أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الغيطاني - أرض الخوف.. بين سينما المؤلف و ميتافيزيقا الدين (نموذج (1) للسينما التي ماتت















المزيد.....


أرض الخوف.. بين سينما المؤلف و ميتافيزيقا الدين (نموذج (1) للسينما التي ماتت


محمود الغيطاني

الحوار المتمدن-العدد: 1384 - 2005 / 11 / 20 - 07:16
المحور: الادب والفن
    


حينما نرغب الدخول إلى عالم "داود عبد السيد" لا بد من اليقين بكون أية دراسة تكتب عنه هي نوع من الدراسات التفسيرية التي تحاول فك شفرات النص/الفيلم و ليست دراسة نقدية بالمفهوم الأكاديمي، و لعل مرجع ذلك تلك الفلسفة العميقة التي تدور في رأسه و التي يطرحها دائما في جميع أفلامه التي يكتبها بنفسه- سينما المؤلف- و هنا لا بد من الجزم بوجود ارتباط ما نلاحظه دائما في سينما المؤلف ألا و هو ذلك الانفراد و التميز المدوي للعمل السينمائي المعتمد علي ذلك- و كأن المخرج/السيناريست يحمل دائما نوعا ما من النظرة الفلسفية العميقة التي يرغب طرحها- فنجد أعمالا قوية مميزة لمن انتهجوا هذا النهج منها علي سبيل المثال- لا الحصر- "المرأة و الساطور" للمخرج "سعيد مرزوق" 1997 بعالمه الخاص القاتم الرؤية، "القبطان" للمخرج "سيد سعيد" 1997 ذلك المتصوف الذي نقل لنا-ربما هي للمرة الأولي- فلسفة صوفية صادقة علي شاشة السينما المصرية، "رومانتيكا" للمخرج "زكي فطين عبد الوهاب" 1996 الذي قدم لنا عالما جديدا أيضا علي السينما المصرية، "البحر بيضحك ليه" للدكتور"محمد كامل القليوبي" 1995 ذلك الفيلم الهادئ في أحلامه الرومانسية، العنيف في تحرره من قيوده، و لعل من أشهر المخرجين الذين اشتهروا بسينما المؤلف "مدحت السباعي" في جل أفلامه (فل الفل2000 ، مجرم مع مرتبة الشرف1998 ، خلطبيطة 1994 ،الجريح1985 ،..) و أستاذ الفانتازيا- المتربع علي عرشها- "رأفت الميهي" في جميع أفلامه.
و لكن مع النظرة العميقة المتروية لمثل هذه السينما نجد أنها الأكثر نجاحا، الأكثر مصداقية، ثم هي الأكثر فشلا جماهيريا! نتيجة لتقديمها نظرة ما تحمل نوعا ما من التفلسف أو هو قدر من الثقافة النخبوية التي لا يتمتع بها أكثر الجمهور- ذلك الجمهور الراغب دائما في الضحك فقط دون أدني اهتمام بالمضمون- لذلك نجد فيلما رائعا في فلسفته عميقا في مضمونه مثل "البحث عن سيد مرزوق" 1991 للمخرج "داود عبد السيد" يعد من أكثر الأفلام استغلاقا لدي العديد من المشاهدين؛ و لذلك كان التخوف الشديد من "أرض الخوف"- تلك الأنشودة التي أنشدها داود عبد السيد- "فداود" صاحب نظرة خاصة للسينما- بغض النظر عن كون هذه النظرة مؤدلجة أم غير مؤدلجة- تحمل نوعا ما من العمق الذي يبحث في قضايا كونية و إيمانية بل ووجودية خطيرة- نقصد هنا الوجودية بمعناها الإيماني و ليس الإلحادي العبثي- لا يقدم عليها إلا القليل من المبدعين قد لا أذكر منهم سوي "سيد سعيد".
