أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - تجمع اليسار الماركسي في سورية - جدل - مجلة نظرية- فكرية- ثقافية العدد 8















المزيد.....



جدل - مجلة نظرية- فكرية- ثقافية العدد 8


تجمع اليسار الماركسي في سورية

الحوار المتمدن-العدد: 3202 - 2010 / 12 / 1 - 22:57
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


(تصدر عن تجمع اليسار الماركسي في سورياتيم)

تشرين الثاني 2010











الملف النظري
حول التجربة السوفيتية
قراءة ونقد








































افتتاحية العدد:
شتاء طبقي ساخن؛ أزمة الرأسمالية الاحتكارية المضاربة مستمرة!
تتواصل الأزمات النقدية والمالية في سياق الأزمة الاقتصادية البنيوية للنظام الرأسمالي الاحتكاري بأشكالها الراهنة، حيث أن تدخل الدولة لصالح البنوك المفلسة، يضع الاقتصاد العالمي عموماً والأوربي تحديداً أمام احتمالات زيادة معدلات التقشف والانكماش و التضخم ...، مما يزيد من حدة التوتر الاجتماعي ومستوى الصراع الطبقي. ومع تواصل الأزمة و تعمّق معدلات الاستقطاب الاجتماعي وحدة التناقض الطبقي يتبادر للذهن التساؤل التالي: هل سيبقى شكل العلاقة بين الرأسمال الاحتكاري وقوة العمل في الإطار التفاوضي السلمي، أم أنه سيتم تجاوزه نحو أشكال من المواجهة والصراع تصل مستوى التحولات السياسية والاجتماعية، والتي يمكن أن تساهم في تجاوز عتبة النظام الرأسمالي؟
يحتاج السياق العام لهذه التحولات إلى جملة من العوامل، يأتي في مقدمتها الأوضاع الطبقية والسياسية ودور النقابات والأحزاب، وأشكال إدارة الحكومات الرأسمالية للأزمة. لذلك فإن أشكال ومستويات ضبط التحركات الشعبية، إضافة لواقع القوى السياسية والنقابات العمالية ودورها في قيادة التحركات الشعبية بأشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يساهم في تحديد آفاق التغيير الاجتماعي بأشكاله ومستوياته كافة. في هذا السياق نرى ضرورة اشتغال القوى اليسارية والماركسية والنقابات العمالية على إيجاد تكتيكات يتم بموجبها التأسيس لإستراتيجية جريئة ترسم ملامح تجاوز النظام القائم ، بدلاً من الاكتفاء بتحقيق بعض الإصلاحات الاقتصادية، إستراتيجية تتقدم لتخطي علاقات الإنتاج الرأسمالية ونمطها السائد، بالتالي تتحرك لقلب علاقة الهيمنة بين الرأسمال وقوة العمل، لكن هذا التحول أيضاً يتوقف على مستوى التعبئة العمالية و الشعبية في حقل الممارسة السياسية.
إن احتمال تفاقم الصراعات الطبقية وحدوث تحولات جذرية على قاعدة الأزمة الاقتصادية في الحلقات الضعيفة (في أوربا وغيرها) يمكن أن يكون الجانب الأكثر حساسية من الناحية السياسية على الدول الأوربية الكبرى من تداعيات الأزمة الاقتصادية المباشرة.
إن الضغط الشديد على الوضع المعاشي سيولد مزيداً من الانفجارات الاجتماعية التي يمكن أن تطيح بكافة سياسات التقشف المفروضة، وهو ما يعني رفض سداد الديون، مما يهدد بانتقال الأزمة من أزمة اقتصادية إلى أزمة عامة تهدد النظام الرأسمالي القائم. هذه الاحتمالات تتحدد في إطار الشرط الموضوعي لانجاز التغيير الذي لن يتم فقط عبر توافر الظروف الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية، بل لا بد من تشّكل قوى سياسية راديكالية تقود التحركات الاجتماعية / الطبقية باتجاه أهدافها النهائية. أما احتمال الحل السلمي المرتبط بسيطرة القيادات النقابية والأحزاب الانتهازية/ الإصلاحية على التحركات الجماهير العمالية والكادحة، فإنه سيقود إلى تصعيد عمليات غزو الأسواق الطرفية، وزيادة حجم تصدير رؤوس الأموال