أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - سعد الله خليل - ثقافة الجهل














المزيد.....

ثقافة الجهل


سعد الله خليل

الحوار المتمدن-العدد: 1293 - 2005 / 8 / 21 - 11:42
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


المعرفة قوة، وهي عملية تراكمية متصاعدة ومتسعة باستمرار، وهي تعني سبر غور المجهول، وفك طلاسمه، واستنطاق الأسرار، واكتشاف الجديد.
والطريق إلى المعرفة طريق طويل وصعب وشاق، فالمعرفة ليست مجرد محفوظات، أو تخزين معلومات نظرية، بل هي إضافة إلى ذلك: تأمل وتفكير، وبحث وتنقيب، وهدف يسعى إليه الإنسان، دون خوف أو وجلٍ من النتائج التي سيؤدي إليها البحث.
والدافع الأول للمعرفة يكمن في رغبة الإنسان بامتلاك القدرة التي تساعده على التكييف مع المحيط، وتسخير هذا المحيط لصالحه، ومن ثم السيطرة عليه، من خلال اكتشاف القوانين التي تتحكم فيه، وتحركه. والدافع الثاني، لأن حب المعرفة، والاكتشاف، نزعة طبيعية أصيلة لدى الإنسان، ولدت مع الكائن البشري الأول، وستستمر إلى مالا نهاية، أو لنقل لن تزول إلا بزواله.
والإنسان جزء من هذا الكون، مكمل له، ومتحد معه. وكما الكون في حالة تبدل وتغيير وتطور مستمر، كذلك الإنسان في فكره وجسده وتجمعاته، متحرك متجدد باستمرار، وباستمرار تتبدل شروط عيشه ومتطلباته، وقيمه ومفاهيمه وقوانينه.
إن ألد أعداء المعرفة يكمن في النظر إلى الفكر الإنساني، والمجتمعات البشرية، على أنها جامدة، ثابتة، لا تتحرك ولا تتبدل، ويكمن في اعتبار حقائق الماضي، حقائق كاملة مطلقة صالحة للحاضر والمستقبل، ولكل زمان ومكان، دون الإدراك أن ما كان ملائما للأمس، قد لا يكون ملائما لليوم، وما هو ملائم للحاضر، قد لا يكون مناسبا للمستقبل. فليس للحقيقة وجه واحد فقط، وأقل ما يقال في من يظن ذلك أنه غارق في جهله وعزلته، عازف عن عناء البحث والتنقيب، واكتشاف الجديد.
كثير من المفاهيم قد تغيرت، وكثير مما كان يُنظر إليه على أنه حق وعدل، قد أصبح باطلا وظلما. وما كان بمقاييس عصره خيرا، أصبح الآن شرا. لقد اندحرت جميع مقولات القمع والاضطهاد والإذلال، وحلت محلها قيم الخير والحق والعدل. ولفظت أنفاسها الأخيرة – بقوة الضمير الإنساني- قوانين العنف والإكراه والاستعلاء، وشريعة السيد والعبد، والجواري، وتجارة الرقيق. وأصبح التمييز بين الناس بسبب جنسهم أو عرقهم أو دينهم، مخالفا للقانون الإنساني المتحضر يعاقب عليها مرتكبها بأشد العقوبات.
إن للجهل والتجهيل أعمدة. أولها: التشبث بالقديم، والعيش في الماضي، وتقليد موتى القرون الوسطى وعصر الظلمات، والاقتداء بهم، باعتبارهم مثالا يُحتذى، وهذا ما جعل العرب والمسلمين، سجناء التاريخ، يفتشون عن مستقبلهم فيه.
وثانيها: الخوف والتخويف من الجديد، ومن مخالفة المفاهيم السائدة، والخروج على قوانين وعلوم السلف، وقمع رغبة الإنسان في التحقق من صحة المعلومات المتوارثة، مما يمنع ظهور أية أفكار جديدة، وبحوث جديدة، وحقائق جديدة.
إن المناخ السائد في المجتمعات العربية والإسلامية مناخ قائظ مظلم موبوء لا يساعد على نمو شجرة المعرفة والإبداع، لأنه يفتقد إلى أبسط وأهم شروط الحياة، ألا وهما ضوء الشمس، والماء. أعني الحرية، والدعم والتشجيع.