إلا أننا حينما نرغب الدخول إلى العالم الجديد "لداود عبد السيد" في (أرض الخوف) فإننا لا بد و أن نقف وقفة جادة أمام العديد من الدلالات الرمزية التي رمز لنا بها "داود" عن عمد و إصرار- ربما لإثارة حفيظتنا أو تنشيط أفكارنا- (أرض الخوف) اسم المهمة التي كلف بها "يحيي المنقباوي" (أحمد زكي) ضابط المباحث الذي يلتقي مع مساعد وزير الداخلية و الذي يكلفه بمهمة الاندساس بين تجار المخدرات و الفاسدين و الخارجين علي القانون تحت مسمي أنه جزء لا يتجزأ منهم و تاجر مثلهم؛ فيتم فصله من عمله تحت دعوى أنه مرتشي ثم حبسه حيث يلتقي مع تجار المخدرات الذين يلقبونه "بيحيي أبو دبورة" نسبة لعمله السابق و هنا نلاحظ زرع "يحيي المنقباوي" (أحمد زكي) وسط تجار المخدرات كجاسوس، إذن فهي مهمة رسمية لا يعلم بها سوي مساعد وزير الداخلية و رئيس المخابرات العامة، تلك المهمة تتسم بالسرية التامة و لذلك و ضمانا لمستقبله إذا ما قبض عليه أو حكم عليه بالإعدام يتم توثيق شهادة رسمية له بذلك- تلك التي يودعها في إحدى الخزائن السرية الخاصة بأحد البنوك-.
و لعلنا نلاحظ هنا العديد من الملاحظات الهامة، منها ذلك الجو التأثيري الذي عرض فيه هذا المشهد، فالمؤثرات الموسيقية التي استخدمها "راجح داود" عمقت في نفوسنا المأساة التي هي علي شفا الوقوع و قد نجح "راجح داود" في ذلك أيما نجاح فكان اختياره كموسيقي من قبل "داود عبد السيد" موفقا تماما؛ و كيف لا و "راجح داود" صاحب موسيقي (البطل للمخرج "مجدي أحمد علي" 1998 ، القبطان للمخرج "سيد سعيد" 1997 ، إشارة مرور للمخرج "خيري بشارة" 1996 ،عفاريت الإسفلت للمخرج "أسامة فوزي" 1996 ، المرأة و الساطور للمخرج "سعيد مرزوق" 1997 ، و غيرها من الأفلام الناجحة ذات الدوي) فنراه يقدم لنا موسيقي كان لها أكبر الأثر في تعميق فلسفة الفيلم في نفوسنا حتى أنها ظلت تتردد مدوية في آذاننا لفترة ليست بالقليلة بعد انتهاء مشاهدتنا للفيلم.
نقول أن هذه الموسيقي و معها مؤثرات البرق و الرعد مع هطول الأمطار في خلفية المشهد السمعية يمكن الربط بينها ربطا قويا و بين قضية ميتافيزيقية خطيرة ألا و هي قضية عرض الأمانة من قبل المولي عز وجل علي السماوات و الأرض فأبين أن يحملنها و حملها آدم عليه السلام، تلك الأمانة التي أثقلت كاهله فيما بعد و صارت عبئا راسخا علي كتفيه، و ها هو "داود عبد السيد" يعمق خطورة تلك اللحظة فنري الطبيعة تتفاعل و تتعاطف في موقف شديد القسوة- سمعيا و بصريا- لندرك عمق المأساة.
هذه القضية الإيمانية الكبرى هي ما نستشفه تماما من مشهد عرض مساعد وزير الداخلية علي "يحيي المنقباوي" (أحمد زكي) مهمته فهو نفس موقف آدم عليه السلام- هذا مع الفارق العقائدي بالطبع- و الذي قبل المهمة بأخذه التفاحة التي أمامه ليقضمها، و هنا نلاحظ إسقاطا مباشرا علي قصة آدم عليه السلام مع الشيطان و رضوخه لإلحاح حواء و الأكل من الشجرة المقدسة التي منعه الله أن يأكل منها، فكان تناول "يحيي" (أحمد زكي) للتفاحة إيذانا بخروجه من النعيم أو حياة الاستقرار إلى "أرض الخوف"- اسم المهمة المكلف بها رسميا- الممثلة في الأسطورة الدينية بالحياة الدنيا.