للعالم الثالث، واستمرار نهب فائض القيمة على المستوى العالمي، ونقله من الأطراف إلى المركز. و من خلال سيطرة مراكز الامبريالية الاحتكارية وبعض الشركات متعددة الجنسية على الاحتكارات الخمسة، فإنه يتم اكتشاف طرق جديدة لرفع الإنتاجية وتخفيض التكاليف لتحقق معدلات ربح مرتفعة. لكن بحكم ترابط الاقتصاد العالمي فقد بات واضحاً بأن الأزمة اليونانية على سبيل المثال ستكون مدخلاً لأزمة اقتصادية أوسع وأشمل، تحديداً في ظل تفاقم مؤشرات الأزمة الأوربية التي تعتبر موضوعياً أحد تجليات الأزمة الاقتصادية العالمية، ونؤكد بأن اليونان سيبقى مدخلاً للأزمة حتى بعد أن تكيفت النقابات والأحزاب السياسية اليونانية مع الواقع السياسي الراهن جرّاء تخفيض سقف مطالبها وآليات ممارساتها السياسية، مما يعني بأنها ساهمت في ضبط وكبح التحركات الجماهيرية لصالح الحكومة، وأيضاً رغم السياسات التدخلية لدول الإتحاد الأوربي لحلحلة الأزمة اليونانية وضبط تداعياتها من خلال تقديم بعض القروض، التي ستنعكس نتائجها سلباً على المجتمع اليوناني ( تهافت السياسات التقشفية، تطبيق وصفات صندوق النقد الدولي..) ما يعني مزيداً من التوتر الاجتماعي والقمع السياسي. لذا نرى بأن قادة الإتحاد الأوربي ومن يتحكم في حركة الاقتصاد وميوله العامة يدركون بأن اليونان وغيرها من الدول الأوربية الهامشية سوف تهب منها رياح الأزمة الأشمل والأعم. وإن تعثر حكومات الدول الرأسمالية في إدارة أزماتها، لا ينفي وعيها لخطورة التوترات الاجتماعية داخلها. إن الانهيار المالي في سياق مضاربة رأس المال الذي أصبح السمة الرئيسية لحركة اشتغال رأس المال الاحتكاري، ساهم في نزع القشرة الديمقراطية عن السياسات البرجوازية، ولم يعد يؤدي إلى مجرد تراجع أو ركود أو كساد مؤقت، بل بات يعبّر عن عمق الأزمة البنيوية للرأسمالية الاحتكارية القائمة على المضاربة في سياق سيرورتها العولمية الاستقطابية. لذلك فإن تجاوز الرأسمالية لن يكون إلا بالتقاء نضال البروليتاريا مع نضال شعوب الأطراف المسودة التي تشكّل ¾ البشرية. إن تقاطع أشكال النضال على المستوى العالمي يتشكّل بكونه نتيجة لعالمية البنية الرأسمالية وتفاوت أجزاء هذه البنية حيث يتركز الفقر والحرمان في معظم أجزائها ويتركز الغنى والترف في مراكزها . لذلك فإن تعمّق الأزمة في ظل استمرار سيطرة رأس المال الاحتكاري المضارب بات مؤكداً. فقد جاء في النشرة الاقتصادية العدد 38 لنشرة كنعان الإلكترونية أنه " من نتائج الاحتكار والمضاربة بالمواد الغذائية، خلال شهري يوليو وأغسطس، أن ارتفعت أسعار القمح بنسبة 60 إلى 80 بالمائة، والذرة بنسبة 40 بالمائة، والأرز بنسبة 7 بالمائة، مما يكلف البلدان ال 77 الأكثر فقرا في العالم، زيادة في فاتورة استيراد الحبوب بمقدار 27,8 مليار دولارا ، أي بزيادة بلغت نسبتها 8 بالمائة عن الموسم السابق… وارتفعت أسعار بيع المواد الغذائية للمواطنين (القمح ومشتقاته) خلال شهري يوليو وأغسطس، بمعدل 24 بالمائة في أفغانستان المحتلة، و 23 بالمائة في منغوليا، و 22 بالمائة في طاجيكستان، و21 بالمائة في بنغلاديش، و19 بالمائة في قرغيستان، و8 بالمائة في باكستان، و30 بالمائة في موزمبيق قبل إلغائها إثر المظاهرات الاحتجاجية الدامية… وظلت الأسعار مرتفعة في السودان والنيجر وتشاد وفيتنام، رغم وفرة حصاد عام 2010… “فاو” 24/09/2010 " في هذا الحال لا يمكن استبعاد تجذر أشكال النضال، رغم ما قد يواجهه من تناقضات داخلية، إذ لا يمكن صياغة حلول لأزمات النظام الرأسمالي إلا برسم تكتيكات نضال تقود إلى تجاوزه نهائياً في سياق مشروع اشتراكي- ديمقراطي استراتيجي، مما يعني تشكّل ترتيبات جديدة لموازين القوى الاجتماعية على قاعدة مشروع سياسي بديل يكون تغيّر شكل السلطة السياسية الراهنة وآليات عملها أحد المخارج من الأزمة البنيوية المهيمنة عالمياً.
