفق الماركسية من السعة والبعد حتى أن تجاوزه متعذر". سارتر بدوره يحاول ‏في مؤلفه "نقد العقل الجدلي" أن يسد هذا الفراغ "الفلسفي" الذي يصدِّع العقول. لكن، وبالرغم من ‏هذه المآسي (تراجيديَّات)، وبالرغم من هذا التبسيط اللامتناهي، فإن الأشكال السائدة للماركسية ‏قاومت بعناد كل هذا التبسيط وتلك المآسي. هذه الظاهرة هي ما نصطلح على تسميته ب/"ماركسية ‏ما تحت السطح" (أو "ماركسية قطار الأنفاق"‏‎ marxisme underground‏ " .  ‏
أثناء حياة لينين، وما بعد وفاته بفترة قريبة، لم تظهر أية فلسفة رسمية. بل إن المناقشات النظرية ‏والسياسية، وتعريف اللينينية، هما اللذان استأثرا بالعقول. هذه المناقشات، لكل منها اسماً. جورج ‏لوكاش، وإرنست بلوخ، هوركهايمر، آدورنو وغرامشي، الذين فتحوا، خلال العشرينات والثلاثينات، ‏الأفق الماركسي بصورة واسعة أمام مجازفات الأطروحات الجديدة. ثم جاء بعدهم غولدمان في ‏‏"الأبحاث الجدلية"، وهنري لوفيفر في "نقد الحياة اليومية" و"الميتافيلوزوفي"، وألتوسير مع ‏‏"من أجل ماركس"/ و"قراءة رأس المال"، أو ديللافولبيه في "المنطق من حيث هو علم دقيق ‏للوقائع". فبفضل هؤلاء، ومعهم بريخت الذي لم يُعْترف به كفيلسوف، بقيت الماركسية على قيد ‏الحياة، وتمخضت عن دروس بجميع اللغات، وذلك بخلاف ما يزعمه بيتر أندرسون في مؤلَّفه ‏‏"الماركسية الغربية". ‏
فإذا كانت الماركسية تقاوم كي تبقى على قيد الحياة، فإن السؤال الذي يستدعي جوابا يتساءل عما هي ‏فعالية المؤسسات الماركسية ما تحت السطح، وما هو تأثيرها في ما يتعلق بالحركة الاجتماعية ‏الواقعية. إن الجواب على هذا السؤال ليس من اختصاص الفلسفة. هذا مع العلم أن الجواب يمسُّ ‏الوظيفة الفلسفية للدولة التي تحظر الاستقلال النقدي، وذلك بالإضافة إلى المؤسسة نفسها التي ‏تمارس حظرا مماثلا. لكن هذه الأطروحات الجديدة لا تذهب هباء الرياح. ذلك أنها تبعدنا عن مفهوم ‏النظام، وإغلاقه و"انسجامه". وهي تبقى رفقة الفلسفة. ‏
 
