أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/3















المزيد.....


المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/3


أحمد عبد العظيم طه

الحوار المتمدن-العدد: 4264 - 2013 / 11 / 3 - 11:32
المحور: الادب والفن
    


(12)

أن تتصور الأشياء بلا أسماء فجنون ذا مطبق لا شك, غير أن السيدة قدرية تركية الجذور وصاحبة مقهى زهادة تفعل دون بذل جهد. هي ذاتها لا تعرف ما الذي أصابها منذ حلولها على المحافظة الجديدة, في البداية كضيفة على قريبتها, ثم (بتعسر إجرائي مكلف) كمقيمة منتفعة يحق لها الشراء والبناء, شرط أن تنتهي الملكية بوفاتها (فيما يسمى بالتعاقد الاستثنائي مع المحافظة). لقد أصبحت تنسى بشكل يزعجها تذكره, فهي تكره علامات السن ولا تحب أن يلقاها الخرف هكذا مبكرًا. الخمسينات من العمر ليست بعيدة إلى الحد المؤذي من النسيان كما تظن, وحوادث من قبيل نسيان اسم قريبتها السيدة شاهندة أو نسيان اسم شيء كالمعطف, تتركها عصبية بما يجعل المواقف محرجة وأكثر حاجة إلى تبرير أكثر منها إلى اعتذار. كانت تعد عشاءًا خفيفاً لضيوفها, السيدة شاهندة, ونجلها راجي ناروز, وزوجته كليزار (تركية الجنسية). كانت هذه إحدى الأماسي القليلة التي يطيلون السهر معها إلى ما يعادل ذلك الوقت المتأخر من الليل, وعندما نسيت اسم ما تدقق به بينما ترشه فوق الخليط المتفاقع على النار, كانت تراه هكذا – شيئاً مسحوقاً يتساقط من بين أصابعها وفقط. لا اسم لصورته. تضايقت جدًا. نادت على السيدة شاهندة كي تسألها, ولكنها تراجعت عن هذا فطلبت منها أن تساعدها في رفع الأطباق.

وكان راجي ناروز شخصًا يكره صوت أدوات المائدة بالصمت, فابتدأ يتحدث عن مشروع طائرات الهيليوم الذي يود افتتاحه وزوجته كليزار, وأنه يعتقد أن الكتلة السكانية ههنا تحمل بين طياتها طبقات عددية (لا بأس بها) تصلح لتلقي مشروع كهذا. وقالت كليزار بالتركية أن الملح كثير بيخنة البيض, فبرقت عينا السيدة قدرية بالمعرفة, وتحرجت السيدة شاهندة من ملحوظة زوجة ابنها فأثنت بالتركية كذلك على بقية الطعام, وصدّرت عدة نظرات لائمة باتجاه ابنها الجالس قبالتها بوجه خال من الانفعالات...

عند ليل اليوم التالي أفاقت السيدة قدرية على صوت كاشيير المقهى (الأسمر الودود), كان يذكرها بموعد انصرافها كما طلبت منه, وأزاد بأن الأرباح قياسية هذا اليوم بسبب افتتاح البحيرة الاصطناعية.
في الصباح كانت قد لبت الدعوة, ورأت الحفل الجيد الذي نظمته المحافظة تحت إشراف رئيس الحي المنتخب لافتتاح البحيرة الاصطناعية. استمعت كلمات المسؤولين الكثر, والتي لم تبد مختلفة ولو بمقدار عما كان يقوله المسؤولون من حيث وفدت, فذات العبارات الطنانة عن الحياة, والحرية, والرخاء (بما لا يغاير الانتماء إلى المنبع الكلي المطلق). كانت فعاليات تقليدية منسوخة, لكن الشيء الذي لفت نظرها هو زيادة نسبة النساء بالحفل, وإلقاء إحداهن لكلمة المحافظة.

