أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - كاظم حبيب - هل تشكل الفردية الجامحة الوجه الثاني والطريق نحو الاستبداد؟















المزيد.....


هل تشكل الفردية الجامحة الوجه الثاني والطريق نحو الاستبداد؟


كاظم حبيب
(Kadhim Habib)


الحوار المتمدن-العدد: 1343 - 2005 / 10 / 10 - 10:10
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


في لقاء فكري وسياسي مع جمهرة من العراقيات والعراقيين تحدثت فيه عن الوضع السياسي الراهن في العراق وعن الآثار النفسية العميقة التي نشأت لدى الفرد والمجتمع بسبب السياسات التي مارسها والدور الذي لعبه المستبد بأمره صدام حسين ورهطه في العراق خلال العقود الثلاثة والنصف المنصرمة, وعن الشخصيات المماثلة له التي ظهرت في مجتمعات أخرى, ثم عن العوامل الكامنة وراء ظهور مثل هذه الشخصيات المنحرفة وعن التربة الصالحة والخصبة التي يمكن أن تنمو وتترعرع فيها ثم تهيمن وتتحكم بالدولة والمجتمع. وكان الحديث منطلقاً لبلورة فكرة أهمية تطوير حركة واسعة لدعم الديمقراطية في العراق.

وفي هذا الإطار أشرت إلى أن احتمال بروز مثل هذه الظاهرة في جميع المجتمعات قائم حقاً, إذ يمكن التدليل عليه عند مراجعة التاريخ البعيد والقريب لدول العالم, إلا أن احتمال بروز هذه الظاهرة في الدول النامية وذات المستوى المتخلف اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً يكون أكبر بكثير من احتماله بروزها في البلدان المتقدمة ذات المجتمعات المدنية حيث تسود فيها جملة من معايير ومضامين الحرية والحياة الديمقراطية والمؤسسات الدستورية ومنظمات المجتمع المدني الحديثة. فبروز هتلر وموسوليني وفرانكو وسالازار والعشرات من أمثالهم الذين عملوا بمعية هؤلاء أكبر دليل على احتمال ظهورها في بلدان متقدمة نتيجة وجود عوامل مساعدة ومحفزة لهذه الظاهرة على الصعد المحلية والإقليمية والدولية.
ونحن الذين نعيش في منطقة الشرق الأوسط المليئة بالتوترات والخصومات والنزاعات, ومنها العراق والدول العربية, نرى بوضوح كيف يسود الاستبداد وتغييب الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية الديمقراطية عن حياة الناس تحت واجهات مختلفة, وندرك العوامل الكامنة وراء ذلك. ورغم التباين في الواجهات التي يمارس فيها الاستبداد, فأن هويته تبقى واحدة وعواقبها واحدة أيضاً.

وأشرت إلى أن الأرضية التي نشأ فيها وعليها صدام حسين في العراق مثلاً, سمحت قبل ذاك بظهور الكثير من أمثاله, فتاريخ العراق القديم والوسيط والحديث, رغم التباين النسبي في أساليب التعامل أو قسوة الاستبداد وفتراته, مليء بالاستبداد والعنف والقسوة. ومثل هذه الأرضية يمكنها أن تسمح في المستقبل أيضاً بي بروز من يماثل, بهذا القدر أو ذاك, صدام حسين. وإزاء هذه الواقع أشرت إلى أن تلك التربة والأرضية التي نما عليها وتطور صدام حسين تسمح في أن يكون في الكثير منا شيء من صدام حسين, من فرديته واستبداده, إذ نحن من حيث المبدأ نرتبط بنفس المجتمع وعلاقات وتراثه وثقافته رغم التباين في التربية العائلية المباشرة. ويمكن أن ينمو هذا الشيء الصغير الذي فينا أن يتحول إلى معضلة اسمها المستبد بأمره والجائر, إن سمحت الظروف والمستلزمات القائمة إلى نمو وتطور مثل هذه الشخصية المنحرفة.
احتج أحد الأصدقاء الأعزاء بشدة على ادعائي واعتبره تجاوزاً على شعوره الشخصي, وأشار إلى أنه يحس بجرح عميق في داخله عندما يسمع من يقول بأن شيئاً من صدام حسين في داخله.
لا شك باني أحس بنفس الإحساس, ولكن الإحساس شيء وما نعيشه في مجتمعنا شيء آخر, وما ينمو فينا خارج عن إرادتنا أحياناً كثيرة. وما يجري في العراق منذ مئات السنين أو حتى منذ عشرات السنين يمنحنا الدليل على ذلك.

