أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - علي محمود العمر - مذكرات يوم للوطن والحرية - حلقة 6















المزيد.....

مذكرات يوم للوطن والحرية - حلقة 6


علي محمود العمر

الحوار المتمدن-العدد: 1358 - 2005 / 10 / 25 - 08:00
المحور: حقوق الانسان
    


(محاورات أبي القاسم الشابي في دمشق)

قضية التحرر والحرية

o استقرت جلستي السادسة مع أبي القاسم الشابي وكنت ما أزال مفعماً بتأثير نظرته للحرية، مع رغبة مماثلة لجعل هذه النظرة أكثر طمأنة وإيجابية حيال الحراك السياسي السوري. وبوحي هذين الأمرين سألته قائلاً:



- إن مناصرة الشعوب الشقيقة ضد الاحتلال بواسطة التظاهر وسواه، ليست الهدف الأوحد للنخب السورية. بل هي تحمل أهدافاً أخرى أهمها إطلاق الحراك السياسي الذي يزيح قيود الشعب السوري -أو بعضها- على طريق الديمقراطية. ناهيك أن التحرر هو ضرورة لا تقبل التفريط، ولا أرى ما يمنع جعلها أولوية تتقدم غيرها، على الأقل من ناحية الجدول الزمني الذي لا يعطل المهام اللاحقة بل يزيح عقبة أمامها... لهذا أرجو توضيح ماهية التحفظ حيال هذه التظاهرات، بل وحيال الحراك السياسي عموماً، خصوصاً من زاوية التفريق بين التحرر والحرية!؟

.. قابل أبو القاسم كلماتي بابتسامة رقيقة قائلاً:

- يسرني هذا السؤال لأنه يقع في صميم القضية التي أعرضها. وأرجو أن لا يساوركم أدنى شك في عمق فرحتي لكافة الفعاليات وأشكال التعبير التي قمتم بها، سواء بهدف مناصرة الشعوب الشقيقة.. أو لتفعيل حياتكم السياسية. ولا يدهشنّك أني توخيت شخصياً عدم تفويت فرصة واحدة للانخراط وسط صفوفكم في هذه المناسبات جميعاً. انطلاقاً من انحيازي الأصلي لقضية الحرية التي تنتظركم، ومن تيقني أنها تشكل الهاجس العميق وراء الأصوات المناهضة للاحتلال والاستبداد!

غير أنني انطلاقاً من تقدير وزن هذه القضية لصالح أوطانكم وأطفالكم، لا أجد سبباً واحداً يسوغ وضعها في منزلة واحدة مع الفعاليات التي قمتم بها، خصوصاًً لجهة أهداف الأخيرة.. وحدودها.. ومعايير الخطأ والصواب التي تستند إليها!؟

وسوف أبيّن لك اتساع المسافة بين هذين الأمرين، وحجم مسؤوليتكم عن تقريبها. وهذه المسافة هي مصدر الضرورة لتفريق التحرر عن الحرية، لأنها ليست مسافة اعتيادية بل هي أشبه للأسف بهوة عميقة يحتاج عبورها لجسور عظيمة!

يكفي للتدليل على هذا مظهر السلبية والتجاهل العميق (الذي لم تقابلوه بجزء يسير من التأمل النقدي الذي يستحقه!) لملايين المواطنين السوريين حيال تظاهراتكم الكثيرة، برغم تحاشيها مواجهة السلطة واحتمائها بخيمة الانتصار لشعوب شقيقة ضد عدوان خارجي (بل غالباً ضد تهديد بالعدوان على أقطاركم وأنظمتكم أيضاً) ... في حين أن الجزء الآخر من هذه التظاهرات لم يعدُ المطالبة بحقوق وحريات تخص هذه الملايين نفسها فرداً فرداً، كما تتبع أسلوباً مدنياً سلمياً ينأى عن كافة أشكال العنف والتطرف، وحتى يحظى بقدر من تساهل السلطة أيضاً.. على نحو لا يفسره الخوف التقليدي من بطش السلطة أو تجنب خطر مواجهتها بأساليب المقامرة والمغامرة المعروفة!؟

ويكفي للتدليل أيضاً ميراث عظيم من تضحيات شعوبكم ضد النير الأجنبي، التي لم يعِقها أصلاً خوف البطش والتنكيل، بل أحرزت التحرر والاستقلال مخضباً بالدم. مع هذا فإن هذا التحرر لم يحصنها ضد الاستبداد، ولم يجعلها تنعم بالحرية أو حتى إقامة حياة سياسية تتصف بقدر يسير من العقلانية والقواعد السليمة لأجيالها المتعاقبة. وعوضاً عن ذلك آلت هذه التضحيات مراراً وتكراراً لقبول الويل والذل والخنوع الطويل تحت أكعاب طغاتها المحليين!؟

