أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/2















المزيد.....


المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/2


أحمد عبد العظيم طه

الحوار المتمدن-العدد: 4263 - 2013 / 11 / 2 - 11:06
المحور: الادب والفن
    


(8)

كان بعد ظهيرة يوم جمعة, عندما توقفت امرأة بسيارتها لشراء مدمجة جرائد, وسألت البائع: عن مبنى "بريق السماء", واتجهت إلى حيث أشار. أعطت تنبيهًا أمام مدخل "نقا" فأطل الأستاذ عبد المعز من نافذته بالطابق الثاني, وهو قد نزل سريعًا.
كانت تُقى, إحدى الموظفات تحت إمرة أمين شؤون المحافظة ويثق بها جدًا, لذا ستقول لاحقاً أنها كثيرًا ما تناوبه في إحضار نجلته ونجله "التوأمان" من المدرسة الخاصة, البعيدة, وتتولى بنفسها توصيلهما إلى المنزل. وقد قال أمين شؤون المحافظة للأستاذ عبد المعز موجيًا: أنه يستأذنه بالإبكار ساعة عن موعده لأنهم سيسافرون إلى البلد عقب انتهاء حصته مباشرة.

- عملنا البحث.. لكن لا نعرف إذا كان حيعجب حضرتك أم لن...
- الله أعلم. من الجائز ظنكم يخيب!.
- أنا عن نفسي أتوقع هدية من أبي بعد ما حضرتك توصفله عبقرية عياله.
- أتمنى.
- بالمناسبة هو نفسه نكون شاطرين وليس العكس.. والمدرسين كلهم بيقولوا علينا كلام ممتاز.
- بإذن الله تكونا هكذا.
- نعم.
- نعم.

كان يجلس إلى جوارها بالمقعد الأمامي, لذا فقد كان متاحًا لها أن تختلس نظرات خاطفة بعينيه أثناء الحديث. قالت: أنها كانت تتمنى لو أن زوجها (المدرس كذلك) يتعامل مع تلامذته بمثل هذه الروح الفطنة, فهو يصبح فظاً ومباشرًا بأحوال كهذه. سألها: عن المادة التي يُدرسها زوجها, وقالت: أنها كيمياء الفلك للمرحلة ما قبل الانتقالية, وأوجزت بعض مواقفه مع التلامذة على رؤية عينها– بما يدلل على مقصدها.
وقد حدثها الأستاذ عبد المعز بتبرير أعده سلفاً (كي يُعمله بما وازى من مواقف تدعو إلى المقارنة أو الثناء), ومؤداه أن المواد العلمية دائمًا ما تعطي مُدرسها صلاحيات أوسع ثقلاً مما تعطيه نظيرتها المواد النظرية. وقال عن نفسه: أنه كان يتمنى أن يتخرج مدرسًا لمادة علمية بحتة, بيد أنها الأقدار التي لم تعط مساحة كافية للرياضيات برأسه.
تكلم "التوأمان" بعدة تعليقات ساخرة تغطي مجمل الحوار, فحوما حول الأقدار وتعليق الناس للشماعات كلما أخفقوا بشيء. لكن لم يَصر وقتاً لسماع رد بعد أن توقفت السيارة بفوهة مدخل البناء "كنانة". ودَّعَتْ المرأة "التوأمان", وهي ودَّعَته قائلة: أن اسمها الموظفة كذا, وأنها سعيدة بلقائه. وهو قد رد: باسمه المجرد, وأتبع بتحية مكافئة لهذا النوع من التعارف اللبق.

كان البحث الذي طلبه الأستاذ عبد المعز عن موضوعة "أثر اللغة على التاريخ المدون", والحقيقة أنه عندما طالع البحث باللوحة الالكترونية قد وجد به جهدًا لا بأس به, لكنه في دخيلة نفسه كان يتأفف من العادة السلبية المتجذرة لدى معظم التلامذة, والمتمثلة في عدم وضع روابط النسخ من "الموسوعات المركزية المقننة" على سبيل المثال. في حين أن "التوأمان" كانا يتكلمان بصوت خفيض متضاحك.

- أود مناقشة البحث معكما ثم نبدأ شرح مقدمة الباب الثالث. هل هذا ممكن؟.
- تفضل/ أكيد.
- هذا جيد. ما هو "باختصار" أثر اللغة على التاريخ المدون؟.
- كل خير/ زائد هذا البحث الذي تراجعه حضرتك باهتمام.
- هائل يا ولاد. هائل بالحيل.