أدارت سيارتها منطلقة بلا هدف تستمع إلى أغنية تركية قديمة لنشأت أرطاش, وحين توقفت لشراء أزهار جديدة لأسبوعين جديدين بلا ذبول, نسِيَتْ اسم النوع الذي تفضله, ما جعلها تشير للبائع حانقة إلى حيث أطل الأقحوان البري الأحمر من وراء ظهره.

أحست بوحشة قاسية كونها وحيدة (عقب أولى خطواتها بالبيت), بيد أنها التي لم تندم لعدم مرورها على قريبتها السيدة شاهندة في هذه الليلة, فقد أحست بثقلها إذا أمست الزيارات المتبادلة يومية, خاصة أن السيدة شاهندة لها معارف قد انتقلوا من حيث وفدت, كذلك اهتمامات متنوعة لم تعتد هي المداومة عليها, كجلسات التداعي, ولعب Jugger بالمتنزه العام, ومشاكسة كليزار زوجة ابنها الشرسة (باستخدام تركيتها الاستعلائية غير المنضبطة نحويًا في الكثير من الأحيان). والحقيقة أن السيدة قدرية كانت تفتقد إلى رفقة دائمة, دافئة, مستقرة, مثلاً كالذي مضى من العمر الذهبي القديم.
أحست بلوعة حبيبة إلى نفسها, وترحمت على زوجها متمنية بعمق لو أنه قد عاش إلى أن حل معها فوق هذه الأرض, كان المكان سيعجبه حتمًا, وما كانت لتشعر بما يراودها به الآن قلبها من أحاسيس الاغتراب المزعجة. فقط كانت ستشعر معه بالأمن, وأنها طفلة لازالت غير مسؤولة عن شيء, وليست مهمومة بشيء, عدا الرضاء بالأمر الواقع والاستمتاع بالحياة – اليوم بيومه.

أمام صورته المعلقة على الحائط تمددت أرضًا بحيث أصبحت عينها بعينه, وانفلتت تحدثه بصوت مسموع عن كم اشتياقها إلى نظرته هذه, وضحكته العالية هذه, وثقته بالحياة هذه, وأشياء عدة, ولم تمض دقائق إلا وهطلت الدموع غزيرة, واستمرت غزيرة لبرهة... وكان بلا مقدمات للفزع أنه قد فزعت السيدة قدرية منتصبة بمكانها, وأمسكت رأسها بكلتا يديها كمن أصابها طنين هائل (لا تقدر على تحمله), وقالت في طور الغمغمة: أحبك يا.. يا.. أنت؟!.. لا. لا يمكن!!!.


(13)

كان مقهى زهادة في سابق الأيام لشخص يدعى بذات الاسم, وهو رجل قصير في منتصف العقد الخامس تقريبًا, ويُعد من أوائل المنتقلين إلى المحافظة الجديدة بالدفعات الثانوية الخاصة بالتسلم الحر (غير المدعوم مركزيًا). وقد عرضت عليه السيدة قدرية شراء المقهى بسعر مغر يمكنه من بدء تجارة معدنية كبيرة بحي القصدير, الشيء الذي كان يردده دومًا كأمل يسعى إلى تحقيقه – أثناء أحاديثه المتوددة إليها كزبونة أعجبها المكان.
وقد كان شرطه الوحيد للموافقة على البيع, هو ألا تقوم السيدة قدرية بتسريح أحد من العاملين بالمكان منذ افتتاحه, فجميعهم من سكان حي العطاردة الشعبي كشبهه, وهو لا يريد أن يشتكيه أحدهم إلى الله, أو يتقول عليه آخر: بأن المال قد أفسد مروءته فباع الناس مع المكان.