ويكفي التدليل أن مشاجرة مذهبية أو دينية أو طائفية (أو ربما أقل من هذا بكثير) تبزّ في ساعة.. أو ساحة.. أو قرية واحدة، مجموع تظاهراتكم ضد اعتداءات الإمبريالية والصهيونية دون استثناء!؟

ثم يكفي يا صديقي أن تظاهرة لاهبة واحدة يقوم بها الآلاف ضد كلمة في نص شعري.. أو رواية.. أو مسرحية، أو حيال حادثة مفتعلة أو قضية وهمية هنا وهناك. وإن تجريدة واحدة من المتطوعين للموت، مع إماتة آلاف الأبرياء في أماكن شتى وخلف أهداف مجهولة (وربما مريبة) .. تفوق أعدادها في ساحة واحدة مجموع المتظاهرين لصالح العدالة والحرية والديمقراطية والكرامة البشرية في عموم العالم العربي!؟

.. كل هذا يؤلف بلا ريب مؤشراً عميقاً لا يجوز تجاهله عن ضعف مخزون الحرية (وتفرعاتها الأخرى) .. وابتعاد مسافتها عن بقية الأهداف والأدوات والشعارات التي تنسبونها عادة للتحرر، في حين أنها غالباً ما تفضي لكوارث وخيمة!

بالتالي فإن غاية التفريق بين هذين الأمرين هي الارتقاء بالتحرر إلى مستوى الحرية الذي يصون التحرر، عوضاً عن خسارة التحرر والانحطاط بالحرية للحضيض.

وسوف أبين لك أهمية هذا التفريق وأثره الكبير على مخططاتكم التي تقرر مصير الديمقراطية سلباً أو إيجاباً. وهذا يشمل الخطوات والأفعال (وربما ردود الأفعال) التي تفعلونها أو لا تفعلونها ، بما في ذلك نوعية التظاهرات.. والمنتديات.. والتصريحات والبيانات والمقابلات التلفزيونية.. إلخ. وأصدقك أني لا أعرض كل هذا من زاوية التفاصيل المملة أو الشوائب والأخطاء العرضية التي تتخلل مسيرة الديمقراطية، بل من زاوية القواعد والأسس التي تحقق قيام هذه المسيرة بالفعل!

وآية هذا أن الديمقراطية ليست خطة جاهزة أو مسيرة مرسومة سلفاً. وليست منجزاً أو شرعية مكتسبة اعتدت عليها حفنة طارئة من الطغاة. وهي لا تتحقق أصلاً أو ترقى لهذا المستوى لمجرد إطلاق شعاراتها.. أو حتى التوق إليها الذي يترجم حاجة عميقة للحرية منذ فجر الجنس البشري. وعكس هذا فإن الديمقراطية تؤلف شرعية جديدة، وطريقة واستحقاقاً غير مسبوقين. مما يفسر خطل السعي إليها بقواعد وأساليب، وحتى عادات تخص ثقافة وأهدافاً أخرى استهلكتها الحياة بقدر ما أصبحت مسيئة وفاسدة. وهذا يؤكد ضرورة النظر للديمقراطية من زاوية مبتكرة وابتداع الوسائل والمستلزمات –غير المسبوقة أيضاً- التي تكون جزءاً من طبيعتها .. وتقاليدها .. وقدرتها على النماء. وهذا يعني من باب أولى أن الديمقراطية تتعدى الامتناع عن إتيان أفعال خاطئة، لأنها تتطلب إتيان أعمال ومبادرات إيجابية وغير مسبوقة بكل ما تعنيه الكلمة !

ومن المؤسف أن غياب هذا التمييز يفسر الكثير من المواقف وردود الأفعال والاندفاعات، التي ربما يمكن تفهمها في ظل ثقافة التحرر .. بينما هي تصب الآن في طاحونة هدف لم يعد قائماً ولا يجدي نفعاً حيال قضية الاستبداد والديمقراطية !!

وأنت تعلم أن التحرر من نير الاحتلال الخارجي، كان يحتاج على امتداد القرون السابقة، حتى في أكثر صوره بذلاً وتضحية، إلى قيمة إيجابية أعلى ترفع شأن الإنسان والشعوب هي الحرية. وها هو منطق الأزمنة والعصور يجعل أبلغ تأكيد لهدف الحرية نفسه هو إصرار الشعوب على تحقيق الديمقراطية التي تؤكد جدارتها في نيل التحرر ومواجهة الاحتلال الأجنبي ... فكم بالأحرى مواجهة الطغاة من أبناء جلدتها المحليين !!

هذا يعني ببسيط العبارة أن مواجهة الطغيان الداخلي تحت مطلب الحرية والديمقراطية، بثقافة وعادات أقل منها، يصبح عبثاً لا طائل وراءه، وربما أكثر وبالاً، برغم مخزون السخط على الطغاة، ورغبة التحرر من تحت نعالهم .. أو فضح عيوبهم الكثيرة !!