وإذا كان من الصواب القول بأن الأزمة اليونانية لم تتحول لتكون مدخلاً لأزمة أوربية أوسع وأشمل وأعمق، إلا أنها تشكّل الشرارة الكامنة التي تهدد استقرار الاتحاد الأوربي اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. فإذا كانت الحكومات الأوربية قادرة على ضبط مفاعيل الأزمة اليونانية نسبياً وبشكل مؤقت للحد من انتقال تداعياتها إلى باقي الدول الأوربية بفعل(سياسات البنك الدولي والإتحاد الأوربي) لكنها لن تستطع أن تضبط وتمنع مفاعيل الأزمة الاقتصادية العالمية التي تتجلى في ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وعجز الموازنات العامة في معظم دول الاتحاد الأوربي، خاصة وإن إيطاليا تجاوزت الرقم القياسي في الاتحاد الأوربي بدينٍ عامٍ بلغ 127% من ناتجها المحلي الإجمالي، يليها اليونان التي تجاوز فيها الدين العام 100%. الأمر الذي أدى إلى هبوط العملة الأوربية الموحدة، وتباطؤ النمو الاقتصادي ودخول الدول الأوربية في نفق الركود والانكماش،... إن المكتسبات التي انتزعها المواطن الأوربي عبر نضال سياسي ونقابي طويل (الأجور والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي الشامل) أصبحت مهددة بفعل سياسة التقشف الحكومية التي تهدف إلى تخفيض مخصصات الرعاية الاجتماعية، وتقليص تدخل الحكومات في النشاط الاقتصادي والمالي ودراسة تجميد الأجور أمام الارتفاعات المستمرة للأسعار ورفع سن التقاعد الذي كان من نتيجته تفجر الإضرابات والتظاهرات الضخمة في معظم المدن الفرنسية.
لذا بات واضحاً بأن مفاعيل الأزمة باتت تتجلى في الدول الأوربية في الحقل الاجتماعي ( إضرابات وتظاهرات). ففي اسبانيا مثلاً وافقت الحكومة على ميزانية تقشفية لعام 2011 تهدف إلى تخفيض الإنفاق العام بنسبة 8%, وتقليص الإنفاق الاجتماعي وتجميد أغلب مخصصات التقاعد و زيادة ضريبة الدخل بهدف تخفيض العجز في الميزانية و تقدر نسبة البطالة بنحو 20% .. مما دفع النقابات العمالية للقيام بإضرابات ضخمة . وفي العاصمة الفرنسية ومعظم المدن الفرنسية الأخرى انفجرت إضرابات وتظاهرات شارك فيها أكثر من خمسة ملايين متظاهر ضد السياسة الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، وضد مشروع قانون رفع سن التقاعد من 60 سنة إلى 65 سنة و تخفيض قيمة المعاشات، وضد إصدار قوانين عنصرية بحق الأجانب وأبنائهم المولودين في فرنسا وحاملي الجنسية الفرنسية، وضد قرار الحكومة القاضي بطرد الغجر من البلاد. وفي اليونان يضرب العمال احتجاجاً على الإجراءات التقشفية التي وضعتها الحكومة للخروج من الأزمة المالية وكان موظفو الحكومة هم الأكثر تضرراً من خطة التقشف بعد خفض الأجور 15 % و رفع الضرائب وتجميد معاشات التقاعد، مقابل خطة إنقاذ الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد قيمتها 110 ملايين يورو.. وفي بريطانيا تقود النقابات إضراب عمال محطات مترو الأنفاق، وتقود أيضاً الاحتجاج على طرد 800 من العاملين في مكاتب التذاكر وإدارة المحطات. وتشهد بريطانيا زيادة عدد المتقدمين للحصول على إعانات البطالة الذي ارتفع معدلها في الربع الثاني من هذا العام من 8.9%إلى 11.8%. أما في البرتغال فقد بدأت الحكومة بتنفيذ خطة لخصخصة الخدمات العامة، بينما تعاني من ارتفاع معدلات البطالة. وتقترب دول أوربا الشرقية شيئاً فشيئاً