أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - كمال جبار - خانقين مدينتي















المزيد.....

خانقين مدينتي


كمال جبار

الحوار المتمدن-العدد: 4434 - 2014 / 4 / 25 - 23:14
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


إقترح أخي العزيز عامر أبو سلام هذا العنوان ليكون قريبا ً من عنوان رائعة " رسول حمزاتوف " الموسومة " داغستان بلدي ". وهكذا, ولد العنوان إعتزازاً بخانقين و وفاء مني لوفاء أهلها لأبنائها من الشهداء اللذين قارعوا أنظمة الظلم والدكتاتورية على مدى عقود طويلة وتجرعوا مرارة السجون والنفي و التضحية بحياتهم قربانا ً لمستقبل يضمن الحرية للوطن والسعادة للإنسان.
و من بين أسماء كثيرة لشهداء خانقين ظلت راسخة في الذاكرة الفتية, أذكر الشهيدة " ليلى قاسم " والشهيد " نصر الدين مجيد " و معلمي الأول و فناري والدي " جبار محمد علي " .
كان والدي يعمل في " مصفى الوند ". كان من المناصرين و الناشطين الداعمين لثورة الرابع عشر من تموز. بعد تمكن المتأمرين من إغتيال حكومة الشهيد عبد الكريم قاسم , أجبر والدي على ترك وظيفته والإلتحاق بالثورة الكردية المسلحة. عام 1966عاد من جديد للعمل في المصفى لعدة أعوام و حتى إعتقاله .
أخر مرة رأى فيها أهالي مدينة خانقين والدي عام 1969, حيث إعتقل في بغداد و أخذ إلى معتقل قصر النهاية سيء الصيت. تعرض هناك مثله مثل المئات من خيرة و أخلص و أشجع مناضلي خانقين و العراق لأبشع صنوف التعذيب الوحشي في محاولة لأنتزاع الإعترافات منه لكنه لم يثلج صدورهم الموغرة بالحقد ولم ينبس بكلمة واحدة, الأمر الذي أدى إلى إستشهاده مع كوكبة من خيرة أبناء العراق. حسب شهود عيان, إستشهد والدي بحضور و إشراف و أوامر صدام و ناظم كزار و صباح مرزة و شخص رابع سأكتب عنه لاحقاً.
و لأن والدي, كان من المعارضين المعروفين لقمع و ظلم البعث, وقعت عوائل الأقارب و الأهل و المعارف تحت طائلة المسائلة و الترهيب من قبل أزلام الأمن و المخابرات, تبعاً لدرجة القرابة و العلاقة.
من أجل حماية عائلته من أذى رجال الأمن , قاطع عمي الكبير والدي. كان عمي ينصحني و يأمر أبنائه و بناته بالإبتعاد عن الطريق الذي سار فيه والدي. و للأسف, شارك عمي الكثير من الأهل و الأقارب و أصدقاء و رفاق الأمس, حملة زرع اليأس و الخوف فينا عبر ترديدهم " الطايح رايح, مقاومة صدام عمل جنوني ذو عواقب وخيمة, لا تسير في طريق الوالد, امشي بصف الحايط, لا تسبح ضد التيار, الشهداء إنتسوا و لن يذكرهم أحد....إلخ". و على العكس, رغم صغر سني, لم تنفع معي نصائح عمي و الأقارب, بل زادتني رغبة و لوعة في التعرف على "طريق الوالد" و الخوض فيه. كنت في العاشرة من عمري, حينها, لم أعرف السبب الحقيقي وراء اعتقال والدنا من قبل "الحكومة". كل ما عرفته و عشته أنه "معارض" و أن الحكومة أخذت والدنا و أرعبت الأهل و الأقارب ومنعتهم من البحث عنه و مساعدة أبنائه في التغلب على مصاعب الحياة. كبرت أمقت الحكومة و أقاوم ظلمها و مواعظ الأهل و الأقارب وجبنهم المغلف بالحرص و تبريرات اليأس و الاستسلام للواقع.