وثالث أعمدة الجهل والتجهيل يتمثل في تزوير الحقائق التاريخية والعلمية والتعتيم عليها أو إخفائها خدمة لأفكار قديمة مسبقة.
ورابع أعمدة الجهل والتجهيل يتمثل في رفض وتهميش الثقافات الأخرى، واللغات الأخرى، وتقديس ثقافة ولغة بعينها، مما يمنع تلاقح الثقافات، وتبادل المعلومات، ومما يعني ترسيخا لثقافة الجهل التي ترفض وجود جوانب وأوجه متعددة للحقيقة التي لا تكتمل صورتها إلا بتجميع أجزائها.
وخامس الأعمدة: عدم التمييز بين الحالات المختلفة، واعتبارها حالات متطابقة، إذا تشابهت عناوينها، أي السير على قاعدة (كله عند العرب صابون). وحصر الألوان في لونين (أسود، أبيض) لا ثالث لهما. وهذا ما يفسر لنا أسباب اختلاف قواعد التفكير لدى الإنسان المتخلف عن قواعد التفكير لدى الإنسان الحديث، وأسباب وصول كل منهما إلى نتائج مختلفة.
إن العلوم والمفاهيم التي لا تخدم تطور الناس وتقدمهم، أو التي لا تعلي من شأن الإنسان الفرد، وتحتقر حياته، وتشجعه على الموت، هي ثقافة البؤس واليأس، وثقافة الرضوخ للواقع، أو البحث عن واقع وهمي لا وجود له إلا في أوهام وآمال المتخلفين والمستفيدين من تلك الثقافة، أولئك الذين تحركهم أنانيتهم وحب ذواتهم، ورغبتهم في استعباد الآخر في عملية الفهم والمعرفة والبحث عن الحقيقة.
أن ثقافة تقوم على الربط بين الشجاعة والقتل، والجريمة والمجد، وتجعل من القتلة الذين لا يعرفون أسماء ضحاياهم ولا أماكن سكناهم، أبطالا خالدين، هي ثقافة الجهل والقتل.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوار صحفي مع جني مسلم
- آية السيف – جزء ثاني - تعقيب على تعقيب البرازي
- ثقافة الإرهاب
- آية السيف تصنع التاريخ وتنشر الإسلام
- الوحدة العربية من الحلم إلى الوهم
- خالفوا الكفار يرحمكم وينصركم الله
- الأحزاب الدينية والحرية وبناء الأوطان
- الرعيان يحتقرون المرأة، ويسفحون الملايين تحت قدميها
- الماكينة الإخوانية
- قانون الأحزاب السورية، وما تسرب منه
- التعصب الديني في البلدان العربية
- جماعات حقوق الإنسان
- حقوق الإنسان...جعلوها مركوبا – نماذج
- الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية 2
- أبو زيد الهلالي بين التزويق والتلفيق والتجهيل
- الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية 1
- مسيحيو العراق بين القتل والتهجير
- استثمروا في صناعة الإرهاب
- استطلاعات الرأي وأعراب الجزيرة
- النقاب والحجاب والعورة والإرهاب


المزيد.....




- أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران لترامب: تحدث مع ال ...
- خرائط جديدة لمسار -إله الفوضى- ومناطق رؤيته حول العالم في حد ...
- جراح قلب يحدد العادة الأخطر على صحة الإنسان
- سبب مخفي للسعال والشعور بالمرض دون ظهور أعراض نزلة برد
- علماء يكتشفون تركيزا غير طبيعي من الأكسجين في باطن كوكب المش ...
- كوبا تشهد انقطاعا كاملا للكهرباء للمرة الثالثة هذا العام وال ...
- قادة الناتو يجتمعون في أنقرة وسط ضغوط ترامب لزيادة الإنفاق ا ...
- إصابة ناقلتين في مضيق هرمز ومسؤول أمريكي يتهم الحرس الثوري
- تجربة صاروخ صيني من غواصة نووية تثير -قلقا بالغا- في واشنطن ...
- تركيا والناتو: شراكة استراتيجية اختبرتها الأزمات منذ عام 195 ...


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - سعد الله خليل - ثقافة الجهل