‏                                                     اثني عشرة: إعمال الخصوصية‏
 
هذا ينتهي بنا إلى نتيجة مؤدَّاها أن الماركسية ما تزال على قيد الحياة، وأنها بعيدة عن السلطات.‏‎ ‎‏ ‏وإن دحض وتفنيد الماركسية اللينينية التي كانت تصادر تعاليم ماركس، أنجلز ولينين، مادامت تُتْبِع ‏الأول والثاني لثالثهم، لم تبلغ بنا بعد إلى غايتها. هذا مع العلم أن الموضوع هنا ليس تحليل اللينينية، ‏وإنما تفحص علاقتها بالماركسية. هذه العلاقة تنم عن عنصرين اثنين مترابطين بصورة وثيقة. ‏أولهما يتعلق بروسيا من حيث هي تترجم عن خصوصية. الأمر الذي يقود لينين إلى تأليف "تطور ‏الرأسمالية في روسيا".  إذ إن جوهر المشكلة يتساءل عما إذا كانت روسيا ستَتَّبع وجهة خاصة، وذلك ‏بانتقالها إلى الاشتراكية على أسس من علاقات وِحدة الجماعة في القرية (أوبشتينا بالروسية)، أم إن ‏خصائص الرأسمالية قد تكوَّنَت بصورة كافية بحيث تتَّبع روسيا مسارا مشابها لأمم غيرها صناعية. ‏وكان الشعبويون من الجيل الثاني يتبنون الأطروحة الأولى، في ما كان كل من أنجلز ومجموعة ‏‏"تحرير العمل" ولينين يتبنون ،ما بعد العام 1880 ، الأطروحة الثانية.  فلقد قادت بلينين عبر الجدل ‏الحماسي مع الشعبويين إلى التأكيد بقوة "أن ترابنا خلو من أية خصوصية روسية". بمعنى آخر فإن ‏لينين تبنى ما يأتي في "رأس المال، الجزء الثالث" من تحليل يكشف عن الظروف المتناقضة في ‏روسيا، على نحو ما يتبيَّن من تخلُّف الفلاحين، وتجمُّع هام للعمال والتبعية لرأس المال الأجنبي. ‏‏"إننا، حسب لينين، لا نتمسك بعقيدة ماركس، وكأنها بلغت منتهاها، وأنها لا تمسُّ، بل إننا على نقيض ‏من ذلك مقتنعون أن عقيدة ماركس أرست، فقط ليس غير، حجر الأساس لعلم يملي على الاشتراكيين ‏التقدُّم به في جميع المجالات؛ هذا، إذا كانوا يرفضون التأخر وراء الحياة. بل إن فكرنا يذهب في ‏منحى يُلزم الاشتراكيين أن يطورا "بأنفسهم" نظرية ماركس، ذلك أنها تضع، فقط ليس غير، المبادئ ‏العامة التي تقود إلى تطبيقها في كل حالة "ذات خصوصية"، في إنجلترا بصورة مخالفة عنها في ‏فرنسا، وفي فرنسا بصورة مخالفة لما هي عليه في روسيا (لينين، الأعمال الكاملة، الجزء الرابع، ص ‏‏218، النسخة الفرنسية،).  هذا الأمر يقيس مدى المسافة الشاسعة ما بين الأحكام ‏البراغماتية التي تحاول القبض على خصوصيات التكوين الاقتصادي الاجتماعي في روسيا، وبين ‏الالتواء المحكومة به من قِبَل ستالين. إذ هو يعرِّف اللينينية بأنها النموذج اللينيني " المُلْزِم لكافة ‏البلدان".‏
‏ والعامل الثاني ذات الصلة بالعلاقة ما بين اللينينية وماركس، يسلِّط الأضواء على "طبيعة" الإعمال ‏لدى لينين. إن "الممارسة السياسية"، و"السياق"، أو الظروف الملموسة، هي المركز المكثَّف ‏لإعمال لينين.  ‏
