أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/1















المزيد.....



المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/1


أحمد عبد العظيم طه

الحوار المتمدن-العدد: 4262 - 2013 / 11 / 1 - 02:41
المحور: الادب والفن
    



الناس أفكارٌ وقناعاتٌ. القناعاتُ تبنى على الأفكار-;- وليس العكسِ بصحيحٍ تمامًا.

















(1)

الآن-;- حين تذهب إلى المحافظة الجديدة سوف لن تجد ما يشير إلى جريان حياة مدنية فوق هذه الرمال الأرجوانية-;- والصخور المحترقة-;- والطرق بالغة التشعب. فقط من البعيد تظهر المئات من رؤوس المناجم, ومصانع التنقية والفصل, والشاحنات, وكبائن الوقود. وأقول أكيدًا أنهم قليلون هم الذين ذهبوا إلى المحافظة الجديدة ولازالوا ما بيننا في عداد الأحياء حتى هذا الوقت المتأخر من الزمان. أقول كذلك بندرة الذين على وعي بما استمعوه متواترًا (في غالب الأمر) عن تلك "الفترة" المهدرة تاريخيًا, جراء قوة ما أعقبها من "فترات عصيبة" كان لها بليغ الأثر في سلب الإضاءة التاريخية عما عداها من "فترات محيطة".
بسبب هذا كله, كان الحديث مع المقدِس ويصا من الأمور الشائقة جدًا لكل من يعرفونه. فذكرياته بالمدة التي عاشها هناك هي محور حديثه العاقل, البطيء, وسر سعادته بالسامع المتنبه لما يُحكي في كثير من الجلسات. كذا تصدر بَرقة ملحوظة تميز نظرته العميقة لمحدثه حين يقص تفاصيل حادثة قد جرت هناك, أو أحوال السكان النفسية أثناء التهجير المفاجئ, أو يسأل فجأة: أنتم أساسًا إيه؟.

كان في شباب حياته يعمل صانعًا للمفاتيح, وقد تخرج خراطاً ماهرًا فيما كان يدعى عندئذٍ بـ "مراكز التكوين المهني والعمالة الفنية الماهرة" وهو الذي يحلو له كثيرًا نطق المسمى هكذا كاملاً في عبارة فصيحة, مفاخرة, خاصة حين يرد بكلامه شيئاً ما عن التعدين أو صناعة المفاتيح. وإزادة على مسألة تغوله بالسن في الذي يجعله مميزًا بالنسبة لأترابه ومقبولاً جدًا من زوارهم الكثيرين, هو أن جميع أبنائه وأقاربه قد أصابتهم المنية في حياته. لم يعد له من جنس مخلوق يسأل عنه أو يزوره كالباقين. ولهذا السبب أو بغيره فقد كانت كلمة المقدِس ويصا من الفقرات الثابتة باحتفالية التنسيق المعنوي السنوية لثمان وثلاثين عامًا متوالية الزمان. أعطاه الله العمر والتماسك, وأمده بسلامة الحضور, واشتمال الذاكرة العتيقة. فهو الآن يعد أقدم أعضاء ديار رعاية الشيوخ بعموم الجمهورية(1). ومن وجهة نظري البسيطة فهو يعد أكثرهم أهمية.

السادة.. زملائي الأفاضل.
أحبائي.. وأبنائي.. وأحفادي.. الزائرين.. الأعزاء.. والموظفين.. المخلصين.. الأبطال.... اليوم وانا قادم.. في الباص.. إلى هنا.. مكانكم الجميل هذا.. كان في ذهني أحكي لكم.. عن عظة من العظات العظيمة.. القديمة.. جدًا.. وكنت تفرجت عليها منذ وقت قريب.. في المسبار الموجي.. "جويس ماير" لو تتذكرون عنها.. أي شيء.. لكن الآن وجدتني.. أود أن أحكي لكم.. عن حاجة مختلفة.. خالص.. موقف صغير حصل لي.. أيام ما كنت ساكن.. في المحافظة الجديدة.. يمكن تلاقم فيه.. عظة تعينكم.. على أيامكم....
في يوم من الأيام.. على باب محل المفاتيح بتاعي.. لقيت راجل شكله مكروب.. ومبهدل.. على الآخر.. وكان شايل فوق كتفه.. عمود نحاس.. مزرنخ.. ومتآكل.. ومعبي رملة محجرة.. لما قال يا بس. قال لي: يا اسطى ويصا.. أنا جئتك.. مخصوص.. من الفيوم.. الناس كلهم.. قالولي مفيش غيرك لسه شغال.. في المفاتيح المعدن.. عايز نسخة.. صحيحة.. على مفتاح.. زي هذا.
طبعًا.. أنا استغربت.. وقلت له: ياه.. هكذا فقط!.. لا يهمك شيء....

كان هكذا حديث المقدس ويصا على الدوام, شيقاً, بسيطاً, مرحًا, وما دعاني إلى كتابة هذا الكتاب إلا أن المقدس ويصا يذكر قصصًا بالغة الغرابة عن الفترة التي قضاها بالمحافظة الجديدة, كذا يَذكر أحداثاً تقنية شديدة التقدم تكاد لا تجري في عصرنا الجاري!. لهكذا أسبابًا فقد تكفلت على مدار عدة أعوام بتسجيل أهازيج هذه الحياة العجائبية القديمة لصانع المفاتيح. والله أعلم مَن يموت قبل مَن.

يقول المقدس ويصا ذات مرة: ولقد نشأت بدعة جديدة بين أهالي المحافظة من المتسلمين لشققهم منذ المراحل المنتهية الأولى, فكان كل ساكني صف من ثلاثة صفوف الوحدة السكنية يسمون مدخلهم باسم يتفقون عليه, ثم يتفق الجميع على اسم رئيسي للمبنى جميعه, فكانت بدعة جيدة وكانت أسماء جزئية من قبيل/ المدار – الليل – خرير – بر الهوى الشمالي – حواءون – النار– عين ذرة – بيوتنا – الحياة – فراقيط – أنسباء الناس – .... ولكن اسمًا عامًا لمبنىً ما-;- لفت نظر جاري الجديد (بالشقة المواجهة لشقتي تمامًا), الأستاذ عبد المعز خليل مدرس فلسفة التاريخ بمدرسة "حي النسائم الانتقالية المشتركة".. لازالت الذاكرة جيدة.. الحمد لله.. الشكر لله.. كان يسير إلى جواري متفقدًا الجزء الأمامي من منطقته الجديدة, عندما تنبه إلى "القرن العادي والعشرون". وقد كان ترتيب العفش أنهكه إلى مدىً بعيد, فصدر عنه أن ابتسم في مرارة غالبة عليه هامسًا: عبارة فاقعة.
لقد كان موقفه صارمًا تجاه "العبث الاستهلاكي والكلام الفارغ" بنص كلامه عندما قال ذلك. وهو ما دعاه بعدئذٍ بـ "الحداثة المشوهة" والتي لم يهرب منها هناك كي تجيء له إلى حيث انتقل. كانت هذه الطبيعة الحازمة بأخلاق الأستاذ عبد المعز هي المتسببة في نشوب أول معاركه ههنا.. بالمحافظة الجديدة.. مركز ومدينة الصحارة.. حي "القانونلي".. التجاور السابع.. مبنى.. ماذا؟.. مدخل.. ماذا؟.. يا تُرى!!.

