أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زوليخا موساوي الأخضري - مقطع من رواية قيد الطبع: في حدائق كافكا















المزيد.....



مقطع من رواية قيد الطبع: في حدائق كافكا


زوليخا موساوي الأخضري

الحوار المتمدن-العدد: 3656 - 2012 / 3 / 3 - 14:11
المحور: الادب والفن
    


’’ لقد قلت لك توا، بعيدا عن هنا، ذلك هو هدفي’’
كافكا

انتمائي لعالم الكلمات وحدها يقيني شري و شر الآخرين. أهرب إليها كلما ضاقت بي الدنيا. وحدها تسعفني حين يبدو كل شي ء مظلما و ضيقا لدرجة لا تطاق فأبدو ضيفا ثقيلا على هذه الحياة.
الحياة جميلة و أطيقها بعد أن أسطر الحروف جنب بعضها و أملأ الفراغات البيضاء. بل هي في حقيقة الأمر سوداء لأنها تلف بي في متاهات جنونية و تقذف بي بعيدا عن نفسي و عن الآخرين . أظن أني أكرر هذه الفكرة.
هكذا أشعر في كثير من الأحيان أني أدور و أدور في نفس المكان لكني لا أستطيع منع نفسي من الدوران كأن قوة خفية تحركني و تجعل الأرض تميد بي. أزداد غيظا و جنونا حين أرى الآخرين لا يشعرون بمثل ما أشعر به بل على العكس تماما ينصرفون إلى أعمالهم اليومية بهدوء. عمل. بيت. مقاه. ملاه. مطابخ للنساء. بارات وكباريهات للرجال. ملل. ساعات ثقيلة تكاد لا تنتهي. أو ساعات قليلة يحاول الكل القبض على كنهها بكل ما أوتي من قوة. إلا أنا. كم مرة تمنيت الموت. الموت نهاية طبيعية لكل هذا. لكن ما جدوى البداية ما دام كل شيء سينتهي؟ يا لهذه الدوامات. كم مضى على البشرية و هي تتخبط فيها دون أن يجد أحد إجابة على أي منها . لا مخرج. لا مهرب. هنا . على هذه الأرض. لا مكان آخر سواها.
و أنا أتساءل كيف أتلمس طريقي وسط هذه الأدغال التي يسمونها الحياة اليومية. رتيبة مملة . عبث. كلمات جوفاء تتردد حولي كفقاعات . حركاتهم ، سكناتهم. قطيع يساق الى حتفه . هل يعيرون اهتماما لما يفعلون ؟ يبدو ذلك. يتسابقون ، يتنافسون يكيدون لبعضهم بعضا يقتلون بعضهم بعضا بالكلام أو بالسلاح هل هناك فرق؟ هل هم متعالون عن البؤس الذي يحيط بهم ، عن الأسئلة العملاقة التي تحدق فيهم ؟ هل يرون؟ هل يدركون؟
أحاول حقيقة بكل صدق و بكل ما أوتيت من جهد أن أكون مثلهم لا لكي أتشبه بهم لكن لوضع حد لعذاباتي و أقول مع نفسي: لماذا أنا؟ لماذا أفشل فيما ينجح فيه الآخرون.
أستيقظ من كوابيسي. أتوجه إلى المكان الذي أتسلم منه حوالة في آخر كل شهر كي أستطيع شراء ما يضطرني للبقاء حيا و أحاول ، أكيد أحاول أن أعطي هدفا و معنى لما أفعل. أقول مع نفسي: ربّما هذه الأوراق التي أحملق فيها طول النهار ضرورية و مفيدة لمستقبل البلاد و العباد و أن ما أفعله أي محاولة فك رموز هذه الخطوط لبعض الوقت ثم الدردشات في ما تبقى منه مع من يشاركونني المكتب و احتساء كؤوس الشاي سيفيد الإنسانية في شيء. أحيانا الدردشة تكون مصاحبة لاحتساء الشاي وأحيانا أخرى لا. فليعذرني قرائي الأعزاء قارئاتي العزيزات إن كنت أؤكد على هذه الأشياء التي تبدو لهم ، لهن بسيطة لكن هي في الحقيقة قد لا تكون بالبساطة التي يتهيأ لهم ، لهن. مهما يكن من أمر فهذه مسألة ليست بسيطة بالنسبة إلي رغم أني أخاف كثيرا من أن ينطبق عليّ هنا المثل الألماني الذي يقول إن الشيطان يكمن في التفاصيل بغض النظر عن كوني أومن بالشيطان أم لا. ضبط هذه المسألة إذن و التأكيد عليها قد يساعد في حل هذه الإشكالية التي بكل تواضع أقولها لا تهمني وحدي بل تهم مستقبل أمة بأكملها. أظنها ومن دون مبالغة تكاد تعادل النظرية الفلسفية كل إنسان فان، سقراط إنسان، سقراط فان. أفتح القوس لأذكركم أني قلت لكم سابقا إن ما يؤرقني هو الأسئلة الوجودية و مسألة الدردشة و احتساء الشاي لا تقل وجودية عن سابقاتها فإذا كانت الدردشة ثم احتساء الشاي سأكون قد أضعت وقتا أكثر لكن إن كنت أدردش و أنا أحتسي الشاي فذلك يعني أني قد أضعت وقتا أقل.
ألا ترون معي أنها مسألة حساسة جدا و تقتضي من كل الحكومات العربية البحث الجدي و التقصي عنها لكن رجاء من دون اللجوء إلى ما يسمونه لجان البحث و التقصي التي تبث كل الأقمار الاصطناعية تاريخ انعقادها ثم من يعثر لها على أثر بعد ذلك يسجل اسمه بمداد من ذهب في كتاب غينيس.
تتعاقب إذن الأيام في المكتب كلها تشبه بعضها لكن يبدو أني وحدي من يرى ذلك. أحاول ألا أرى أنا أيضا. ماداموا ينجحون في ذلك لم لا أنجح أنا أيضا؟ أقهقه مع المقهقهين على آخر نكتة، أستمع لثرثرة الزميلات حول شؤون أزواجهن و أولادهن و شكواهن التي لا يسمعها أحد لأن لا أحد يعير اهتماما للأشغال المنزلية التي تثقل كاهلهن و إن زل لساني و سألت إحداهن عن دور الزوج في هذه الأشغال ينظرن إليّ بعينين مفتوحتين عن آخرهما كأني هبطت لتوي من كوكب آخر. ثم أراقب الساعة كي لا يفاجأني الآذان وأضطر لتحمل نظرات زملائي المليئة بالإزدراء لرجل في مثل عمري لا يسابق الآخرين حين يسمع الآذان كي يحصل على مكان ملائم في مسجد المؤسسة الذي يكون مكتظا عن آخره بالمصلين و من لم يسرع لا يجد له موطئ قدم . الكل يترك ‘‘عمله‘‘ و يتجه مسرعا للقاعة التي كانت تحفظ فيها الأرشيفات في آخر الممر و التي أصبحت مسجدا. أما الأرشيفات فقد أصبح المواطنون بين الفينة و الأخرى يجدون أسماءهم ،أسرارهم و مشاكلهم في موقع النفايات و في أحسن الأحوال عند بقال الحي. تشتري سكرا أو دقيقا فتجد في اللفافة اسم أحد معارفك، اسم أبيه ، أمه وأولاده والشهادات التي حصل عليها ،المشاريع التي كان يحلم بها يوما خاصة عندما كان شابا و التي في كثير من الأحيان تنكّر لها أو شلّت عزيمته و تخلى عنها كما فعل كثيرون غيره. ما يضحكني أكثر هو أن أكون محظوظا وأعثر في إحدى تلك اللفائف على النتائج الدراسية لأحد معارفي خاصة أولئك الذين يبرعون في الكذب و يخلقون لأنفسهم تاريخا حافلا بالأمجاد و الغزوات الدراسية كأن يقول لك بمبرر و بدون مبرر:
أتعرف شيئا؟ لم أكن أرضى بغير مرتبة الشرف. كان كل أساتذتي يفضلونني عن كل أقراني لأني كنت متميزا. الأول في كل شيء. ثم يضع القدر تلك الورقة بين يديك و تقرأها وأنت تستلقي على قفاك من الضحك:
تلميذ كسول جدا تلميذ غير مؤدب تلميذ لا يهتم بدروسه نتائج ضعيفة جدا...