عندما غادر الأستاذ عبد المعز متجهًا بسيره إلى الشارع الرئيسي, ما كان يتمنى أكثر من إعفاءه من هذه المهمة السخيفة, والتي صارت مثقلة على نفسه بعد بضع حصص لا أكثر. إنه ليس شخصًا طوباويًا إلى درجة القيام بشرح "فلسفة التاريخ" لمن لا مسكة لهم كهذين "التوأمان" المستهترين. وأثناء سيره أقر في ذاته عدم المضي بالأمر قدمًا واحدة أخرى, وصار يفكر في اعتذار لائق لأمين شئون المحافظة. كان يشرد بعينه في أسماء محال المعادن المصنعة (أثناء التفكير) فيراها بدأت تنتشر بهذه الناحية الهادئة من المدينة/ الأشياء لتجارة مصنعات التنجستين.. برار لتداول مبتكرات الزئبق.. رهيبون لتجارة الكروم خام.. الـ... ولما أوقفه تنبيه سيارة فالتفتَ, رأى الموظفة تقى تشير له بالصعود. قالت وهي تنطلق بسرعة زائدة: أنها كانت تنتظر خروجه ومن ثم ابتعاده قليلاً. فلما أبدى دهشته, أفصحت بأن لديها موضوعًا مُشكلاً, وأنها تريد أخذ مشورته كشخص محايد, عساها قد تجد لديه ولو طرف خيط يؤدي إلى الحل.

- تقدر تقول.. كياستك جذبتني بقدر.
- جميل.
- وأشعر بأني شفتك من قبل!.
- أشد جمالاً.
- في مكان معين تفضل نروحه؟.
- حي العطاردة.. مقهى زهادة.
- هذا تقريبًا في مواجهة البحيرة الاصطناعية؟.
- نعم.
- زوقك رومانتيك جدًا!. رائع يا أستاذ عبد المعز.

البحيرة الاصطناعية عصرًا تخلب اللب بهدوء محيطها-;- وانعكاس أشعة الشمس خافتة الحرارة بطورها الأول ناحية الغرب (على صفحة المياه). وجدا المقهى شبه خال من الرواد, فقط بعض العاملين يتحركون بالرواق الداخلي, وامرأة كهلة معتدلة التبرج تحتسي قهوة. وقد رمقتهما المرأة بنظرة مدققة أثناء دخولهما (فالتقطت الموظفة تقى النظرة بإدراكها الأنثوي قبل عينيها). جلسا بالركن المطل على البحيرة, وحين طلب الأستاذ عبد المعز اثنين من مشروب زهادة الخاص-;- بدت على وجهه ثقة المعرفة بالأماكن. بادرها بالقول: أن عليها أن تفهم شيئاً هامًا قبل مضيها بطرح ما تود المشورة فيه, ألا وإنه ليس معتادًا على هذه الصداقات السريعة-;- كذلك التي لا بأس منها إذا ما استقرت على قاعدة أدائية راسخة. سكت لبضع لحظات, ثم صرح (حريصًا على ألا يؤدي تكثيف المعنى إلى الإخلال به): أنه يشترط ألا تتعلق صداقته بإنسانيته, أو أنه مفهوم " Cancel of passion" إذا أتيح له الاستعانة باصطلاح كلاسيكي في مسألة تحديد العلاقات.

- أنا مقدرة لكل كلامك.. لكن ألا ترى أن شرطك مجحف يا عبد المعز؟.
- مدام تقى.. هذا شرطي الوحيد.. بدون جدل أو زعل.
- وأنا موافقة.. لكن عندي سؤال إذا كان لي الحق في التساؤل!.
- بكل ذهن حاضر.
- أأنت هكذا مع كل الناس؟.
- هذا أمر حقيقي.
- لماذا؟.
- لا أحب الإحساس بإني مراقب من أحد. لا بخير ولا بشر.
- لو كان هذا هو السبب يؤسفني أقول لك إن المحافظة الجديدة كلها متراقبة.
- من مين؟.
- معرفش بالظبط. لكن بشكل عام هي جهات شمولية.

وبدا أن هناك من يراقبهما بالفعل, لكنه لم يبد شموليًا أو جهويًا بأية حال من الأحوال. فقط شخص بسيط, يجلس قربهما في زي الرهبان, مكلوم الوجه, ويختلس نظرات شاردة باتجاههما.