أرباب الوحدات السكنية كانوا يخرجون في الساعة الرابعة عصرًا بمقاعد وبدون-;- إلى حديقة المبنى الخلفية. وقد تركت الحديقة الأمامية للأطفال ولمن ليس مهمًا برأيهم ما يجري من اقتراح أسماء المداخل والاسم العام (وتعارف الجيران) وما ينحو باتجاه ذلك من حوادث ابتداعية (أو مقلدة). وقد اكتمل الاجتماع الجزئي بحضور كلانا, وكان يترأسه أول المتسلمين بمدخلنا الحاج ماهر أبو وافي, والذي كان من النوع شديد الاعتداد لأصوله القلاعية, ويعمل في مجال صناعة الكوبالت.

وقالوا: ماذا نسمي هذا المدخل الجديد؟. فقال الأستاذ عبد المعز له: "سؤدد". وقال كمال قصاص الصلب له: "توازن". وقال الحاج ماهر أبو وافي له: "نقا". (وهنا المقام يا سيدي فلقد ينشأ خلاف وتضمر ضمائر فتصير إلى ما آلت إليه): كهكذا تحدث الشيخ أبو همام الواسطي بينما يفرد ذراعيه بين الأستاذ عبد المعز والحاج ماهر أبو وافي, فانتبها للكلام ولم يطورا الزعيق إلى ما يعقب عادة بضع تشويحات طائشة, فصمتا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما يعلم القاصي والداني, فعملنا بمراكز رعاية الشيوخ هو محل تقدير دائم من المجتمع الكلي, وفريق التصحيح النفسي الذي أشرف بالانتماء إليه لا يدخر جهدًا في التجويد الاستمراري للبرامج العلمية المستخدمة بالعمل. هناك بحث متصل عن كل جديد يتبع علم النفس الرعائي, بما ينبني عليه أحياناً كثيرة إجراء تحديثات لمناهج الحياة بالدور. إضافة إلى ذلك فهناك اجتماع أسبوعي للإدارات الجزئية (يُعقد بهيئة الرعاية النسبية العامة للمجتمع) تطرح خلاله كل المعوقات, والمقترحات, للحل, والتصور, كما تناقش الدراسات الجديدة المخصوصة بما نعمل في كل التطبيقات. ويجدر القول أنه وبشكل يومي تقريبًا, لم يكن جدولي العملي يخلو من مقابلة باحثٍ أو كاتبٍ (من القادمين للحوار مع السادة الشيوخ بتصاريح رسمية), أو واحدًا من الزوار الذين يدلون بأفكار جيدة في عديد من المناسبات. لقد كان الفائض التقني قد أضحى هائلاً على أقل تقدير, وكان من الثقيل على نفسي ألا يكون لهذا الفائض استخدامًا في غير ما يتعلق بالبعد التنفيذي. فكرت كثيرًا في كتابة ما يشبه اليوميات على النحو الكلاسي المتعارف عليه, ولكنني زهدتُ بالفكرة لكونها قد تدمج بين "الشخصي" و"الآدائي" في قالب واحد.





(2)

بعد أن زادت الكثافة السكانية إلى هذا الحد, وتوافد آلاف الدفعة الأخيرة من رافضي قرار "التغييرات الجذرية الحاسمة" إلى مراكز المحافظة الجديدة (كمتسلمين جدد لشقق المرحلة الثالثة المنتهية), أضحى هناك حياة, وشغل, إلى نسبة معقولة. فكل يأتي باحتياجاته كما يأتي بصنعته أو بمهنته. وقد أصبح السائد أن الناس تنسى كل يوم, فتضيع المفاتيح جدًا, وبكثرة.

وكان محل المقدس ويصا يقع على شارع يُدعى الشارع الرئيسي بمركز ومدينة الصحارة. ولمن لم يسمع بالاسم (البائد) من قبل, فقد كانت (الصحارة) كبرى مدن المحافظة الجديدة وعاصمتها الأساسية. بها كان يقوم مبنى المحافظة, وملزم الشرطة الرئيسي, وفرع تعريفية الحقوق البشرية بالمحافظة. كذلك العديد من إدارات المرافق والمصالح العامة التابعة للقطاع غير المركزي. وقد اشتهرت المدينة طوال فترة قيام المحافظة الجديدة بتجارة المعادن, وتصنيعها, هذا أن الآلاف من الحدادين والبرادين وتجار المعادن هم كانوا الفئة الظاهرة على مجتمع الصحارة (وقد احتُسب ذلك تخطيطاً ناجحًا, كون الصحارة كانت أقرب مدن المحافظة الجديدة إلى وادي القصدير), فراحت المئات من ورشات التصنيع ومعامل الصهر ومستودعات بيع المواد الخام تنتشر بأحياء المدينة.

ويقول المقدس ويصا أن حقيقة ما حدا به إلى إرسال طلب الالتحاق بالراغبين في الانتقال إلى المحافظة الجديدة, ما كان إلا لحاجة نفسية في الرحيل.. نحو ماذا؟.. لم تكن الإجابة مهمة بقدر حاجته إلى القيام بمكان جديد. قد يكون الأمر راجعًا إلى سفر آخر أبنائه إلى الخارج.. يقول: ربما. وفاة زوجته عقب ذلك بعدة أشهر.. قال: قد يكون. حتمية رجوع الأبناء إلى مساكنهم البعيدة عقب آداء الواجب.. قال: هذه بالأخص.

في البداية لم يكن الأمر يتطلب سوى ملأ بضع خانات إلكترونية ببيانات الراغب في الانتقال, والإشارة إلى السبب المباشر في عبارة واضحة: "أرفض قرار التغييرات الجذرية الحاسمة". ثم أمست الأمور أكثر تعقيدًا بعد أن تزايدت الأعداد إلى ما يفوق تجهيزات المدن المنتهية بالمحافظة الجديدة, فكان الناس ينتظرون الموافقات المركزية لمدد أطول, ثم أصبحت لا تجيء لأحد, حتى أُغلق باب الانتقال إلى أجل غير معلوم, وأُعلنت المحافظة الجديدة منطقة مقصورة لساكنيها من المتسلمين لشقق, أو أراض, وتخضع لعدة مواد استثنائية من الدستور العام لدولة القانون.

(3)

بأحد أيام الشتاء فظيعة البرودة, كان الأستاذ عبد المعز خليل – مدرس فلسفة التاريخ – يغذ السير باتجاه مدرسة حي "النسائم" الانتقالية المشتركة. هو كان قد تأخر بالنوم بداعي السهر للقراءة, وإلا لما اكتنفه هذا الشعور الجيد بالرضاء عن النفس أيما كانت النتيجة, حتى لئن احتسب اليوم غيابًا بدون إذن, فهناك مقابل معرفي قد حُصل بما يفوق الأجر المختصم عدة مرات على الأقل. لقد ختم الفصل الأخير من "تهافت التهافت" مما جعله مشبع الذهن إلى حدٍ فائق, لازالت آخر كلمات الكتاب تطوف خلال ذهنه كالأفلاك المشعة: "والذي يحدث في الخيال غير الذي يحدث في الحس المشترك والذي يحدث في القوة الحافظة والذاكرة غير الذي في الخيال. وهذا كله على ما تبين في كتاب النفس". وقال عبد المعز بنفسه: فما كل هذا الوضوح الضاري يا أبا الوليد؟ ومن ذا قد يرثك يا أبا حامد؟.
لكنه ما أراد ترك المدرسة هكذا دون أن يُدرس شيئاً, رغم كون ذلك الاستحقاق يحين له الآن بجدارة. فقط لم يكن السبب ينحصر في موجهِ الوزارةِ المتعالم (والذي قرر أن يتولى حصصه لهذا اليوم مستعرضًا سلطته البائسة), ولكنهم التلامذة كذلك (عدا فئة ضئيلة) كانوا جماعة يكرهون مادته كراهية العماء, يعتبرون أنها كقشرة الثمرة لا لزوم لها ما داموا قد تميزوا بالرياضيات التطبيقية والمتعدية. لكنهم في الحقيقة غالبًا ما كانوا ينصتون لما يقول ولو بغير إمعان, إما احترامًا لتميز أسلوبه التدريسي, وإما خوفاً من فقدان مجرَّب لدرجات التقرير الربع سنوي.