يذهبون للصلاة إذن و لكي لا تلتقي عيناي بنظراتهم المتوجسة أدس نفسي في أقرب مقهى . يعودون إلى مكاتبهم ثم يعاودون الثرثرة: نميمة و شتائم في حق من غاب . مديح وإطراء بسبب أو بدونه لمن حضر لكن ما إن يغادر أحدهم حتى ينال حصته من النميمة و الشتائم.
يناديني الرئيس رئيسي في العمل طبعا لا تذهبوا بعقولكم بعيدا و لكي أكون أكثر دقة و رفعا لكل التباس أقول رئيس القسم أما رئيسي في العمل الذي هو المدير العام فهو لا يتنازل كي ينادي موظفا بسيطا مثلي بل هو لا يعرف بوجودي أصلا كي يناديني . أتذكر الآن قصة رجل التقيته ذات ليلة في أحد البارات التي أجلس فيها لمراوغة الملل .
أحيانا يحوّل هذا الرجل سيارته الخاصة إلى سيارة أجرة . في أحد الأيام بعد أن أوصل الجميع إلى المكان الذي يريد التوجه إليه التفت فتفاجأ برجل لم يغادر بعد السيارة يجلس صامتا في المقعد الخلفي كأنه منكمش على نفسه يعدل من وضع نظارته الطبية و هو يتطلع إليه باهتمام في المرآة العاكسة. خاطبه السائق قائلا:
إلى أين الوجهة إن شاء الله يا سيد؟
إلى المدرسة الفلانية من فضلك هل لا زالت بعيدة من هنا؟ قال الرجل الوسيم
أفترض أنك المفتش الجديد؟
أجل كيف عرفت ذلك؟
هل يمكنني معرفة الأستاذ الذي سيتشرف بزيارة سيادتك؟
المعلم الفلاني يجيب المفتش.
يوقف السائق السيارة ثم يستدير بكل جسده للراكب خلفه ينظر إلى عينيه مباشرة و بصراحة شديدة يهمس له:
متشرف بمعرفتك سيدي المفتش! أنا هو الأستاذ الذي من المفترض أن يكون في قسمه مع تلاميذه و تقوم سيادتك بزيارته لكن ما باليد حيلة. اضطرتني الحوالة الهزيلة و مصاعب الحياة التي لا تنتهي...
انفجر أحد رواد البار ضاحكا و قد سمع من الحديث أكثره. ثم قال بصخب و هو لا يزال يضحك:
و الله أنت أحسن أستاذ رأيته في حياتي يا أستاذ!
في البار أجد الحياة الحقيقية التي يحاول المسئولون في مكاتبهم الوثيرة التغطية عليها هذا بطبيعة الحال بالنسبة لمن كان منهم على علم بها أما الآخرون و ما أكثرهم فهم لا يغادرون مكاتبهم إلا إلى قصورهم في سياراتهم الأنيقة و التي يفضلون أن تكون من أغلى الماركات، أو إلى أماكن لهوهم . في البارأحاول الفرار من الكذب و الرياء الذي يحيط بي من كل ناحية.
يحل المساء. أتكور حول نفسي أعب الزجاجات. بيرة ، ثانية ، ثالثة...
لم يبق في البار غيري و الموسيقى الصاخبة. صوت المغني يردد كلاما ليس له معنى أو على الأقل أنا لا أفهمه: شخبط شخابيط لخبط لخابيط ! نفس المقطع نفس اللحن يتردد إلى ما لا نهاية يكاد يحدث ثقبا بطبلة أذني . لا أحد يفهم. لا أحد يعرف. لا أحد يريد أن يعرف مدى الفراغ الذي يحيط بنا. يكاد يبتلعنا. يقف النادل أمامي قليلا أو ربما كثيرا لم أعد أعرف. لا أتحرك. لا أقرر شيئا. ينسحب النادل. أعرف أنهم كانوا سيلقون بي خارجا لو لم أكن من الزبناء الأوفياء الذين عوضا عن أن يحملوا الحوالة إلى البيت يأتون بها إلى البار فيضطرون للإقتراض إلى أن تأتي حوالة الشهر الموالي ثم حين تأتي يقومون بنفس الدورة و يختارون نفس الأولويات و هم ينفون بجرة قلم البيت و الزوجة و الأولاد. لذلك زوجتي كانت أقوى من عزيمتي أو بالأحرى انعدام عزيمتي فأخذت تتلقف الحوالة قبل أن تمتد لها يدي. لكني سريعا ما وجدت حلا يناسب الجميع: تدبرت أمري في ساعات إضافية يا لهذه الساعات الإضافية أصبحت كعصا موسى تهش بها فتتقاطر عليك الأموال .أعلم إذن أبناء أصدقائي الأثرياء اللغة الأجنبية التي أتقنها و بمقابلها أستمر في الذهاب إلى البار. كادت زوجتي تجن كي تعرف السر لكني أقنعتها أو هكذا خيل لي أن أصدقائي يدفعون عوضا عني.
و لماذا يفعلون ذلك من فضلك؟ سألتني زوجتي بكثير من التهكم.
أجبتها أنا أيضا بكثير من التهكم:
لأنهم يعرفون قيمتي ولا يمكنهم الاستغناء عن وجودي بينهم. فقلبت شفتيها ثم اتجهت صوب المطبخ وهي تعلق قائلة:
الله يهنّي مسعود بمسعودة. ماذا كانت تقصد؟ هززت كتفي و أنا أصفق الباب الخارجي ورائي كي ألحق بأصدقائي في البار.
أبسط ذراعي على الطاولة أريد أن أنام. ربما أجد في كوابيسي بعض السكينة. أضع رأسي على ذراعي المشبوكتين. وسادة.
أنا مقرفص على فراشي. حولي لغط يعلو و يعلو. هل متّ و هم الآن يعدّون جنازتي؟ صوت بكاء يصل إلى مسمعي. أياد تمتد إلى جسدي. تحركه كقشّة. كل موضع فيه يؤلمني. لماذا يعبثون بجسدي هكذا؟ هل يريدون إرجاعي للحياة؟ فليتركوني أموت بسلام.
أتركوني أموت بسلام! أصرخ فيهم.
انهض إلى بيتك و مٌت بكل السلام الذي تشتهيه! أرفع رأسي. ظلال أمام ناظري. ثلاثة أم أربعة. أشباح . أشكال آدمية تحمل رؤوس حيوانات: ذئب، ثعلب و دب. أخفض رأسي قليلا. آه و سنجاب أيضا؟ لم أره. هم أربعة. ظننت أنهم فقط ثلاثة.أرى في عيونهم شرا يقدح. هل سيلتهمونني هنا على هذه الطاولة؟
أتودون جعلي وليمة لكم؟ لست مضغة مستساغة. أنبهكم.
أخلع معطفي الذي أشعر به كجبل فوق كتفي. علي أن أدافع عن نفسي. أفكر وأنا أحاول الوقوف كي أتصدى لهم. لكن أعدل عن الأمر لأن قدميّ تموجان تحت ثقل جسمي فأتهاوى على الكرسي.
هذا ليس عدلا أنتم اربعة و أنا وحيد.
نحن ثلاثة و لا نريد منك إلا أن تغادر.
و السنجاب ؟ ألا يعضّ؟
وايني مصيبة هذه! يقول أحدهم:
أنت سكران و يجب أن ترجع إلى بيتك و إلا سنستدعي الشرطة. يضيف آخر. أو هو نفسه الذي تكلم قبل قليل لست أدري. فلتسامحوني أعزائي القراء لأني الآن أمثل دور السكران و علي أن أقنعكم بأدائي و إلا فلن أستحق لقب كاتبة. أتكهن بكل الفتاوي التي سيطلق لها العنان قولي هذا.
أعود بالله امرأة تسرد حياة سكران! ماهذه الفظاعة؟ كاتبات آخر زمن . لذا أرجوكم استحملوا نذالتي فهي الثمن الذي أدفعه كي أتمكن من قول ما أريد و أضع عبارة ما أريد بين قوسين احتراما لنظرية النسبية.
إذن الحيوانات الثلاثة أو على الأقل ما كان صاحبنا يظنهم حيوانات هددوه باللجوء إلى الشرطة. نسيت أن أخبركم أن صاحبنا الليلة يسهر أو يراوغ الضجر كما يقول هو نفسه في كثير من الأحيان في بار آخر لا يعرفه فيه أحد لأن أحد أصدقائه ضرب له موعدا فيه لكنه لم يأت مما زاد صاحبنا ضيقا على الضيق الذي يشعر به عادة.
