أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محرز راشدي - فائض المعنى وحصار المبنى














المزيد.....

فائض المعنى وحصار المبنى


محرز راشدي

الحوار المتمدن-العدد: 5085 - 2016 / 2 / 25 - 00:29
المحور: الادب والفن
    


قبل أن نخوض في معوّقات النّبوّة الشّعريّة، نرتئي النّظر- أصوليّا- في صلة الرّؤيا/ النّبوّة بالصّمت، حتّى يتسنّى لنا تمييز شعريّة الصّمت من شعريّة ما لا ينقال. والرّأي عندنا أنّ النّبوّة لا تتناقض مع الصّمت، بل هي من صميمه. ذلك أنّ مدخل الإبداع الشّعري قد استوى مع الروّمنطيقيّة مدخلا ذاتيّا، مشدود الأواصر إلى البواطن والأعماق، بما يؤشّر على كون الشّعر الحقّ/ شعر النّفس لم يعد نتاج الوضوح والنّهار، وإنّما نتاج الإلغاز والعتمة (عالم اللّيل). ومعلوم أنّ العمق الإنسانيّ موسوم بالسّكينة التّامّة والهدوء المطلق عكس ما اشتهرت به الفضاءات العينيّة من ضجيج وازدحام. ولذا ذهب البعض إلى أنّ «الكتب الحقّة لا ينبغي أن تكون من إنتاج الضّوء السّاطع والحديث العابر بل من إنتاج الظّلام والصّمت» ، فالصّمت في هذه الحال لا تستوفيه عبارات العدم والموت والفراغ، بل يقف مدلوله على طرف نقيض من ذلك كلّه، لأنّه يرتبط بالعزلة والوحدة والتّأمّل العميق، وكأنّه معراج روحيّ يعرج بالشّاعر- النّبيّ إلى أصول النّشيد، ولعلّ ذلك ما عناه جبران خليل جبران عندما قال:« منبر الإنسانيّة قلبها الصّامت لا عقلها الثّرثار» ، إذ تبدّى في ملفوظه التّقابل بين القلب والعقل من ناحية، وبين الصّمت والثّرثرة من ناحية أخرى؛ فالصّمت درجة من اللّغة السّامية الّتي لا يدرك مآتيها من استهواه العقل. وفي هذا السّياق أيضا، اعتبر سارتر «الصّمت لحظة من الكلام» (Le silence est un moment de la parole)، حيث يتمّ إدراك الشّعر، وتحصل ولادته في صمت تأمّلٍ متوحّدٍ، واللّغة الشّعريّة الّتي تحتفظ بأثر هذا الانبثاق المتأنّي والحذر، هي لغة جوهريّة، سرّية ومقدّسة. هذا الصّمت الّذي تتضمّنه الكلمات، يحطّمه الدّال، ويستعيده المدلول، ويرمّم في سيرورة "التجلّي"؛ القراءة. وغالبا ما يكون المنطوق الشّعري والنّبوي صمتا مناهضا للتّقرير الكوني (Universel reportage) الّذي يرهقنا بضجيحه يوميّا. والشّاعرـ النبي - مثله مثل كلّ الأنبياء- يميل إلى العزلة والوحدة، ينزع إلى الصّمت أوان تلقّي الوحي الشّعري خشوعا وإجلالا لمقام الكشف، وقد ورد في الحديث النّبوي «إنّا معشر الأنبياء بِكاء» . ولكأنّ الصّمت تجربة امتلاء بالرّؤى والحدوس والإشراقات، وتكوّر الذّات الشّاعرة على ذاتها تجلي مخبّآتها، وتتفحّص أقاصيها القصيّة، وتقرأ أبجديّتها الملتبسة، وتتدرّب على فكّ مغاليقها؛ ألم يقل علي محمود طه بخصوص الصّمت: (الرّمل) إِنَّهُ الصَّمْتُ الَّذِي فِي طَيِّهِ ҉-;- أَسْفَرَ المَجْهُول والمَسْتُورُ ذَاعاَ
ففي "السّكون المتنصّت"- والعبارة لنيتشه- يكون الشّاعرـ النّبي في حالةٍ من الصّفاء الرّوحي أشبه ما تكون بالحالة الصّوفيّة، فيها صعود، سفر عموديّ وامتصاص من رحيق الأعماق. أي أنّ النّبوّة مازالت لم تكتمل بعد، فهي في طور الجزر والطّي والتلقّي، ليكون المدّ والنّشر والبثّ تاليًا. وهذه المرحلة الثّانية هي الّتي ستحمل معها المعاناة والاستلاب وتهديد المعنى. ذلك أنّ نبوّة الشّاعر، بارقة منفلتة من الأبعاد، لاتحتويها الأسباب، منشقّة عن ضروب الاستبيان والاستدلال. وحينئذ تطرح إشكاليّة العلاقة بين النّبوّة واللّغة، أي في كيفيّة تصريف ما هو لحظي، فجائي، متزامن شعرًا، وليس خاف أنّ مادّة الشّعر(اللّغة) مادّة نظاميّة مقعّدة؛ خاضعة لتقطيع مزدوج ولمقولات العقل والمنطق. أمّا النّبوة فهي تدفّق المعنى وفيضه سيلًا جارفًا غير متكافئ مع التّمثيلات الرّمزيّة والأشكال التّعبيريّة الّتي أوجدها الإنسان من أجل تمثيل ما يعتمل في ذاته من مشاعر وأحاسيس، وقد جاء على لسان ميخائيل نعيمة في تقديمه لمجموعة جبران خليل جبران: «الفنون الّتي ابتدعها الإنسان حتّى اليوم للتّعبير عن هواجس النّفس لا تزال أضيق من أن تتّسع لكلّ ومضة خيال، ونبضة شوق، ورقّة حنين، ولحظة من تلك النّشوة العلويّة الّتي يحسّها من لمح سناء الحقّ ولو لمحة عابرة» .
فالنّشيد الّذي مصدره يقظة الطّبيعة حيث الأصل والجوهر والمقدّس، فيه من غنى البدايات ما يمنح الشّعراء فائضا من المعنى بالكاد ينقال، وتنشأ من ثمّ مأساة الشّعر وتكون الأزمة.



#محرز_راشدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشاعر صاحب الهويّات الجوفاء
- محنة الألم عند السياب أو النبي الكسيح
- الشاعر الرّومنطيقيّ آدميّ شقيّ
- الألم مشكلا إنسانيّا
- الرّمز في الخطاب قديما وحديثا
- مفهوم الشّاعر النّبيّ في الكون الشّعري الرّومنطيقيّ
- القَصِيدَةُ اللَّعُوبُ وَالقَارِئُ زِيرُ النُّصُوصِ
- الجنون: من الحفر الايتمولوجي إلى الأنساق التّحويليّة.
- يوتوبيا الشّعر العربي الرّومنطيقيّ أو النّبيّ الطّائر
- الشّعر والسّحر: كيمياء الشّعر


المزيد.....




- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...
- ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا ...
- صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو ...
- بين الموسيقى والوجوه.. الذكاء الاصطناعي يغزو الدراما المصرية ...
- رمضان في مرآة الأدب.. قراءة في أربع تجارب إسلامية


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محرز راشدي - فائض المعنى وحصار المبنى