(9)

بالسادسة مساءً عادت الموظفة تقى إلى منزلها بحي "نموذجية", وهو الحي الذي يسكن به غالبية الموظفين المنتدبين من محافظات أخرى. لم يأت زوجها (الأستاذ أنس بهاء مدرس كيمياء الفلك للمرحلة ما قبل الانتقالية) من الخارج بعد, ستلقي بحقيبة يدها وتستريح على أقرب مقعد بالصالون الضخم (عتيق الطراز). هي كانت شديدة الإجهاد بسبب كم الأعمال التي يلقيها أمين شؤون المحافظة على عاتقها. فالشخص الأخير كان يُقدر مدى ذكائها منذ أن عملا سويًا مدة العام السابق لانتقاله إلى هنا, لذا يكاد يكون لا يعمل شيئاً في وجودها عدا تذييل المراسلات بكوده السري, احتساء القهوة, تدخين سيجار الفانتير. أيضًا هي فوجئت قبل أيام أنه الذي أرسل باسمها, واسم زوجها, كي يوضعا على قائمة المنتدبين إلى هنا.
(وبحكم تقاليد الآداء الوظيفي المركزي الجيد) هي كانت تظهر له الاحترام والحماس العملي, وتتحفه بأفكار ملفقة لازمة لتطبيقات "أمانة الشؤون المركزية" واجبة النفاذ, من أماكن كان يتوجب عليه الوقوف على طبيعتها ولم يفعل, إلى مقترحات وهمية لمشاكل وهمية, أنشطة صورية, إنشاءات غير مسجلة مركزيًا ويتم تسجيلها كإنشاءات جديدة.. إلخ. الأمور التي تنفعه جدًا بتقريره الأسبوعي إلى السادة المركزيين, وتجعله ظاهرًا كمسئولٍ متميز الأعمال. إلا أن الموظفة تقى كانت تبطن لأمين شؤون المحافظة الكثير من الاحتقار والسخرية, بما قد يخرج أحيانًا على هيئة ردود أفعال لا يمكنها السيطرة عليها عند احتكام المواقف, أو غمغمات لاعنة إذا جاء ذكر تعويضات النأي والابتعاد فيقول: أنه قد قدم لها خدمة بانتدابها وزوجها إلى هنا. لكن الرجل كان لا يلبث أن يتجاوز عن إفصاحاتها بالتبلد, الضحك, التعقيب بكلام عن أنه لا يعتبرها موظفة تعمل تحت إمرته بل أختاً له, أيضًا كونهما أصلاً من محافظة واحدة فإن هذا يعني كذا وكذا. الكثير مما كانت تعده هي من قبيل التشدق بالكلام الفارغ, وتغليف التنازل في مقابل السريان الطبيعي للمنفعة.

للمرة الأولى بقرارة ضميرها الذاتي تستمرأ الموظفة تقى كونها صارت وإلى الأبد بلا أبناء, فما كانوا ليكونوا سعداء بالانتقال إلى هنا (هذا المكان). لقد مر قرابة سنوات تسع على موت ابنتها الوحيدة, ذات السنوات الأربع الوحيدة – ضحية للوباء "سومطرة الموسمي". عند هذا العمر كاد الفقدان يقتلها حزنًا وحسرة, لقد اعتبرت نفسها مسئولة عن موت البنت بعدم موتها معها. ثم حدث بعدما يربو عن السنة من أحاسيس الشقاء, والكآبة, والامتناع, واعتياد جلسة الشيزلونج لمرتين أسبوعيًا, أنه في ذات صباح أخرق قررت أن تجد حلاً لشعورها المميت بالذنب, فما كان غير أن وقعت وزوجها بكوديهما الشخصيين على وثيقة التعقيم (لم يُبد الأستاذ أنس بهاء عندئذٍ اعتراضًا, بل ظهر عكس ما توقعتْ مرتاحًا لفكرتها), وأجرت تعقيمًا نهائيًا بإحدى المستشفيات الجافة.