الشرطة؟ و هل الحيوانات أيضا لها شرطة؟
حيوانات؟ شهق واحد من هذه الأشكال الهلامية أمام ناظري، أظنه الأسد لأن زئيره يطغى على كل الضوضاء.
لن أتنازل عن حقي في النوم أقول لهم و أنا أضع ثانية رأسي على ذراعي المشبوكتين على المائدة.
ها !ها! هاهم ينهزمون و ينصرفون. لا بد أن أكون حازما معهم و أجعلهم لا يكتشفون خوفي. ثم هل أنا خائف؟ لالالا لست خائفا بتاتا، لا شيء يستدعي الخوف. أنا وسط غابة و قد حل الليل و لا أعرف أين أتجه. يمكنني أن أسلك أي طريق لأنها جميعا تؤدي إلى نفس النقطة.
ما علي سوى أن أتبع حدسي كما كنت أفعل دائما حين كنت صغيرا و أنا ألعب الغميضة في الدروب الضيقة الملتوية للقصبة.
آه !ها هي ستضايقنا بالحديث عن طفولتها. تستغل إحدى شخصيات الرواية ، تبثها شكواها و تتذكر كل ماضيها. لماذا كلما فتحنا رواية عربية نجد الكاتب أوالكاتبة يحكي أو تحكي عن طفولته ؟أحيانا بشكل مباشر و أحيانا يتستر خلف شخصياته؟ هكذا سيفكر بعض القراء و أجد نفسي مضطرة أن أتفق معهم. كما أتفق مع فكرة يسمينة رضا : ’’الأدباء يرجعون إلى طفولتهم عاجلا أم آجلا’’
صحيح أن طفولتنا لا تزال تسكننا و لا زلنا نحنّ إلى ذلك الزمن الذي على فقره وقساوته و معاناتنا الشديدة فيه نسميه الزمن الجميل. ننسى الجوع، البرد و الحرمان. ننسى اليتم و شظف العيش، ننسى الاحتقار و سوء المعاملة، ننسى الحرمان و السقوط، ننسى بؤس الأيام و السنوات العجاف الرتيبة. لماذا ننسى كل هذا؟ لا ننسى فقط بل تضفي مسحة من الجمال على هذه الصفحات الكئيبة من أيامنا الماضية. لماذا؟ هل هو شعور دفين لدينا أو بلغة علم النفس لا شعور يعبر عن رغبة في الاعتقاد أننا لا زلنا نحافظ على نظارتنا؟ نرفض الموت؟ هل هو شعور بعدم الرغبة في التقدم في السن؟ هل هو تشبث بتلابيب الحياة؟ لماذا هذا الحنين لشيء كان سبب تعاستنا؟ هل نحن مازوشيون إلى هذه الدرجة؟
لنلق نظرة على المسألة من ناحية أخرى. كثيرا ما يجيب الكاتب على سؤال يكرره كل دارس للأدب: ما السبب الذي من أجله يكتب المبدع؟ هل يفعل ذلك كي لا يموت؟ هل يطمح للخلود؟ بطبيعة الحال لن يكون خلود الجسد لأن ذلك مستحيل يمكنكم أن تسألوا مفستوفيليس الذي تحالف مع فاوست الشيطان كي يمنحه سر المعرفة اللامتناهية. يذكرني جوته عبر فاوست بقصة رجل كان يريد أن يهرب من الموت فيحاول الإختباء منه و في كل مرة يفعل ذلك تفشل محاولته لأن الموت يجده أينما اختبأ لكنه لا يأخذه معه بل يجده فقط ليفهمه استحالة الفرار منه. ذات مرة و قد كان الرجل مارا بحيوان نافق على جنب الطريق فكر أنه لو اختبأ وسط أحشاء الحيوان الميت لن يجده الموت و حتى لو وجده لن يقترب منه لشدة الرائحة العفنة التي تنبعث من الحيوان النافق. بعد برهة أطل عليه الموت و قال له:
أهنا إذن تريد أن تموت؟ وسط هذه النتانة؟ بعد بضعة أيام و جد الناس جثة الرجل متعفنة وسط الهيكل العظمي للحيوان النافق .
حكت لي جدتي هذه القصة فقلت مع نفسي إن الناس البسطاء أيضا لهم أساطيرهم التي توارثوها شفويا و التي يضمنونها هواجسهم الوجودية مثل هاجس الموت.
لكن المقصود بجواب المبدعين عن الجدوى من الإبداع هو الإستمرارية عبر كل الأشكال التي يتيحها و عبر الأثر الملموس الذي يتركه المبدع.
كنت إذن أختبئ في مكان لا يستطيع أحد أن يجدني فيه. يبجثون و يبحثون. ثم يمرون إلى لعبة أخرى و ينسون أنهم كانوا يبحثون عني. اختبأت مرة كعادتي . و كالعادة لم يجدوني و كالعادة أيضا نسوني فجلست مكاني أنتظر و أنتظر و لكي لا أضجر و لا أشعر بالوقت كنت أقص الحكايات على نفسي. ثم لم أشعر كيف تمكن مني النوم . نوم عميق حتى الصباح. في البيت لم يبحثوا عني لأن زوجة أبي ظنت أني عند جدتي أو هي لم تظن ذلك لأنها فقط لم تهتم لأمري يوما و جدتي ظنت بصدق أني عند والدي. كنت دوما بعد أن غادرت أمي البيت و تركتنا أنا و أخي وأختي و ذهبت لتتزوج من رجل آخر كنت موزعا بين بيت والدي و بيت جدتي حيث أجد الحنان الذي حرمتني منه أم غادرت دون وداع.
أمي أيضا لها مبرراتها. حين كبرنا و عثرنا عليها كانت تفسر رحيلها بأسباب أحيانا تبدو لي معقولة و في كثير من الأحيان لا أجد لها تفسيرا غير اللقب الذي كانت شقاوة رفاقي في اللعب يقذفون به في وجهي حين نختلف على شيء ما.
لم يبحث عني أحد و بت منكمشا أشخر وراء أحد الأبواب العتيقة للقصبة حيث من حقبة بعيدة من تاريخ المدينة كانت الجيوش النظامية تعلق رؤوس المتمردين أو الذين يعصون أمر الحاكم. أجلس تحتها وأنا أتحاشى النظر إلى الأغلال الحديدية التي لا تزال ربما إلى الآن مثبتة في الجدران.
هكذا أنا! كل ما أفعله يجب أن يصل إلى أقصى مداه. لا أرضى بأقل من هذا و لو على حساب صحتي الجسدية و النفسية و أحيانا على حساب سلامتي. لذلك صديقي خالد متشبث بي رغم هفواتي ورغم كل المشاكل التي أسببها له.
كل ما فعله صديقي خالد و هو يؤدي ضريبة إخراجي من السجن الإحتياطي بعد أن تخاصمت مع حراس الأمن الذين ظننتهم حيوانات هو أن قال لي و ابتسامة خفيفة على طرف شفتيه:
كم أنت طفل مشاكس يا عمر!
وكم أنا متفق معك يا صديقي! قلت.
كنت محرجا و لكن رغم ذلك لا بدّ أن أشرح له الموقف. كل مرة أريد أن أحكي له كيف انتهى بي الأمر في الزنزانة القذرة في مركز البوليس يوقفني بحركة مؤدبة من يده، يربت على كتفي و يقول:
ليس الآن! عليك أولا أن تذهب إلى بيتك لتطمئن زوجتك ، تأخذ حماما و تغير ملابسك و بعد ذلك نتكلم.
و في الغد بعد أن تكون زوجتي قد أشفت غليلها بالصراخ و أكون قد اغتسلت، غيرت ملابسي و نمت حتى الظهيرة، يمر عليّ خالد في البيت. نخرج لنتمشى قليلا و لأني أريد أن أهرب من جو البيت المكهرب حيث زوجتي لا تشبع من ترديد نفس عبارات السخط و التهديد و الوعيد بمناسبة و من دونها بمغادرة البيت إن أنا تماديت و بطبيعة الحال أنا أتمادى دوما و هي لا تغادر البيت أبدا . تجعل من خالد إذن شاهدا، محاميا مناصرا لقضيتها و قاضيا عليه إنزال أشد العقوبات بي في التو و اللحظة. و حين يبقى صديقي صامتا احتراما لمشاعرنا تنخرط هي في بكاء مريرتنسحب بعده إلى مشاغلها و هي تردد أن لا أحد باستطاعته أن يشهد بكلمة الحق في هذا الزمن الرديء الذي أصبحت فيه العدالة و كلمة الحق منعدمتين. نخرج إذن لكي أتفادى إحراج صديقي أكثر. نتمشى صامتين. ربما كلمات زوجتي لا تزال تطن في أذنيه كما أنها لا تزال تفرقع في طبلة أذني. يقترح علي أن نشرب قهوة في أحد المقاهي التي تنتشر على الكورنيش. هو مكاننا المفضل. كلانا شغوف بالبحر.