بل، وإن دور "السياق" و"الظروف الملموسة" يشغل حيِّز الدور الأول. إنه يشبه دور "الفرصة" ‏‏(أو المناسبة) لدى مكيافيللي ، من حيث هي اجتماع ما بين "الثروة"، و"الفضيلة". إن الممارسة ‏اللينينية تَشْغَل أربعة ميادين يستدعي كل منها الإعمال، ورؤية ما تحمله من خطوط رئيسة، وهي: ‏نظرية نمط الإنتاج، نظرية الثورة، نظرية الدولة ونظرية البنى العليا. على أن يُفهم من وراء ذلك أن ‏عقل الحزب (أو فكر الحزب) من حيث هو "موقع طبقي"، أو من حيث هو تبنٍّ لوجهة نظر مجموعة ‏اجتماعية محدَّدة، أو بالأحرى الطبقة العاملة، إنما يشكِّل - "عقل الحزب" بهذا المفهوم – بامتياز، ‏الإعمال ( من حيث هو الاتصال ما بين الممارسة وما تصير إليه من فكر). هذا الإعمال هو الذي عنه ‏تنشأ في نسيج التناقضات الملموسة، خطوط الفصل "المتصارعة"، السياسية منها، الإيديولوجية، ‏الاقتصادية أو النظرية، الاستراتيجية والتكتيكية، وما هذه وتلك سوى نِتاج للصراع الطبقي. إننا هنا، ‏من ماركس إلى أنجلز ولينين، أمام "قطيعة سياسية". فعن الإعمال (الصلة ما بين الممارسة ‏والنظرية) ينشأ الانتقال إلى حيِّز التنفيذ، والامتحان، والتوضيح، والتطوير، بطريقة خلاقة، للأدوات ‏المتأتية عن الأربع نظريات و"فكر الحزب"، وذلك حتى بلوغ هذه الأدوات منتهاها الذي لم تصل إليه ‏بنفسها، ألا وهو المسار الثوري. لينين هو أول من يسجَّل بالوقائع الثورة التي كان ماركس وأنجلز ‏وقلة من أمثالهما بلوروا مفهوما لها وبدأوا بالتنفيذ. فبهذا المعنى يكون لينين مبتكر السياسة ‏الماركسية من حيث هي "قطيعة"، واستمرار. ‏
عُني أنطونيو غرامشي بدوره بالسياسة الماركسية. ففي مؤلَّفه "المادية التاريخية وفلسفة بينيديتو ‏كروتشه"، فإنه يطرح هذه المشكلة على النحو التالي: ماركس هو الذي ابتكر نظرية المعرفة من ‏حيث هي علاقة ما بين الممارسة والنظرية، ويتساءل "ما هو موقف إيليتش لينين منها؟ هل هو ‏يتبعها ويخضعها للممارسة أو العلم؟". ويجيب غرامشي: "إن تفسير ذلك يكمن في الماركسية -من ‏حيث هي نفسها ممارسة وعلم – (...) هل كان ماركس يرفض الإشارة إلى الدور التاريخي لفلسفته ‏التي أصبحت نظرية طبقة تتحول وتصير دولة؟ جواب لينين يفيد بأن الموضوع يجري في ميدان ‏محدَّد". إن المفهوم الذي منه تنشـأ هذه الظاهرة هو "الهيمنة"، ووحدة النظرية والممارسة. هذه ‏الوحدة التي تتكون عن صيرورة التاريخ التي "تتقدَّم إلى أن تحوز بصورة واقعية وكاملة على ‏مفهوم للعالم منسجمة وواحدة". أي فلسفة حسب ما يوضحه غرامشي في موقع آخر، "فلسفة هي ‏نفسها الفعل، أي إنها الحياة نفسها". "ويجيب إذن البحث عما يأتي به لينين بصورة جوهرية من ‏محمول نظري في هذا المجال، ما يأتي به في ما يتعلق بفلسة البراكسيس. إن تقدم الفلسفة كفلسفة ‏مدينة للينين، من حيث هو يحمل العقيدة والممارسة السياسية على التقدم". إن الممارسة السياسية ‏والعلم ضروريان بمقدار ما هما عليه من طبيعة تاريخية.
 