- ما أروع الجنس البشري. الإنسان. هذا الكيان الحائر عظيمًا في وجوده بالوجود, منذ أن ولد إلى أن يموت, منذ الأزل إلى الأبد(1) يكون كذلك. فتكون تلك "الحيرة العظيمة" كالزيت بالنسبة إلى الآلة, يأكل الأتربة ويمنع صدأ التروس الخاصة بالسعي نحو النواة. المعرفة. الخلاص. أيًا ما كانت الكلمة المقصودة بالسعي فهي تحمل معنى وحيد, "الحقيقة". فقط "الحقيقة". بالتأكيد المنطقي القائل بالمعلول والعلة, وأن البشر جميعًا يسعون إلى "الحقيقة" بفترة انتظارهم لتحققها, وحتى وإن كانت هذه "الحقيقة" تكمن في ذاتها بذاتها خلال مجهول من الكون كما تواتر بأفلام الخيال العلمي المحملة بـ "فلسفة الفن", وحتى وإن كانت غامضة على مر الأزمنة, ومختلف حول داعيها بأزمنة أخرى, فلا مناص من أنه سيجيء زمان للتحقق. هكذا يكون الحال دومًا بالمعادلات اللانهائية, لابد من فرضية رياضية لإنهاء سلطتها على بقية التفكير, ...

- على فكرة: نحن نعرف القراءة زي حضرتك بالضبط يا مستر.
- يعني؟. ماذا تقصد؟.
- أنا لست معتادًا على طريقة التعليم هذه هنا حضرتك.
- إجلس يا حبيبي.. أنا لم أقل شيئاً بعد.
- أسئلة كثيرة تجيء في دماغي أثناء القراءة لازم تتسئِل آنيًا حضرتك.
- تفضل.. إسأل!.
- ما ضاعت خلاص حضرتك.

نما ضحك مكتوم وتغامُز تلامذة بين جنبات الفصل, مما جنح بموجه الوزارة المركزي إلى السكوت عاقدًا ذراعيه خلف ظهره, ناظرًا في محيط الجميع, ثم إنه ثبت وجهه باتجاه الأستاذ عبد المعز (الجالس بآخر مقعد في الصف) في إشارة بالوجه واضحة, خالية, ربما تكون لحضه بالعقل على التدخل!. أو ربما لحثه على عدم المبالغة في الشعور بالسعادة إثر هذا الإحراج المبكر!.

تكلم الأستاذ عبد المعز إلى تلامذته: بالصمت. في حين كان يذرع باتجاه اللوحة الإلكترونية. ثم أتبع: بضرورة الإنصات إلى المعلم أيما كانت طريقته في إبلاغ المعلومة, وأنه ليس من المستحب مقاطعة أحدًا لأحدٍ أثناء قراءته لنص, فلربما تكون هذه هي طريقته في البدء, أي طرح الفكرة المركزية بصوت عال!.
عاود الأستاذ عبد المعز الجلوس, وقد حاول التقليل من مسرته الخبيئة بأجواء هذه المطحنة الشكلية, والتي أوقع موجه الوزارة المركزي نفسه بها عن استهانة. فهو بالنهاية موظف عام من النوع الكلاسي, ويبدو أنه قد ترك التدريس منذ أمد بعيد, ذلك طبقا لسير انفعالاته المحتدة وشبه المحتدة بين مداخلة وأخرى. لقد طفقت له نوعية طلاب المحافظة الجديدة شيئاً صادمًا. هؤلاء الصبية الذين جاءوا كنتيجة لنوع من الانتخاب الطبيعي (قد قام به آبائهم), فتأطرت جميع الأطياف الاجتماعية على اختلافاتها بإطار متضح الخصوصية والشمول في آن. حتى أن هذا الإطار قد اشتمل (دون عناء) تغول الطبقة المنتفعة بانتقالها فيما لا يخص قرار "التغييرات الجذرية الحاسمة", مثلاً كتجار المعادن وصناعها, كذلك أصحاب الحرف والمهن الخدمية كالفنيين, المضاربين, السماسرة, اختصاصيي الدعاية المحدودة ولفت الانتباه... وقد أوجز موجه الإدارة المركزي كثيرًا, فسهل على نفسه وعلق عدة تعليقات تتضمن جملاً بعينها مما قرأ, ثم إنه بكبرياء العمر طلب من الأستاذ عبد المعز إكمال حصته, واستأذن مغادرًا من فوره.

في طريقه إلى بوابة المدرسة للمغادرة, صادف الأستاذ عبد المعز زميلته بالعمل الآنسة صافي مدرسة "الفيزياء العملية", وسلم عليها سائلاً عن أخبار منهج "الفيزياء العملية" الجديد معها والتلاميذ. ندت عن شفتيها ابتسامة خافتة, ثم بثقة نظرت بعيني الأستاذ عبد المعز وقالت: أنها فوجئت بالفصل الأول من الكتاب مبسط إلى درجة مقلقة, ولكنها عادت واكتشفت الغرض بفصول تالية بلغ منها التعقيد العملي مبلغاً صارمًا, إذا هي امتلأت بمعادلات متواترة, ناقصة الحل, لا يستقيم التقدم بالمنهج المعملي دون إكمالها. ودعها الأستاذ عبد المعز شاكرًا لها هذا التكثيف المفيد بالإجابة.

الآنسة صافي كانت مدرسة جميلة, وتمثل مرحلة عمرية بعينها, تستحوذ بها الانجذابات العاطفية على الأنثى. لذا كان الأستاذ عبد المعز يتحسس في مرات كلامه معها ألا يبدو مبطنًا لشيء, فهو سطحيٌ جدًا, ومهنيٌ تمامًا, كشكل نموذجي لزميل جيد بالعمل. وعندما دلف من البوابة مغادرًا كان قد استقر بضميره أنه فعل الصواب بقصر الحديث على هذا النحو المتعجل, خاصة بعد أن اشتم بصوتها رائحة ما جربه كثيرًا من حيث انتقل, ولم يعد يستسغه مزيدًا. هو كان الأدرى بدخيلة ذاته, وأنه ما جاء إلى هنا إلا لكي يكون وحيدًا, حتى وليكن إلى درجة التقشف الاجتماعي, فلقد يكفيه ما كان إلى مدىً بعيد.. بعيد. وليحيا بحد الكفاف من الناس. ولينفق نفسه بحساب. وقال عبد المعز في نفسه: أين أقضي ذلك الفائض من ساعات النهار يا ترى؟. وقال لسائق التاكسي: الشارع الرئيسي يا طير.
سيذهب إلى محل عمل المقدس ويصا, جاره الجديد, الودود والطيب حتى منابع الأخلاق الحميدة, والذي دعاه أكثر من مرة لزيارته بمحل عمله كي يعلمه صناعة المفاتيح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هناك بداية ونهاية باللغة على أقل تقدير.