اعترتها غفوة بعد أن علقت قدميها على مسند الأريكة المجاورة, وتشعب بها النسيان في مجاهل النوم. لقد بهتت أحاسيس المرارة والندامة بدوام تعاقب السنوات فأضحت أحاسيسًا محتملة, وتحولت الذاكرة الأليمة, الناقمة, إلى مثل غيرها من حوايا الذكريات. صارت الموظفة تقى تصنع أهدافاً قريبة المدى تنشغل بالعمل على تحقيقها, وتحققها, فشراء مجوهرات غالية مثلاً, فقطعة أرض مربعة بأرض "المسافة المركزية", فقطعة سلاح للتعلم, فالاشتراك بأندية الصيد الحديث (كنسق طبقي أضحى متاحًا), فسيارة ارتوازية, فتتحمس وتجد, وتلهو وتضحك, ولا تمتنع على الأستاذ أنس بهاء (على منهاج الآداء الحسن), وتبدو طبيعية في أطوارها أمام العائلة الشائخة, والمعارف, والناس. سوى أنها الوحيدة التي كانت تدري ذاتها جيدًا, وأنها أوشكت تنهي تحولها إلى صنم حي لا يدركه الشعور بالحياة المعيشة, حبذا أنه منذ سريان الانتداب وانتقال الإقامة على أثره, وهي تحدس بأن التحول سيكتمل ههنا, على أرض المحافظة الجديدة, ولن ينتظر عودتها إلى الديار. لقد وعدها أمين شؤون المحافظة بالعودة في بحر عامين, لكن من أين هي ستأتي بقوة تحمل لعامين قادمين يا ترى؟. حتى وإن دامت هذه السعادة الغامضة بالشيء الجديد (الأحلام الجديدة) لعدة أشهر تالية, فحتمًا سيجيء يومًا ما, تحدث به الانتكاسة المنتظرة.

- نائمة؟.

أفاقت على صوته المعبأ بمودة اعتيادية, وردت بأنها مستيقظة. دار الحوار المعتاد حول مواقف تحكى من يومهما, مواقف تُثبَّت على مَدْرَجٍ زمني مشحون بالمشابهات ويحفزهما على المضي بلا مقاطعة من أحدهما للآخر, فلكأنهما كانا يضعان لمستهما الحاضرة على قصة يسجلانها ولم تنته بعد. لكن الاختلاف كان يتبدى بالحرارة والأريحية والمرح هذه الأيام, تلك الفئة المشعة من الأحاسيس, والتي راحت نسبتها ترتفع (بحكيهما) إلى أن وصلت الذروة عند هذا المساء اللطيف. الاختلاف الذي يشي أن حدثاً قد جرى, فأتبعه ذلك الجو الذي كان مفتقدًا بينهما جدًا على مر أعوام خلت, فلقد حدثت ملامسات ونظرات نادرة.

بالطبع كان لانتدابهما ومن ثم انتقالهما إلى العيش بالمحافظة الجديدة آثار الحدث على القصة, هذا أن غرابة المجتمع الجديد كانت تتشكل كقيمة ملحوظة بضمائر أفراده. من وجهة نظره: كان الأمر يُعد راجعًا إلى كون أغلبهم قد أتى إلى هنا إجباريًا (حتى وإن بدت الإجراءات الرسمية اختيارية), مما سيجعلهم يتقاطعون (منطقاً) بأشياء عدة, تتكشف متوالية, كالطرافة على سبيل المثال. لقد حصل الأستاذ أنس بهاء تعاطيًا سريعًا حسدته عليه الموظفة تقى, والتي كانت ترى أن الاعتياد النفسي (وكان عندها غير الاعتياد الذاتي) سيأخذ منها وقتاً ليس بالقصير, أو أنه الأمر الذي لن يحدث إلا بكارثة!, فمن وجهة نظرها: أن ما يجري ليس إلا إعدادًا لما سيجري بمعرفة مركزية (محكومة النطاق) ولم يأت هكذا طوباويًا كما قد يعتقد البعض.

- تخيلي موجه الوزارة المركزي ماذا قال اليوم بعدما راجع مدمجة الشروح!.
- قال ماذا؟.
- قال لي: يا أستاذ أنس.. في ست تليسكوبات Haul قادمة منحة علمية من Belize.. ومدرستكم لها نصيب في تليسكوب منهم.
- أكيد شروحك أعجبته جدًا.
- أكيد!.