 والحال، فإن الماركسية اللينينية ‏تبدو وكأنها تطيع بصورة مُلٍزِمة "ضرورة نظرية" ما. فالعلاقة، على سبيل المثال، ما بين اللينينية ‏والبلشفية، وهذه الأخيرة تيار تعود تسميته إلى لينين نفسه (انظر أطروحات مؤلّف "ما العمل" الذي ‏يعود تاريخه إلى العام 1902 ) ، وإنه حسب ما تشير  إليه روزا لوكسمبورغ المرادف ‏لل/"الاجتماعي الثوري في الممارسة"، وأصبح، بعد صراعات سياسية-إيديولوجية داخلية، التيار ‏المسيطر، وإن لم يكن أبدا التيار الوحيد بلا منازع. مما يعني أن اللينينية ضمن البلشفية اكتسبت تفوقا ‏يقود بدوره إلى الخلط ما بين التسميتين الاثنتين، اللينينية والبلشفية، ليس من جراء الإلزام، وإنما ‏بفعل الحيازة والتركيب الجدلي لحالات من التحليل والأفكار التي تأتي محمولة في متن تيار البلشفية. ‏أما، ما بعد وفاة لينين، فإن البلاشفة كلَّهم، دونما أي استثناء لأي منهم، بما في ذلك خصوم البلشفية، ‏تروتسكي، بوخارين، زينوفييف، والحركة العمالية، كلهم يدركون أن البلشفة هي نفسها ما تكتسبه ‏اللينينية من شمول لكافة الظواهر (الليلنة على وزن البلشفة). ستالين يدرك ذلك ولاسيما بعد أن ‏ظهرت الخصومات ما بين التيارات السياسية البلشفية. إن "مسائل اللينينية" في العام 1924 تترجم ‏عما كان ستالين يبحث عنه من شرعية غير قابلة للاحتجاج. ف/ "المسائل اللينينية" تربط ما بين ‏مصادرتين اثنتين، اللينينية والماركسية. هنا تأخذ عقيدة "الاشتراكية في بلد واحد" بخلاف ما كانت ‏عليه لدى لينين، تأخذ شكل قالب من النظرية-الممارسة. هاهنا تولد الماركسية-اللينينية لستالين. فإذا كانت ‏التسمية تحاط بحظوة عالية، فإن هذه الحظوة تُخفي، من جهة، وراءها ما تؤدي إليه، ألا وهو نسيان ‏السياق الذي يُنتجها، وتُخفي، من جهة ثانية، الحقبة التاريخية التي فَرَضَت ضروريتها. إلى ذلك، فإن ‏ما يتبقى لنظرية الحزب، وديكتاتورية البروليتارية التي تستلزم من لينين، على حد قول تروتسكي، ‏كتابة مؤلَّف من جزئيين اثنين، ونمط الإنتاج الرأسمالي، سوى مفاهيم متحجِّرَة كانت تستمد قيمتها من ‏خصائصها من حيث هي إعمال بالممارسة، لم يبق لهذه النظريات سوى أن تُغطَّىَ بمعطف الفلسفة ‏الشمولية. ‏
على هذا النحو، فإن الماركسية اللينينية تبدو وكأنها تلبي "ضرورة تاريخية" حقيقية. هذه الحالة لم ‏تتغير مابعد وفاة ستالين وخروتشيف. ففي الأعوام 1956 و1961 وسقوط خروتشيف في العام ‏‏1964، يأتي شعارا "العودة إلى المعايير اللينينية" لتخليد ممارسات المجموعة القائدة. هذه ‏الممارسات التي كانت متكتمة ومجهولة الهوية. وعى نحو مماثل تأتي نظرية "دولة الشعب ‏بكامله" ‏التي كُرِّس لها في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي وفي دستور العام 1977، ‏لتضمن استمرار النظام الاجتماعي-السياسي على حاله دون تغيير. هذا، وإن نظرية "القوانين ‏الموضوعية لتطور التاريخ"، التي اكتُشِفت حديثا تضمن "دورا أكبر للقيادة، وتنظيم الحزب ‏وتوجهاته أثناء الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية" (انظر تاريخ الحزب الشيوعي السوفياتي، ص ‏‏794). على هذا النحو أيضا، تأتي نظرية "الاشتراكية الواقعية"، على حد قول بونوماريف  كنقيض ‏ل/"شيوعية الثُكنة الكبيرة".‏
بالمحصلة، فإن هذه الحفريات، وهذا النبش للوقائع، يعيد لنا الحياة لبعض الطوباويات المغمورة. إننا، ‏على منوال غيرنا، نعيد بناء اللينينية، مثلنا مثل من يعيدون بنائها بمنطق المادية الجدلية. إعادة بنائها ‏على هذا المنوال الذي قاد خطا إرنست بلوخ الذي ينادي ب/"مبدأ الأمل" من حيث هو جزء لا يتجزأ من النظرية ‏التي تركها لنا ماركس. ثم إن الموضوع مغاير إلى حدٍ بعيد للمبدأ. إذ إن الموضوع يستدعي أن نضع ‏وجها لوجه هيئة مادية تنشأ حيث يفشل غيرها. هيئة تنجح في حمل ما هو تجريبي للشمولية. هذا ‏التجريبي ما هو، من جهة، سوى وضع تاريخي مميَّز يحوز، من حيث هو يحمل قيمة النموذج الدائم ‏الذي فُرِض على الحركة العمالية الأممية، يعيد من جديد بناء اللينينية في متن برنامج من الممارسة ‏السياسية التي، هي نفسها، تُنْتِج أو "تَبْتَكر" في ظروف هي بالضرورة خصوصية، شروط الثورة ‏الشيوعية. ثورة شيوعية، هي من الاتساع والعمق لا يقل عن الماركسية اللينينية لستالين والتي ‏تُؤَدِّي دور "الوظيفة الفلسفية للدولة". برنامج سياسي للثورة الشيوعية. لذا، فإن الخصومة ما بين ‏الكلمات في ما يتعلق، في المقام الأول، بالماركسية اللينينية، قد قالت كلمتها. كلمة قوامها التداخل ‏المعقَّد لرهانات (نظريات وبرامج يُفترض مسبقا أنها ناجحة) تحطَّمت بفعل الزمان. زمان الصراع ‏الطبقي على الصعيد العالمي والذي لم يصل إلى نهايته ، شأنه شأن كل النظريات.  كان غوته يقول إن ‏النظرية رمادية اللون، لكن شجرة الحياة خضراء على الدوام. وكان لينين يرجع إلى هذا القول مرارا. ‏وإن الشرط الوحيد لبناء اللينينية من جديد قوامه إنجاز محاولة، في خضم الضجيج والضجر من ‏الأيقونات، لاستعراض تاريخ النظرية من حيث هي غير منتهية. ‏
 
