أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طالب عمران المعموري - قصة قصيرة السنين تمضي سريعة















المزيد.....

قصة قصيرة السنين تمضي سريعة


طالب عمران المعموري

الحوار المتمدن-العدد: 3978 - 2013 / 1 / 20 - 14:14
المحور: الادب والفن
    


السنين تمضي سريعة
(1)
عادَ بقدميه المتثاقلتين من جراءِ العمل المضني من الصباح إلى المساء في دكان البقالة ، ما عاد يتحمل أعباء عائلته الكبيرة التي قصمت ظهره وان الدنانير القليلة لم تسد رمق تلك الأفواه ،التي تبدوا كأرانب – على أي حال أفضل من مرتب حكومي ، شهادة ورقة على جدار لا تجدي نفعا .. يتمتم بصوت يسمع نفسه .. هذا حال الكثير من شباب هذا البلد ،وشباب أهل هذه القرية الريفية التي تحاط بأشجار النخيل والتي تنتهي عند نهر (الحلة) الملتوي كثعبان طويل ، يخترق النخيل الذي يشطرها إلى نصفين . امتد نظره نحو الأفق الملوث بحمرة قانية كعجل مذبوح تلفظ احتضارها الأخير تاركة أذيالها أعلى الغابات المكتظة ،كان الهواء ساكنا نقيا باردا والفضاء مفتوحا ،ثمة صوت طقطقة حذائه على رصيف الشارع المؤدي إلى القرية الذي يلتف حول البحيرة كربطة عنق جميلة وزاهية، انزل كيس الخضار وبعض الفواكه ليستريح قليلا على الحافة الصخرية للبحيرة ، أشعل سيجارة ، نفث الدخان بقوة جال نظره صوب النوارس المحلقة وبعض طيور الماء التي تغوص هنا وهناك ، ثمة تلال متواصلة حول القرية كأنها سور عظيم وتلال متفرقة.وعلى بعد فراسخ قصر الحاكم الفاشستي الطاغية الذي شيده على قمة جبل وأضواءه المتراقصة على تموج المياه التي أحدثتها حركة الطيور السابحة على ضفاف البحيرة وأضواء أخرى من أعلى التل المقابل للقصر الذي شيد عليه مزار احد الأولياء .هكذا شاءت السماء ان يتقابلا النور والظلمة ، الأولياء والطغاة ، ثمة عبق جميل تحمله ريح الشمال .. عطر إثارة فيه نشوة كبيرة بعثت في نفسه لحظة تأمل يندفع وراء خياله خارج محيطه وظروفه الشاقة حيث حلق بعيدا .. ربما كنت سببا في هذا الفقر وهذه المتاعب ....
لينا.. لينا .. لن أنسى تلك الأيام الجميلة حياة الطلبة ،أروقة الجامعة وحفلة التعارف التي كانت سببا للتعرف عليها ..
- كانت طيبة جدا جميلة ورقيقة، وجه طفولي ذا السحنة الحنطية، عينان واسعتان تحت حاجبين نحيفتين، انف صغير يعلو شفتين صغيرتين باسمتين، كأنها فتاة صينية، ذات شعر اسود يسيل على كتفيها ، من عائلة ثرية مثقفة وأمها حصلت على الماجستير في علم الاجتماع من جامعة السور بون الفرنسية وأبيها المتوفى كان قد حصل على الدكتوراه في القانون والذي شغل منصب وزيرا في الدولة ، تحب الشعر والموسيقى تتكلم الفرنسية والإنكليزية. اهتمت بي كثيرا وكانت تأمل أن أكمل دراستي العليا وتحثني على ذلك تهيأ لي المحاضرات والكتب المصدرية . كانت تنقل أخباري إلى أمها أول بأول، كان حلمها أن أكون فارس أحلامها.. كنت مثاليا وقد أفرطت في مثاليتي لاختياري الانفصال عنها بسب الفقر ومخاوفي ، ربما لا تستطيع العيش مثل تلك الظروف برغم ذلك فهي أبدت استعدادها لتحمل الظروف ، لكن لم تكن لدي القناعة الكافية أن تواصل الطريق معي .
- ربما كنت ربا لهذه الأسرة ..
- آه إن السنين تمضي سريعة ، تداخل أصوات الطيور وارتطام أمواج البحيرة قطع استغراق ( هاشم) واصل سيره باتجاه البيت ، قرص الشمس قد اختفى تماما وتلاشى في كهف المغيب .
(2)
تبدو القرية أكثر هدوء في هذا الوقت ، ثمة أصوات نقانق ضفادع عند ضفاف الأنهار الصغيرة وخوار أبقار وثغاء ماعز وروائح شواء وطهي يدغدغ منخريه مما يزيد من خطاه اتساعا ، يطيل نظره إلى قريته وكأنها طفل مدلل نائم بين أحضان التلال وأشجار النخيل المكتظة والمحيطة بها ،وهي ارض منبسطة ومنخفضة عن مستوى الشارع الرئيسي تنتهي إلى شاطئ نهر الحلة، مدى مستويا لبيوت بسيطة ومتواصلة بخطيين متوازيين حتى إن الأمطار في بعض الأحيان كانت تسقط من خلال السقوف الخشبية .