الآن يأتي زهادة زبونًا على زهادة, لكنه يُعاملُ كزبون مميز بالطبع إذ ترى عمال المقهى يتبارون في الاحتفاء به, والسؤال عن تفاصيل نشاطه الجديد, فيكلمهم بإفاضة بالغة. وكعادته كلما رآها تجاذب معها الحديث حول أمور الشؤون العامة, وكيف أنه بدأ يشتم التأثير المطرد لقرار "التغييرات الجذرية الحاسمة" في مكالماته مع أقاربه, ومعارفه, أولئك الذين لم يعبئوا جديًا لمقادير التغير العاقبة, كذلك الذين لم يحالفهم الحظ من أصدقائه السابقين قبيل الإغلاق النهائي للانتقال...
وبدت السيدة قدرية ذاهلة عما يقوله زهادة إلى حد بعيد, هذا قبل أن تحدثه بشكل مختصر يحثه على قطع استرساله بوجهها, قالت: أنها أصبحت مكتفية ذاتيًا بالحياة ههنا, ولم تعد تألم رأسها بما يجري خارج المحافظة الجديدة, بل خارج الصحارة إذا أراد الدقة.

- ....................
- ....
- تصدقي يا مدام أن هذا هو سابع أو ثامن مفتاح يضيع مني من ساعة ما جئت إلى هنا!!.
- .....

كان الوقت وقت ظهيرة حامية, لذا لم يكن غيرهما بالرواق الداخلي للمقهى وبضع أناس يحتسون مشروباتهم أسفل المظلة الخارجية, وكانت السيدة قدرية قد جلست إلى مكتبها بالحجرة الزجاجية وراحت تعابث لوحها الإلكتروني, بينما انشغل زهادة بحديث بعيد مع أحد العمال عن أهمية حجرة النوبتجية (والتي جدًا قد حرص على إضافتها بالتصميم الهندسي للمقهى عند بنائه, تقديرًا لأترابه من العمال وكذا-;-.). لقد كان زهادة يفتش عن آذان منصتة على إطلاقها, غير محققة بقيمة, وذلك عقب اقتناعه بأن السيدة قدرية لا تتبع سياسته في التواصل مع الزبائن, وهي لا تريد الكلام...
بصخب, دخل نفر من الرهبان المتضاحكين إلى الرواق الداخلي, وقد بدت عليهم السعادة بموقف جماعي لم يمض عليه الوقت الذي يُطفأ حماسته-;- ويتلهف كل فرد منهم لشرحه في عبارة مضحكة. مر وقت, وتقدم أحدهم من السيدة قدرية قائلاً بحياء: ممكن.. أتفقد البريد.. بريدي.. على جهازك إذا تفضلتي؟.
- طبعًا.. تفضل إجلس.
- ممكن اصطحب الجهاز معي إلى هناك؟.
- ممكن.. في حالة واحدة فقط.
- تفضلي!.
- تحكيلي علام كنتم تضحكون وانتم داخلين.
- أبدًا.. كان في واحدة حلوة ماشية.. وبعدين.. إتكعبلت.. سقطت.. فقال أحدنا أنه من أعيننا الصفراء.

السيدة قدرية فعلت أن ضحكت وسألته: عن اسمه؟, ثم أذنت له باصطحاب لوحها الإلكتروني الخاص (مستعجبة لأن وُجد ما أسرها في هذا الصباح الغريب), فما كاد يأوي إلى نفره حتى علا ضحكهم وتصايحهم من جديد.

رشدي الراهب, الراهب رشدي, أو أنه بصورة مجردة "رشدي عبد الشهيد جرجيوس". الشاب الذي صقل ذاته بذاته (من وجهة نظر نفسه), أيضًا الذي أتم عامه الثاني بدير العطاردة قبل شهرين. في البدء كان منتقلاً عاديًا, وحيدًا, يعمل في مجال الدعاية المحدودة ولفت الانتباه, فكان يمتلك متجرًا للافتات السينية بمنطقة حية من الشارع الرئيسي, لكنه للغرابة أيضًا الذي آثر الرهبنة عقب عدة زيارات غير منتظمة لدير العطاردة(1).