استودعني سرّا مرة و هو ينظر بشغف إلى البحر:
كم أتمنى لو بعد مماتي تودع جثتي البحر بعد أن تنزع منها الأعضاء السليمة كي تمنح لمريض محتاج.
ضحكت ساعتها وأنا أمازحه:
ستكون وليمة دسمة للسمك الذي بعد أن يشبع من لحمك سيغني قصائدك.
نجلس كعادتنا نحتسي قهوتنا. لا يحدثني أبدا عن الليلة الماضية بل فقط عن العمل. أنظر إليه بتعجب. لا عتاب في كلماته و لا حتى في نظراته.
مرة، لم أستطع أن أمنع نفسي من تبرير ما حصل. فحاولت:
خالد، اسمع في الحقيقة...
لا تحاول.. انتهينا من هذا.. فلننظر إلى ما سيأتي.
و كل مرة يردد نفس العبارة و يسلك نفس السلوك الحضاري المتسامح الأبيّ تجاه أخطائي و توهاني. و حين أغيب أياما و أنا ابحث عن نفسي في كل مكان أظنها فيه، لا ينفك خالد يبحث عني لا لكي يرجعني إلى البيت و لا لكي يكلمني عن مشاريعنا الثقافية بل فقط ليطمئن علي.
ثرت في وجهه في المرة الأولى و أنا أجده أمامي بعد ثلاثة أيام من اختفائي:
ها أنذا! لماذا تبحث عني؟ ما شأنك بي؟ لا أريد أن تبحثوا عني ! تريد أن تجرجرني لسوق النخاسة كأني العبد الصغير الذي اشتراه لك أبوك كي تروض غرائزك البدائية؟ أم جئت لترجع العبد المخصي ليحرس شهرزادك الجميلة؟
كنت أصرخ و الرذاذ يتطاير من فمي. و كان خالد يحاول ألا ينظر إلى عيني الجاحظتين و شعري المشعث الذي يغطي جزءا من وجهي فأرجعه بحركة من رأسي. يداي ترتعشان بل كل جسمي يرتعش.
بعد أن توقفت عن الصراخ لألتقط أنفاسيي، نظر نحوي بلطف زائد و همس:
لا هذا و لا ذاك جئت فقط لأطمئن عليك.
يا الله! يا لوداعتك يا خالد ! يا لقلبك الذي يسع الدنيا.
هل تمانع أن نرجع إلى البيت؟ يضيف ببساطة.
على الإنسان أن يكون جبارا أو أحمقا كي يستطيع تحدي هذا الواقع كما يفعل خالد و بنفس الجدية المعهودة فيه يؤسس مشروعه الثقافي كي ينهل منه الكثيرون.
ألا ترى أن من تحاول إنقاذهم من العبث لا يأبهون لذلك و لا يستحقون جهدك؟كنت أسأله باستغراب.
أنا لا أنقذ أحدا بل أقوم بواجبي و أنقذ نفسي أولا. يصمت قليلا ثم يضيف و هو ينظر في بؤبؤ عيني:
ألا يستحقون ذلك و أكثر؟ و هل الحياة في نظرك يحكمها منطق الربح و الخسارة؟
وماذا يحكمها إذن ؟ أسأله
العطاء يا صديقي ! تعطي كل ما لديك كي تكون قطرة في هذا الوادي العميق الذي يسمى الإنسانية. لا يمكن أن تصل إلى قمتها إلا إذا بدأت بالعتبة الأولى.
العتبة الأولى؟ أنظر إلى زرقة المحيط أمامي و أفكر.
بابل بورخيص! أعلق على كلامه.
أجل. و كل من سبقنا من مفكرين ، أدباء ،علماء، شعراء و فلاسفة قد أسسوا هذه العتبات. و بورخيص قد أجاد التعبير عن ذلك بفكرته السديدة التي أسماها برج بابل. فهو كما تعرف كان ينهل من ثقافة كل الحضارات و على رأسها الحضارة العربية الإسلامية. سأفتح قوسا هنا أنا الكاتبة لأقول أن هذه المفارقات التاريخية les anachronismes : متعددة خلال هذا العمل زمن الأحداث الذي من المفترض أن يكون سابقا على زمن الكتابة يعادله في بعض المقاطع مثل هذا. بورخيص لم يكن قد توفي في بداية الخمسينات : زمن الأحداث. أتعبتني ترجمة الكلمة anachronismes إلى اللغة العربية لكن لحسن حظي أسعفني صديقي سهيل إدريس بمعجمه الفرنسي عربي: المنهل الذي وضعه في خدمة القارئ العربي. شكرا لمجهوداتك القيمة صديقي الخالد!
يصمت خالد قليلا ثم يتابع بنفس النبرة الهادئة:
جاء دورنا الآن كي نؤسس موطئأ آخر لأقدام أخرى ستفعل هي بدورها نفس الشيء.
و إن لم نفعل؟ أسأله في محاولة شريرة و مجانية لإغاظته.
بنفس الهدوء المعتاد يأتيني صوته:
سنموت!
إذن نحن سنخلق الحياة؟ ! كيف بربك تعتمد على شخص ميت كي يخلق الحياة؟ فاقد الشيء لا يعطيه يا صديقي!
ألحظ من نبرة صوته و احتقان وجنتيه أنه غضب من كلامي و أنه يحاول تماسك نفسه كي يجيبني:
Trop penser est une maladie لا تفكر كثيرا كي لا تمرض! هكذا قال دستويفسكي. قالها بالفرنسية خالد و ليس دوستويفسكي.
أنت لست ميتا ! أنت حذق أكثر من اللازم لأنك تفكر أكثر من اللازم. لكن الحياة يا صديقي لا تتطلب كل هذا الجهد كي لا تفقد السلام الضروري للعيش. ستكون فعلا فاشلا إن تماديت في التيه في مجاهل الأسئلة. اترك ذلك للفلاسفة. تخصصنا هو الأدب. حقيقة أن دور الأدب أيضا مساءلة الواقع، مساءلة الحياة و الوجود لكن بطريقة ممتعة. مهمتنا أن نجعل من هذا العالم الذي يبدو كسوق خردة جذابا بعض الشيء بدرجة يمكن معها الاستمرار في العيش بكرامة. خاصة بالنسبة للناس البسطاء ألا ترى معي أنهم معذبون بما فيه الكفاية؟ لماذا علينا نحن الذين نرى الجمال في كل شيء أن ننتحر بهذه الطريقة المشينة؟ أتعرف ماذا ستكون النتيجة؟
و دون أن ينتظر مني إجابة، أردف:
ستزداد الخردة صدأ. سيفقد النهار رونقه و سيكون الإنسان هو الخاسر الأول و الأخير.
ثم نستمر هكذا في هذه المناوشات ساعات طوالا ندردش ثم في الأخير نذهب لمقر الجريدة نسهر حتى الخيوط الأولى للفجر كي نصفف محتويات العدد الموالي من المجلة. ما كان يثير جنوني أيضا ذلك التباطؤ الغير المنطقي الذي تقابلنا به الوزارة الوصية و كل المصالح المختصة. نهيئ العدد الرابع. مواد الأعداد الثلاثة الأولى مكتملة لا ينقصها سوى الطبع و الطبع مستحيل بدون رخصة. كل مرة ننتهي من جمع مواد العدد لا تأتي الرخصة فأسأل خالد بكثير من الضيق. الصبر ليس من نقاط قوتي . تسريع وتيرة الزمن و الأحداث هي نقطة أشيل لدي:
ماذا سنفعل الآن؟
يجيبني ببساطته المعهودة:
نعمل على فقرات العدد الموالي.
لم ألتق أبدا من قبل بشخص حالم و عملي في آن واحد بذلك الشكل. قبل أن نعمل معا على مشروع المجلة لم أكن أعرف أن له كل تلك الخصال.