من حافة الأزمة، إذ تبدو المجر على حافة الإفلاس، وتجتاح ليتوانيا أزمة خانقة بعد انتعاش وهمي دام سنوات. وفي صوفيا خرج آلاف العمال لزيادة الضغط على الحكومة بشأن إصلاحات المعاشات. إن مجمل التحركات الشعبية تدلل على زيادة معدلات الفقر والبطالة وتدني مستوى المعيشة.. تعتبر نتائج موضوعية لتطبيق حزم السياسات التقشفية بكونها آليات روتينية للتخفيف من تجليات الأزمة الاقتصادية.. وهذا ما يؤكده تقرير المنظمة الدولية للعمل: تجاوز عدد العاطلين عن العمل (حسب الإحصاءات الرسمية) / 410 / ملايين، وينتظر أن يلتحق بسوق العمل 400 مليون شاب وشابة خلال السنوات العشرة القادمة. في حين يقدر البنك العالمي بأن الأزمة الاقتصادية ستضيف 46 مليون شخص إلى عدد الفقراء المعدمين في الدول الفقيرة، وهم من يبلغ دخلهم اليومي أقل من 1,25 دولار، وسيضاف إليهم 60 مليونا لا يتجاوز دخلهم اليومي الدولارين... وسيتأثر 150 مليون شخص إضافي بنتائج الأزمة... وفي آخر تقرير لمنظمة التغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة فقد بلغ عدد الجائعين في العالم أكثر من مليار نسمة .
فيما يخص القوى والحركات اليسارية العربية تحديداً فإنها، رغم سخونة الوضع الاجتماعي في مصر ، فإنها تنظر بعين المراقب لمجمل تحولات الأوضاع السياسية والاقتصادية في أمريكا اللاتينية كونها تمثّل باروميتر لقياس مستوى حرارة وتسارع التحولات السياسية العالمية، وكونها تقدّم نماذج حقيقية لحكومات يسارية، لكن الأزمة الاقتصادية تطالها بأشكال ومستويات متباينة وتحديداً على المستويين الاجتماعي والسياسي . إذ نرى تفاعل التأزم السياسي والاجتماعي على قاعدة الأزمة الاقتصادية يتجلى من خلال ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والاضطرابات السياسية، فقد شهدت وما زالت دول أمريكا اللاتينية جملة من الانقلابات السياسية والعسكرية آخرها المحاولة الفاشلة في الإكوادور(الإطاحة بالرئيس الهندوراسي مانويل سيلايا في حزيران العام الماضي، محاولة انقلابية فاشلة في فنزويلا للإطاحة بالرئيس المنتخب هوغو تشافيز..). إن الاستقرار السياسي الاجتماعي منذ انتخاب الرئيس اليساري رافائيل كوريا وضع الإكوادور في سياق التغيير الديمقراطي لدول أمريكا اللاتينية ، التي وصلت فيها إلى سدة السلطة أحزاب اليسار ويسار الوسط وأحزاب ديمقراطية عبر صناديق الاقتراع ضمن إطار سياسي ائتلافي، وقد نجح تيار التغيير الديمقراطي في الوصول السلطة بأشكال ديمقراطية، وبرز هذا التحول بشكل خاص في بوليفيا و فنزويلا والبرازيل والأرجنتين ...إن موقف الشارع الإكوادوري الرافض لعودة عهد الانقلابات والتغيير الانقلابي الفوقي، يطرح ضرورة مواصلة العملية الديمقراطية الانتخابية و الاحتكام إلى المؤسسات الشرعية المنتخبة ليس في الإكوادور فقط بل في أمريكا الجنوبية. إن هذه المسائل باتت تتطلب من قوى التغيير ورموزه مراجعة نقدية لسياساتها السابقة والاحتكام إلى الجماهير، وتمّكين آليات التغيير الديمقراطي. وإذا كانت الأزمة الاقتصادية في الدول الأوربية تتجلى عبر زيادة حدة التناقضات الاجتماعية، فإنها في دول أمريكا الجنوبية تتجلى على المستوى السياسي بشكل بارز. لكن يبقى التساؤل المقلق والمحيّر: لماذا المواطن العربي ورغم تزايد حدة الإفقار والنهب والاستقطاب وكم الأفواه ... يستحدث أشكالاً من التكيف المذل.. بالتأكيد يوجد الكثير من الأسباب نعرف بعضها والأخر يحتاج إلى دراسة ومتابعة، لكنه يبقى تساؤلاً يستوجب البحث النظري والممارسة النقدية والسياسية الجريئة.
هيئة التحرير





