حاولت أن أوضح له ما أقصده بالتحديد. إلا أن الرفض للموضوعة كان من جانبه غير قابل للنقض, فاعتذرت له ما دام قد أحس بالجرح في داخله, إذ لم تكن هذه غايتي ولا رغبتي في جرح أحد من الحضور, بل كنت راغباً في توضيح حقيقة وأسباب بروز ظاهرة المستبد بأمره في مجتمع مثل العراق, وأنه قابل للظهور في كل لحظة, وما نعيشه اليوم في العراق يعطي الانطباع بوجود من له الاستعداد لذلك.
كنت بطبيعة الحال أرغب في تقريب المسألة, التي كان وما زال يعاني منها العراق, إلى أذهاب العراقيات والعراقيين, وأن نتعلم جميعاً, وأنا منهم, كيف نواجه ما في داخل كل منا من صراع بين الحياة السلمية وبين العنف, بين الديمقراطية والاستبداد, نتيجة أسلوب الحياة والتقاليد والتربية والتراث وأساليب تقديم الدين لنا والظروف التي عشنا فيها والعوامل التي لعبت دورها في تكويننا الذهني, في بناء الفكر والممارسة لدينا وسبل تجاوزها.

لا يفترض فينا أن نذهب بعيداً في التفكير والتحري للكشف عما أشرت إليه. لنأخذ القوى السياسية التي كانت تناضل ضد نظام صدام حسين. لقد ناضلت هذه القوى ضد الدكتاتور صدام حسين سنوات طويلة وسعت إلى إدانته دولياً وعبأت الحكومات ضده ونشرت الكثير من وجهات نظر ذات مضامين ديمقراطية أو إسلامية أو قومية أو اشتراكية أو شيوعية أو غيرها تؤكد رغبتها في انتهاج سبيل آخر غير السبيل الذي يمارسه صدام حسين. وكانت على حق بطبيعة الحال في إدانتها ونضالها وشاركنا معها وكنا نشكل جزءاً منها. ولكني, وبحكم عملي الطويل في السياسة العراقية واحتكاكي بالكثير من تلك القوى, كنت قد شخصت في قوى المعارضة العراقية منذ فترة طويلة وقبل سقوط النظام بسنوات طويلة هذه الظاهرة السلبية التي تحدث عنها أيضاً وبصيغة أخرى الأستاذ الراحل الدكتور علي الوردي أو غيره من الباحثين الاجتماعيين في العراق وخارجه. قدمت هذا الرأي في محاضرة لي في هامبورغ في جمع من العراقيين, وفي حينها وفيما بعد أيضاً قبل هذا الرأي باعتباره لا يريد الإساءة إلى أحد بل يريد تشخيص العلة التي فينا وسبل معالجتها. ونشرت هذه الفكرة في كتابين لي هما ساعة الحقيقة, مستقبل العراق بين النظام والمعارضة في عام 1995, وكتاب المأساة والمهزلة في عراق اليوم في عام 2000.
عندما نلقي نظرة على جميع القوى السياسية الفاعلة أو التي تسلمت الحكم في العراق دون استثناء سنجد حقيقة هذه الظاهرة السلبية في الواقع العراقي المعاش, وأن كان بروز هذه الظاهرة متباين من حزب إلى أخر وفق موقعه في السلطة أو من السلطة, ولكن عندما لا نجدها في الممارسة العامة, سنجدها في الممارسة الحزبية, بحيث يعجز المناضل الجيد عن نقد مسؤوليه الحزبيين أو المسؤول الأول في هذا الحزب أو ذاك, إذ أن هذا المسؤول يعتبر نفسه قد أصبح قائداً للحزب وبالتالي "فهو معصوم عن الخطأ" ولا يجوز المساس به. لا نحتاج إلى تحري كثير لنضع أيدينا على هذه الظواهر السلبية أو العلل النفسية, فالرسائل التي تصلني والنداءات الهاتفية وما أقرأه في بعض المواقع على الإنترنيت تكفي للتعبير عن هذه الحقيقة. وكثرة من سياسيي العراق مصابون بهذه العلة ومن مختلف المستويات والأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية.