وزوجتي التي تحاصرني بالتفاصيل اليومية التي أورثتنا البلادة. لا تسمع حين أقول لها أني لست مهتما تزم شفتيها علامة على عاصفة من الغضب و تهدر قائلة : العكس كان سيفاجؤني . زوجتي على فكرة لها ثقافة فرنسية كثيرا ما تقول لي هذه الجملة بالفرنسية le contraire m’aurait étonné
لا أتذكر اليوم الذي اهتممت فيه بأكثر من نفسك أما نحن تقصد هي و الأولاد ليبتلعنا الطوفان! أنا دوما وحيدة هنا مرمية في البيت أعتني بكل كبيرة و صغيرة و حضرتك لا تتواضع لكي لاتهدر وقتك الثمين في التفاهات كما تسميها، تفاهة أن يجد أبناؤك أكلا متوازنا؟ تفاهة أن يذهبوا إلى مدارسهم و ينالوا رتبا مشرفة ؟ تفاهة أن يجدوني وحدي دائما إلى جانبهم و أنت تظن أنك ستنقذ البشرية بالخربشات التي تمضي كل وقتك في فك طلاسمها. كل الوقت الذي يفيض بطبيعة الحال عن ثلة الأصدقاء و السهر في البار حتى الصباح؟
أتميز من الغيظ لكن ألزم الصمت لأني أعرف أن جوابي على ما قالته سيكون بداية لمعركة لا أحد يتكهن بنهايتها. وأصمت كذلك لأني أعترف في قرارة نفسي أنها على حق و لو أني لا أمتلك الشجاعة الكافية كي أعترف علانية لأن ذلك سيجعلها تصيح في وجهي كل مرة بنبرة من ربح معركة مصيرية:
أترى؟ ها قد اعترفت بنفسك!
في السنوات الأولى من زواجنا كانت فقط تقول بنبرة تشفي:
حتى عندما تبقى في البيت فأنت لا تفعل شيئا سوى التحديق إلى الفراغ.
أنا أحدق إلى الفراغ؟
أفهمتها أكثر من مرة أني أرى و أتأمل أشياء كثيرة . أشياء جديرة بالإهتمام.
أتأمل الأطفال ذاهبين أو راجعين من مدارسهم يقضون ساعات طوال يتسكعون في الدروب و الأزقة. يندسون بخبث شديد في أبواب العمارات و المنازل المغلقة يتراشقون بكل ما يحفظونه من كلام بذيء و أحيانا تتطور الأمور من تراشق بالكلمات إلى استعمال الأسلحة البيضاء التي يخبئونها في محافظهم. تجدهم في أي ساعة من النهار يتغازلون ، يقبلون بعضهم بعضا، يلعبون الورق والأكبر سنا منهم يجرب سيجارته الأولى وحين تسألهم لماذا لا يتواجدون في أقسامهم يجيبونك أن الأستاذ تغيب تلك الحصة.
لكن في كل مرة يعطونك نفس الجواب حتى عند السادسة مساء حيث من المفترض أن يكون الوقت المخصص للدروس قد انتهى.
يتأفف السكان الذين من سوء حظهم تقع منازلهم قرب إحدى المؤسسات التعليمية من هذا السلوك المنفر. كثيرا ما أرى حارس إحدى العمارات يجري وراءهم و هو يتهددهم بعصا مكنسة لكن ذلك لا يزيدهم إلا شغبا فيتقافزون و يضحكون و يفعلون أي شيء كي يثيروا حنقه و إغاظته.
وأتأمل موظفات الإدارة المقابلة للبيت كيف يتجمعن كل صباح قرابة نصف ساعة أمام الباب يتحادثن. يمر رؤساؤهن بجانبهن يدلفون إلى الإدارة وتبقى الموظفات بالباب يتحدثن . لسن متغيبات ما دمن قد سجلن حضورهن الجسدي في باب الإدارة ! من فضلكم!.
أتأمل حاوية الأزبال في الطرف الآخر من الشارع. كثيرا ما يتأفف الناس من ذكر حاوية الأزبال أو يغلقون أنوفهم و يحبسون أنفاسهم و هم يمرون بالقرب من إحداها دون أن يعرفوا أنها مهمة جدا. أولا بدون هذه الحاويات تتحول المدن إلى مزبلة كبيرة ، ثانيا هي مؤشر على مستوى الحضارة التي وصلت إليه أمة من الأمم. حين تمر أمام حاوية فتجدها منقلبة على جنبها و محتوياتها مشتتة على الأرض، روائحها تزكم الأنوف من مسافة بعيدة، تعبث بمحتوياتها مجموعة كبيرة من الأطفال ، من الكلاب و القطط أو حتى من الماعز والأبقار فستفهم ببساطة شديدة أنك في بلد لا زالت أمامه خطوات عملاقة كي يكتسب مكانة تجعله في مصاف الدول المتحضرة. أما إن مررت جنب حاويات مختلفة الألوان و الأحجام مرتبة بعناية فائقة و في كل واحدة منها نوع معين من الأزبال : واحدة مخصصة للزجاج ، أخرى للورق ... إذاك يظهر لك الفرق الذي لا يحتاج إلى تعليق.
الحقيقة أن الحاوية التي أتأملها تدخل في خانة أخرى. هي حاوية نظيفة على العموم لأني أرى كل صباح رجلا مسنا مقوسا و نحيلا يكنس الشارع ، يجمع الأزبال ثم يضعها في الحاوية إلى أن تمر شاحنة البلدية المخصصة لهذه المهمة. لا أعرف من هو ذلك الرجل و لا من يسخّره للقيام بذلك العمل و هل يتقاضى عنه أجرا أم لا . كل ما أنا متأكد منه أنه يقوم بعمله بإخلاص شديد أحسده عليه.
ما يثيرني في الأمر هو عدد الناس الذين يمرون بالقرب من هذه الحاوية والذين يا للمفاجأة يطلون فيها يبحثون عن شيء ما. أحيانا أجد نفسي أحصي هؤلاء الناس فيحيرني الرقم المرتفع الذي أصل إليه. كما أجدني أتساءل حين يمر شخص بالقرب منها: هل سيتوقف و ينظر هو أيضا داخل الحاوية أم سيواصل طريقه؟ أحيانا أتفاجأ لأن الشخص الذي يمر لم أطرح حوله هذا السؤال حيث لم أتوقع نهائيا من خلال هندامه النظيف أو اللائق على الأقل أنه هو أيضا سيفتش فيها. أحتار فعلا كيف أفسر هذه الظاهرة لذلك فالتفكير في هذا الأمر يأخذ مني وقتا غير قليل.
ثم أتأمل الأشجار بأنواعها التي أجهل أسماءها بكل أسف و الطيور بأنواعها و التي هي أيضا أجهل عنها الكثير. و هو الشيء المفضل لدي أي تأمل الأشجار و الطيور. لأن الأشجار لها حياة خاصة مليئة بالحيوية و جديرة بالاهتمام. لست أدري لماذا أشعر بها قريبة جدا إلى نفسي كأنها أمي الثانية. لو كان بإمكاني الإختيار لاخترت أن تكون إحدى الأشجار أمّا لي. حين أمر بالقرب من إحداها لا أستطيع أن أمنع نفسي من تمرير يدي على جذعها الخشن أو الأملس حسب نوع الشجرة التي أمر قربها. و في كل الصور التي التقطت لي قرب إحدى الأشجار أظهر فيها و أنا أعانق جذعها بحب شديد.
أراقبها في الخريف تصفر أوراقها ، تأخذ لونا جميلا زاهيا تتحول إلى اللون البني ثم تبدأ في التساقط. عندما كنت صغيرا- مرة أخرى أتحدث عن طفولتي_ كنت أبكي لتساقط أوراق الشجر لأني اعتقدتها تموت لكن جدتي شرحت لي أنها ستحيا في فصل الربيع. و كنت أنتظر الربيع بفارغ الصبر كي أراها تحيا ومعها آمل أن تحيا أمي أيضا رغم أني لم أكن أكلم أحدا عن أمنيتي هذه.
تتساقط أوراق الأشجار أمام نافذتي، تعرّي ما كانت تحجب عني من سيارات و دراجات تمر في الشارع المقابل وراء الفيلا التي فيها مسبح. هذه الفيلا التي تساعدني على إعطاء عنواني لمن يريد أن يزورني من أصدقاء و معارف فيكفيني أن أقول له إني أسكن قبالة الفيلا التي فيها مسبح كي يعرف العنوان. زوجتي وأبنائي أيضا يتحدثون عنها هكذا.
قالت لي زوجتي منذ أيام:
جيراننا يبحثون عن حارس لأنهم تعرضوا للسرقة الأسبوع الماضي، لم يعد أحد يشعر بالأمان هذه الأيام.