الملف النظري
حول التجربة السوفيتية
قراءة ونقد


تنويه:
كانت هيئة تحرير مجلة "جدل" قد دعت لإقامة ندوة فكرية "حول التجربة السوفياتية ونقدها ". وقد قدمت عدة نصوص كمساهمة في النقاش المقترح حول التجربة . ونظراً لبعض الظروف المعرقلة ، فقد تم تأجيل إقامة الندوة الفكرية إلى ما بعد إصدار هذا العدد من "جدل" ، وذلك نظراً للتأخير في نشره، وعدم ارتهان صدوره بقيام الندوة. وقد قررت هيئة التحرير نشر النصوص التي أرسلت لها ضمن هذا العدد، على أن تنشر مواد الحوار الشفوي والمكتوب في العدد القادم.
هيئة التحرير






فهرست
1- محمد خضّور: "البيروقراطية السوفيتية"
2- معتز حيسو: عتبة الهدم الديمقراطي (التجربة السوفيتية والعولمة)
3- محمد سيد رصاص: "حول التجربة السوفييتية"
4- نايف سلّوم: عرض كتاب "الثورة غير المنتهية"، والفصلين الرابع و السابع من كتاب "الماركسية السوفييتية"
5- نذير جزماتي: خروج القطار السوفيتي عن الســـكة قبل مغادرته المحطة ( لماذا سقطت الدولة السوفيتية؟ )