إنها اللحظة المصيرية التي يتحمل صاحبها تبعاتها حتى نهاية حياته، تماما كما تحمل آدم عليه السلام هو و أبناؤه من بعده تبعة القرار المصيري بحمل الأمانة و لذلك كان المشهد من أكثر المشاهد انطباعية في الذهن.
و لعل مثل هذه الدلالات الدينية ذات العمق الميتافيزيقي نجدها في اسم الملهي الليلي الذي يعمل فيه "يحيي أبو دبورة" "بودي جارد" للراقصة "رباب" (صفوة)، و لنتأمل "حياة الليل" ذلك الاسم الذي يحمل العديد من الدلالات فنري أنه يعبر عن الحياة مع الشيطان و كأن "آدم" و هو الاسم الحركي "ليحيي أبو دبورة" حينما قبل المهمة قد عقد صفقة مع الشيطان ليعيشا معا حياة الليل/الظلام الملائمة للقصة الدينية.
إنها إسقاطات دينية و قضايا كونية إيمانية تعتمل في ذهن "داود عبد السيد" حتى تختمر فتخرج لنا و قد أنضجها الفكر الراقي المتأمل فتحيرنا معه، إنها قصة مأساة الإنسان في هذا العالم الذي يحياه و الذي اختاره بملئ إرادته، تلك المأساة الممثلة في كون "آدم" (أحمد زكي) الذي تم تكليفه بهذه المهمة تنقطع صلته تماما بالواقع المعاش فكأنه معلق بين السماء و الأرض- كما عبر "ابن سينا" في بعض فلسفاته- فتتم إقالة وزير الداخلية و رئيس المخابرات العامة و هذان هما الوحيدان اللذان لديهما علم بمهمته الرسمية و بذلك يضحي- أحمد زكي- لا سند له أو من يعترف بكونه ضابطا مكلفا بمهمة رسمية، بل إن تعميق المأساة يصل ذروته حينما يكتشف أن رسائله التي يبعثها إلى رؤسائه- الذين كلفوه بالمهمة- لا تصل لأحد فكأنه يراسل الهواء أو هو "دون كيشوت" يحارب طواحين الهواء- لاحظ هنا التأثر العميق بالثقافة و الملاحم اليونانية من قبل داود عبد السيد، فالآلهة تكلف الإنسان أو تحكم عليه بأمر لتتركه في دائرة مفرغة لا يكاد ينتهي منها إلا و يبدأها مرة أخري- مما يجعله يكاد أن يقترب من حافة الجنون فيتهم نفسه تارة بالجنون و تارة أخري بالتوهم و بعدم وجود من كلفه بهذه المهمة، فهو بين الحقيقة و الخيال متأرجحا أو هو بين طريقين متضادين لا يدري أيهما يسلك- طريق الخير أم الشر- و تنهال عليه الأسئلة القلقي- التي هي في جوهرها أقرب إلى القلق الوجودي الفلسفي البحت- هل هو بالفعل ضابطا كلف بمهمة رسمية أم هو تاجر مخدرات؟ بل نراه يقول لنفسه (أن مجرد مجرم و قاتل و خارج علي القانون) في نوع من عدم اليقين بأي شئ حتى أنه يسرع إلى الخزانة السرية التي يخفي فيها الوثيقة- التي أعدها رؤساؤه و التي يعترفون فيها بأنه في مهمة رسمية- بأحد البنوك ليطلع عليها محاولا إقناع نفسه بأنه ليس واهما.
