أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد عبدول - شعب الله الثرثار















المزيد.....

شعب الله الثرثار


احمد عبدول

الحوار المتمدن-العدد: 4046 - 2013 / 3 / 29 - 14:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما ان تجلس مع قريب أو غريب لربما تكون قد التقيته مصادفة ما ان تلتقي ببعض المعارف في أحد المقاهي او الكازينوهات لتتجاذب معه أطراف الحديث ما ان تكون وجها لوجه مع جمهور النت وعشاق شبكته العنكبوتية ما ان تستقل أحد سيارات الاجرة بكلا شقيها العام والخصوصي ما ان تلج أحد الأسواق أو المحال التجارية ما ان تدعى لاحدى مناسبات الأفراح أو الأتراح حتى تكتشف انك لن تعيش وسط اناس كل همهم رغيف الخبز المضمخ بعرق جباههم وتعب اجسادهم وتلف أعصابهم بل أنك تعيش وسط شريحة من الخبراء القانونيين وعلماء الأقتصاد ورجال الدين وأصحاب النظريات العلمية في مختلف حقول العلوم والمعارف .فما ان ينفتح للحديث باب حتى تجد نفسك بين قوم يخوضون في كل ما يعرفون وما لا يعرفون فيشتدون في أحاديثهم ويختلفون في أقاويلهم ويتناقضون في توجهاتهم ويتباينون في مشاربهم حول أبسط الأمور وأيسرها فيجعلون من اليسير عسيرا ومن السهل عويصا وهم في ذلك مختلفون أشد الأختلاف حتى وان لم يكن هنالك اختلاف أو وجد هنالك تعارض .والمصيبة انك تجد هؤلاء جميعا يتصورون ان ما يدور بينهم إنما يعد نقاشا علميا يشبه ما يدور بين العلماء وما يحتدم بين الفقهاء في الوقت الذي لا يمتلك فيه أولئك القوم أدنى مستوى من مستويات المناقشة واصول التحاور .ان مفردة النقاش إنما تشير الى ذلك الحديث الجاد والمتوازن الذي يجري بين طرفين متكافئين في المستوى العلمي والثقافي وسط أجواء لها شروطها وشرائطها وأسسها وخصائصها ,حيث تعد المناقشة فعالية ذهنية معقدة ترتبط أرتباطا وثيقا بالوعي البشري وفق معطيات وتراكمات وخبرات وتجارب قد أختزنها العقل الباطن في دواخله وهضمها بين جنباته .النقاش فعالية فكرية منتجة تسير على ضوء نقاط محددة وآليات معتمدة بالأضافة الى ما يتخذه النقاش من حقائق ووثائق وبيانات وأستبيانات يمكن ان تساهم في عملية الوصول الى هذه النتيجة أو تلك .ان عملية النقاش هي عملية معقدة لا تتيسر لكل فرد وذلك بسبب ما تتطلبه تلك العملية من مواهب وقابليات وجد وأجتهاد في طلب العلم وتحصيله .ان ما نشهده اليوم من ظاهرة تناول كل شيء من قبل الجمهور (العامل ، الكاسب، الفلاح، الحداد الخ )يعد ظاهرة شبه مرضية ان لم تكن هي كذلك اذ ان جل ما يطلب من عموم هؤلاء هو ان يقوموا أخلاقهم ويسدوا رمق عيالاتهم ويخدموا أوطانهم في الوقت الذي ينبغي فيه ان يتمتعوا بكافة حقوقهم المدنية والسياسية والأجتماعية لتبقى هموم السياسة ومسؤوليات التعليم وملفات الأمن والأقتصاد من مهام أختصاص أولي الأمر من ذوي الأختصاص حصرا .هذا ما تشهده جميع المجتمعات بأستثناء مجتمعنا العراقي الذي قد نجد فيه ان بائع الخضار على سبيل المثال يتناول مرجعا للتقليد بالنقد والتجريح والتطاول والأنتقاص ولربما رماه بالجهل والبله وقد مليء زهوا وغرورا لأنه قد تجرأعلى إنتقاد هذا العالم أو ذاك والمشكلة ان بائع الخضار هذا مع بالغ إعتزازنا به لا يأخذ بما يصدره الفقيه من فتأوى تتناول بعض تفاصيل عمله فيما يخص الحلال والحرام والواجب والمكروه والمستحب بل أنه يعتبر ذلك تدخلا من رجل الدين في شؤونه الخاصة في الوقت الذي يتدخل فيه هو على ضحالة مستواه العلمي والثقافي بأدق شؤون وأختصاصات رجل الدين أو مرجع التقليد وهكذا هو الحال بالنسبة للبقال والحداد والبزاز والكاسب والعاطل عن العمل .لا زال العوام لا يفرقون في المجتمع العراقي لا يفرقون بين النقاش العلمي الهادف والموضوعي وبين الجدل العقيم أو (المشاقة ) والمشاقة مفردة ورد ذكرها في القران الكريم في قوله (ومن يشاقق الله ورسوله )وهي تعني كثرة الأراء وتشعبها في القضية الواحدة أو تقليب الأمور على وجوهها المختلفة حد الإسفاف والتطرف ,يقول الجاحظ (ان أهل العراق كثر فيهم الشغب والنفاق لانهم اهل نظر وفكر وتدبر ) ولا شك ان مثل ذلك القول يذكرنا بما قاله الحجاج وهو يخاطبهم (يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق ) (المشاقة )عملية هدامة تقوض تماسك المجتمعات وتهدد وحدتها وتباعد بين فرص تقدمها .وعلى الرغم من ان العراقيين كانوا يوصفون وعلى إمتداد تاريخهم الطويل مع شتى الحكام ومختلف الحكومات بالمشاقة والشقاق وكثرة الأراء مع لقلقة الألسن ,سواء جاءت هذه الأوصاف على ألسنة الطغاة من حكامهم أو وردت على ألسنة من حكمهم من أهل العدل وذوي الحجى والمبادى العليا كما في تجربتهم مع العبد الصالح الإمام علي بن أبي طالب في التاريخ الاسلامي ومع الملك فيصل الأول وعبدالكريم قاسم في التاريخ المعاصر . لقد وصف علي بن أبي طالب أهل العراق بعدة أوصاف ونعتهم بعدة نعوت الا ان أبرز تلك الأوصاف والنعوت كانت تتجسد في كثرة وعودهم وتعدد دعواتهم وسرعة إنقلابهم على أئمتهم وقادتهم (تقولون في المجالس كيت وكيت فاذا جد الجد قلتم حيدي حياد )كما وصفهم الامام بأوصاف سلبية أخرى في الوقت الذي ظلت فيه أوصاف مثل التعليق المخل والتدقيق الممل والتعرض لكل مايعرفون وما لا يعرفون أبرز تلك الصفات المذمومة .