في البداية كان فضولاً, ومن ثم فاهتمامًا بما يدور خلال المكان من جهد علمي لاجتراح الجديد من الشروح الروحية, وإضافة تجارب إنسانية نافعة, معاصرة, إلى مجلد الشروح الروحية الكبير. فلم يكن المكوث بهذا المكان سيئاً جدًا (بصورة عامة) إذا توفر بديل موضوعي للحياة الاجتماعية, العادية, مثلاً ليكن كهذه المناقشات والسجالات المحررة فيما بين الرهبان بعضهم البعض.. أو الرهبان والجمهور الزائر بأحيان أخرى.. المراسلات الورقية بين الدير والأديرة الأخرى.. السياحة الروحية الفصلية التي ترد ذكراها بأحاديث المجربين منهم... جملة الأمور التي كان لها الأثر الأكبر في حثه على اتخاذ قراره المصيري (صعيبُ الارتجاع عنه).
إبان جلسة قصيرة مع بطرس رئيس الرهبان, قرر رشدي بيع متجره والتبرع بثمنه إلى الدير, ثم تنازل عن شقته بحي "النسائم" لإدارة التسكين والتنظيم بالمحافظة بغية التصرف غير المشروط. وكان من الطرافة بالنسبة له حينئذٍ, أن يطلب منه الموظف الإجرائي كتابة إقرار بعدم عودته إلى المطالبة بشيء تنازل عنه اختيارًا, إلا أنه بعد قضاء عدة أشهر بالدير قد أقر بالصواب للإجراءات الرسمية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان دير العطاردة – المعاد بناءه – يبعد عن الكنيسة الوحيدة بالصحارة وتدعى "الرعاة"-;- مسافة تقدر باثنتي عشرة كيلوا مترًا تقطع سيرًا مستقيمًا في الرمال إلى ناحية الغرب, أو بمركبة إلى ناحية الشمال في مسافة أطول, ثم يتفرع عن الطريق المركزي السريع طريق قديم يؤدي إلى الدير. ويقول المقدس ويصا أن الدير كان سابقًا على المحافظة الجديدة بزمن بالغ, وأن الصحارة قد خططت بموقعها لتكون بعيدة عنه بهذه المسافة.


(14)

بهذه الساعة المتأخرة من الليل, اجتمع رهط من الرهبان متحلقين حول سرير بطرس رئيس الرهبان, وقد كان الأخير في رهق شديد جراء مرضه الموسمي المتعلق بالربيع من كل عام. كان أحدهم طبيبًا فعمل في محاولات بدائية للتقليل من درجة حرارته, وتطمين الجميع بأنه لا شيء خطر سوف يجري. لكن الحمى كانت قد تمكنت من المريض إلى حد بالغ, فصار يهذي بأسماء رسل وقديسين مختلطة بأسماء عادية, ويغمغم بجمل قصيرة غير مفهومة والواضح منها غير مترابط البنية. هذا ما دعا الراهب رشدي (المستيقظ على الجلبة) إلى تعنيف الراهب الطبيب لتقليله من خطورة الحالة منذ ليل أمس, منبهًا إلى أن الذنب إذا حدث ما يُخشى سيغدو ذنبًا جماعيًا, وأنهم سيتهمون بالتقصير الشنيع من قبل الآباء المركزيين وكل من سيعرف (بسبب تكاسلهم في جلب طبيب متخصص حتى ذلك المآل المتأخر من المرض).
علل الراهب الطبيب موقفه بثبات. قال: "إن معظم الحاضرين على دراية بتوصية رئيس الرهبان أنه في حال مرضه لا يشفيه إلا الرب الإله ولا يدخل جوفه غير الماء". ونطق عدد من الرهبان بتأمينات مترددة على قول الراهب الطبيب. لكن ذلك لم يُبد اقتناعًا على وجه الراهب رشدي وهو يوشك مغادرة الحجرة, قائلاً أثناء انطلاقه: أنه سيذهب إلى الصحارة لجلب طبيب باطني, وأدوية متوقعة, وأضاف: أن الرب الإله هو الشافي في جميع الحالات!. تبعه جبرين دامع العين, أحد الرهبان حديثي العهد بالدير. ثم تصاعدت همهمات جدلية فيما بين بقية الرهبان.