                                         ثلاثة عشر: المادية التاريخية قوة نقدية
 
هذا يقودنا إلى النتيجة التالية: إن الماركسية اللينينية، من حيث هي "نظرية الممارسة السياسية" تتشكل، بعدما يصل النقد إلى دحض وتفنيد الماركسية اللينينية بمعناها الستاليني الذي يَستبدل "نظرية الممارسة  السياسية" بعقيدة الدولة. بمعنى آخر، فإن الماركسية اللينينية هي الرد على الستالينية. الرد من حيث هي المادية التاريخية (أو علم التاريخ). الذي يفند "فلسفة رسمية" قوامها ثنائية المادية الجدلية والمادية التاريخية.
 
تُكَوِّن القوة "النقدية" ماهية الماركسية، وتشكِّل ثورتها التي لا اسم لها. إنها تحتفظ بعد مرور قرن علي نشأتـها، بكامل فعاليتها، لاسيما وأن موضوعاتها تتجدَّد بصورة مستديمة. عن صيرورتها هذه تتكوَّن التناقضات. الدولة والفلسفة تكشفان مدى تواطؤهما لاستبدال المادية التاريخية بالستالينية المتخفية وراء ما تزعم أنه الماركسية اللينينية. وكان ماركس تنبأ بأن الدولة البورجوازية المركزية سوف ترث، خلال مرحلة انتقالها نحو المجتمع الشيوعي، نصف الدولة في متن ديكتاتورية البروليتارية. نصف الدولة التي تعد العدة لفناء كل أشكال الدولة. هذا هو أيضا مآل الفلسفة التي تضحى نصف فلسفة. هذا أيضا مآل الصراع الطبقي الذي ينتهي بانتهاء الطبقات. لكن ثلاثينات القرن العشرين أخذت مسارا مقلوبا طالما هي استندت إلى الدولة والفلسفة معا وفي آن واحد، حتى غدا هذا المسار نموذجا عن الفكر السائد (براتيغما).  إن قلب هذا المسار لم ينته حتى غاية اليوم./.
  






حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الماركسية اللينينية (أدلَّة من أجل النقد) 2 - من أعمال جورج ...
- الماركسية اللينينية (أدلَّة من أجل النقد)‏
- -الماركسية- متن معجم الماركسية النقدي - من أعمال جورج لابيكا ...
- الماركسية متن الأنسكيلوبيديا الفلسفية الشاملة - من أعمال جور ...
- من أعمال جورج لابيكا - مدخل الماركسية في الإنسيكلوبيديا أُون ...
- في اللاعنف، الإرهاب، المقاومة والعنف الثوري - حوار مع جورج ل ...
- الأزمة في الماركسية وظيفة وأداة - حوار مع جورج لابيكا
- في تاريخ الماركسية - حوار مع جورج لابيكا
- الماركسية الثورية ليست هي نفسها الماركسية الأكاديمية - الفصل ...
- الماركسية هي الرد الوحيد لتغيير عالمنا اليوم - حوار مع جورج ...
- جورج لابيكا: نقد البراكسيس
- جورج لابيكأ، شخصيته السياسية والنظرية - مقدمة ثانية
- الفصل الأول - مقدمة رابعة جورج لابيكا: تغيير العالم بلا معلّ ...
- مقدِّمة :في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم - حوار مع جور ...
- لا واشنطن ولا موسكو، لا الرياض ولا طهران، حرب التحرير الشعبي ...
- يونان – حزب سيريزا: لمن تقرع الأجراس؟
- الأزمةُ الثورية منعطفٌ أعرج، مُعوجٌّ ومتعرِّج نحو اليسار، وث ...
- -برنامج الصراع الطبقي-، لسلامة كيلة
- الطبيعة المادية في أعمال يوسف عبدلكي
- ثورة الخامس عشر من آذار: مستقبل حزب الله: ضحية الاستبداد الش ...


المزيد.....




- محتجون في بوغوتا يحاولون اقتحام الكونغرس الكولومبي
- احتجاجات في عدة دول في يوم العمال
- عشرات الآلاف يحتجون في كولومبيا على قانون ضرائب جديد
- المحكمة الإسبانية العليا تنفي استدعاء زعيم -البوليساريو-
- النهج الديمقراطي: بيان تضامني مع العمال العرضيين بكل بمدينة ...
- ألمانيا- تزايد جرائم اليمين المتطرف أكبر تهديد للأمن
- المحكمة الاسبانية العليا تنفي استدعاء زعيم جبهة البوليساريو ...
- عبد الغفور الريكات // قضية التعليم قضية طبقية
- المحكمة الاسبانية العليا تنفي استدعاء زعيم جبهة البوليساريو ...
- النصر لإضرابات واحتجاجات عمال الأجور والعقود والمحاضرين، وا ...


المزيد.....

- استعادة الإرث الثوري لروزا لوكسمبورغ / ماري فريدريكسن
- السيرورة الثورية في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط: حصيلة ... / الاممية الرابعة
- الاستعمار الرقمي: هيمنة متعددة وعنيفة / أحمد مصطفى جابر
- الشيوعية الجديدة / الخلاصة الجديدة للشيوعية تشتمل على التقيي ... / ناظم الماوي
- دفاعا عن المادية / آلان وودز
- الإشتراكية والتقدّم نحو الشيوعيّة : يمكن أن يكون العالم مختل ... / شادي الشماوي
- الممارسة وحل التوترات فى فكر ماركس / جورج لارين
- الثورة المُضادة في المَجَر عام 1956- خطاباتها وأسلحتها (6) / مالك ابوعليا
- كتاب ذاتي طافح بالدغمائيّة التحريفية الخوجية – مقتطف من - - ... / ناظم الماوي
-  الثورة المستمرة من أجل الحرية والرفاهية والتقدم لكل البشر - ... / عادل العمري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسان خالد شاتيلا - الماركسية اللينينية (أدلة من أجل النقد) - من أعمال جورج لابيكا