(4)

على الباب الزجاجي طرقت عجوز ثم دفعته والجة, كانت ستينية جعدة, ذات جلباب أسود, وضفائر رمادية بادية وراء الأذن من تحت ربطة الرأس, وعلى جانبي جبهتها قد وُسمتْ العصافير فبدت صحراوية الجذور. قالت: ودي تفتح لي السامسونيت هذي يا شيخ.. طارت ارجامها من راسي والله كنها ما كانت.
تفحص المقدس ويصا الحقيبة متوسطة الحجم, كانت من إنتاج ثمانينيات القرن المنصرم عندما قرأ قطعة البيانات, وبدا أن بها ما يمثل مركز ثقل يستقر بالأسفل كلما أمالها على أحد أجنابها.

- حضرتِك من سكان الصحارة؟.
- لا بالله جياك من مرسى علم على السيره الحسنه يا شيخ.
- عِشتي يا أخت. حضرتك تجيلي كمان يومين تلاقيها جاهزة إن شاء الإله الواحد.
- افتحها لَيّ الحين وخذ ما يكفيك يا شيخ.. لا يستجيم اسافر إلا وهيـ معي.
- هي جواها إيه؟! أقدر اسأل.
- الأمر بسيط يا شيخ.. رمل وودع وخيطان.
- رمل وودع وخيطان!. بتعرفي تبيني؟.
- وارثة عن أخوالي.. بس ماهو شغل.. عندي مال كثير والحمد لله.
- انا سأترك كل ما بيدي وأشتغل عليها الآن.. لكن لي شرط واحد..
- تشرّط والله المعين.
- تقرئي لي الطالع بعد ما اخلص.
- صادجة وتصير كلمتك يا شيخ.

استراحت العجوز على مقعدٍ, وراح المقدس ويصا يُعد أدواته اليدوية الدقيقة, مستبعدًا الغليظة منها قدر الإمكان, فالحقيبة من هذا الطراز الزائل تمثل له تحديًا كبيرًا, ليس فقط بفتحها, ولكن بالمحافظة على حماية دوائر الإغلاق المعدنية (الرياضية) من الكسر, كي يمكن إعادة استخدام الحقيبة مرة أخرى. كهكذا كان يتعامل مع الحد الأقصى للنجاح كلما تصادف بما شابه من مشكلات خلال مهنته الطريفة كصانع مفاتيح (استثنائي).
وعندما طرق على الباب الزجاجي ثم دفعه داخلاً, كان المقدس ويصا قد أحرز تقدمًا بإحدى الدوائر فبدا سعيدًا وهو يصافح ضيفه ويثني على وجهه أنه وجه خير, ولابد أنه سيكون صانع مفاتيح جيد بيوم من الأيام. في ذات الوقت كانت العجوز تحدج الأستاذ عبد المعز بنظرات غاضبة, متقطعة, وقد انعقد حاجبيها وظهرت غير مرتاحة البال. نهضت منوهة للمقدس ويصا: بأنها ستغيب قدر ساعة, فعساه ينجزها ما وعدها بهذه المدة كي تتمكن من العودة إلى "مرسى علم" قبل توغل الليل.
على مهل طاف الأستاذ عبد المعز بين أرجاء المحل, يتفقد الأجهزة الإلكترونية القليلة والمتصلة جميعها بلوح تحكم واحد, كذلك مجموعات المفاتيح الخام (غير المبرمجة) ذات الأشكال الجذابة تتألق داخل حوافظها الزجاجية, فمنها مثالاً للطرافة ما هو على شكل قوس, أو طائرة, أو كرة رجبي!... وكان هناك ركنًا خاصًا ارتصت به ألواح معدنية (متراوحة الأقطار ومختلفة نوع المعدن), وقاطوع ضوئي متعدد, وبعضًا من العُدد اليدوية الغليظة والدقيقة. وقال المقدس ويصا: أن هذا الركن يخص صناعة الخزائن الصغيرة.
تبادلا حديثاً قصيرًا حول آخر أحداث الشأن العام بالصحارة, ثم صمت الأستاذ عبد المعز عن التمادي في الحديث, فقد أحس بمدى انهماك مضيفه فيما يعمل عليه: بقيت دائرة واحدة وتفتح.. المشكلة أنها أصعب دائرة.. جايه في المركز بالضبط.
كان صوته مغرقاً بالتركيز فبدا كأنه يتكلم إلى ذاته, لذا فقد آثر الأستاذ عبد المعز في نفسه أن يستدرك بالمغادرة كيلا يشوش أفكار صاحبه (هذه المستولية عليه حتى النخاع), لكنه تراجع سريعًا عن ذلك لئلا يأتي بأثر عكس ما أراد (أو أنه لم يكن مؤثرًا لقراره بالقدر المطلوب). استمر في تجواله المتباطئ خلال المكان, وإلى أن استقر على أحد مقاعد الانتظار, أمسك يتصفح بنسخة كنسية فاخرة من "الأبوكريفا"(1) كانت تقبع على رف للكتب, ومر وقت سعيد.

- فتحِتْ!. سمعت التكة من عندك؟.
- أحسنت يا مقدس, يظهر إنك شاطر فعلاً.. لم يعبر غير ساعة إلا ربع الساعة من الساعة المهلة.
- صاحبتها حتنبسط جدًا لما ترجع.
- على الله أن تقدر مجهودك بشكل مناسب.
- أتمنى هذا.. وأكثر.

حكى المقدس ويصا عن فحوى اتفاقه مع العجوز, فاستثار الحماسة والترقب لدى الأستاذ عبد المعز, والذي عبر عن اهتمامه بعدة استفهامات تفصيلية. لطالما أحب الأستاذ عبد المعز هذا اللون من الأحداث الغرائبية, الصماء, الخرساء, خاصة إذا أتت عن طريق مصادفة كهذه. طفا على صفحة خاطره شخص غريب, أشعث, سريع, أعرج (قطع طريقه منذ سنين لا يدري الآن كم ستكون هي), وكان يثأثئ, وقد تحدث بحديث سريع, مباغت, مغاير, كهذا: "كل الناس تموت.. صغير وكبير.. صالح وطالح.. الأنبياء ماتوا.. بلاها من كل أحد.. هات عُملة معدن بسرعة". فلما أعطاه ما سأل انصرف الغريب مهرولاً وبه عرج مهول لا يقلل من سرعته, واختفى بالزحام, وصدمت شاحنة نقل واحدًا من المارة, ومات من فوره, وهكذا...

راح المقدس ويصا يُسمي للأستاذ عبد المعز الأشياء بأسمائها, ويشرح شروحًا مبسطة لطرائق عملها, وكيف تنقسم برمجة المفاتيح بشكل عام إلى عادية, ومتوسطة, وعسيرة. وكان الوقت قد صار يمر سريعًا ما بين سؤال وإجابة, وتتخلله عدة تجارب عملية, متقطعة, لزبائن قد ضاعت مفاتيحهم (ولكنهم بالطبع كانوا يتذكرون أكوادها السرية, يقومون بترديدها أمام بوق صاعد عن أحد الأجهزة). سارت الساعات على هذا النحو حتى غرب ضوء الدنيا, وبدت مشارف الليل واضحة من خلف الباب الزجاجي, ما دعا المقدس ويصا إلى أن يتململ بنفسه جراء ازدياد الأحاسيس المحبَطة في انتظار العجوز صاحبة الحقيبة (والرمل والودع والخيطان).