عندما يبدأ الإنسان بالشعور بعدم وجود من يمكن أن يعوض عن وجوده على رأس هذا الحزب أو ذاك, أو هذا الموقع السياسي أو ذاك, وأنه يعمل بصورة أفضل ويعي الأمور بشكل أحسن من أي شخص أخر في حزبه أو جماعته ولا يوجد من يحل محله ويرفض في ضوء ذلك ترك منصبه لغيره مثلاً, عندها تكون البداية الفعلية لإصابة هذا الإنسان أو ذاك بداء النرجسية وما يصاحبها من مظاهر أخرى, وهي التي تفتح الطريق أيضاً للإصابة بالشعور بالعظمة والتصور بامتلاك الحقيقة والحق في آن واحد, وأن الجميع عاجزون عن أداء ما يؤديه للمجتمع أو للحزب أو لأي موقع يحتله. ونحن نعرف أن الكثير من قادة العالم الثالث العرب مثلاً مصابون بهذا الداء الخطير, وتعاني شعوبهم منهم.
تحدثت مع المئات من العراقيات والعراقيين خلال السنوات المنصرمة, وخاصة بعد سقوط نظام الاستبداد وأثناء تقديمي لمحاضراتي, وشعرت في الآونة الأخيرة بمعاناة الكثير من هؤلاء الناس من قادتهم السياسيين الذين لا يرغبون بأي حال الاستماع إلى النقد الذي يوجه لهم أو للسياسات التي يمارسونها. إنها لمعضلة حقاً إذ يبدأ هؤلاء الناس بالخشية من تقديم النقد, يخشون من الزجر والاتهام بالتكتل أو مناهضة المسؤول, أو الانتقام منه بصيغة ما.
تحدثت مع البعض وسألته عن مدى صواب وجود مثل هذه الظاهر لدى البعض الذي أعرفه من القادة, أكد وجودها ورغبته في أن أتناولها بالنقد, ولا أدري لِمَ لم يتناولها هو وغيره ما داموا قد أحسوا بوجودها.
إن شعور المسؤول بالعظمة بؤس شديد, إذ أن القاعدة الإنسانية تقول: كلما ازداد علم الإنسان نما تواضعه إزاء الآخرين, والعكس صحيح أيضاً. وبالتالي فأن شعور أي مسؤول بأنه يمتلك الحق والحقيقة وأن هناك فجوة واسعة بين مستواه ومستوى الآخرين في الجانبين الفكري والسياسي بحيث لا يسمح لهؤلاء الصغار من توجيه النقد له حتى لو كانوا غير بعيدين عنه من حيث الموقع, يقود إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء ويبعد الإنسان عن الواقع ويشكل ما يطلق عليه بعبادة الفرد لنفسه وفرضها على الآخرين.
هكذا نما البعض من المستبدين وهكذا تحول إلى معضلة في حزبه وفي الحياة العامة, ومن ثم في الدولة والمجتمع. طبعاً لا يجوز اعتبار الجميع على مستوى واحد في هذا الاتجاه, ولكن من يصل إلى موقع في السلطة ويجلس على "كرسي سحري" يفقد البعض منهم توازنه, لأن المقعد أكبر منه, وإلا لكان قد نما وازداد تواضعه, وهو ما نراه في البعض من المسؤولين على قلتهم. لاحظوا ذلك في السيد رئيس الوزراء العراقي الحالي. يبدو وكأنه متواضع في الحديث مع الناس ويستقبل الأطفال ويمسح بيديه "الكريمتين والنظيفتين" شعر الأطفال تماماً كما كان يفعل كيم إل سون? أو كما يفعل ابنه الآن كيم أل يون?! ولكن السيد رئيس الوزراء في حقيقة الأمر يبتعد عن هؤلاء الناس جميعاً, يعيش في عالمه الخاص الذي بدأ يبنيه لنفسه بعد أن وصل إلى مقعد المسؤولية, ويصعب عليه النزول منه والوقوف على أرض الواقع ليرى الناس على مستوى الحاجبين المتساويين والتعامل بواقعية مع الآخرين. كم أتمنى له أن يتغير إذ لا مستقبل لهذا الدرب لا في حزبه ولا في المجتمع ولا في الدولة التي يتمنى أن يستمر في قيادتها.
ينطبق هذا الأمر حتى على أولئك الذين جلسوا في مواقع أخرى غير ذات أهمية كبيرة, ولكن تلك المواقع تمنحهم القدرة أو الهاجس في القدرة على التأثير ولو على جماعة صغيرة, عند ذاك تبرز الظاهرة وتنمو وتأخذ أبعادها الشخصية والاجتماعية والسياسية. إنهم يمارسون على الآخرين مات يمارس عليهم, وهكذا تتواصل الحلقات لتشكل سلسلة طويلة.