كان يعرف أنه كاذب, ويتردد بعقله صوت موجه الوزارة المركزي يعنفه على سوء المدمجة, وكيف أنها لا تحتوي رائحة إبداع حقيقي. لكنه للحقيقة لم يُغفل الرد عليه بصوت مُسمِع لبعض المدرسين المحيطين. قال الأستاذ أنس بهاء لموجه الوزارة المركزي: بأنه لا يسمح لأي من كان أن يحدثه بهذه الطريقة, كذلك بأنه يدري سر نشاطه الدؤوب على مدارس المحافظة الجديدة كل أسبوع تقريبًا دونًا عن مدارس بقية المحافظات, السر الذي يتمثل في بدل الانتقال غير المسبوق, أو هو بدل التقارير غير العلمية إذا شاء التعبير الأدق(1).
هكذا طريقته كانت في التعامل مع أي انتقاد يوجه إليه, صادمة, معادية (مسنودة), علاوة على أنه قد راهن بعض زملائه أن الموقف سوف يؤتي ثماره, وأنهم لن يروا سحنة موجه الوزارة المركزي لعدة أسابيع إن لم يكن أكثر (وللغرابة فإن ذلك ما قد جرى لاحقاً!).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) دائمًا ما كان المقدس ويصا يحكي عن كتبة التقارير بشكل كاره, ويقول أنه كان يوجد الكثير منهم بين أناس المحافظة الجديدة.




(10)

استيقظت الموظفة تقى من النوم فجأة, ولكنها لم تصدر صوتاً يوقظ زوجها, وراحت تراجع الحلم من أوله. هي تريد أن تتذكره بالصباح, تتذكره جيدًا, في تلك الفترة ما بين ارتدائها لملابسها ودخولها إلى مكتبها, عندما لا يكون شيئاً يستحق غبن التذكر, ولا يكون شيئاً قادرًا على درء السآمة.
للحقيقة لم يكن ذلك فقط هو ما يدفعها إلى حفظ الأحلام بشكل قصدي, كان هناك ما يتعلق بتغيير المكان وما ترتب عليه بطبيعة الحال من تغير بطبيعة نومها, فلقد اتخذت الأحلام منبعًا مستحدثاً غير منبعها الأول, القديم, والذي كان نابعًا عن صباها السعيد (يقينًا).
لم تر نفسها بحلم إلا صبية قبل أن تجيء إلى هنا!.. هذا المكان!.. نموذجية!.. الصحارة!.. المحافظة الجديدة!.. يا إلهها!!!.. الآن صارت ترى نفسها كما هي الآن, سيدة بالسابعة والثلاثين ربيعًا في مشاهد واقعية قصيرة, ولكنها مُحكمة, وذات صورة واضحة (أو أن ما يتبقى لها عقب الاستيقاظ يكون كذلك), الأمور التي لم تعتدها سابقاً بكنه أحلامها الطويلة-;- المبهجة-;- الضبابية-;- الغير مُفصلة-;- والصعبة الإمساك بالذاكرة.

بحلم ترى نفسها تقص خيط الضوء, مفتتحة منشأة صناعية, وإلى جوارها اللفيف المعتاد من جمهرة الموظفين ومصوري التوثيق. وبآخر تراها تقود بشارع مزدحم (تاكسيًا باللون الأزرق المشع الخاص بالمحافظة الجديدة), وتدهس شخصًا عاريًا... كان الأمر يسترعي الانتباه الذاتي بقوة, ولكنها آثرت الاستمتاع به على الحيرة بشأنه, خاصة بعد أن قالت لها شقيقتها بعبارة صادمة أثناء المحادثة الأخيرة: "إن كثرة الأحلام تجلب التعاسة يا تُقى".

صباحًا في الطريق إلى عملها, مشوشة, راحت تسترجع مقطعًا رسوبيًا من حلم أمس, فكانت تقف (بين ظلين) على الرمل نحاسي اللون للصحراء الفاصلة بين مدينة الصحارة ومدينتي تهادي وروعة المجاورتين, واجفة, تملأ قبضتاها بالرمل النحاسي اللون المميِز لتلك المنطقة، وتنثرهما بالهواء مرات عديدة. ولا يحدث فوق ذلك شيء, ثم بالنهاية سقطت أرضًا فاستيقظت.