- الجو بالخارج برد قارس وهذه ست كبيره. لازم ستجيء لك بكرة يا مقدس.
- أنا مستغرب كونها كانت مستعجلة وقالت لا يستقيم تسافر من غير السامسونيت!. هذا غير الاتفاق السعيد.. الحزين.. الله يسامحها إذا أخلت بيه.
- أنت مستاء بالفعل!.
- طبعًا.. وزعلان جدًا.. وحفتح السامسونيت أشوف فيها إيه لأقلل من غيظي بالأمر بعض الشيء. ما رأيك يا أستاذ عبد المعز؟.
- هذه حاجة ترجع لك يا مقدس.. أنا أتعلم منك الصح والغلط!.
- هو غلط. لكني غير قادر على أن أقاوم فضولي.. زائد أن اليوم هو يوم "أحد".. والمفروض كنت أبقى في الكنيسة الآن.. يعني صلاة المساء ضاعت بسببـ...

بمجرد أن رفع المقدس ويصا الجزء العلوي للحقيبة, وقبل أن يصل به إلى زاويته القائمة, اكفهر وجهه وجحظت عيناه, ثم إنه قد أغلق ما فتحه بقوة وصرخ: فيها تعبان.. فيها تعبان.. التعبان نظر في عيني.. نظر في عيني.. تعبان...

كان ثعباناً. ثعباناً حقيقيًا, غليظاً, منتصب الرأس واللسان, ومتكورًا على نفسه, ولونه الأسود المبرقش مخيف كما وصفه المقدس ويصا. وقد غدا الأخير كأنما صار إلى شخص آخر, مخضوض القلب, مضطرب العين. لذلك فقد ارتأى الأستاذ عبد المعز أن الواجب يحتم عليه تهدئة روع صاحبه بالتبسط والمرح, وليس السخرية والضحك, فانبرى يتحدث بجدية متوددة عن ألاعيب العرافين والحواة هؤلاء!, وأن العجوز لابد ستكون من هذا الصنف المرتزق, المشعوذ بالغرائب, وليست بريئة الأدوات ومنزهة عن التكسب كما ادعت.
نظر الأستاذ عبد المعز قدرًا من آثار الاطمئنان على وجه المقدس ويصا, فجمح بالقول: أنه من المنطقي أن تكون العجوز تفتح لنفسها سوقاً جديدة ههنا بالصحارة من خلال ما خططت له.

أعقب هذه اللحظات المفعمة بالثقة في الكلام من المتحدث والقبول النفسي من المستمع, أن دخلت العجوز بصحبة شاب في أواسط الثلاثينات, ألقى السلام, ولما اقترب شيئاً بدا يتأبط مدفعًا آليًا حديثاً صغير الحجم. وبدت العجوز ليلاً أصغر سناً منها نهارًا في ظل الإضاءة الليلية الكاملة للمحل, كذلك في عين الأستاذ عبد المعز. قالت: والحين كيف لخبار يا شيخ؟. لم يجب المقدس ويصا مباشرة بأكثر من إدارة وجه الحقيبة إلى وجهها, بوفرة من قلق ظاهر, وامتعاض دفين, ثم تكلم بينما يخط عدة أرقام بورقة: اتفضلي.. لكن أرجوكِ لا تفتيحها هنا.
- واتفاجك يا شيخ.
- رجعت فيه وأصبحت لا أريد معرفة شيء. قالوا لي حرام.
- طيب!. ودك كم؟.
- ولا أدنى شيء.

نظرت العجوز إلى الأستاذ عبد المعز بكراهية وتقطيب, حتى ليتهيأ للناظر أن العصافير التي على جانبي جبهتها سوف تتحرك. دفعت ورقة بخمسمائة باتجاه المقدس ويصا, وعلى حين غرة فتحت الحقيبة, وأخرجت (ببطء) أربعة أكياس شفافة من الرمل (متباين الصفرة), وكيسًا واحدًا من أصداف بيضاء مبرقشة (كبيرة نسبيًا). لقد بدا الأمر خالصًا, بريئاً, فقط هي تتمم على ما استودعت!. لكن الأستاذ عبد المعز كان قد أبصر غير ذلك, رآها تريد إثبات شيء للمقدس ويصا المشدوه جدًا, فاستشعر خطرًا, وقال في نفسه: إنه لابد من قول شيء.

- أعتقد أني سمعت المقدِس يقول لحضرتك أنه لا يبغي قراءة شيء.
- ويش دخلك انت ياخوي؟. عليم بالنوايا؟!..
- قريبُه.. وأنا الذي قلت له حرام.
- الحرام سخام.. ماهو بسير ليام.
- الدين يقول هذا.
- ولا لك.

أرجعت حاجياتها إلى الحقيبة وأغلقتها, وتَلاحَظَ أنها قد سيطرت على غمغمة رفيقها بعدة همهمات قبل أن ينطلقا مغادرين. بعد بضع عبارات مازحة قالها الأستاذ عبد المعز متباسطاً-;- جرى أنه قد عاد المقدس ويصا إلى الواقع من حيث كان, وخف تحديقه الذاهل ببؤرة الفراغ الذي خلفته العجوز.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أسفار غير قانونية أو وضعية/ أسفار قانونية من المرتبة الثانية/ أناجيل مزيفة.


(5)

في غضون أسبوع كان كل شيء قد انتهى, فقام البناء ذو الطابقين فقط, أنيقاً ومجهزًا بكل شيء, الأمر الذي وشى بثراء مالكيه رغم معرفة الجميع بمجانية الأرض, فتلك القطع المربعة, المميزة مواقعًا, كان قد تم تخصيصها من قبل إدارة المحافظة لبعض العاملين المنتدبين من محافظات أخرى, لكي يقيموا أبنية يستريحون بها أثناء فترات انتدابهم (والتي قد تمتد إلى الأبد). كان العديد من الموظفين قد جاءوا إلى هنا عن غير طواعية, فإما لكثرة الجزاءات الموقعة, أو أنه لتشككٍ رفيع المستوى برؤاهم المستقبلية. ويمكن القول بأن الخيار الأخير كان يشتمل قدرًا هائلاً من الهواجس المركزية, والتي تمثلت في هذا الكم من القنوط البشري الكائن بين جنبات مبنى المحافظة الجديدة (خاصة في صباحات الأيام).

هذا ولم يكن المشوار يحتاج إلى سيارة المقدس ويصا, فما هي إلا أشياء خفيفة وبضع ساعة من المشي بهذا الأصيل المعتدل كي يصل ومساعده الواعد إلى بوابة البناء. قرأ الأستاذ عبد المعز اسم "كنانة" على لوح التعريف المضيء بالأزرق الداكن, فابتسم مستبشرًا بفئة أصحاب البناء الثقافية, وتفاعلهم المنضبط قيد هذا التقليد التراثي العتيد. في الحقيقة أنه منذ انتقاله إلى الصحارة وهو أحيانًا ما يفتقد بعضًا من صحبه القدامى, أولئك الذين لم يجد من يشاكلهم فصار مرتاحًا لفكرته بألا يخالط أحدًا. الشخص الوحيد الذي استُثنيَ من هذا كان المقدس ويصا, والذي كانت طبيعته النقية من الشوائب (المألوفة في ذلك العهد من الزمان)-;- هي مسوغه الأساسي في عدم احتجازه على المستوى النفسي لدى الأستاذ عبد المعز.