عندما أقول بأن كلاً منا فيه شيء من صدام حسين لا أريد تعميم هذه القضية دون استثناء, ولكن الاستثناء يؤكد القاعدة أولاً, كما أني افرق في بروز هذه الظاهرة بين الذكور والإناث, إذ أن الذكور أكثر تعرضاً للإصابة بهذه العلة من المرأة, وهي مرتبطة أيضاً بطبيعة التربية في البيت والمجتمع وفي الموقف من المرأة عموما في المجتمع الذكوري. دعونا نتذكر الأساليب التي مورست في التعذيب والقتل والقبور الجماعية, لم يقتلهم صدام وحده بل ساعده في ذلك المئات والآلاف من الناس. لنتذكر عمليات السحل في الشوارع لجثث أناس ماتوا, ومع ذلك يسحلون على الأرض تمثيلاً وانتقاماً. علينا أن نحلل هذه الشخصية ومن ساهم في تكوينها وكيف نشأت في المجتمع. كيف ينقلب الضحية على جلاد في لحظة واحدة...الخ.

إن قراءة مدققة لتاريخ العراق القديم والوسيط والحديث سنكتشف وجود جمهرة هائلة من الملوك والآلهة وأنصاف الآلهة والحكام والولاة وكثرة من أتباعهم, الذين حكموا العراق بالحديد والنار, الذين ساموا المجتمع سوء العذاب, الذين أذلوا المجتمع وكل فرد فيه والذين وضعوا القوانين المليئة بأقسى العقوبات وأشدها ظلماً من أجل فرض سيادتهم ومصالحهم على المجتمع, تكفي لإقناعنا بما يفترض أن نحترس منه فينا. تقدم قصيدة ?ل?امش الرائعة, التي عبر الشاعر العراقي الكبير والمرهف الحس والواعي لواقع مجتمعه وطريقة إذلال الحكام للناس, وللمرأة على نحو خاص, عن جوهر الاستبداد والقسوة في تصرفات ?ل?امش إزاء الحياة والمرأة والمجتمع هي التي تلاحقنا حتى اليوم. وقراءة مكثفة لحياة العشيرة والعائلية أو للبيت العراقي سنجد كيف كان وما يزال يمارس الشيخ والأب والملا دوره في تربية أطفاله والمجتمع على مدى أجيال كثيرة, تلك التربية التي تتميز بالذكورية والقسوة والعنف في مواجهة المشكلات والسعي لامتلاك القوة باعتبارها الطريق الوحيد للوصول إلى الحق, إضافة إلى التمايز في التعامل اليومي مع الولد بالمقارنة مع التعامل مع البنت.