و ها نحن نري "آدم" في حالة تكاد أن تحيله إلى مجنون حقيقي- ربما هي نفس الحالة الموازية للإنسان في حياته الفكرية و إيمانه باليقين أو عدم اليقين- إنها مأساة حقيقية تكاد أن تخنقنا إذا لم نجد لها مخرجا، و لذلك فهو يرسل في خطاب جديد إلى الجهة التي من المفترض أنها تتلقي تقاريره و يطلب منهم أن يؤكدوا له أنه ليس واهما و أنه لا يراسل نفسه فيطلب منهم عمل إعلان في الجريدة عله يكتسب نوعا ما من اليقين، و بالفعل يقرأ إعلانا في الجريدة يقول "إلى الباحث عن الحقيقة" و يتم تحديد موعدا للقاء مع "موسى" (عبد الرحمن أبو زهرة)- ذلك الاسم الحركي الذي كان يراسله- في جامع السلطان حسن، و لقد كان لقاء "موسى" (عبد الرحمن أبو زهرة) مع "آدم" (أحمد زكي) ذو دلالات دينية خطيرة؛ فأن يلتقي موسى مع آدم في المسجد فيه إسقاط علي "الوادي المقدس" الذي كلم الله فيه موسى، ثم هناك موقف موسى حينما يسأله "آدم" عن كونه يعرف شيئا عن المهمة فيجيبه مترددا خائفا (أنا معرفش حاجة و مش عايز أعرف حاجة)- هل عدم المعرفة هنا نابعة من عدم قدرة أي مخلوق علي معرفة شئ بعد معرفة الله؟- إنها بهذا المعني تكون الإسقاط المباشر علي لقاء موسى "كليم الله" مع ربه و حديثه معه تعالي، و لا نستطيع هنا الزعم بأن الربط الديني هنا ضعيفا و لعل ما يزيد موقفنا يقينا قول "موسى" (عبد الرحمن أبو زهرة) "لعمر الأسيوطي" (عزت أبو عوف)- ضابط المباحث المطارد "ليحيي أبو دبورة" (أحمد زكي)- حينما يسأله عن حقيقة موقفه في القضية و عن صاحب تلك التقارير، هنا نجد "موسى"- ساعي البريد- يؤكد له قائلا (أنا مجرد رسول) هذا التأكيد من قبله علي كونه مجرد رسول يقوي داخلنا اليقين عند الربط بين المشهد و القضية الإيمانية.
بل إن القضايا الكونية الكبرى لا تنتهي عند هذا الحد لدي "داود عبد السيد" ذلك المثقل بالعديد من الهموم و الأفكار الفلسفية الكبرى، فنراه في ذلك المشهد الجميل الذي أبدعت فيه كاميرا "سمير بهزان" فاستعرضت بانسيابية رائعة و جمال أخاذ و ألوان محددة هادئة "أرض الجولف" ذلك المرتع الأخضر الجميل الذي أحالنا إلى حالة توحد جميلة و كأننا بالفعل في الجنة الموعودة، و قد لا ننسي أيضا ذلك المشهد الذي قتل فيه "يحيي أبو دبورة" أفراد العصابة و علي رأسهم "بسيوني أبو صباع" (مخلص البحيري) في الغابة، فلقد كانت الكاميرا تتجول بطلاقة غير مألوفة لترتفع في مشهد ذي "منسوب مرتفع" أمتعتنا فيه الرؤية كثيرا، و هو اختيار ناجح من "داود عبد السيد" لمصور محترف صاحب أفلام ناجحة مثل (القبطان للمخرج "سيد سعيد" 1997 ، رومانتيكا للمخرج "زكي فطين عبد الوهاب"1996 ، ميت فل للمخرج "رأفت الميهي"1996 ، تفاحة للمخرج "رأفت الميهي"1997 ، و غيرها من الأفلام) نقول أن ذلك المشهد الذي التقي فيه "عمر الأسيوطي" (عزت أبو عوف)، "يحيي أبو دبورة" (أحمد زكي) ليقدم يحيي تلك الوثيقة التي وثقها له رؤساؤه عند تكليفه بالمهمة في محاولة منه لتبرئة نفسه بعد أن صدر قرار اعتقاله و الحجز علي أمواله فيه تعميق لأفكار "داود عبد السيد" فنري "عمر الأسيوطي" يصر بعد قرائتها علي كون "يحيي" مجرد قاتل و فاسد و خارج علي القانون و أنه يشك في هذه الوثيقة فما كان من يحيي/آدم إلا أن قال له (انت عامل زي إبليس لما طلب منه ربنا انه يركع لآدم فرفض و تكبر و بقي إبليس) مثل هذه العبارة من يحيي/آدم "لعمر الأسيوطي" و في هذا المكان الذي هو أشبه بالجنة الموعودة فيه دلالة إيمانية أخري؛ فالجنة هي أرض الجولف و آدم (أحمد زكي) مع إبليس الذي يرفضه (عزت أبو عوف) ثم يفترقا كل في طريقه ليأخذ كل منهما طريقا مضادا للآخر معطيا ظهره لزميله و كأنهما نقيضين لا يمكن التقاؤهما علي الإطلاق.