- أهلاً وسهلاً.. أهلاً.. تفضلا.

كان الحاج ماهر أبو وافي يضع ساقاً فوق الأخرى من تحت جلبابه الناصع بغرفة الاستقبال قبل أن ينهض لمصافحتهما, ثم يُفاجأ المقدس ويصا في صوت ضاحك بحماس وافتخار أنه من زكاه لدى حضرة أمين شؤون المحافظة, وحانت منه التفاتة منتفخة نحو الأستاذ عبد المعز والذي لم يلق بالاً يُذكر, فقد كان تفقد متعلقات الحائط الثمينة يستحوذ عليه بالمدة المعتادة لانتظار القهوة.

- إيه رأيك لو عملناها في زاوية الحيطه بالطول يا مقدس؟.
- بصراحه أنا شايف السقف أيفت من زاوية الحيطه. منظر خزانة السلاح بيكون أقيم.
- أقنعتني!. من الجميل يكون لمنفذ الشيء رؤيه في تشكيله. إبدأ شغل بعد ما تشرب قهوتك لو حبيت.
- أنا النهارده ححدد المقاسات المطلوبة فقط. وبكره صباحًا أجيب عدتي وآجي اكمل.
- ...........

جر أمين شؤون المحافظة كلامًا مع الأستاذ عبد المعز, فصار تعارفاً جيدًا, وقد ألمح إلى كون نجلته ونجله "التوأمان" كذا بعض أنجال زملائه بإدارة المحافظة قد يرغبون بتقوية في مادته التي يُدرسها. قال الأستاذ عبد المعز: أنه يرحب بالفكرة طالما توفر لديه وقت مناسب, ثم أردف بالشرط التقليدي لـ "هيئة المعلمين المركزية العامة" ومفاده ألا يتحصل على أي مقابل مادي نظير ذلك. الأمر الذي ترجمته قسمات وجه أمين شؤون المحافظة بالكثير من الاعتداد الوظيفي وأنه لازال شخصًا مركزيًا بعيون الناس رغم انتقاله إلى هنا. أيضًا لم يستطع الحاج ماهر أبو وافي الاستمرار في كتم عقيرته فألقى بمثل شعبي عن القناعة. وقد التمس الأستاذ عبد المعز بدخيلته شيئاً من الاتهام الضمني الموجه بادعاءه المثالية, سوى أنه لم يعقب مستمرًا بسياسته الصامتة تجاه الحاج ماهر أبو وافي, والذي بدا أنه لم ينس بعد الكلمات القاسية, والقسمات الحادة, أثناء ما جرى باجتماع تسمية المداخل.
حقيقة كان الراتب الشهري للأستاذ عبد المعز يفيض عن حاجته فيضًا كثيرًا, ليس فقط كونه لا يعول أحدًا, إنما أيضًا لقلة متطلباته الحياتية. لا يدخن. لا يعاقر المشروبات الروحية. لا يلعب Jugger أو ماشابه. لا يطمح إلى شيء من الترقي الطبقي – بالطبع ما خلا استمرار هذه القطيعة المعرفية التي تأكدت بانتقاله إلى هنا. النهاية أنه لم يكن كأغلب من هم في مثل أحواله من رجال العهد. وقطعًا هو كان يقصد أنه لا يريد المقابل المادي لما سيتطوع بتأديته, أولاً لعدم وجود أوجه معتبرة لصرفه, ثانيًا كونه يعتقد منذ أمد بعيد أن التلامذة الذين يطلبون تقوية بإحدى المواد-;- يكون هذا هو حقهم التلقائي على من يُدرسها وليس تفضلاً.

كان الكلام العام هذه الأيام يدور حول الصحيح من الخطأ, والمفروض من الواقع, في كون إذا ما كان يحق للمحافظ المنتخب الجديد أن يُعين له نائبة منتدبة أم لا. والتفسير المتداول بشوارع الصحارة كان يجتمع على أنه قد تعرض لضغوط مركزية صارمة: وذلك هو عين العقل, إذ أنها لا تستقيم الأمور سوى بوجود الدور المركزي في إدارة الشأن الداخلي للمحافظة, وإلا كان هناك شيئاً ما خطأ.
وقد ظل الحاج ماهر أبو وافي يتحدث طويلاً لأمين شؤون المحافظة بالكثير من الحرارة الموالية لوجهة النظر التنفيذية البحتة, وكلما زاد الأخير من انتفاخ صدغيه بدخان سيجار الفانتير علم الأول أنه يتقدم بالطريق الصحيحة.
في ذات الوقت كان الأستاذ عبد المعز يناول أقلام التحديد الضوئية مختلفة الألوان (والتي تترك نقاطًا سنتيمترية راكزة من الضوء على الأجسام الصلبة تدوم لأربع وعشرين ساعة(1)) إلى المقدس ويصا كي يضع المجسم التخيلي للخزانة, كذلك العمق التكعيبي بما يتناسب مع ما سيقوم بلحامه من خامات يستقر عليها العميل من بين عدة عينات.
عندما خرجا, لحق بهما الحاج ماهر أبو وافي عارضًا (بتمثيل بائن) توصيلهما بسيارته إلى الحي الذي يسكنونه جميعًا. ولكن المقدس ويصا اعتذر منه وقال: بأنهما عائدان إلى المحل والذي لا يحتاج إلى مواصلة سوى الأقدام.

- شخص أكثر من خطأ.
- يا سيدي.. الحياه لا تستأهل عداوة مع أحد.. مين ما كان.
- على رأيك.. الحياه لا تستأهل ولاشيء أساسًا يا مقدِس.
- صحيح أنا معرفتش منك.. انتم أساسًا إيه؟.
- بص يا مقدس ويصا.. كلنا من تراب. والأفضل ألا تسألني وألا اسألك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحثت كثيرًا عن مثل هذا النوع من الأقلام, ولكنني لم أجد من سمع بها, حتى من أولئك المتخصصين بالتحديد.

(6)

"إن الإيمان بالحياة الإنسانية (كغاية مطلقة) في حد ذاتها, لهو أمر شديد الضرورة إذا كنا سنتحدث بصدد تطور مجتمع ما إلى الأفضل. أما إذا تحول الحديث عن تطور ذات هذا المجتمع إلى الأسوأ, فبطيات هذه الحالة المعقدة تكون برهة الصمت خيرٌ من ألف حديث. فقط كي تعطى الفرصة الكاملة, للآخر المندفع, وذلك بتحرير طاقته الكامنة في خلاله (كحق إنساني أصيل). وإلا فليدل الذي من المفترض أن يبقى صامتًا بدلوه (فارغًا في فراغ فارغ), وليشر إلى الحقيقة فلا يجد من يتنبه لإشارته. ولكن عندما سيُنقد هذا المثال البسيط (بالكثير من الثغرات التنفيذية المتوقعة), فقطعًا سوف يوجد العديد من الاستثناءات التاريخية لهذه القاعدة البدهية فلسفيًا. وتدور أغلب الاستثناءات حول عدم إعطاء هذه الفرصة الكاملة إذا كان الأمر ممكنًا, ولينشأ ما اصطلح عليه تاريخيًا بأنظمة (استنارة الاستبداد) والتي لايمكن الحكم على صحتها – أو صلاحيتها – من عدمها – كأنظمة بصورة آنية. إذ أنه عادة ما تتعلق الأحكام بالنتائج النهائية-;- وهي الأمور التي قد تتطلب من الوقت ما هو غير معلوم لتحققها."