قرية قديمة ذات تقاليد وقيم محافظة وان معظم سكانها يواظبون على زياراتهم في أيام ليالي الجمع ومزاره المشرف على القرية من أعلى التل بأيدي ملكوتية أباً روحيا وبتضرعهم له وعند محرابه . اقترب( هاشم ) من دارهم الهرم الذي يتوسط بيوت القرية من الجهة المقابلة للمزار من جهة الشمال الذي طالما ناجته هذه العائلة وقدمت عنده النذور .. كان هو الابن الأكبر لعائلته لثلاث أخوة وستة أخوات وما إن هبط إلى الشارع الذي يشطر القرية إلى نصفين متساويين اجتاز أزقة القرية الضيقة وصل عند ناصية الدار التي تعلوه نسبيا منحدرا بثلاث سلالم وكأنك تهبط إلى احد البيوت الرومانية القديمة .. استقبله الأب الطيب بالترحيب قائلا:
- الله يكون بعونك يا ابني .. إن شاء الله بخير
- الحمد لله
الأب (عبد الله) في الستين من عمره قصير القامة ذا وجه طليق مستبشر بلحيته البيضاء كالثلج وغطاء رأس ابيض وقد ترك الزمن آثارا حول مقلتيه ، كان محبوبا من قبل جميع أبناء القرية وخاصة المثقفين منهم.. صاحب أفكار متجددة مرن وغير متعصب ذا روحية الشاب انه لم يكن ذا تحصيل علمي إلا انه كان متابعا كل ما يدور في الساحة .كان صريحا وجريئا وناقدا لاذعا مما يثير حفيظة بعض المتزمتين لذا كان له تأثير كبير على أفراد عائلته ونظرتهم الإنسانية والتي اتسمت بسعة الأفق.
- بارك الله فيك يا ابني.. الله يكون بعونك، صوت أم هاشم من كوة الدار وأم العائلة الكبيرة لم تبدوا كبيرة السن فهي اصغر سنا من زوجها كانت طيبة وبسيطة جدا حتى إنها إذا مرضت مجرد أن تضع تميمة أو صورة احد الأولياء تحت الوسادة فإنها تشفى لاعتقادها الشديد وتمسكها وتضرعها وذرف دموعها .
(3)
تلاشت الأصوات التي كان الليل قد ضج، بها هدير السواقي وحفيف الأشجار وعواء الكلاب كانت القرية تستيقظ من نومها فيزداد ضجيج تثاؤبها شيئا فشيئا وينتقل صياح الديكة من بيت لآخر وتجاوب أصوات المآذن في القرى الصغيرة المجاورة ، ثمة بعض حظائر كانت تصدر معزوفات حيوانية. كان هو يوم الجمعة لم يخرج فيه إلى دكان البقالة وحرص على أن يقضي هذا اليوم مع العائلة وان يقتطع جزءا من وقته في الصلاة عند مزار الولي ..أردف (هاشم) قائلا : - سأصطحبكم إلى المزار تكون صلاتنا هناك ..
ثمة عيارات نارية تصدر من وسط القرية ، هممت للخروج لمعرفة ما يجري، حشد من الناس، أصوات أهل الزقاق تهمهم في إذني وكأنها قادمة من كون بعيد عند زقاق الحاج كريم ابو النفط وان ولده ممدوح غارقا بالدماء ،يتفصد جبينه عرقا، قال فيما يشبه الهمس وهو يتملى وجوه الحاضرين، ناظرين بأعين لا يرف لها جفون ، فاغرين أفواههم بذهول،كان هاربا من تلك الحرب اللعينة التي ابتدأت وانتهت ب( يا محلا النصر بعون الله) وأولاد ( الخايبات ) بين الأسر، الموت والسجون والعاهات المستديمة ..
كان ممدوح لم يعرف إن هناك كبسة على الهاربين ، دخل إلى البيت خلسة من عيون (الجلاوزة )يأكل شيئاً ويرجع مع مجموعة الهاربين الذين رفضوا الالتحاق بالحرب والذي كانوا يختبئون بالقرب من البساتين المحاذية للشاطئ حتى إذا ما دوهموا فأنهم لا يبالون ان يعبروا النهر حتى لو كان الماء باردا، انقضّ عليه (الر..ق) حاول الهرب من الزقاق إلا إن قاتله كان اقرب إليه بطلقاته الغادرة أودته صريعا عند باب البيت .. وكالعادة دفعوا أهله ثمن الطلقات كما كانوا يفعلون مع أهالي المعدومين وإقامة المأتم سرا .
طالب عمران المعموري
الحلة






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة رزايا
- قصة قصيرة


المزيد.....




- ملف عمر الراضي.. السلطات المغربية تكذب مغالطات منظمات غير حك ...
- وفاة الفنان السوري كمال بلان في موسكو
- قصر أحمد باي يوثق حياة آخر حكام الشرق في -إيالة الجزائر-
- عرض مسرحية جبرا في بيت لحم
- فيما تؤكد الحكومة أن العلاقة مع المغرب وثيقة..خطط ستة وزراء ...
- القضاء المكسيكي يأمر منصة -نتفليكس- بإزالة مشهد يخرق قانون ا ...
- القضاء المكسيكي يأمر منصة -نتفليكس- بإزالة مشهد يخرق قانون ا ...
- -وحياة جزمة أبويا مش هنسكت-.. ابنة فنان شهير تتوعد رامز جلال ...
- الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان خالد النبوي
- لوحة رسامة روسية طليعية تباع في مزاد -كريستي- بـ680 ألف يورو ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طالب عمران المعموري - قصة قصيرة السنين تمضي سريعة