كل هذه الفلسفة الدينية و كل هذه التساؤلات و القلق الوجودي بل و التأثر العميق بالأساطير اليونانية القديمة يقدمها لنا "داود عبد السيد" بنجاح يكاد أن يحسد عليه، بل هو يقدم لنا الشخصيات المتاجرة في المخدرات ذات بعد إيماني، فنري المعلم "هدهد" (حمدي غيث) علي الرغم من القسوة المميزة له إلا أنه يحزن حزنا عميقا حينما يقتل صبيه الذي يعمل معه نتيجة إفشاؤه سره للشرطة فيقول المعلم "هدهد" "لآدم" (القتل ده شئ عظيم، و اللي قتل لازم يقتل) فعلي الرغم من يقينه بأن من قتل يقتل إلا أنه يمارس فعل القتل بلذة و قسوة غريبة و كأنها ثنائية إيمانية داخله، بل انه يرفض الاتجار في الهيروين حينما يعرض عليه "رجب أبو حسين" ذلك متعللا بأن (الحشيش مش جايب همه) و أن الهيروين يكسب خمسة أضعافه فيرفض المعلم "هدهد" لأن ذلك حرام، إنها شخصيات تعاني ثنائية دينية أو هو قلق وجودي أو ديني نستطيع إسقاطه مباشرة علي "داود عبد السيد" ذاته.
و لكن علي الرغم من هذا الزخم الديني الفلسفي و هذا العمق المأساوي الذي يسيطر علي أجواء الفيلم نجد شيئا ما و كأنه النسيم يجمّله و يشعرنا بنوع ما من الراحة في علاقة الحب الهادئة التي تربط بين "آدم" (أحمد زكي)، "فريدة" (فيدرا المصري) تلك المهندسة المعمارية التي سعي للتعرف عليها فأحبها واطمأن إليها، إلا أن حياته كتاجر للمخدرات و عدم قدرته علي البوح بالحقيقة لأحد حتى و إن كانت زوجته (فيدرا المصري) عكر صفو تلك العلاقة فابتعدت عنه عندما أخبرها عن تجارته في المخدرات علي الرغم من حديثه إلى نفسه قائلا (حاييجي يوم و تعرف اني لما قلت لها الحقيقة كنت بكدب) فعدم قدرته علي الاعتراف تقلب حياته رأسا علي عقب و من ثم تتسع بينهما الهوة، فها هي تحاول تحطيم بوابة القصر الذي تعيش معه فيه حينما يرفض خروجها وحدها بدون "البودي جارد" فكأنها في هذا المشهد تحاول تحطيم تلك القيود القوية التي تربطها به- هذه الخيوط/القيود التي هي الوجه الآخر لحبها و تعلقها الشديد به- كما نراها تلقي بنفسها في "البيسين" داخل الفيلا حينما يحدثها فكأنها تحاول كظم غيظها أو هي تغسل نفسها من ذلك الحب العالق بها.
و كم كان جميلا ذلك المشهد الذي قدم فيه (أحمد زكي) تلك الوردة الجميلة لزوجته (فيدرا المصري) محاول إرضائها أو مصالحتها، فها هو إصبعه يجرح حينما يحاول اقتطاف الزهرة فتقترب منه بعد نظرة عميقة مداوية له جرحه و تأخذها منه، بل إن الموقف أشبه بالقربان الذي يقدمه "آدم" "لحواء" من أجل إرضائها حتى و إن كان الثمن هو دمه المسفوح.
