أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم ناصر - على أجنحة النحل: شغب على الطريقة البوهيمية














المزيد.....

على أجنحة النحل: شغب على الطريقة البوهيمية


كريم ناصر
(Karim Nasser)


الحوار المتمدن-العدد: 1153 - 2005 / 3 / 31 - 01:34
المحور: الادب والفن
    


في مساء صيفيٍّ مشبع برائحة زهور القدّاح المعطرة، انفردنا أنا و (حميد العقابي) في مقهى صغير يقع في مركز المدينة، لم تكن لتمرّ سوى بضعةِ أيام على عودته من مكان عمله في (الكوفة) في مسح الأراضي العام 1977، ولا أدري لماذا وافق على عمل كهذا، وفي مدينة بعيدة كالكوفة، هل في نيته الابتعاد، أم لأنه أُجبر كباقي الموظفين الجدد الباحثين عن العمل، والذين كانوا في العادة لا يرتقون الوظائف في مراكز المدن الكبيرة، إلاّ بعد مرور سنوات..
على العموم لا أدري..

لم تكن تمرّ لحظة من لحظات حياتنا نحن الشعراء، إذا لم نكن قد انتهزنا الفرصة مجهدينَ بالتفكير والتمحيص، من أجل الخروج من الوضع الذي نحن عليه..
مرّة خطرت على بالي فكرة نادرة تفتّقت عن مخيلة مجنونة.. قلت لحميد:
ـ بما أننا ضجرون اليوم فما رأيك أن نحتسي الخمر؟
ـ ردّ حميد قائلاً: إنها فكرة رائعة..
وأردف بعدها ـ وكانت على شفتيه بقايا ابتسامة خجولة ـ فإننا بهذا سنخرج في الأقل من ضجرنا. السكر يفسد الفراغ، وما أكثر الفراغات التي تسود حياتنا نحن الشبّان، حتى أننا كنا نفكّرُ دائماً بالرحيل عن (الكوت) بل عن البلد بشكل نهائي..
وبعد أن ابتعنا قنينة خمر من النوع (المستكي) من بائع المشروبات الكحولية المسيحي القريب من (كراج) بغداد القديم كذلك ابتعنا السكاكر من (دكان) مجاور.

انتشى حميد قليلاً، وشرع يبحلق عينيه مسدّداً نظراته نحو المارّة بدهشةٍ وعفوية، كان يعتقد بأنَّ الناس مثلنا متبرّمون، وريثما احتسى نصف القنينة، شرع يغنّي ويضحك بصوت عالٍ وأخذ يسأل المارّة للاستفسار عن أحوال الرعية....
فهو الآن ليس ضجراً كما كان في السابق.
أول ما صادفنا في الطريق كان جندياً ضجراً، ويبدو عليه أنه يمقتُ الثكنة والحراسة الليلية ويكره الضباط كرهاً شديداً كما أخبرنا هو..
عندما سألناهُ عن رأيه بالنظام الفاشي، أجاب ببسالة معهودة: (خره).. عجباً كيف يجرؤ جندي بائس على مثل هذا الكلام الخطير!؟
ألا يخاف! هل كان هو مثلنا سكران، وإلاّ كيف تجرّأ على قول ما لا يقوله أحد..
مع أننا حذّرناه سلفاً من مغبّة النتائج فيما لو قُبض علينا، (وضبطتنا السلطة متلبسين بالجرم المشهود).
اندفعنا بخطوة رجلٍ واحد كموجة خبلة، حيث رأينا شاباً وكان في مقتبل العمر، ورحنا نطرح عليه ذات السؤال، محذرين إيّاه من أننا سندوّن كلامه في دفاترنا التي هي بأيدينا، لقد تبيّن لنا أن معظم أهل المدينة كانوا متذمرين، حتى الساذج منهم كان يعبر عن رفضه بإشارة من عينيه..
يا إلهي ما القصة؟ الجميع متبرّمون..
لكن حين سألنا رجلاً رأيناه بالمصادفة ماراً على سكتنا الخطرة، وعلى ما أظن أنه كان يشبه بقالاً، ذلك واضح من مسوحه ـ قال بالحرف الواحد: إمّا أنتم منتحرون أو مجانين! ألا تخافوا على شبابكم؟ الظاهر كنا غير مكترثين لما سوف يحصل لنا، ولو صرنا جدّيين بعض الشيء، إلاّ أن شغبنا كان نوعاً من العبث على الطريقة البوهيمية، رغم أننا كنا نعرف بأنَّ الإقدام على مثل هذه الحماقات، قد يجرنا بلا أدنى ريب إلى الموت المحقّق.. من يتصوّر لو نحن وقعنا بيد (خضير بطنج) جلاّد الشيوعيين.. هل يتركنا أحراراً نجول ونمرح كما نشاء، أم أنه سوف يملص رأسينا ويتركهما يتدحرجان مثل كرتين..

لكن المهم أننا استطعنا في الأقل أن نحضَّ الآخرين على المسكوت عنه والمحرّم والممنوع والمقموع في عهد الديكتاتورية المنتنة، وأن نخلّص ثلّة من الضجرين من أهوال الوضع الراهن.
في اليوم التالي أخبرني حميد، قال: إنه رآني ـ ليلة أمس نائماً على أحد تخوت المقاهي، وإنه تعجّبَ من وصولي سالماً إلى البيت.. وهكذا أيها الأحبّاء عندما تثقل أعضاؤنا بخدرٍ مسكر في العشيّات، كنا نبتدع الحكايات، ونفلسف القصص الخرافية، وحينما نُفرغ جعبتنا من الأشعار والأغاني ونوزّع الحبّ على الناس، نكون عندها قد أرحنا ضمائرنا كليّة.



#كريم_ناصر (هاشتاغ)       Karim_Nasser#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أطياف التعبيرية: غواية الحركة ورنين اللون لعدنان حسين أحمد ـ ...
- على أجنحة النحل حُشافة التمر
- الهدم ليس التفكيك والإنتقاص من اللغة ليس الحداثة
- على أجنحة النحل ـ ظاهرة المغتربين
- ثمّة أشياء أخرى لـ (حميد العقابي) ـ التغريب وموضوع التأويل ف ...
- على أجنحة النحل ـ بعر الغنم
- محنة الحمام
- سالم قمرك
- ضيف المرآة
- العنقاء لم ترَ سوى بصيص
- ما بقي من الإبريز
- ورد البنفسج
- الحدأة تقطع أصابع الضيف
- إبل هيرودتس لـ - عبد الله طاهر


المزيد.....




- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...
- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...
-  فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم ناصر - على أجنحة النحل: شغب على الطريقة البوهيمية