والواقع إن الاندفاع في إطلاق هذه الشحنات والفضائح دون حساب، بل (التفنن) في تكرارها .. ورفع كل هذا إلى مصاف الأولوية بمناسبة وغير مناسبة، غالباً ما يقارب آلية التفريغ السيكولوجي التي يقابلها إهمال مستلزمات الديمقراطية وحجب متطلباتها ومبادرتها الإبداعية التي تستجيب لاحتياجات واقعكم الموضوعي ومفاتيح النهوض به. ويتجلى هذا الاندفاع عبر وسائل التعبير المختلفة التي تختزل (النضال الديمقراطي) في أشكال التفريغ اللفظية فعلاً. وعلى رأسها بعض الشاشات الفضائية التي لا تخلو من نية الاستدراج لتحقيق مآرب واستحقاقات أخرى !!

ومن المؤسف إن محاذير هذا النهج لا ينفيها الإكثار من شعارات الديمقراطية والتغيير الديمقراطي، وسط حمية صادقة من التمنيات الرغبوية والنزعات التطهرية. لأنها تجعل الديمقراطية نفسها معياراً شخصياً وأخلاقياً يسبح فيه المناضلون (مغنياً كلٌ منهم على ليلاه!). وهي تعني إشاعة الاضطراب ونزاع الخطط والمواقف، وربما المشاعر أيضاً، والتي تتخذ طابع النزاع حول القيم والنوايا وسط صفوف الحركة الديمقراطية، في حين أن هذه الحركة هي أحوج ما تكون إلى جعل الديمقراطية قيمة ثبوتية أعلى، ومركز جذب واستقطاب يمكن الوثوق به والالتفاف حوله. لأن العكس يعني طعن الحركة الديمقراطية وقوة مصداقيتها وجاذبيتها في الصميم.

وأرجو عدم الاستخفاف بكل هذا. لأن حظ الديمقراطية في التقدم (خصوصاً في مراحل نضالها الأولى) لا يتأتى من منطق قوتها وكثرة عدتها وعتادها بمعايير الحاضر أو قوة الأقوياء، بل من قوة منطقها وصوابية حجتها ، وحتى قوة ضعفها التي يصعب اختراقها لأنها تترفع عن وسائل القوة الخادعة ولا تعرف الحديد والنار وتستمد قيمتها وقوتها من صوابية (الجديد) الذي يحمل المصداقية والرجاء للناس !

.. صمت أبو القاسم الشابي لحظات ثم أضاف :

- آمل أن تكون على ثقة أن امتناعي عن تسمية الكثير من الأمثلة والعيوب بأسمائها الحقيقية -وقد شهدتها بنفسي- لا يقلل من أثرها على مسيرتكم الديمقراطية . وربما كانت تسميتها تسيء لهذه المسيرة أكثر مما ينفعها. وتكفي الإشارة أن الكثيرين ما زالوا يظنون أن مجرد تمكنهم من إطلاق الأصوات العالية ضد مخازي الطغاة في كل مناسبة وبأي ثمن (برغم أن هذه المخازي هي أكثر وأفدح من أن يجهلها أحد!) .. يشكل معياراً لملاءتهم الديمقراطية وقدرتهم على توجيه زحفها الظافر، بصرف النظر عن كثير من الاعتبارات والأولويات والمستلزمات التي تشكل أبجدية الديمقراطية، وربما أحياناً لطعن هذه المستلزمات .. ونظافة أصحابها أيضاً !!

.. تعمد أبو القاسم الصمت ثانيةً. فأدركت أنه يهيؤني لتحضير سؤال ، كنت قد أعددته فعلاً لحلقة قادمة من الحوار.






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات يوم للوطن والحرية – حلقة5
- مذكرات يوم للوطن والحرية - حلقة 4
- مذكرات يوم للوطن والحرية – حلقة 3
- مذكرات يوم للوطن والحرية - حلقة 1
- مذكرات يوم للوطن والحرية في دمشق - حلقة 2


المزيد.....




- الأمم المتحدة: نزوح ما يقارب 33 ألف يمني منذ مطلع العام الجا ...
- الأمم المتحدة قلقة -لتدهور حقوق الإنسان في الجزائر-
- تزكية مارتن غريفيث منسقا للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية
- الأمين العام للأمم المتحدة يطالب بوقف الهجمات بين إسرائيل وغ ...
- الأمم المتحدة قلقة بشكل متزايد من تدهور أوضاع حقوق الإنسان ف ...
- تونس ترفض إنشاء مراكز إيواء للمهاجرين المتجهين لأوروبا
- الأمم المتحدة تطالب بوقف “التصعيد” بين الإسرائيليين والفلسطي ...
- بالإجماع.. مجلس الجامعة العربية يطالب الجنائية الدولية بالتح ...
- -العفو الدولية- تدعو إلى محاسبة إسرائيل على -انتهاكاتها المم ...
- -العفو الدولية- تتهم الاحتلال باستخدام -القوة الوحشية- ضد ال ...


المزيد.....

- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - علي محمود العمر - مذكرات يوم للوطن والحرية - حلقة 6