كان الأستاذ عبد المعز يشرح هذه الفقرة بشديد من التفصل, إضافة إلى التخفف قدر الإمكان من فلسفية اللغة فيما لا يضر المعنى, فتراه أثناء الشرح يستعين بما قد يتوارد إلى ذهنه من أمثال شعبية ومأثورات يحفظها من الشرق والغرب, أو تراه يصنع وسطاً حيًا من الخيال أحياناً, ومن بعض التلامذة بأحيان أخرى, فيَحمِل عليه بالرؤية المقصودة. كان يعمل على العديد من الوسائل الكلامية التي رآها مؤثرة فيمن لا يكترثون لفلسفة التاريخ (كأكثر التلامذة), والتي تجبرهم على الصمت والإنصات كالجميع, فإن لم يكن للفهم فللاستمتاع بهذا النوع من الحكي المتباسط والذي يشبه الأماثيل إلى حد بعيد. ومن وجهة نظر الأستاذ عبد المعز فهُم لا يزالون أطفالاً بشكل ما, ويحق لهم منطقيًا أن يلتمسوا لأنفسهم تسلية في تحصيل ما لا يحبون لونه, أو يدركون قيمته.

إحدى التلميذات من ذوات النظارات البعدية المكعبة (كعلامة طبقية على مؤشر الثراء) كانت ترفع يدها. وقد سألت بعد أن أومأ لها مؤذنًا: عن كون نهاية الاستبداد دومًا ما تأتي صادمة-;- وسيئة-;- حتى وإن كان مستنيرًا كما يقول الكاتب؟!.
دعمها الأستاذ عبد المعز ببعض الكلمات المستحسنة لجودة السؤال. ثم شرع في الإجابة قائلاً: بأن الأمر يُعزى في هذه الحالة إلى جانب الطبيعة البشرية السليمة في الحكم على الأفعال, وأن فعل الاستبداد مكروهٌ سليقيًا كفعل مجرد-;- يعطي نفسه حقاً مكتسبًا في مصادرة بقية الأفعال. ولكل هذا لم يغفل الكاتب تعليق الأحكام على النتائج بنهاية الفقرة قيد الشرح.

خلال استراحة نصف اليوم الدراسي, عندما دخل حجرة مجلس التدريس, التقى العديد من زملائه متفاوتي إبداء الود والكياسة, وكان من بينهم الأستاذ جلال صبحي مدرس الرياضيات الكمية, السمين, الشره, وأيضًا الذي دائم الاستغراب من أنه لم ير الأستاذ عبد المعز يأكل أو يشرب شيئاً منذ أن قدم إلى هذه المدرسة. صدَّر الأستاذ جلال صبحي بعض الشطائر المغلفة باتجاهه, ولكنه قابلها باعتذار مهذب (كالعادة) بحجة سوء الهضم والإفطار الجيد قبل المجيء.
لم يكن يحبذ إزاحة التكلف مع أحدٍ, حتى لا تتطور الأمور مع أحدٍ إلى صداقات وهمية تكلف الوقت في نقاشات وحوارات فارغة من عديد ألوان الكلام. كذلك فقد أفضى إليه أحد الزملاء بأن الأستاذ جلال صبحي يبحث عن زوج صالح لآخر بناته غير المتزوجات, كتكفير عن ذنب كونه السبب في انتقال بقية الأسرة إلى المحافظة الجديدة. في الوقت الذي كان آخر ما يريده الأستاذ عبد المعز من الحياة هو تكرارية هذي النماذج الانحسارية البائسة, والتي يعارض في وجودها بشدة. أيضًا بدا أنه سيعاني من الآنسة صافي مدرسة الفيزياء العملية في مسألة تأطير العلاقة بما لا يعطي مساحة لأي شيء يخرج عن فحوى كلمة "الزمالة". لقد صارت بمرور أيام قليلة تنزع إلى ما لا يحمد عقباه إذا هو به قد تبعها. لكنها ظهرت مصرة في هذا اليوم على اجتراح نتيجة واضحة لتقربها المنهجي السابق (كذلك المزمع). جلست على المقعد المجاور له رغم خلاء الكثير من المقاعد, ثم ألقت التحية بصوت هامس, ونظرت بعينيه مبادرة على غير ما ألفتْ.

- أنت مدرس فذ يا أستاذ عبد المعز.
- كيف؟!.
- كيف.. كيف.. بتقدر تسكِت تلامذة الصف النهائي؟.
- نعم.
- تبقى فذ!. كنت مارة في الكوريدور أثناء حصتك ولم أسمع غير صوتك. وهذا يُعد إنجازًا إذا كنت لسه غير عالم بشيء هنا.
- أعتقد لأنها مادة نظرية وتعامل معاملة القصص.. وطبعًا لا أحد لا يحب سماع القصص.. كلنا بتوع قصص.
- ............
- ...

في ظل نظرات اختلاسية متعاقبة من بضع مُدرسات يتكلمن عاليًا, كذلك من الأستاذ جلال صبحي مدرس الرياضيات الكمية الآكل بنهم(1), ارتبك وجه الآنسة صافي, واحمر شيئًا, قبل أن تنهي حوارها القصير مع الأستاذ عبد المعز: بأنها تود لو تستطيع حضور إحدى حصصه, فقد كانت تحب فلسفة التاريخ جدًا أثناء دراستها الانتقالية, كما أنها تريد الإفادة من طريقته في معاملة التلاميذ الثراثرة وكذا... وحين قال أنه سيكون سعيدًا بذلك, غص حلقه قليلاً بها, وهي انطلقت خارجة من حجرة مجلس التدريس بخطوات سريعة, منتهية إلى العدم.
كانت الآنسة صافي فتاة نشطة الشعور إلى درجة بديعة, وتشي بنضوج فكري ما (أو أنها هكذا كانت توحي!), غير أن مربط اللامبالاة اليقظة-;- الحذرة-;- كان يكمن عنده هو. فقط هو ليس مستعدًا بعد لأية عاطفة قد تنمو قرب قلبه اليتيم, المُهجر, وما لحركة العواطف إذا كان جميع العشاق يلقون نفس المصير بشكل أو بآخر, وهكذا كان تعلم منذ أمدٍ بعيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هنا, حيث تقوم "الدار القومية لرعاية الشيوخ", كانت شهية المقدس ويصا تُتخذ مثلاً بحديث الأطباء إلى مَن يُلاحظُ عليه الهزال أو فقدان الشهية بشكل مستمر من بين السادة المقيمين. فيقال: كن وحشًا كالمقدس ويصا. لذا عندما حدثني موجيًا سائلاً عما إذا كان لدي من الوقت ما يسمح بإرسالي في مشوار هام وبعيد, لم أكن أتصور أنه سيطلب وجبة فول طازج!. عندئذٍ لم تتعلق دهشتي بنوع الطعام صعب التوفر فحسب, إنما كذلك بقدرة المعدة لدى من هو في مثل سنه – على هضم هذه الوجبة التراثية الهائلة.

(7)

كان يجيد صنع ونسخ كافة أنواع المفاتيح البرمجية, الحديث والقديم منها, وصولاً إلى المفاتيح الأولية من المعدن. فكان يمتلك ماكينة برادة كهربية-;- وأخرى يدوية-;- كآخر صانع مفاتيح بالجمهورية يتمسك بهاتين الماكينتين. وكان هذا ما حصله الأستاذ عبد المعز خلال عدة أيام عن شخص المقدس ويصا (مهنيًا صميمًا), يكاد يذوب في أكواد المفاتيح, ويحفظ تفاصيل الصنعة عن ظهر قلب. المفاتيح تعرف أصوات أصحابها, وملمس جلودهم, فلا تحتاج منه إلى شيء في غير تصميمها.