سألت وأنا أرفع حاجبي دون أن أحول نظري عن الكتاب الذي كنت أقرأه:
من هم جيراننا؟
الذين يسكنون الفيلا التي فيها المسبح.
آه!
و رجعت أغطس في الكتاب.
الأشجار إذن تلعب معي لعبة الغميضة. و أنا حقيقة أحب هذه اللعبة فهي ممتعة أو ربما أحبها لأني لم ألعبها كفاية في صغري. ثم كلمة الأشجار في حد ذاتها لها وقع خاص في نفسي فهي تذكرني ‘‘بالأشجار و اغتيال مرزوق ‘‘كتاب ممتع و شيق قرأته بكل لذة.
أشعر بنفسي ملكا و أنا أنظر إلى الكون و الناس من نافذتي العريضة في الطابق السادس. في فصل الشتاء حين تكون الأشجار عارية تماما أستطيع أن أرى نصف المدينة حتى الأفق حيث يمتد مجال بصري إلى الغابة التي تشكل حزاما ممتعا من الخضرة و النضارة حول المدينة ليت جشع المسؤولين عن الشأن العام لا ينال منه . أشعر ببعض الأسف لأنها أي الغابة تحجب عني البحر. لو كنت أستطيع أن أرى البحر لكنت ملك الملوك!
لكن هذا الشتاء حزنت جدا لأن أشجاري تعرضت للتخريب التام من طرف مسؤول يسمي نفسه رئيس البلدية. تفتقت عبقرية هذا الرجل على فكرة قطع أغصان الأشجار لأنها في نظره الذي لا يرى أبعد من أنفه ، حين تتساقط أوراقها فهي تملأ الشوارع التي تصبح متسخة وبالتالي سيقضي ذلك على عزم الحكومة في جلب عشرة ملايين سائح.
أتحاشى النظر إليها الآن لأن منظر أغصانها المقطوعة كأطراف مبتورة لضحايا حرب ضروس يصيبني بالاكتئاب. ترفع أكفها للسماء. ليتها تدعو الله أن يخلص المدينة من بلادة مسؤول لا يحب الأشجار.
أتذكر بكثير من الحنين كيف كنت أحب أن أخرج في المساءات الخريفية مع أصدقائي نلعب و نتسابق على أوراق الأشجار التي تتجمع ركما ذهبية فاتنة و نضحك و نحن نستمتع بخشخشتها.
لا أدري إن كانت هذه السنة ستستعيد أوراقها في الربيع كما تفعل كل سنة. أراقبها كل يوم من نافذتي و ألاحظ كل صباح أن عدد أوراقها زاد عن البارحة كأنها تتوالد في الليل. فيلمع لونها الأخضر الزاهي مع إشراقة الصباح الأولى كأنها اغتسلت للتو.
أتأمل أشياء كثيرة من نافذتي و أفكر. أقول مع نفسي:
ما دامت الأرض تدور، ليس فقط حول الشمس بل و أيضا حول نفسها فالإنسان إذن في سفر دائم عبر الفضاء. أتخيل نفسي الآن أدور و أنا جالس على أريكتي هنا قبالة النافذة المطلة على زرقة السماء أشاهد تحليق اللقالق فرادى و جماعات. اللقالق سيدة الفضاء كم هي جميلة و هي تمر قربي بأجنحتها البيضاء و السوداء تلمع تحت أشعة الشمس يخيل إلي أني إن مددت يدي أستطيع لمسها.
ذات صباح وأنا أتأمل طيرانها. تحلق في دوران رشيق. تفرد أجنحتها تدور و تدور. ربما اللقالق كانت لها حضارة و إلا لماذا تحلق قريبا من بعضها دون أن يصطدم لقلق بآخر؟ ليت الإنسان يتعلم منها كيف يقتسم الفضاء دون أن يصطدم ببعضه و يسبب الهلاك و مآسي كثيرة. وأنا أتأمل طيرانها إذن رأيت لقلقا أصغر حجما من الآخرين يحلق ثم يصطدم بعنف بالحائط الأبيض لعمارة قبالة نافذتي تماما ثم يسقط على الأرض. شهقت. خلته ميتا لأنه بقي في مكانه بعض اللحظات لا يؤتي حراكا لكن بعد لحظة استجمع قواه و مع ذلك لم يعاود الطيران في الحال بل مشى بضع خطوات توقف ثم مشى بضع خطوات أخرى و هنا تدخل قط كان على ما يبدو متربصا باللقلق و قد لاحظ سقوطه فانتهز الفرصة كي ينقض عليه لكن الطائر تنبه للخطر و في محاولة فطرية لإنقاذ حياته نشر جناحيه وطار بعيدا عن أنياب القط الذي قرر الإنسحاب بعدما تأكد من فشل محاولته الهجومية. فهمت أن هذا اللقلق الصغير كان يتعلم الطيران و لم يتعود بعد على ذلك السور الأبيض الشاهق للعمارة لذا ظنه المسكين قطعة من السماء لا يشكل خطرا عليه حتى اصطدم به بعنف. تمنىيت عندها لو أن اللقالق تستطيع القراءة لكنت كتبت لها لافتة كبيرة ألصقها على ذلك الجدار اللعين كي أنبهها لخطورته: إعلان لجميع اللقالق. هذا جدارو ليس قطعة من السماء تلافوه من أجل سلامتكم. شكرا لانتباهكم. إلى اللقاء في إعلان آخر.
لو كانوا يعرفون القراءة لقمت حتما باستغلال الفرصة و كتبت لهم بأحرف بارزة قصة أو قصتين كي يستمتعوا بها كما كان الصينيون و الكوبيون في معامل كاسترو للسيكار الشهير يفعلون مع العمال حيث يقرأون لهم عبر المكبرات فصولا كاملة من روايات و هم يعملون. يا لحظهم الجيد! يستغلون قوتهم العضلية و مقابل ذلك يقدمون إليهم غذاء روحيا.
وأراقب أيضا جاري الذي كل ما يفعله في حياته هو الذهاب إلى المسجد كي يصلي. في الحقيقة لم أقصد أن أراقبه. ليس من عادتي التلصص على الناس حتى إن أردت أن أفعل لاأملك الوقت الكافي لذلك. بالصدفة كلما وقع بصري عليه أراه ذاهبا إلى المسجد أو راجعا منه و من ثم أصبحت مهووسا به. أترصد حركاته وأتساءل رغما عني : ماذا يفعل هذا الرجل غير الذهاب إلى المسجد؟ حب استطلاع غريب عني ينخرني و يفسد علي متعتي في تأمل الكون و الأشياء الجميلة المحيطة بي. هل حياة هذا الرجل تستحق كل هذا الاهتمام؟ أفهم الآن الناس المهووسين بالتجسس على الآخرين و محاولة معرفة كل صغيرة و كبيرة عنهم حتى أشياء حميمية يحاول أصحابها بكل طاقاتهم الحفاظ عليها سرا داخل ضلوعهم. كيف يفعل هؤلاء المتلصّصون كي يصلوا إليها؟! فما أن تسأل أحد هؤلاء عن أحد ضحاياه حتى يعطيك تاريخ حياته الذي قد يصل إلى مئات السنين بتفاصيلها المملة. أحيانا كثيرة حتى دون أن تسأل تأتيك المعلومات متدفقة كسيل نتن من فم المتلصص فتظن أنك تجلس بجانب مزبلة .
كنت أخشى على نفسي هذا المصير المؤلم وأنا أقلب رغما عني الأسئلة حول حياة هذا الرجل على جميع أوجهها. وجه أبيض ووجه أسود. و جهان مختلفان لعملة واحدة. hypocrisie . نفاق. يبتسم لك بخبث. تبادله الإبتسام بصدق. تدير ظهرك . يغتالك.
وأنا أقلب حياة جاري على كل الأوجه، كنت أبحث لنفسي عن ظروف التخفيف و أقول أن ما أفعله ليس تلصصا و لن يكون له هدف النميمة حيث أني لن أحكيه لأحد لكن المصيبة أني الآن أحكيه لكم أعزائي القراء و أكتشف أني أرتكب نفس الخطأ الذي يقع فيه من كنت أنتقدهم لتوي كما أكتشف أيضا أن كل الناس يقومون بهذه الرياضة . أصبحت رياضة وطنية. رياضة شعبية. يجدون فيها متعة كبيرة و لكي يكفروا عن أخطائهم قبل أن يستطيعوا التوجه للحج لمحوها نهائيا يجدون لها المبررات التي سبق ذكرها. هي في الحقيقة عملية بسيطة و لا تكلف شيئا و من كان له وقت فراغ كما يحصل معي حين أكون قبالة نافذتي أحدق إلى الفراغ كما تقول زوجتي فلا بد له من ممارسة هذه الرياضة الممتعة و غير مكلفة على الإطلاق.