عندما عادوا بطبيب باطني وأدوية متوقعة (بعد ساعة ونصف الساعة تقريبًا), وجدوه قد تنيح, وكان صوت بكاء الرهبان مسموعًا عند أول درجات السلم الصاعدة من الطابق الأرضي. ذهل الراهب رشدي جدًا, وحزن حزنًا فجائيًا مريعًا, فمادت به الأرض وسقط مغشيًا عليه.
لقد كان بطرس رئيس الرهبان يمثل له مثلاً أعلى في الدعة, والسواء, ورقي الخلق. وعلى الرغم من كونه لم يكن أعلم الرهبان بالشروح الروحية للمجلد الكبير, إلا أن رؤاه الكلية كانت ثاقبة ويعبر عنها بكلام بسيط هو من طبيعة عقله (لذا كان بطرس رئيس الرهبان يُصر على ألا يُسجَّل اسمه تحت أي شرح جديد, ناكرًا ذاته جدًا, ومؤكدًا أن من يصيغ الفكرة هو الأولى بالمسائلة عنها, وبدوره يكون الأحق في انتسابها إليه).

مرت ثلاث ليال والراهب رشدي مكروب في صلاة دائمة, لا يعرف النوم إلا سقوطاً, وفي صباح اليوم الثالث قرر الخروج, فقطع الرمال سيرًا إلى الصحارة, وتجول بعدة أحياء منها قبل أن تأخذه قدماه إلى البحيرة الاصطناعية. جلس تحت شجرة كوناكاربس مفترشًا عشب الشاطئ المهذب بعناية فائقة (والذي بدا له عشبًا اصطناعيًا كذلك), أسند ظهره إلى الشجرة وما انفك يحدق بالفراغ الكائن بين السماء وانعكاس مقهى زهادة على مياه البحيرة, حتى أن مرت عليه عدة ساعات لا يريم. لقد كان يفكر بمسألة الرهبنة ككل غير مجتزأ منه شيء, جدواها, معناها, هل تسرع؟, كم سيبقى؟, أم أنها تلك رأسه المشوشة بموت بطرس رئيس الرهبان (أحد أهم أسباب إقدامه على التجربة) هي المسؤولة عن انتشار هذي العدمية المريرة في خلاله؟!.
في بداية قطونه بالدير كان قد عايش أحاسيسًا مشابهة, عدا أنها لم تكن بمثل هذا الثقل أو المرارة الكثيفة. أيضًا كان للأجواء والشخوص الجديدة آنئذٍ دورًا جاذبًا للانتباه, وفاعلاً في التخفيف من حس الاغتراب. صحيحٌ أنه لم يسترح بشكل يقيني لصداقة أحد من معلمي الشروح الروحية القدامى, أو الآخرين المتتلمذين حديثي العهد (واستثنى جبرين دامع العين) ولكنهم على الإطلاق كانوا يمثلون صحبة جيدة. الآن أصبح يشعر ببذرة كراهية تبزغ في قلبه تجاههم, ليس فقط لتهمتهم بالتقصير في حق المتنيح, بل كذا أن الجميع كانوا يحتوون عيوبًا نفسية جسيمة يكشفها الوقت, أو يطمرها, مما يحمله أحيانًا على الشك بنواياهم الرهبانية, أو تمحيص الدوافع التي أتت ببعضهم إلى هذا المكان تمحيصًا ذاتيًا يخالف الظاهر. فلما غلبه النعاس نام بمكمنه من العالم إلى مقدم الليل.


(15)

تزلزلت الأرض من تحت الناس بمقهى زهادة. سقطوا من فوق المقاعد على وجوههم, وظهورهم, وتدحرجوا أرضًا لعشرين ثانية على الأقل, فاختلطوا, وصرخت الموظفة تقى بين ذراعي الأستاذ عبد المعز متشبثة بعنقه في رعب اللحظة, وسقط الراهب رشدي بين ساقي السيدة قدرية إذ يعيد اللوح الإلكتروني, واصطدم رأس زهادة بأشياء ورؤوس أخرى ففقد الوعي... ثم صار صمت عميق لثوان, خيالية, بطيئة, بدت كموت جماعي للأزمنة (هاتيك المتعددة بتعدد المستلقين من الناس والأشياء المبعثرة).