حتى مساء اليوم, كان الأستاذ عبد المعز قد أنجز صناعة ما يقترب من العشرين مفتاحًا. ما جعل المقدس ويصا يثني عليه سرعته بالتعلم, وأنه قد صار يساعده بشكل كبير, خاصة عند وجود من هو متعجل من الزبائن. لكن الأستاذ عبد المعز كاد يسأم هذه الطريقة التكرارية التي لا تعتمد إبداعًا كان يتصور وجوده في بداية الأمر. وعلى الرغم من محبته المتناهية للتبسط, البساطة, فقد كان يريد شيئاً أعقد من ذلك كي يستهلك به ما فاض عن حاجته من أعمال مخه النشطة, إذا أنه لابد من منفعة حقيقية تعود عليه, وهو لا يشعر بها حتى الآن. فليس منطقيًا أبدًا أن تجري الساعات هكذا دون متعة ما, فتغدو الأمور كتضييعٍ خالصٍ للوقت, لاسيما وأنه يرفض قطعيًا أية نقود يعرضها عليه المقدس ويصا كثمن لوقته المجاني من الأصل.

- عايزين ننسخ مفتاح على الكود هذا.
- مَن صاحب المفتاح؟.
- نحن الثلاثة.

اقترب المقدس ويصا من مسمعه بآخر المحل إلى المقدمة, والتقط الورقة من الأستاذ عبد المعز, ثم حملق بوجه الثلاثة أشخاص قائلاً: أنه لا يعمل في استخراج مفاتيح الأكواد العامة-;- إلا بتصريح من الجهة المختصة ويكون مختومًا بشعار "هيئة السلامة القومية المركزية". رفع أحدهم صاعقاً إشعاعيًا وضبطه على الدرجة الحارقة بما لا يحتاج إلى كلمات تهديد. وكان الأستاذ عبد المعز على وشك زيادة التفوه الغاضب, فلمزه المقدس ويصا بيده وقال له: أن يصمت. وبدوره لعن ما آلت به السنون إلى هذا البلد من سوء المآلات, ثم إنه أشار لهم أن يتوجهوا إلى الجهاز متعدد الأبواق...

- لو طلع لا يفتح حنرجعلك تاني يااسطى عشان تبقى عارف.
- وحنرجع فجأه.
- يعني وقتها من غير تفاهمات حنعمل الغلط.

- حيفتح ومش حتيجم هنا تاني.

- أعزك وانت واثق في نفسك يا خواجه.
- واكرهك وانت مكروب على الدنيا. لابد تكمل المثل يا بن عمي.
- ..........

كان ثلاثتهم يغنون ويردون على أنفسهم بسخرية شريرة, مغرضة, وعندما انغلق الباب الزجاجي وراء ظهورهم, كان الأستاذ عبد المعز يتناوب التحديق بين حركة ابتعادهم ووجه المقدس ويصا. كان ما حدث قد جاء مباغتاً إلى أقصى درجة, هذه الفئة من المواقف التي تترك المرء رابضًا في ذهوله الداخلي إلى أن يتكلم.

- لازم تهيب بملزم الشرطة الرئيسي حالاً يا مقدس.
- لماذا؟.
- لماذا! أكيد هؤلاء لصوص وأكيد هذا مفتاح شيء هام.
- بتاع أسانسير أرضي مبنى عام.. لكن لا تنزعج.. مش حيعرفم يعملم بيه حاجه.
- تبقى عملته لا يفتح يا مقدس!.
- لأ. عملته يفتح مرة واحدة فقط لا غير.
- ولو رجعولك؟.
- احتمال ضعيف. لكن عندها سأقول لهم: أعملكم إيه!؟. إنتم اللي حراميه فاشلين!!.

علا ضحك الأستاذ عبد المعز, والمقدس ويصا, وصارا يبتكران عبارات مضحكة. وبينما يغلقان المحل كانا قد نسيا أحاسيس خطورة ما جرى, وبقيت أحاسيس المرح. وقال الأستاذ عبد المعز في نفسه: أنه لا بأس إذا أتت المنفعة المنتظرة عبر مواقف طريفة كهذه ولم تأت من الصنعة ذاتها.
افترقا عند مقهى زهادة بحي العطاردة, وقال المقدس ويصا: أنه سيذهب لزيارة الكنيسة(1) كي يؤدي اعترافه الأسبوعي, ثم يعود لاصطحاب الأستاذ عبد المعز مرة أخرى.
فلما جلس الأخير إلى منضدة خارجية بالمقهى المُشتهر حديثاً, وجد نفسه على غير العادة سعيدًا بالزحام, أيضًا بجغرافيا المكان المطل من مسافة قريبة على البحيرة الاصطناعية الكبيرة بأقصى جنوب حي العطاردة. وليلاً كانت البحيرة الاصطناعية تتلألأ بحركة المياه الاصطناعية التموج والأطيار الفسفورية مختلفة الأنواع, متقنة الصنع.
بعد أن شرب مشروبًا منعشًا يسمونه مشروب زهادة, سأل الأستاذ عبد المعز أحد عمال المقهى: عن كيف نشأت هذه البحيرة (؟). وأجاب العامل متحمسًا: أن الأمر يتعلق بالمهندس سيد المهيلي رئيس الحي المنتخب, والذي أصر على ألا يكون الحي خاليًا من لمحة جمالية, ولتكن على الأقل معادِلة لما تتركه مداخن معامل التنقية من آثار سوء المنظر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "كنيسة الرعاة" على حد التأريخ الشفوي للمقدس ويصا, فقد كانت مطرانية الصحراء الغربية هي من تولت البناء والتسمية.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- روسيا ضيف شرف مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية وا ...
- مجلس النواب يصادق على مشروع قانون يتعلق بمؤسسات الائتمان وال ...
- العثماني يتباحث مع رئيس الجمعية الوطنية بجمهورية صربيا
- هاني شاكر يفاجئ جمهوره بصورة تظهر تغيرا كاملا في الشكل!
- اسماعيل هنية: أحمل تقدير الشعب الفلسطيني لجلالة الملك
- -روس كوسموس- تعرب عن الاستعداد للتعاون مع ناسا في تصوير فيلم ...
- أصولها فلسطينية ووالدتها فجرت أزمة سياسية في تركيا.. من هي م ...
- علي ناصر محمد يكتب عن رحيل الشاعر الكبير سعدي يوسف
- معهد الجزيرة للإعلام يختتم منتدى أخلاقيات الصحافة في العصر ا ...
- ضمن فعاليات بيت لحم عاصمة الثقافة العربية.. إشهار كتاب “بيت ...


المزيد.....

- قصة الخلق . رواية فلسفية. / محمود شاهين
- فن الرواية والسينما والخيال: مقابلة مع سلمان رشدي / حكمت الحاج
- أحمر كاردينالي / بشرى رسوان
- بندقية وكمنجة / علي طه النوباني
- أدونيس - و - أنا - بين - تناص - المنصف الوهايبي و - انتحال - ... / عادل عبدالله
- التوازي في الدلالات السردية - دراسة ذرائعية باستراتيجية الاس ... / عبير خالد يحيي
- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/1