أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حنان بكير - رؤيا العودة














المزيد.....

رؤيا العودة


حنان بكير

الحوار المتمدن-العدد: 4306 - 2013 / 12 / 15 - 11:40
المحور: الادب والفن
    


الليل بهيم. الريح في الخارج عواء ذئاب برّية جائعة. أو هي عويل ثكالى. والعاصفة تحاول اقتلاع نوافذي.. علّها تبحث هي الأخرى عن مكان دافىء! ما عدت أذكر كم من السنين قد انقضى دون أن أشهد شتاء بيروتيا نادرا. عاودني حنين بمسحة حزن لأيام مضت! هل أخرج كعادتي في مثل هذا الطقس العاصف الى البحر؟ إنه ضرب جنون. فالليل أوشك على الإنتصاف. هو الجنون بعينه! سأنتظر الصباح!
جاء الصباح حاملا ملامح صباحات أوسلو الشتوية. صبح بلا نهار، ما زال يرتدي عباءة الليل. انتظرت ساعات قليلة خلتها دهرا من الزمان.. ثم قررت الخروج باتجاه شاطىء المنارة حيث البحر الذي نشأت بيني وبينه ألفة حميمية، في ما مضى من زمن. لا أكفّ عن ملازمته، حين يتخلّى عنه الآخرون ويهجرونه في مواسم غضبه، وفي تحوّلات أمزجته وأدواره.
لم يكن أحد غيري في الطريق الى المنارة، حيث مسبح الجامعة الأمريكية. كنت وحيدة هذه المرّة. إذ كانت النزهة الى هناك في مثل هذا الجو العاصف، تكون برفقة صغيراتي. كان صوت الريح أو المطر الغزير يعني لهم النزهة البحرية. يتناولن أكواب السحلب الساخن، داخل السيارة ويقهقهن لهجوم الموج العاتي يضرب سيارتنا.. يصمتنا لانسحابه وتراجعه، استعدادا لهجوم جديد وقهقهة جديدة!
اليوم، جئت وحيدة، فالصغيرات نبت ريشهن وابتعدن... لكن بحر المنارة، كما يسمونه، بقي حاضرا في ذاكرتهن ومرتبطا بالعواصف، لأو بجنون الطبيعة كما يقولون..
أخذني الحنين الى مطارح بعيدة، فلم أتنبّه الى خلو الشارع من أيّ سيارة أخرى، ولا من تطاير ألواح خشبية نصبها أصحاب مسبح الفينيسيا، ليبعدوا نظرات الفضوليين الذين جعلوا همهم مراقبة الفتيات في ملابس السباحة. ولم أر شجيرات النخيل القصيرة المزروعة على الرصيف وقد اقتلعت من جذورها، وتحوّلت الى لعبة للريح العاصفة!
وجدت نفسي أقف على الرصيف العريض، وقبلتي بحر المنارة. المنارة التي يحاول الموج الوصول الى قمّتها.. الهواء يتلاعب بمعطفي الصوفيّ الأحمر، إنتعشت بمطر خفيف عليّ انهمر.. لكن غزارته قد غيّرت مزاجي. البحر الرصاصيّ يشرئب بقامة جبل عال، ويضرب الرصيف ويتطاول حتى منتصف الشارع.. هل أزعجه حضوري؟ ضرباته المتلاحقة تزداد غضبا وعنفا.. اصطكّت ركبتيّ! بلّلني عرق بارد شعرت به رغم البلل الذي أصابني. حاولت العودة.. لم أستطع.. أحنيت ظهري قليلا كي أحمي نفسي.. وقد تسمّرت عيناي على الجبال الرصاصية المتحركة والقادمة من البحر لتنقضّ على الشاطىء بهمجيّة.. صار همّي هو الصمود على الرصيف، حتى لا يجرفني غضبه ويحتضنني في أحشائه الثائرة.. أنوّس عينيّ قليلا من المطر وحتى لا أرى نفسي في أحضان موجة غاضبة.. ألعق شفتيّ.. المالحة حينا من رذاذ الموج، والحلوة حينا آخر بعد أن يغسلها المطر!
رغم هبّات الهلع التي تشتعل بداخلي، إلاّ أني تذكرت قول دكتاتور " خريف البطريق".. في قوله.." حقا إن الطبيعة تملك وسائل أكثر همجيّة مما عندنا من وسائل"! جاءني الدكتاتور على شكل موجة عاتية سحبتني نحو البحر.. الذي عشقته فسحبني إليه. قاومت بإعياء ثم استسلمت. المقاومة عبث والسباحة مستحيلة.. فتخلّيت عن نفسي وانسللت منها.. سبحت الى جانبها.. أرقبها، موجة تسلمني لأخرى.. صعودا وهبوطا.. أغوص.. أغوص في الأعماق.. ثم تدفعني موجة مجنونة الى سطح الماء.. ولا أدري الى أين تأخذني المقادير!
أخيرا هجعت الريح وسكن الموج إعياء.. طفت على سطح البحر، موجات هادئة حملتني برفق، موجة تسلمني لأخرى.. حتى انتهيت قرب صخور متفرقة، وأنا أرقب نفسي.. البحر أكثر حنانا، والنسمات ربما عرفتها من زمن مضى لا أذكره.. فأشهر قليلة لا تكفي للتذكر.. غناء البحّارة للبحر وللسمك، سمعتها من بحّارة عكا في مدينة صيدا اللبنانية.. ورائحة زنخ الشّباك أيضا ما زالت تعبق في أنفي! تورّد الوجه مني، وتجمهر البحارة حول جثتي المنتشية بالوصول الى مكان، لا تدري كم هي علاقتها به!
صاح أحد البحّارة.. الله أكبر لقد عادت إلينا بعد خمسين سنة! تجمهر البحّارة حولي، وأنا أرقب جثتي..
إنها هي التي عمّدناها في بحر عكا وغرسنا شجرتها في حديقة البيت، قبل أن تسحبها المنافي منّا ! هذا ما صاح به بحّار آخر!! أفرحني انهم عرفوني..
قال آخر: البحر حملها لتعود الى رحم أرضها. سوف ندفنها هنا! الجمهرة تزداد وتتوسع حول جثتي. وأنا أرقبها.
ردّت أصوات متنافرة: ممنوع لازم ترجع لبيروت أو أوسلو.. لا مكان لجثث هنا! أعيدوها الى البحر.. كنت أرقب عراكهم، وجثتي صامتة.. ويتورد الخدين منها.
تنادى أهل المدينة، ورفعت على المحفّة. غطّيت بالعلم.. ساروا بي وسرت في جنازتي، التي طافت زواريب عكّا.. وأمام بيتنا حيث سمعت صرختي الأولى التي كانت ما تزال تتردد في أنحائه. طاف الموكب في كلّ الأنحاء.. أمام جامع الجزّار سمعت الآذان يكبّر، و الكنيسة الأرثوذكسية ضربت الأجراس لعودتي.. سمعت صوت الحبيبة سامية بكري ترتل:" أحجّ إليك يا عكا/ وأقبّل شارعا شارع/ وأحضن كل شباك عنده عشب طالع"..
على مدخل المقبرة.. صحوت وصرخت.. لا لقد نسيت عظام أبي في بيروت. فقد أوصاني بحملها معي الى عكّا!
كانت يد شاب رياضيّ.. قد حطّت على كتفي وهزّتني، وأيقظتني من رؤياي.. وأضاف.. هل أنت مجنونة يا مدام؟ من يأتي الى هنا في مثل هذا الطقس؟ نظرت إليه وقد شعرت ببعض الأمان.. وتجرّأت على النظر الى الأمواج الرصاصية التي ما زالت تجتاح كل ما يعترضها وتحاول التطاول على قمة المنارة.. ساعدني الشاب بالوصول الى سيارتي.
بعد الحمّام الساخن والإستراحة.. عاد عصف الريح يغريني برحلة جديدة ولو من خلال الرؤيا!!