كان الأستاذ عبد المعز من أول الناهضين, وقد تفتق ذهنه عن بضع عبارات مثبتة للناس الذاهلين والخائفين من قبيل: "عدت سَلم الحمد لله.. هزة أرضية وراحت لحال سبيلها.. هل هناك من يعوزه شيء؟.. كله يساعد بعضه..". في خضم الهمهمات وزفرات الحمد المتصاعدة, زعقت عليه السيدة قدرية سائبة الأعصاب: أن هناك من ينزف. وكان رأس زهادة قد انبطح في سن منضدة, وفقد وعيه, والراهب رشدي كان يستعدله رأسيًا بيدٍ محاولاً كتم الدماء بالأخرى.
اندفع الأستاذ عبد المعز إلى معمل المقهى محضرًا وعاء البن وغمر محيط الجرح, والراهب رشدي تولى كبس المسحوق حتى توقف النزف, فربط على بؤرة الجرح بمزقة وافية من مسوحه, وفتح زهادة إحدى عينيه بصعوبة يتفحص بوجهيهما (كذلك بقليل الأوجه المنزعجة – المتفرجة). نظرا إلى بعضهما في امتنان إنساني صامت, قبل أن يُسرع الراهب رشدي نحو باب المقهى, ويرتد الأستاذ عبد المعز إلى جوار الموظفة تقى وقد بدت مجمدة في ذعر عميق.
لم يكد يمض وقتاً إلا وكان هدير عشرات المروحيات يرف غزيرًا بسماء الصحارة, وتلتمع أجسامها بشعار "هيئة درء الكوارث المركزية" الأحمر البراق. في وقت كان جميع رواد زهادة قد خرجوا به إلى الشارع, وصاروا يشهدون أبنية لم يخمد غبار انهيارها بعد.. سيارات ارتطمت بجدران.. صراخ أناس يفرون من بيوتهم بالمدى القريب للمقهى.. بالمثل هم كشهود كانوا يشكلون شيئاً من المأساة في صورتها الحية (وكان البعض قد اشرأب بوجهه عاليًا لمطالعة دخان أسود كثيف, بعيد, يتوالد بالأفق من ناحية مدينة تهادي القريبة بنحو ثلاثين كيلوا مترًا).
كان كل ما يشغل بال الأستاذ عبد المعز بعدما أفاق من عظم المشهد, هو المقدس ويصا وما آل إليه الآن. والموظفة تقى كانت تحاول استجماع شتاتها من البكاء والخوف, ففكت ذراعيها من حول ذراع الأستاذ عبد المعز وتذكرت زوجها فقالت تضرب على صدرها: أنس... أنس حاليًا في البيت.
- إن شاء الله خير.. يكون بخير.. أنتِ أين سكنك؟.
- نموذجية.

الوسائط الموجية صارت معطلة جميعًا, ولم يستطيعا التقدم بالسيارة لأكثر من عشر دقائق, فالعديد من الناس يقطعون الشوارع لتسهيل نزول فرق الإنقاذ من المروحيات (المحلقة على ارتفاعات منخفضة), والأبنية المتهدمة تقطع شوارع أخرى بكتل خرسانية ضخمة. ثم بأحد الشوارع الجانبية عند بداية الحي وجدا سدًا من الناس يخبطون فوق زجاج السيارات, ويوقفون حركة السير المضطرب بثورة عارمة, فلما نزلا من السيارة عرفا السبب بمجرد المشاهدة وسماع الصريخ المتقطع. كانت بضع جثث مضرجة في دمائها على جانبي الطريق في إصابات بالغة, وبداهة فهي جراء حوادث اصطدام بين الضحايا وأولئك الذين كانوا يقودون سياراتهم بسرعات مفزوعة.
وهو اقترح عليها: أن تترك السيارة لقدرها وليغادرا العطاردة إلى نموذجية ركضًا, فثلث ساعة تقريبًا من التعب المتواصل ستكون أفضل من دقيقة انتظار على هذا النحو (كان يستشعر أن الانتظار سيغدو جنونًا في مثل هذه الظروف المنبأة أن عنفاً ما سوف سيحدث). وهي اقتنعت بعد نظرات مترددة تجاه السيارة, فانطلقا سراعًا وقد حفهما الوهج المصاحب للبداية من أي شيء.