إبتعدنا عن خانقين و من فيها من أهل و أقارب و أصدقاء الوالد حفاظاً على سلامتهم من مسائلة و اعتقال بسببنا كعائلة "معارض". مرت السنين قاسية تخلو من أي عدالة, عشناها كأبناء شهيد في عوز و حرمان و سجن و عدم استقرار و غربة داخل و خارج الوطن. في سن الثانية عشر و لإعالة والدتي و أخوي عملت كعامل نجارة في "عكد الجام".
الفقيد الراحل المليء إنسانية و رقة و طيب, الأستاذ عزيز شريف وزير العدل سابقا ًوسكرتير مجلس السلم والتضامن منعني من العمل في عكد الجام, حين علم بذلك, قال لي "جبار ترككم أمانة عندي". سجلني في مكتب للطبع على الألة الطابعة في شارع الرشيد. عملت لعدة سنوات ككاتب طابعة لديه في مجلس السلم والتضامن, ثم أرسلني إلى الأستاذ الفاضل دكتور مكرم الطالباني الذي عاملني بنفس طيبة و إنسانية ورقة و حرص عمي الأكبر أبو عصام. عملت لعدة سنوات ككاتب ثم أمين صندوق في وزارة الري تحت رعاية العم مكرم. كانا أستاذ عزيز و أستاذ مكرم في تلك الظروف القاسية جداً نعم العم و نعم الرفيق و الصديق و الفنار الذي مكنني من إيصال سفينة عائلتي لبر الأمان.
مرت السنين حبلى بمآسي و مجازر حروب صدام مع الجارتين إيران و الكويت و مواصلة مطاردة و اعتقال و تعذيب و قتل معارضيه في الداخل و 13 عام من حصار اقتصادي جائر عقبه إحتلال مقيت أبعد الوطنيين المخلصين عن مراكز صنع القرار في "العراق الجديد". مع معشر العراقيين الشرفاء داخل و خارج الوطن, كبرنا, نجتر الهموم و الخسائر و رحيل الأحبة. كبرنا نعمل المستحيل لنزيح ظلم دكتاتور مأجور أنفق خيرات البلاد ليهلك الصالحين من العباد.
لم أزر خانقين كل هذه السنين. عام 2005 زرتها لأشارك في مراسيم دفن صديقي و أخي و رفيقي رزكار خانقيني " تحسين" الذي توفي في واشنطن بعد ثلاثة عقود من نضال دؤوب في جبال كردستان. إستغرقت مراسيم الغسل و الدفن ساعات قليلة قضيتها مع عائلة الفقيد و عدت إلى بغداد. سألت عن عمي و أبناء و بنات عمي من أبناء خانقين الذين حضروا مراسيم الغسل و الدفن. الغالبية أكدوا لي أنهم تركوا خانقين.
قبل أسابيع, في خانقين, توفى عمي, الأخ الأكبر لوالدي. ذهبت لمراسيم العزاء. كانت فرصة أن أرى أبناء و بنات عمي و أقارب الوالد بعد أكثر من ثلاثة عقود. في سوق و مداخل المدينة و على جدار المسجد الذي أقيم فيه مجلس العزاء رأيت لافتات كبيرة تقرأ " انتقل إلى رحمة الله تعالى أخ الشهيد المناضل جبار حلاج..". لافتات تم خطها و تعليقها بمبادرة من أهالي و رفاق و أصدقاء لم ينسوا الوالد رغم مرور 44 عام على استشهاده. رؤية اللافتات أفرحتني رغم سوادها. أحسست بالفخر و الزهو بأني إبن رجل أبى أن " يمشي بصف الحايط" رجل " أدى ما عليه من واجب, بصمت", رجل لم ينساه و ينسى إقدامه و تضحيته زملائه و رفاق دربه و أبناء مدينته رغم مرور 44 عام على فراقه, رجل تحدى بإيمانه و حبه للعراق زيف وطنية جلاديه و و واجه بصدره العاري عصي و كيبلات و أخامص بنادقهم. رجل كرمه رفاقه و أهل مدينته بعدم نسيانه و الإشادة بتاريخه و بتضحيته.