لا شك في أن العلاقات الاجتماعية الناجمة عن مستوى التطور الاقتصادي والعلاقات الإنتاجية من جهة والتقاليد المستمرة التي يرتضيها المجتمع منذ أجيال في العلاقة بين أفراد العائلة وفي ما بين الناس ودور الأديان في مواجهة المشكلات والأخطاء ومظاهر القسوة في إنزال العقوبات بالإنسان المخطئ واعتبار تلك العقوبات القاسية والتعذيبية عادلة وصحيحة, والتراث المنقول لنا كتابة وشفاهاً أو ما هو محفوظ في الصدر, وأساليب تعامل السلطة مع الإنسان الفرد والتمايز في التعامل, كلها تدلل على المجرى الذي يمكن أن يسير فيه الإنسان العراقي أن استمرت تلك الأرضية قائمة, وهي ما تزال قائمة حتى الآن, وهي تهدد حقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية, إنها تهدد الحرية والديمقراطية بشكل مباشر. تذكروا لوحة المختار التي كانت تعلق في صحن العباس لتشير إلى روح الانتقام التي يمارسها المختار ضد قتلة الحسين, كيف تربي في الأطفال السادية وروح الانتقام, أنا لا أزال أتذكرها وهي الآن أمام ناظري, ولكنها خلقت لدي وربما لدى آخرين رفض الانتقام ورفض أساليب التعذيب السادية التي صورها المجانين لنا كما يريدونها أن تحصل!

إن مظاهر القتل والتدمير لدى الحكام, وأساليب القتل والتدمير لدى جمهرة من المتشددين من مختلف الاتجاهات الفكرية وخاصة الدينية المتزمتة, ومظاهر قتل النفس أو الانتحار من أجل قتل آخرين, ليست ظواهر جديدة في حياة المجتمعات الإسلامية, بل هي موجودة منذ قرون, ولكنها تكثفت منذ عدة سنوات في الجزائر وفي مصر ومن ثم في العراق حالياً, ويمكن أن تبرز في بلدان أخرى, كما حصل في فترة الحرب الأهلية أو كما يحصل الآن في لبنان. إن هذه السلوكية هي جزء من التربية المنزلية والدينية الخاطئة والتي تستند إلى أسس معينة ولها أهدافها المحددة.