(المشاقة )كانت قد استحدثت على لسان مليك العراق فيصل الأول لكن بصيغة أخرى حينما استبدلها فيصل بمفردة الفوضى وهو يصف حال شرائح من المجتمع العراقي بقوله (سماعون للسوء ميالون للفوضى )ليأتي عبدالكريم قاسم بعده بأقل من خمسة عقود ويستخدم ذات المفردة من كنيسة (مار يوسف )وهو يوجه خطابه الى مكون سياسي معارض آنذاك وقد وصفهم بالفوضويين وذلك عندما أخذوا يفسدون عليه رأيه ويثيرون من حوله الشكوك والإشكالات .
العلوم التربوية والأجتماعية تشير الى ان طبائع وأخلاق الجماهير لا تتغير بالنصح والموعظة الحسنة كما كانت تذهب المدارس الدينية القديمة لكن أخلاق الناس إنما تتغير عندما تتحسن ظروفهم وتتحدث قيمهم وتتجدد أساليب عيشهم ,آنذاك سوف تخفت مماحكاتهم وتذوب خلافاتهم ليحل محلها العمل الذي لا يدع بدوره أي فرصة لكثرة الأقاويل وتشعب الأباطيل مع تقلص رقعة الجدل والملاججة والثرثرة والمشاقة التي تفسد الأمور وتأتي بالمحذور .
ان مجتمعنا العراقي لا يختلف عن سائر المجتمعات الأخرى بكل تأكيد الا ان ظروفه السياسية والاجتماعية وما يحتله من موقع جغرافي متميز وحساس جعل منه أقرب الى الاستثناء منه الى القاعدة على صعيد ما تتميز به شخصية الفرد العراقي والتي تمتاز بثرثرتها المفرطة التي غالبا ما كانت أحدى أهم أسباب تفرقها وتنافرها داخل اطار الجماعة وبالتالي فشل مشاريعها السياسية والاجتماعية .لقد بات الفرد العراقي كيانا مثقلا بعدة تجارب وتراكمات جعلته عرضة للتقلب ووجة للأنشطار والتشرذم وعدم التوازن وهو لن يغادر ذلك المربع الا اذا أحس بالرضا وشعر بالأمن ومثل هذا الامر لا يكون الا عبر تطبيع الأوضاع مع كافة العوامل والظروف المحيطة بالفرد العراقي ولربما بأثر رجعي تاريخيا اذا صح التعبير وهو أمر أبعد من المستحيل ان لم يكن هو المستحيل بعينه .قد تكون تلك الترثرة والتي هي أحد افرازات ظاهرة المشاقة هي أحدى أهم تلك القنوات التي بات العراقيون يعبرون من خلالها عن تطلعاتهم المكبوته ولعل هذه هي أحدى ايجابيات تلك الثرثرة لكنها على أية حال تبقى ثرثرة لا طائل من ورائها سوى إنتفاخ الأوداج وتلف الاعصاب وتمزيق وحدة النسيج المجتمعي بشكل واخر .ان ظاهرة المشاقة وما يستتبعها من افرازات وتوابع لا تقتصر بحال من الأحوال على شريحة العوام والبسطاء بل أنها تنسحب على شريحة المثقفين والمتنورين في كثير من الأحيان ولكن بنسب أقل ومساحات أضيق,الا اننا في كل الاحوال يجب ان لا نبقى مكتوفي الأيدي أزاء هكذا ظاهرة مرضية مقيته حيث يتوجب على جميع المؤسسات الدينية والثقافية بالإضافة الى مراكز البحوث ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المختلفة ان تثقف باتجاه تشخيص مثل تلك الظاهرة والحد من تداعياتها قدر المستطاع ,لما تشكله تلك الظاهرة من مخاطر تضر بتوازن المجتمع ووحدة طروحاته ومتبنياته .علينا جميعا ان نثقف بأتجاه ان الجدل والنقاش تعد مسؤليات علمية وأخلاقية وتاريخية يجب ان تبقى حكرا على أصحاب الشأن من ذوي الإختصاص ,وان لا نشجع على زج أبناء المجتمع في معترك كبريات الامور وأمهاتها مع بالغ التبجيل والأحترام لهؤلاء الذين لولاهم لما كان هنالك العالم والمختص والمفكر والفيلسوف والمؤرخ .
علينا ان نثقف بأتجاه الحديث الذي يقول (اذا كمل العقل نقص الكلام )وأننا كلما تكلمنا أكثر كلما كثر خطؤنا وتضاعف جهلنا .علينا ان نثقف بأتجاه ان الأمم والشعوب إنما شيدت صروح حضاراتها من خلال الدأب والجد والاجتهاد لا من خلال الاستغراق في الخوض بالامور التفصيلية لكل شاردة وواردة وصغيرة وكبيرة وعظيمة وحقيرة .علينا ان نثقف باتجاه ان الأمة التي تتكلم أكثر مما تنتج قد أذنت بوداع فحان موعدها وأزفت ازفتها .علينا ان نثقف بأتجاه ان الكلام لو كان من فضة فان السكوت في أحيان كثيرة يكون من ذهب .علينا ان نثقف باتجاه أننا لو لم نقلل جهد الممكن من ثرثرتنا فاننا بحق سوف نكون شعب الله الثرثار .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,233,092,255
- الطائفية السياسية ..بين الواقع والشعار
- علي بن ابي طالب رائد المصالحة التاريخية
- ثنائية الخوف والطمع
- موتانا وموتاهم
- النص والمرأة
- مطر السوء
- القوم الكافرون
- أضغاث أحلام
- الإنسان أم الأديان
- هل يمتلك العراقيون دينا خالصا
- طقوس كربلاء من منظار اخر
- ما هو المطلوب من رجال الدين تحديدا؟
- شيوخ العطب والهلاك