هذا التكريم المشرف, زاد من أسباب عنادي و إصراري على أن جبار و كل الشهداء كانوا على حق, و كل من حاول التقليل من تضحياتهم و تسفيه أحلامهم, كان يعرف سلفاً بأنهم أبطال يعشقون الحياة و من أجل حياة كريمة للجميع يواصلون النضال ضد أشرس الدكتاتوريات و إذا فاجئهم الموت, كالأشجار يموتوا واقفين. لقد أدى جبار و الشهداء ما عليهم من واجب تجاه الوطن و الأهل و رفاق الدرب. زجوا و سخروا ما في العمر من طاقات لخدمة الناس, بلا مقابل. ساروا على طريق الحق رغم وحشته و قلة سالكيه, بلا وجل و تردد. إستشهدوا من أجلنا و من أجل تأمين حياة أمنة سعيدة لنا. و بعد مرور 44 عام و رغم إرهاب و منع أجهزة نظام صدام من ذكر و تذكر الشهداء, و رغم المأسي و النكبات التي عاشها و خبرها أهالي خانقين, لم ينسوا شهيد مدينتهم, فبوركت من مدينة تتذكر و تكرم شهدائها.
وفي مواقف كهذه تترائى لنا أطياف الخالدين , ناظم حكمت, لوركا, فوتشيك, سلام عادل,أبو ليلى, أحلام, أنسام, شذى, مام كاويس, أبو سعيد, ئارام, عبير, د.حسان, نوزاد, ئازاد, بشتيوان, أبو عامل و ألاف غيرهم من المناضلين لتؤكد أمتداد و خلود تلك التضحية الإنسانية و ذلك الزخم المعنوي و ولادتها من جيل إلى جيل للتدليل على ما قدموه من دروس عظيمة ورائعة للبشرية في صمودهم الأسطوري أمام وحشية الأنظمة التي قارعوها و أمام ماكينات الحقد اللاإنساني للحد الذي قدموا فيه حياتهم و أرواحهم بكل سخاء دون أن تطأطأ رؤوسهم أمام جلاديهم. ما أحوجنا اليوم لهم ليعلمونا ألف باء نكران الذات و الوطنية و العمل بصمت لتضميد جراحات الوطن. أملي أن يتحقق حلم الطاهر و طار و يعود الشهداء هذا الاسبوع.
ختاماً أقول, "لا يصح إلا الصحيح" و " المناضل الحقيقي لا يعلق إلتزاماته على أداء الأخرين, يؤدي ما عليه من صواب". عراقنا الحبيب لم تندمل جراحاته بعد 2003, بل تنوعت و زادت. بقاء الخوف و الجبن و "أضعف الإيمان" في قلوب الأحياء سيطيل إنتظارنا لحياة أمنة كريمة. المواطنة الحقة و الإقدام و نكران الذات و التضحية الغير مشروطة و العمل المخلص الدؤوب, كما فعل الشهداء, نحن أحوج إليه كسلوك و فعل يومي لكي نخلص العراق من أشباه الرجال, و نرسم البسمة على وجوه أطفال العراق.
تحية شكر و تقدير لكل أصدقاء و رفاق و أحبة الشهيد جبار في خانقين, منهم عرفت, بعد عقود من الغياب, أن جبار و الشهداء لا يزالون أحياء و أحبة و مشاعل متقدة في ضمائر الشرفاء.



#كمال_جبار (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرحباً بعودة شبابنا الرائعين مؤيد و علي و أحمد و جهاد
- حملة لوقف إنتهاكات حقوق الإنسان في العراق بالرغم من تصريحات ...
- 14تموز2010الموعد الأخير


المزيد.....




- فاجعة أخرى تودي بحياة عاملة وعشرات الضحايا (فيديو)
- بيان صادر عن ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية
- حزب الشعب الفلسطيني: جرائم الاحتلال المتصاعدة تتطلب تعزيز وح ...
- -التاريخ سينصفني-.. كاسترو في مواجهة خصم -يحب العمل في الظلا ...
- مظاهرات إيران: طهران تطالب المتظاهرين بإظهار الندم مقابل الع ...
- رئيس حزب اليسار الألماني يدعو إلى الحوار مع روسيا وإيجاد حل ...
- لا يمكن انهاء الفساد من قبل نظام مبني على الفساد، تدهور سعر ...
- إضراب عام وطني لمدة يومين بقطاع التعليم
- في الذكرى العاشرة لاغتيال الشهيد شكري بلعيد: شكري حي
- حزب التجمع ينعي رئيس وزراء مصر السابق ..


المزيد.....

- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - كمال جبار - خانقين مدينتي