باختصار حياة هذا الرجل تستهويني و تدعوني للنبش فيها. صدقوني إن قلت لكم إن الأمر و لو بدا لكم غريبا كان رغما عني. أحاول جاهدا أن أفكر في شيء آخر و أنجح في ذلك أحيانا. كم أنا محظوظ ! أشعر إذاك بالفخر من نفسي و أهنئ نفسي الأخرى تهنئة حارة على المجهود الجبار الذي بذلته كي تتخطى هذا الأمر المخزي.و أحمد الله أني لا أشبه الآخرين بل أنا إنسان متحضر جال كثيرا ورأى حضارات أخرى غير مبنية على التلصص بل على العكس تماما أول شيء يسترعي انتباه المشرقي الذاهب إلى الغرب هو أن الناس في هذه المجتمعات لا يراقبون بعضهم بعضا إلا في ما ندر و أن كل واحد يفعل بنفسه ما يشاء دون أن يسترعي ذلك انتباه أحد. سأرجع إلى موضوع جاري لأني إن أفضت في موضوع مقارنة المجتمعين الغربي و الشرقي سأكون فقط أعيد ما قاله من سبقني من الكتاب و المفكرين الذين استفاضوا في الخوض في هذا الموضوع
كنت أنسى أو على الأقل أتناسى الرجل لبعض الوقت ذلك الوقت الذي أقتله بتأمل الأشجار و الطيور لكن حين أراه يتأبط سجادته و يتجه إلى المسجد ألعنه بحنق شديد وأنا أعرف أني سأمضي بعض الوقت _ دائما الوقت هذا المارد اللعين الذي لا نعرف ما كنهه و لا كيف نروضه _ الوقت أم جاري؟ _ في التفكير فيه.
أحيانا حين أرجع من جولاتي الليلية ألتقي به وأنا أضع المفتاح في قفل الباب. لا تتلاقى نظراتنا لأني أتحاشى النظر إلى عينيه ليس بسبب خجلي منه لأني سكران و هو ذاهب إلى المسجد كما سيتهيأ للبعض. فأنا لا أخجل من شيء أقوم به عن اقتناع بل فقط كي أعفيه من محاولة استدراجي لطريق الوعظ و الإرشاد لأن ذلك لن يجدي معي بكل بساطة. هذا ما يحدث عادة. يبدأ بالسلام ثم حديث بسيط عن أحوال الناس و كيف أن الزمن انقلب حاله وذلك بسبب الشرور والآثام الكثيرة التي يرتكبها الناس.
والله يهدي الجميع!
لا يغير الله قوما حتى يغيروا ما بأنفسهم!
ثم في الأخير حين لا يصلك هذا الكلام شبه المرموز يضطر صاحب الوعظ و الإرشاد إلى المرور للمرحلة B من الخطة و هي إعطاؤك بطاقة مجانية لفك كلامه المرموز. بمعنى آخر التدخل المباشر في شؤونك الخاصة و الحميمية بأن يجعل من نفسه الوصي المباشر عليك أنت العاق المتهور الذي لا يحافظ على دينه و أن من واجبه هو النموذج الأمثل للمسلم الحق أن يقول لك بكثير من الحزم:
لم لا تصلي؟ لم لا تذهب إلى المسجد؟
عبارة: لا تنس ذكر الله في الزجاج الخلفي لكثير من السيارات هي آخر صيحة في علم الوعظ و الإرشاد. ثم يستظهر عليك فقرات من عذاب القبر كي تصاب بالقشعريرة و تهرع إلى المسجد في الحين.
أعرف أنه يتجه إلى المسجد لصلاة الفجر. رجل يودع الفراش ليتوجه لله و آخر يودع الحياة ليلتجئ إلى النوم . واحد يدخل و الآخر يخرج . فعلان متضادان. نشبه بعضنا في كل شيء. نفس الجسد نفس المصير المحتم للموت. ضيفان على هذه الحياة لا يعرفان متى يغادرانها. لكن حياتينا مختلفتان جدا كل منا يجد عزاءه في شيء. قشة يتشبث بها بكل قوّته و يقنع نفسه أنها الحياة الحقيقية أو على الأقل أنها الحياة فقط. فأتساءل: من منا يشعر بالسعادة أو على الأقل بالطمأنينة؟ من منا المخطئ و من منا المصيب؟ من منا وجد الباب الذي يوصل للحقيقة؟ هل هذا ما يريده هذا الرجل: يستكين و يتوقف عن طرح الأسئلة يغمس همومه في الصلاة ، الدعوات و يحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه؟
و أنا هذه الكتلة من اللحم و العظام الذي لا يستقر لها قرار لا تهدأ و لا تكف عن طرح أسئلة أكبر من الجبال؟
أسئلة تحرقني. سبب أرقي وفوضاي. سبب عدم رضاي عن نفسي، عن الناس وعن الكون.
أسئلتي مأساتي. هل أعرف متى بدأت و متى ستنتهي؟
ربما بدأت كما وقع مع الأسكندر الأكبر و أنا أتأمل جحر النمل تحت الرمانة في حديقة بيتنا عندما كنت صغيرا. أتذكر أني وقتها طرحت أسئلة كثيرة حيرتني لم أجد لها أجوبة إلا سنين كثيرة بعد ذلك حين قرأت عن حياة النمل في انسيكلوبديا عالم الحيوان.
هل النمل يتكلم؟ أين يعيش؟ ماذا يفعل؟ من خلقه؟ لأجل ماذا؟ هل له هدف في الحياة؟ و فهمت كيف تعلم الأسكندر الأكبر درسا من النمل و أخذ منه عبرة.
لماذا لا أجد الآن لأسئلتي جوابا في الكتب أو في أي مكان آخر مع أني أبحث كثيرا. أبحث أيضا في القصص التي يتداولها الناس. ستسألونني لماذا في قصص الناس؟ الجواب بسيط جدا لأن جدتي كانت تقول لي دوما: إذا أردت أن تفهم الحياة ما عليك إلا أن تستمع للناس يحكون عن حياتهم. من هنا أتتني هذه العادة السيئة: الإستماع و الإستمتاع بحكايات الآخرين. لكن أسئلتي تبقى بلا جواب . خاصة و أني أبحث عن أجوبة مقنعة . لماذا لا أستطيع ترويضها على الأقل كما يبدو أن الآخرين ينجحون في ذلك؟
جاري الذي لا يفعل في حياته شيئا سوى الصلاة لم أره يوما مطرقا إلى الأرض، مهموما كأنه يحمل الكرة الأرضية على كتفيه كما أفعل أنا. بل يمشي مزهوا بنفسه رافعا رأسه ووجهه الذي تغطيه لحية سوداء مشذبة تعلوه ابتسامة رضا واطمئنان أم يخيل إلي فقط؟ قد لا يكون راضيا تماما لكن على الأقل لا يبدو مهموما. أما أنا مع صخرتي| أسئلتي فأمشي كعجوز أعياه الدهر.
أين يمكن أن أجد الراحة من كل هذا؟ هل جولاتي الليلية ستوصلني لشيء أم أنا أهدر طاقتي و وقتي؟ وقتي؟ لكن ماذا يمكن أن أفعل بوقتي هذا؟ جربت كثيرا من الأشياء دون جدوى . ماذا أقصد بالجدوى ؟ هل فقط أن أجد إجابات على أسئلتي؟ هل حينها سأجد السلام الذي أتوق إليه؟
تسألني زوجتي بعضا من هذه الأسئلة أحيانا بطبيعة الحال بطريقتها التي تدعوني فيها إلى الإستكانة كما يفعل الآخرون تماما :
لماذا لا تحمد الله على ما أنت عليه؟ تقول لي. كثيرون غيرك يتمنون تحقيق نصف ما أنت عليه الآن.