عقب مرور ما يقرب من نصف الساعة على انغماسها بأحد ملفات المتابعة الهامة, قاطعتها سكرتيرة مكتبها عبر موجة منخفضة: بأن هناك من يود مقابلتها لطرح مشكلة انتقالية تخص الحي الذي يقطن به. دققت الموظفة تقى بوجه القادم الذي بدا مألوفاً شيئاً ما, وأذِنتها بإدخاله.
قال: أنه يُدعى الحاج ماهر أبو وافي من قاطني حي "القانونلي", وقد جاء أكثر من مرة لمقابلة أمين شؤون المحافظة ولكنه للأسف الذي لم يحظ بفرصة. سألته: ما المشكلة؟. وانبرى يقول: أن رئيس الحي المنتخب ويدعى الشيخ أبو همام الواسطي, يسعى إلى تحويل فائض تربيعي مميز من الأرض إلى مسرح عام, وحديقة عامة, الشيء الذي (في الواقع) يراه هو إفراطًا بالدعة, وترفاً لا لزوم له بههنا مكان, إذا أغلب مجاميع الحي السكنية كان لها حدائق خاصة يتبارى السكان في جعل أيها الأفضل, ولا شأن لأحد بالمسارح أو المسرحة منذ أمد بعيد (كما تعلم هي بالطبع). لقد كان التصرف الأجدى بحق من وجهة نظره, يُختصر في تبني المحافظة لفكرته بتحويل هذه الأرض إلى مجمع تجاري كبير (يكون به لون من كل شيء), ومن ثم ستستفيد إدارة المحافظة كثيرًا جراء إفادة الناس بما يشتهون, وليظفر الجميع بسعادة حقيقية, نافعة, ملموسة الأثر.
استمعت الموظفة تقى باهتمام (مفتعل) إلى النهاية, وقد قطعت عليه محاولة الاستدراك مدعية الانشغال بشيء عاجل. طلبت منه: أن يترك عنوانه وكوده الشخصي. وأنهت المقابلة: بأنها حتمًا سوف تبلغ حضرة أمين شؤون المحافظة بفكرته السديدة هذه, ولتباشره موجيًا بالرد في أقرب وقت ممكن.

- أوصليه سلامي.. واني دومًا في الخدمة.. لو أنه حابب يعرف أي حاجة عن الحي تبعنا.
- يصل طبعًا يا حاج.

بعد أن غادر أضحت آخر عباراته محفزة لاهتمام الموظفة تقى, فهو يعد أول من يأتي بنفسه متطوعًا لآداء مثل هذه الخدمة المركزية, وذلك أن كل الذين تعرف عنهم من كاتبي التقارير كانوا قد أرسلوا إلى هنا لهذا الغرض أصلاً. دخلت من فورها إلى مكتب أمين شؤون المحافظة, وقد قدَّرَتْ أنها ستريح ضميرها المهني (ومن ثم تريح رأسها) إذا أبلغت البقف بالمعلومة الجديدة, فقط كي يتصرف هو.
قال لها: أن ذلك سيعد سبقاً إداريًا إذا حدث, وأنه سيعمل جاهدًا على أن يحدث. ثم كعالم ببواطن الأمور جال بعينيه في الفراغ وأتبع: أنه كان يعرف منذ البداية أن جُل الذين توافدوا إلى المحافظة الجديدة ما أتوا إلا لمنفعة شخصية, وأن هنا مثل هناك, لا فارق عدا في كآبة المنظر وفراق الأحبة وسوء المستودع.
منذ مدة قصيرة لاحظت أنه يحاول الإكثار من استخدام عبارات ذات صيغ إنشائية (بحديثه إليها), ولكنها أيضًا التي فهمت أنه يقوم بنوع من التقمص الخاطئ لإرضاءها, لهذا فقد دفعت إليه الموظفة تقى عبارتها دون تحسب, أو وجل, وبلهجة جازمة: "حقيقي ما في غير حضرتك جاء إلى هنا من أجل منفعة عامة!".

قبل ساعة عن موعد خروجها من العمل, مر عليها الأستاذ أنس بهاء, وقد أضاع مفاتيحه للمرة السادسة تقريبًا منذ انتقالهما. غادرت معه بلا استئذان أحد. ورأت أنها فرصة للتنزه, فتغديا بمطعم رائع بمدخل الصحارة, وابتاعا سويًا شيئاً من متطلبات البلازما الحيوية ( وكان نادرًا أن يحدث ذلك), وذهبا لاستخراج مفاتيح جديدة, وقبلها بالسيارة... عدة أحداث تراكمية بسيطة في مجملها, لكنها صنعت يومًا جيدًا, ثم حانت عودتهما إلى المنزل.