دعونا نأخذ نموذجاً واحداً لنتبين دوره في هذا الصدد. لنأخذ المذهب الوهابي الذي بني بالأساس على المذهب الحنبلي, ولكنه تمادي في غلوه. ويمكن لأي منا أن يأخذ بعض جوانب من مذاهب أخرى ليجد فيها ما يتفق مع هذا النهج ولكن بصيغ وأساليب وأدوات أخرى.
يستند المذهب "الأصولي السلفي" الوهابي, الذي أسسه الشيخ محمد عبد الوهاب في السعودية في القرن التاسع عشر, في أسسه الرئيسية إلى المذهب الحنبلي ويبني الشيخ مذهبه على أساسين, وهما: التكفير والجهاد. وعليهما يجهد في إقامة دولة دينية تأخذ برقاب الناس. ويتصدى صاحب المذهب الوهابي لكل ما هو جديد بحجة أنه بدعة, وهي بذلك تشمل البدع حقاً التي تبرز في بعض المذاهب, ولكنه يقصد الجديد في الحضارة الإنسانية أيضاً باعتبارها بدعاً. ومنها ينطلق الموقف السياسي المتشدد الذي يسعى إلى تدمير الآخر معتمداً على حاكمية الله. ومن تحت أبط هذا المذهب أيضاً ظهرت وترعرعت جمهرة من الجماعات الإسلامية المتطرفة. ومن تفاعل بينها وبين الفكر السلفي المصري الذي نجم عن فترة النهضة في مصر برزت جماعة الأخوان المسلمين في عام 1928. ورغم وجود فوارق بارزة بينهما كالقرب من الجماهير وممارسة السياسة إضافة إلى العنف والاغتيال والتخفيف من قيود معينة لدى الأخوان المسلمين, فأن الجماعة الوهابية المتطرفة تبتعد عن الجماهير وتنعتها بالكافرة وتمارس الدين لا السياسة وتعبر عن جمود قاتل, كما يشير إلى ذلك بصواب السيد الدكتور رالف غضبان في محاضرة له في برلين بتاريخ 6/10/2005 عن تاريخ السلفية في الإسلام.
لقد أفرزت حركة النهضة في مصر جماعة إسلامية علمانية مثلها علي عبد الرازق, وجماعة أصولية سلفية جامدة مثلها شيخ رشيد ومن بعده حسن البنا. والجماعة الأخيرة هي التي نمت عليها جماعة الأخوان المسلمين في مصر, وهي تختلف إلى حد ما عن الوهابية السعودية في وجهة التفكير والممارسة وأن كانت الحصيلة واحدة تقريباً.

إن التكفير الوهابي يشمل جميع المسلمين الذي لا يتفقون مع المذهب الحنبلي الوهابي أو الذين لا يلتحقون به. أما الجهاد فيعني في المذهب الحنبلي الوهابي السلفي امتلاك الحق في التخلص من كل أولئك الذين يختلفون مع المذهب الوهابي باعتباره يمتلك الحقيقة الدينية وحده, ومنهم الشيعة أو ما يطلق عليهم بالرافضة. وهذا بالضبط هو ما يستند إليه جماعة القاعدة الوهابية وشيخها الجديد أسامة بن لادن والظواهري المصري الجنسية الذي انطلق من أرضية الأخوان المسلمين وشكل منظمة الجهاد الإسلامي وتعانقا معاً وتتبعهما في ذلك جماعة أنصار الإسلام في العراق وجماعة أبي مصعب الزرقاوي ومن لف لفهما. إنها المدرسة السعودية التي ما يزال رجال الدين يثقفون بها, وهم أيضاً من مدرسة الأخوان المسلمين الأكثر تشدداً الذين يتحدثون أحياناً غير قليلة بلسانين, أحدهما للغرب والآخر للعرب, أحدهما للفضائيات العربية والآخر للصحف الأجنبية, وأكبر دليل على ذلك أحاديث الشيخ القرضاوي, ولكن ليس وحده في ذلك, بل معه بعض المعممين من مختلف المذاهب الإسلامية المتشددة الذين يبرزون اليوم في فضائيات كثيرة شيعية وسنية.

إن الإنسان العراقي الذي يواجه الإرهاب اليوم في العراق هو نتاج هذه الذهنية الاستبدادية فكراً وممارسة, يواجه استبداداً محتملاً في الهيمنة على المجتمع أيضاً من قوى تقاوم الإرهابيين ولكنها تضمر ممارسة الإرهاب الديني والمذهبي من طراز جديد, وهو ما كنت أريد التنويه به وتوجيه إصبع الاتهام نحوه قبل أن يستفحل فينا ويسيطر على سلوكنا ويدمر حياتنا كما فعل قبل ذاك صدام حسين ورهطه.
إن القيام بثورة هو أسهل بكثير من تغيير ما في النفس من تركة نمت وترعرعت في تربة تساهم في نمو تلك الظواهر, وهي التي يفترض أن نعتني بتغييرها, فهل سنعمل من اجل توفير تلك المستلزمات التي تساعدنا على التخلص من السلوكية الفردية والاستبداد والقسوة في العراق. هذا ما يفترض أن نعمل عليه وأن نسعى إلى تنمية المجتمع المدني الديمقراطي, أن نعزز الحياة الدستورية الديمقراطية وأن ندعم القوى الديمقراطية في العراق لتبني الحياة الجديدة في عراق جديد.
وأخيراً لم أكن مخطئاً في الموضوعة التي طرحتها في بداية المقال, ولكني لا أعمم هذه الظاهرة على جميع المبدعين من أدباء وشعراء ورسامين ونحاتين وموسيقيين ومغنين أو غيرهم من الناس, رغم أن فيهم من وقف إلى جانب المستبد بأمره والتزم دربه, ولكنهم قلة قليلة, بل أقصد الإنسان في العراق بشكل عام وما يتعرض له منذ ولادته والتربة الفكرية والدينية والسياسية التي ينمو ويترعرع فيها ويلتقط أولى سلوكياته وممارساته منها, ومنها ازدواجية الشخصية.
8/10/2005 كاظم حبيب