مع أني لا أفهم ما أنا عليه الآن لا أقاطعها. أما هي، دون أن تنتظر مني جوابا تضيف:
لماذا تقتل نفسك؟ تعذبها و تعذبنا معك بطرح هذه الأسئلة السخيفة؟
زوجتي تسمي الأسئلة التي حار في الإجابة عنها كل الفلاسفة على مرّ العصور أسئلة سخيفة. هي هكذا دوما تسمي كل ما لا تفهمه سخيفا لذلك لا أعلق على كلامها بشيء لكن الأسئلة تتعمق و تزداد شساعتها و مأساتي مع مر السنين و كأن التقدم في العمر دودة في المخ أو في أعماق النفس لست أدري تحفر و تحفر و تنخر كل ما تجده في طريقها. تحطم كل الجسور الرهيفة المتبقية و يقترب العقل من الجنون. لكن زوجتي لا ترى شيئا من ذلك. كل ما يهمها أن تجد القوة و الوقت للقيام بأعمالها و تربية أبنائها. آه نسيت شيئا آخر يؤرق زوجتي : ضمان مستقبل الأولاد. كل مرة تسألني و هي تعرف الجواب مسبقا لكن تسأل مع ذلك:
ماذا تفعل لضمان مستقبل أبنائنا؟ تسألني بتشف واضح؟
بطبيعة الحال لا أجيب شيئا لأني لا أفعل شيئا كي أأمن مستقبل أحد. لا أفعل ذلك رغم أني أحب أبنائي لأني ببساطة شديدة لم أجد لحد الساعة تفسيرا لكلمة مستقبل في أي قاموس رغم أني دائم البحث عن هذه الكلمة مما يجعلني دوما منكبا على كتبي أحاول جاهدا أن أرتبها على الرفوف التي أصبحت تحمل أكثر من طاقتها. أريد أحيانا أن أضع كتابا على الرف الأعلى في محاولة لاستغلال الحيز الصغير الذي بقي فارغا بين الكتب و السقف لكن ما يلبث الكل أن يسقط على رأسي. رأتني زوجتي يوما وأنا أتفادى الكتب التي تساقطت كي لا تقع على رأسي ، فانفجرت ضاحكة على غير عادتها وقالت لي:
مسكين زوجي ! أكيد أن نهايتك ستكون مثل ما آل إليه الجاحظ !
ضحكت أنا أيضا رغم أني اضطربت من مثل هذه النهاية الحزينة.
من المؤسف أن زوجتي تجهل أني لا أعرف معنى كلمة مستقبل رغم أني شرحت لها ذلك مرا را . يبدو أن كلماتي تمر فوق طبلة أذنيها لكن لا تصل إلى مسامعها ثم ترحل إلى مكان آخر مجهول. كأنها تغلق عقلها وترفض أن تسمع و تفهم. كلانا تغير مع الوقت. لم يعد بيننا ذلك التفاهم الذي كان يجمعنا في أول علاقتنا. أتساءل دوما: لماذا؟ أين الخطأ؟ هل هو خطئي, خطؤها أم هي الظروف الصعبة التي نمر منها و التي من كثرة إحباطاتها لم تترك لنا مجالا كي نعبر فيه عن إنسانيتنا و حبنا تجاه بعضنا لأني متأكد أن زوجتي تحبني كما أني أكن لها نفس الشعور و لو بطريقة مختلفة عما كان عليه في بداية علاقتنا. لا أجد بدا من الإستسلام عن محاولة إقناعها و أترك ذلك للزمن الذي أظنه كفيلا بحل كثير من المعضلات.
كثيرا ما تعلق هي على موقفي هذا بكلامها:
أنت لا تأخذ برأي المرأة لأنك أصبحت تؤمن أن المرأة ناقصة عقل و دين.
أحتج بطبيعة الحال على هذه الإهانة:
هذا أمر غير صحيح. فأنا من المدافعين عن حقوق المرأة و لو أني لا أستطيع أحيانا أن أرى كيف ستتجسد هذه الحقوق في وضع مثل الذي نعيشه. بل أرى العكس تماما. أرى أن وضع المرأة في مجتماعاتنا قد تفاقم بشكل درامي. وأن بعض المكتسبات التي استطاعت تحقيقها عشية الإستقلال قد تراجعت في كثير من الحالات.
بطبيعة الحال مادام كثيرون مثلك تراجعوا عن مواقفهم . تقول زوجتي. ماذا تنتظر من الناس العاديين الذين كان من المفروض علينا نحن المثقفين الواعين أن نقوم بتحسيسهم لدورالمرأة كإنسانة أولا لها كيان مستقل.
لكن المرأة نفسها عليها أن تقوم بأشياء كثيرة كي تغير هذه الوضعية البئيسة التي تعيش فيها منذ قرون. إن لم تكن هي من يحمل مشعل التغيير فمن غيرها يمكنه القيام بذلك؟
هل أنا متشائم؟ ربما. هل المرأة لا يزال أمامها طريق طويل من العمل في هذا الإتجاه؟ هل عليها مخاطبة العقول عوضا عن العمل على تغيير النصوص؟ كيف يمكن لهذه النصوص على علتها أن تجد طريقها للتطبيق على مستوى الواقع ؟ كيف الحد من هذا العنف الذي يوجه للمرأة باسم كل ما يريدون من أجل إنكار إنسانيتها و قتل أنوثتها وراء البرقع؟ من يصنع من المرأة مومياء محنطة في ما يسمونه اللباس التقليدي، الحجاب و كل الأسماء التي يخترعونها من أجل هذا الغرض؟
أنا شخصيا تزوجت عن حب. حب عنيف قاوم الأهل و التقاليد. من الذي قاوم؟ أعترف أنها ليلى من أدت ثمن كل ذلك. قاومت أخاها الذي يجسد المجتمع و الأعراف. تحدته بشجاعة نادرة ووضعت يدها في يدي لأنها كانت تؤمن بالحب بكل بساطة و أن المحبين هم من يقرر و ليس الأهل. أتذكر بفخر شديد حين ذهبنا لعقد قراننا فسألها القاضي أفتح قوسا لأقول أن ليلى أضطرت لرفع دعوى كي تستطيع تزويج نفسها بنفسها أو بالأحرى كي يكون القاضي وليا عنها لأن أخاها الذي من المفترض أن يقوم بهذا الدور قد رفض تزويجها. سألها القاضي إذن: كم مهرك يا ابنتي؟ نظرت إلي. عرفت أنها كانت ستقول له : لا حاجة لي بمهر لأني لست سلعة تباع ! لكني غمزتها كي لا تتعقد الأمور أكثر مما كانت عليه فقالت: درهم واحد. رفع القاضي بصره إليها يتفحصها و هو مقطب الحاجبين. لكنها أسرعت بالقول كي لا تترك له مجالا للتفكير: الرسول بنفسه كان يعطي مهرا رمزيا لزوجاته. لم يعلق القاضي بشيء. لا أحد يعلق على ما كان يقوم به الرسول!
ثم بعدها توجهنا إلى حجرة كنا نكتريها على سطح إحدى العمارات، وبتنا ليلتنا الأولى على سريري الضيق لكنه كان يسع حبنا الذي يسع كل الدنيا. كانت من أجمل الفترات التي عشناها معا. بسيطة إن لم أقل فقيرة حيث لم نكن نجد ما نأكله في كثير من الأحيان لكن مليئة بالأحلام بالحب و بالأفكار العظيمة.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,235,062,065
- بساتين العبادة
- قصة قصيرة و يلعق الثلج الرسالة
- يوم في حديقة قصة قصيرة
- قصيدة نثر
- جدارية لمن يرقص الغجر


المزيد.....




- برج جامع الكتبية: أنجلينا جولي تبيع اللوحة التي رسمها وينستو ...
- سفير الاتحاد الأوروبي في فلسطين يزور الفندق المحافظ بالجدار ...
- هل أصيب الممثل المصري عادل إمام بفيروس كورونا؟
- وزيرة الثقافة ومحافظ بورسعيد يطلقان فعاليات “بورسعيد عاصمة ا ...
- دبي تعتزم منح 1000 فيزا ثقافية طويلة الأمد لمبدعين وفنانين م ...
- معاناة الفلسطيني تدق باب هوليوود.. فيلم -الهدية- لفرح النابل ...
- معاناة الفلسطيني تدق باب هوليوود.. فيلم -الهدية- لفرح النابل ...
- أسرة فنانة مصرية تخفي عنها نبأ وفاة عزت العلايلي
- الفنانة الإماراتية أحلام تتقدم بطلب إلى عقيلة سلطان عمان
- مصر.. صورة نادرة لابنة الفنان يوسف شعبان من الأميرة المصرية ...


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زوليخا موساوي الأخضري - مقطع من رواية قيد الطبع: في حدائق كافكا