(11)

ليلة أمس حلمَتْ بنجلي أمين شؤون المحافظة "التوأمان", لكنها لا تذكر تفاصيلاً دقيقة لحيثيتهما بالحلم, عدا أنه إجمالاً قد كان حلمًا سيئاً. الآن هو يصف لها عنوانًا على الطريق المركزي العام, ويطلب منها أن تتفضل عليه بإحضارهما مبكرًا من مدرستهما, معللاً طلبه في لزوجة: بأنها تمتلك سيارة ارتوازية لا تشعرها ببعد المسافات, وبأنه على عجلة من إنجاز بضع مقابلات إضافية, فردية, مع المحافظ المنتخب, وبعضًا من أعضاء البعثة المركزية (ذات الطابع التواجدي المفاجئ), هذا قبيل سفره الشهري والأسرة إلى البلد.
ابتسمت الموظفة تقى في ذاتها, فلاحت البسمة على شفتيها, وحث ذلك أمين شؤون المحافظة على أن يكثف اهتمامًا برطانته المعتادة: حول خفة ظل نجليه "التوأمان", والثقة, والغربة, والناس الذين يشبهون المعادن. إلا أنها كانت تبتسم لسبب آخر لا يتعلق بشيء مما قاله, فقط لإحساسها المتفاقم بأنه أخيرًا قد جرى ربط صريح بين الحلم والحقيقة كما كانت تهفو, إن ذلك بالضبط ما كانت تفتقده منذ مدة طويلة, أو أنه بالأحرى الشيء الذي لم يحدث معها أبدًا بكيفية مباشرة كما يتهيأ له الحدوث إن شاءت الأقدار, أي أن ترى بواقع تفسيرًا (ولو تقريبيًا) لحلم!.

سألته بالمناسبة عن إمكانية استثناءها من القانون العملي, بأن يكون لها ومن ثم لزوجها عطلة شهرية كمثله, يسافران بها إلى البلد. أجاب ببطئ (وكان سمتٌ خفي السخرية قد أخذ وجهه): المشكلة كلها ليست في تصريح العطلة.. المشكلة كلها في البلد.. انتي عارفه القانون العملي عندنا صارم ازاي يا تقى.. وبعدين لِم الاستعجال؟ بقي لك درجتين.. وأنس زوجك ثلاثة.. ويكون النزول هو حقكم بصيغةٍ رسمية.. لا تتعجلي.
- هناك ناس محتاجين يشوفونا ونشوفهم!.
- عذرًا.. خليهم يصبروا لبعض الوقت.. وأنا ححاول في الاستثناء.

كانت تتوقع أن تؤتي نظرتها الناقمة, العميقة, بثمرة كهذه (المحاولة في الاستثناء), إنما حقيقة لم تتوقع أن يُتبعها سريعًا بطلب استثنائي كهذا:- بعد ديباجة مختصرة حول كونها موظفة من نوع خاص بالجهاز الإداري المركزي العام, وأنه لا يجد غضاضة في أن يستعين بها فيما ليس من شأنها (للأمانة) القيام به, ولكنها من الأكيد (بحكم خبرتها الوظيفية) تعرف أشياءً مؤرقة لمن هو في حساسية موقعه, مثلاً كمسألة تهرب معظم الموكلين بآداء مهام المتابعة الحية من انتقال كلي إلى المحافظة الجديدة, إما لتقدمهم في السن, وإما بالوساطة الثقيلة لرؤسائهم (الذين يدعون حاجتهم الشديدة إلى المنتقل, فينلغي النقل على أثر ذلك)...






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/1


المزيد.....




- فنان يستعين بـ200 شخص لالتقاط صور عارية قرب البحر الميت (صور ...
- أزمة «ريش» بالجونة.. التكفير على الطريقة الفنية: فنانون ينسح ...
- -ذا روك- يكشف عن أول نظرة على فيلم -بلاك آدم-
- حميد شبار: المغرب يطمح إلى بناء شراكة قوية مع موريتانيا
- -علّي صوتك-: فيلم مغربي يشجع الشباب على مواجهة مشاكلهم من خل ...
- بلاسيدو دومينغو يطلق مسابقة مطربي الأوبرا الدولية في موسكو
- فيديو جديد لمحمد رمضان يراقص المضيفات: بحب أجيبها وهي طايرة! ...
- المتحف البريطاني يعرض -قرص نيبرا السماوي- أقدم خريطة للنجوم ...
- ميدل إيست آي: برلين عاصمة الثقافة العربية بأوروبا
- رَسائِلٌ مَغمورة ...


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - المحافظة الجديدة -فصل من رواية- 7/2