أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسين لمقدم - النجعة الجبلية














المزيد.....

النجعة الجبلية


ياسين لمقدم

الحوار المتمدن-العدد: 3860 - 2012 / 9 / 24 - 11:04
المحور: الادب والفن
    



بذروا الأرض فتعرش خصبها حتى شارف السماء. سنبلها المليء المليح تدلى منكسفا من تغزلات شمس تكسوه ذهبا. تناوبوا في تلاحمهم الرائع على الحصاد وقد تلفعت أراضيهم بصفرة مختالة تتماوج أهدابها بريح الغروب. طمروا دراسهم وبنوا من التبن "نوادرا" غطوها بعجين الطين، وذروا اللقاط في سنبله لطائر أو عابر سبيل أو يتيم. ثم انطلقوا أحرارا للهو بكرة من أجواخ يتضاربونها بعصيهم الغليظة إلى أهدافهم المرسومة على الثرى، فتشج جباه بعضهم وتنكسر العظام ولا يبالون. فلا ينتهوا من تراكضهم إلا وقد اكتحلت السماء في الأفق الغربي معلنة بداية الكدح الموسمي.
كدوا في الزرع بالسهول البورية فجادت الغيوم عليهم بالماء. في أول الخريف ألقوا بذارهم وقلبوا وجه الأرض وأمنوها بعض الأشداء، ثم جمعوا أغراضهم على الرواحل، و حتى لا يزعجوا ترابهم في تمخضاته ساقوا أغنامهم إلى العلياء . نصبوا خياما نسجتها إناثهم من وبر أفرشوها الحصائر من الحلفاء. وتوزعوا بين الهضاب العاليات يتتبعون أثر الخصب لكلأِ الماشية. ويأوون إلى مضاربهم في أول المساء بعد أن أمنوا القطيع في زرائب من شوك وسدر، وبجدائل مفتولة من الحلفاء ربطوا الكلاب حولها ونصبوا فخاخا للثعالب البغيضة . يتحلقون حول بعضهم متلفعين بالأغطية السميكة، يتناقلون أخبارا بسيطة عن عالمهم الصغير، وعن ندرة الأعلاف وهجرة الجيران مع القطعان إلى مضارب الرتع الخصيبة في مروج الشمال على ضفاف ملوية، حيث الخضرة والماء، مثقلين إلى حاكمها المتمرد بالعطايا والولاء. يتناولون عشاءهم من لبن وثريد . ويتسامرون على أنغام الريح العنيدة التي تكاد ترفع عنهم خيمتهم المتهالكة فيهرع بعضهم إلى دق أوتادها بالرزامة.
وفي الباكرة، وقبل حتى أن تستيقظ الشمس من غفوتها يهشون قطيعهم متتبعين أثر الهشيم بلهفة إلى الأعياد الكبيرة التي تخفف عنهم أحمالهم الوديعة. في طريقهم المتعرجة المتحجرة، وبكل صنوف الأسى ينكسون الهامات كلما لاحت لهم آثار مردومة لزاوية هجرها العارف بالله سيدي أحمد أولمغني من زحمة الأولياء إلى الجبال السامقات بإملشيل حيث لا تفض بكرات العرائس إلا بعد التبرك من ثراه في زفات جماعية.
نضبت الحصائد المؤجرات سريعا فقرروا الترحال إلى جبال بخوالي البعيدة حيث الغابات ترفل في خضرة أرضها من عرعر وشيح، وتتفجر بين صخورها العيون الجاريات. في ليلة انهمرت الأنواء بقوة وتشتت القطيع مرتعبا من هول الرعود، فتاه الرعاة باحثين عما ضاع. وفي الباكرة تحلقت حولهم كل المضارب القريبة محملة بما سقط في يدها من خراف وعنوز، وتوافقوا على المكوث بالمكان إلى أن تنجلي السبل بانحسار فيضان الوديان.
طال المستقر بتجدد العواصف الليلية، وحدث الوصال بين عناز وحاطبة، فتقرر العرس، وتعالت الزغاريد، وانتظمت النسوة في صف لساعات طوال يوزعن الكلام. ثم جاء المساء وبعد الوليمة و القراءة و الدعاء، قام العريس برفقة الصحاب موجهينه إلى خيمة حليلته، فألقى عنه برنسه وأطلق رجليه للريح هاربا من عيون يوقرها، وما أفلح أحد في رده حتى تدخل الفقيه بالأحراز والبخور.
وفي اليوم السابع واصلوا الزحف إلى نجعتهم الشتوية رافعين أهبتهم من ذئب أو قاطع للطريق. تحاشوا عبور هضبة رفع فيها عدوهم الأحجار على بعضها مدللة على رقم من أجساد سقطت في ذودها على الثغور.

وفي غسق جميل .هبت ريح ممتزجة روائحها بكل أنواع الأعشاب البرية، معلنة اقتراب الوصول إلى الجبال الندية، فاستفاق الجميع من تعب، واختلط الثغاء بالصهيل .



#ياسين_لمقدم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصص قصيرة للوفاء
- قصص قصيرة حتى لا ننساكم
- قصص قصيرة جدا
- قصة قصيرة: طريق جرادة
- قصة قصيرة: التيه
- قصة قصيرة عيساوة


المزيد.....




- -تتويجا للشعرية-.. جائزة الأركانة العالمية للشعر تكسر قاعدته ...
- عدسة الغائب الحاضر.. -أوسكار الإنترنت- يتوج فيلم محمد سلامة ...
- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسين لمقدم - النجعة الجبلية