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ندوة لندن حول كركوك
- هل هناك مكافحة شاملة فعلية لقوى الإرهاب في العراق؟1&2
- هل يحرص الأخوة الكرد في ألمانيا على وحدة النضال المشترك والت ...
- البصرة الحزينة... البصرة المستباحة! 1 &2 & 3
- هل ما يجري في العراق مقاومة أم إرهاب وعدوان شرس ضد الإنسان و ...
- هل هناك من لقاء تحالفي بين الفكر الإسلامي السلفي والظلامي با ...
- ندوة حول العراق في إطار الندوة الاقتصادية الدولية الخامسة عش ...
- مقترح مشروع للحوار الديمقراطي بين أفراد وجماعات المجتمع المد ...
- حوار مع السيد مالوم أبو رغيف
- رسالة مفتوحة إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جون ووكر بو ...
- جرائم بشعة تجسد سادية ودموية ومرض مرتكبيها الأوباش!
- أين تكمن إشكالية مشروع الدستور المعروض للاستفتاء؟
- هل يدخل مفهوم اجتثاث البعث ضمن المفاهيم الإقصائية غير العقلا ...
- حول الكرد الفيلية مرة أخرى
- خالد مشعل, هل هو سياسي أم إسلامي إرهابي يحرض على الإرهاب في ...
- السيد عبد العزيز الحكيم وموضوع الفيدرالية الشيعية!
- حوار مع السيد جوزيف سماحة حول العرب والقضية الكردية
- حوار مع ملاحظات السيد طلال شاكر في مقاله رأي وتساؤلات
- هل الزميل الدكتور شاكر النابلسي على حق حين تساءل: لماذا لم ي ...
- المصالحة الوطنية هدف الشعب, ولكن وفق أي أسس؟


المزيد.....




- بمناسبة رمضان.. نتنياهو يوجه رسالة لشعوب الدول التي طبعت علا ...
- بعد الهجوم عليها.. إيران تزيد أجهزة الطرد في منشأة نطنز ونسب ...
- بمناسبة رمضان.. نتنياهو يوجه رسالة لشعوب الدول التي طبعت علا ...
- بعد الهجوم عليها.. إيران تزيد أجهزة الطرد في منشأة نطنز ونسب ...
- الكرملين: بوتين وبايدن ناقشا مليا العلاقات الروسية والأمريكي ...
- دبلوماسي إيراني: الضغوط على إيران ستتحول إلى -قنبلة نووية-
- بايدن يسحب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول الـ11 من سبتم ...
- المفوضية الأوروبية تطالب -جونسون آند جونسون- بالتوضيح
- فيديو: -التعشير الحجازي- رقصة تتوارثها الأجيال السعودية حتى ...
- أشقاء يزينون مساجد قبل كل رمضان


المزيد.....

- بوصلة صراع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة في سورية / محمد شيخ أحمد
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - كاظم حبيب - هل تشكل الفردية الجامحة الوجه الثاني والطريق نحو الاستبداد؟