المزيد.....




- سفينة إسرائيلية ترسو في دبي بعد تعرضها لانفجار في خليج عُمان ...
- مع توافر العديد من اللقاحات المختلفة.. هل يجب أن تنتظر اللقا ...
- اكتشاف أقدم دليل على قصة في إندونيسيا بلوحة كهف عمرها 45500 ...
- فرنسا: الرئيس السابق نيكولا ساركوزي مهدد بالسجن في قضية -الت ...
- سفينة إسرائيلية ترسو في دبي بعد تعرضها لانفجار في خليج عُمان ...
- جدل في مصر حول اختفاء صحفي فور عودته من تركيا
- موسكو: العقوبات الأوروبية المرتبطة بقضية نافالني لن تبقى دون ...
- روسيا تصمم درونا ضاربا على أساس طائرة تدريبية
- بوغدانوف يلتقي السفير السوري في موسكو
- فاوتشي يكشف موعد بدء تطعيم الأطفال ضد كورونا في الولايات الم ...


المزيد.....

- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين
- “الرأسمالية التقليدية تحتضر”: كوفيد-19 والركود وعودة الدولة ... / سيد صديق
- المسار- العدد 48 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- العلاقات العربية الأفريقية / ابراهيم محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد عبدول - شعب الله الثرثار