و لكن مع كل هذا النجاح الذي كلل به "داود عبد السيد" فيلمه إلا أنه و للأسف وقع في مجموعة من الأخطاء ما كان يقع فيها عملاق في حجم "داود"، ففي المشهد الذي جمع بين "يحيي أبو دبورة" (أحمد زكي)، و المعلم "هدهد" (حمدي غيث)، (سامي العدل) في جزر اليونان نري زوجات هؤلاء المعلمين جميعا ينتحين أحد الأركان ليدور بينهن حديث النميمة و لوك الكلام و الثرثرة و مص الشفاه علي "فريدة" (فيدرا المصري) تلك التي ترتدي "البيكيني" و تظهر جسدها أمام الجميع بلا خجل- فكأننا في إحدى الحارات الشعبية تجتمع فيها مجموعة من النسوة التي لا يشغلها سوي الثرثرة و عدم ترك "خلق الله" في حالهم-، كذلك فان المشهد لم يثر أحداث السيناريو و لم يؤثر في تطوره علي الإطلاق- اللهم إلا في تشويه السيناريو- فكانت سقطة من "داود عبد السيد" تلتها سقطة أكثر ضجيجا و أشد قوة في ذلك المشهد الذي تم فيه لقاء "عمر الأسيوطي" (عزت أبو عوف) مع "يحيي أبو دبورة" (أحمد زكي) في "نادي ال36 في أحد فنادق القاهرة" (مشهد البرج العالي) و الذي طلب فيه "عمر الأسيوطي" من "يحيي أبو دبورة" أن يتخلي عن نشاطه في الاتجار و يسافر خارج مصر؛ فهو لا يرغب في القبض عليه بل و يخبره أنه قد رفع عنه الحراسة و تم إلغاء قرار الاعتقال، هذا المشهد يكاد يكون صورة كربونية- صورة طبق الأصل- لأحد مشاهد فيلم The heat "اللهيب" لكل من AL-Patcino "آل باتشينو" ،"روبرت دي نيرو" Robert de niro فقد طلب "آل باتشينو"- بصفته ضابط شرطة مطارد- من "روبرت دي نيرو" أن يتخلي عن نشاطه الإجرامي لأنه لا يرغب في القبض عليه أو قتله، انه نفس المشهد- مع الفارق البسيط- مضمونا و أداءا و هي سقطة كان دويها مسموعا لفرط قوتها.
كذلك لم يكن مقبولا علي الإطلاق من مخرج في حجم "داود عبد السيد" أن يقوم باقتباس قصة فيلمه من الفيلم الشهير Deep cover الذي قدمه الممثل الذي تحول إلى الإخراج فيما بعد "بيل ديوك" حيث نري الشرطي المتخرج Rookie cop الذي يؤدي دوره "لورانس فيشبرن" إذ يزرعه رؤساؤه وسط مهربي المخدرات لأن وجهه جديد و غير معروف لهم و يبدأ فعلا في ممارسة تجارة المخدرات معهم أثناء عمله كمخبر لما يحدث داخل دهاليز مخابئهم، و لكن الفساد يصيبه تدريجيا حتى يصبح في النهاية تاجرا للمخدرات، لعلنا نلاحظ هنا مدي التأثر الشديد من قبل "داود عبد السيد" بفيلم Deep cover من خلال أحداثه إلا أنه إحقاقا للحق فان "داود" من خلال معالجته السينمائية للقصة التي تأثر بها كان أكثر عمقا من القصة الأصلية التي أخذ عنها فيلمه نظرا لما أضفاه عليها من مسحة و بعد ميتافيزيقي فلسفي بل و ديني عميق أدي في النهاية إلى خروج تجربته في شكل يكاد أن يكون أكثر نضجا من التجربة الأجنبية-حتى أننا نكاد أن نقول علي فيلم "داود" أنه الأصل و أن فيلم "بيل ديوك" هو الصورة- إلا أن ما نأخذه علي "داود" هو عدم الإشارة إلى مصدره الأساسي الذي تأثر من خلاله بفيلمه الذي قدمه لنا.