#حنان_بكير (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مشاهد سريالية/ ملاحظات عابرة
- إسلام/صهيوني.. على الأبواب!
- الفنانة سامية بكري.. تحمل الوطن لوحات مسرحية
- - رهائن الخطيئة- ذاكرة في لوح محفوظ
- دولتنا الاسلامية/ هلّت بشائرها
- اوروبا وجمع شمل الشعوب السامية
- مواطنون في عزلة/ صورة عن أوضاع فلسطينيي 48
- فلسطينيو ال 48 وفتاوى عزلهم
- مفارقة
- تاريخ الفكر الغربي/ غونار شيربك
- حيرة الغريب/ في ذكرى النكبة واليوم الوطني النرويجي
- -دموع غزة- وثيقة إدانة للضمير العالمي
- يوم المرأة العالمي والربيع العربي
- الشعب -المفبرك- في كتاب العهد القديم
- مقولات سادت ثم بادت
- حاضنة الامم المتحدة..بين تاريخين
- الربيع العربي والخريف الفلسطيني
- وداعا للعلمانية.. فقد أعلنت ارتدادي
- أوسلو لا تغيّر عادتها
- حق العودة .. مرة أخرى


المزيد.....




- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور.. صوت -أناديكم- الذي خلد نضا ...
- رحيل حكواتي الواقع: تريسي كيدر الذي أنطق التفاصيل
- تحول تاريخي.. الأوسكار يغادر هوليود إلى وسط لوس أنجلوس
- رصاص الصورة.. كيف تصنع السينما -الحروب الناعمة-؟
- اشتهر بأغانيه لفلسطين.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- أحمد قعبور: رحيل الفنان اللبناني وصوت -أُناديكم-
- -صوت القضية-.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- وفاة الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمر ناهز 71 عاما بعد صراع ...
- من غزة إلى إيطاليا.. حكايات الألم تتحول إلى كتب تُعيد الأمل ...
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صاحب أغنية -أناديكم- عن 71 ع ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حنان بكير - رؤيا العودة