في الطريق كانا يمرقان بالفظائع الجسام, وكادت الموظفة تقى تتهالك باكية جزعة لأكثر من مرة, لكن الأستاذ عبد المعز لم يكن يسمح لها بالتوقف سوى لالتقاط الأنفاس, ثم يشبك يده بيدها ويندفع راكضًا لمرة جديدة.
وقد كان حي "النسائم" من أشد الأحياء تضررًا في الحقيقة, إذ انهارت عدة وحدات سكنية متجاورة فصنعت مشهدًا ضخمًا من مشاهد الكارثة, وتهدمت من مدرسة "النسائم الانتقالية المشتركة" أجزاءً كبيرة, فحمد الأستاذ عبد المعز الله على أن اليوم هو يوم جمعة, ولا أنشطة مسائية بالمدرسة. فلما حول بصره إلى سماء حي "القانونلي" لقوة الهدير القادم من هناك, رأى تحويمًا عدديًا كبيرًا للمروحيات, كذلك فقد حدس بحجم الدمار.
ظهر الشارع الرئيسي أولاً, فبدا قليل الخسائر لكون أبنيته من طابق أو اثنين كحدٍ أقصى (ولم يستطع الأستاذ عبد المعز بنفسه إيثارًا لزوجها على صديقه). ترك يدها وعدا يلهث مجهدًا بالغ الإجهاد, ثم هو التفت لتحفيزها على المضي مشيرًا باتجاه محل المفاتيح.

الباب الزجاجي كان قد تسرطن, فتهشم إذ يدفعه, وأصابت ساعده بعض الشذرات الزجاجية السميكة. سمع أنين المقدس ويصا فشرع يزيل ما تكدس فوقه من أجهزة وأشياء. لم تكن حالته سيئة جدًا فقد كان بنيانه قويًا على الرغم من تقدمه بالسن, وكان يحتفظ بوعيه سليمًا. فقط كان هناك بعض الرضوض والكدمات الهينة, والكثير من الذهول التابع للتزلزل. أجلسه على مقعد, وسقاه, ثم قال له: ألا يتحرك من مكانه, وأنه سوف يعود على وجه السرعة.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/2
- المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/1


المزيد.....




- روسيا ضيف شرف مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية وا ...
- مجلس النواب يصادق على مشروع قانون يتعلق بمؤسسات الائتمان وال ...
- العثماني يتباحث مع رئيس الجمعية الوطنية بجمهورية صربيا
- هاني شاكر يفاجئ جمهوره بصورة تظهر تغيرا كاملا في الشكل!
- اسماعيل هنية: أحمل تقدير الشعب الفلسطيني لجلالة الملك
- -روس كوسموس- تعرب عن الاستعداد للتعاون مع ناسا في تصوير فيلم ...
- أصولها فلسطينية ووالدتها فجرت أزمة سياسية في تركيا.. من هي م ...
- علي ناصر محمد يكتب عن رحيل الشاعر الكبير سعدي يوسف
- معهد الجزيرة للإعلام يختتم منتدى أخلاقيات الصحافة في العصر ا ...
- ضمن فعاليات بيت لحم عاصمة الثقافة العربية.. إشهار كتاب “بيت ...


المزيد.....

- قصة الخلق . رواية فلسفية. / محمود شاهين
- فن الرواية والسينما والخيال: مقابلة مع سلمان رشدي / حكمت الحاج
- أحمر كاردينالي / بشرى رسوان
- بندقية وكمنجة / علي طه النوباني
- أدونيس - و - أنا - بين - تناص - المنصف الوهايبي و - انتحال - ... / عادل عبدالله
- التوازي في الدلالات السردية - دراسة ذرائعية باستراتيجية الاس ... / عبير خالد يحيي
- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/3