إلا أنه بالإضافة لهذا كان مشهد النهاية غير موفق علي الإطلاق و كأن الفيلم كان ذو نهايتين؛ فلقد تيقن المشاهدون جميعا بأن الفيلم قد انتهي في مشهد لقاء "عمر الأسيوطي" مع "يحيي أبو دبورة" في أرض الجولف عندما أعطي كل منهما ظهره للآخر حتى أن العديد من المشاهدين قاموا مغادرين لقاعة السينما إلا أننا فوجئنا بالمخرج "داود عبد السيد" يسترسل في أفكاره و يصر علي استمرارية الأحداث بلا أي داع لذلك، فالمشهدين أو الثلاثة المعروضين بعد ذلك لم يضيفوا جديدا في التطور البنائي للسيناريو بقدر ما عمل علي تشويه صورة "فريدة" (فيدرا المصري) لدي المشاهد، فها هي الزوجة التي اغتصبها زوجها تعود إليه مرة أخري بملئ إرادتها سعيدة محبة له.
و هكذا بالرغم من النجاح المدوي الذي قام به "داود" و خاصة قدرته علي الإمساك بنسيج الفيلم و عدم إفلات خيوطه من يده أو ترهله بالرغم من أنه يتحدث عن عالم المخدرات و الخارجين علي القانون و القتلة، ذلك العالم الذي كان من الممكن أن يؤدي إلى انحراف أحداث السيناريو تماما إلى فيلم من أفلام الحركة إلا أن قدرة "داود عبد السيد" و ثقافته و عمقه، كل ذلك ساعده علي الإمساك بنسيج الفيلم كي يسيّره كما يشاء.
و لكن بالرغم من ذلك كله فشل فشلا ذريعا في تلك المشاهد الثلاثة فكانت سقطات قوية تدوي إحداها و يعلو صوتها علي صوت سابقتها فأصابتنا جميعا بالصمم!!






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الواد محروس..سينما النجم الأسطورة و سمات الفقر الفكري(نموذج ...
- النمس.. الوجه الآخر للجنتل مع بعض التصرف
- شعائر من كتاب الموت
- ( نموذج 4 للسينما النظيفة (اسعاف و سينما السقوط من الذاكرة55
- الحب الأول ..نوستالوجيا غير متحققة - نموذج 3 للسينما النظيفة
- جنون الحياة.. نزوع نحو الإيروتيكية أم نكوص نحو سينما السبعين ...
- الناظر و اشكالية الاحتفاء بسينما التخلف العقلي (نموذج 1) للس ...
- مقدمة سينمائية حول اصطلاحات غير سينمائية
- مشاهد تتشكل ذاتيا
- هلاوس ذهنية
- الخروج من الكابوس
- حول السينما النظيفة و السينما التي ماتت
- مملكة الجنة.. الانسان يعلو فوق كل شئ


المزيد.....




- الفن وميراث التُهم المُعلبة.. قصة اتهام عاطف الطيب ونور الشر ...
- إشادة واسعة بقرار اعتماد اللغة العربية بمراسلات وزاراتين في ...
- فن الشاي.. رمز للمكانة البارزة للإمبراطورية والحضارة الصينية ...
- لماذا لا تنشغل القيادة الجزائرية بحالتها -القسوى-.
- وسائل إعلام تكشف عن مشاكل وحوادث خطيرة سبقت قتل الممثل أليك ...
- المسدس الذي استخدمه الممثل بالدوين وأدى لمقتل مديرة التصوير ...
- مهرجان الجونة: -ريش- يتوج بجائزة أفضل فيلم عربي ويشعل جدلا ف ...
- المجلس الجماعي لسلا يستكمل هيكلة اللجن الدائمة
- خبير أسلحة سينمائي عن حادثة أليك بالدوين: كل إطلاق نار خطير ...
- خبير أسلحة سينمائي عن حادثة أليك بالدوين: كل إطلاق نار خطير ...


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الغيطاني - أرض الخوف.. بين سينما المؤلف و ميتافيزيقا الدين (نموذج (1) للسينما التي ماتت