البيروقراطية السوفييتية
محمد خضّور

لماذا لم تفلح أي ثورة حتى الآن في تحطيم قوة البيروقراطية وتدميرها؟
ليست البيروقراطية إلا مظهراً من مظاهر جهاز الدولة وإن كانت تعتبر بلا شك أهمها .
فالبيروقراطية بصفة خاصة تستند كفئة اجتماعية نوعية إلى النشاط الملموس لجهاز الدولة لا إلى سلطة الدولة ولا تشكل البيروقراطية في ذاتها طبقة متميزة أو حتى قسماَ مستقلا أو غير مستقل من طبقة .
إنها تأمر وتحكم وتدير وتوزع ولكن لا تخلق أساساً اجتماعياً لسيطرتها . فهي لا تعجز عن توريث امتيازاتها فحسب بل تعجز أيضا عن الحفاظ على وضعها هي بالذات وعلى وظيفتها القيادية والإدارية . ويظهر الانقسام الكبير بين جهاز الدولة وبين سائر الطبقات بكل وضوح في الرأسمالية ( البشر جميعاً متساوون ) إن هذا الوهم البرجوازي عن المساواة أمام القانون قد جعل من جهاز سلطة ومن آلة دولة صارمة التسلسل ضرورة لا غنى عنها . كي لا يكتشف المجتمع اللامساواة الفعلية تحت ظاهرة المساواة . فالبرجوازية التي تقدم مصالحها على أنها مصالح الأمة وتنظم سلطتها على شكل دولة تظهر أنها فوق المجتمع ومستقلة عن أهوائها ولو شئنا أن نبحث عن قواعد عامة لصعود النفوذ البيروقراطي في المجتمع الرأسمالي لوجدنا أن سلطان البيروقراطية السياسي في ظل النظام الرأسمالي كان على الدوام متناسباً عكسياً مع نضج البنى التكوينية لكل مجتمع برجوازي وصلابتها وقدرتها على تقرير مصيرها (1) بنفسها فالحروب العالمية والتقدم السياسي للبروليتاريا وحدة الصراع الاجتماعي وتعقد العملية الاقتصادية الرأسمالية أدى وبمزيد من الضرورة إلى تضخم الجهاز البيروقراطي وازدياد نفوذه خاصة مع اندماج الاشتراكية الديمقراطية مع جهاز الدولة الرأسمالية . فعندما تنتهي الصراعات الطبقية في المجتمعات البرجوازية الأكثر تطوراً إلى طريق مسدود وما تؤدي إليه من إنهاك للطبقات الاجتماعية الرئيسية في ظروف كهذه تتوطد البيروقراطية من تلقاء ذاتها لا بوصفها جهازاً يتولى تسيير دفة الدولة فحسب بل أيضا بوصفها سلطة تفرض على المجتمع خياراته السياسية ويظهر كوهم أن جهاز الدولة وسلطة الدولة خارج الطبقات مع أنها تقوم أساسا على أرضية الطبقة المسيطرة. فنحن نلاحظ في عام 1848 في فرنسا وضعا تعارضت فيه مصالح مختلف الطبقات ولاسيما مصالح البرجوازية الموطدة الأركان ومصالح البروليتاريا الوليدة فنصبت البيروقراطية نفسها كقوة مستقلة وأقامت سلطتها الخاصة غير الخاضعة للرقابة بواسطة رجل مؤله كلي القوة(لويس بونابرت) . (راجع كتاب كارل ماركس : 18 برومير)
فإضعاف الطبقات الاجتماعية كافة عقد لواء النصر للبيروقراطية أو بالأحرى لقوتها العسكرية في عهد نابليون الثالث . فهيمنة البيروقراطية السياسية تعقب على الدوم نقطة ميتة في صراع الطبقات ففي مطلع عام 1920 كانت جميع طبقات المجتمع الروسي قد حل بها الدمار الشديد بعد محن السنوات العشر من الحرب العالمية والثورة والحروب الأهلية فلم يعد في مستطاع أي طبقة اجتماعية أن توطد أركانها وتثبت مواقع أقدامها . لم يكن قد تبقى من شيء غير جهاز الحزب البلشفي فأرسى قواعد هيمنته البيروقراطية على المجتمع في جملته وعلى أرضية بروليتارية . ففي إطار انحسار الثورة العالمية المؤقت سنوات 1923-1924 أضحى التبقرط الجزئي للحزب والدولة العمالية أمراً محتوماً. إذ لم يكن بالإمكان أن تزدهر الديمقراطية البروليتارية والتنظيم السوفييتي في بلد منعزل . إن ارتباط الثورة الأوربية والثورة الألمانية في الدرجة الأولى مع الثورة الروسية كان وحده الذي بوسعه أن يعطي لديكتاتورية البروليتاريا الأساس المادي والاجتماعي الضروري لكي تعمل الديمقراطية السوفيتية (2) في هذا السياق كان البلاشفة يأملون أن تعمل الثورة الروسية وانتصارها كصاعق للثورة الألمانية . لكن لم يؤد المد الثوري لما بعد الحرب إلى انتصار الاشتراكية في أوربا فقد قامت الاشتراكية الديمقراطية بإنقاذ البرجوازية كما أن الفترة التي بدت للينين ورفاقه " هدنة " قصيرة غدت مرحلة تاريخية كاملة (3) .
ومع تزايد الانحراف السياسي للحزب تفاقم الفساد في بيروقراطية لا تخضع لأية مراقبة . ففي عام 1922 تزايد خطر البيروقراطية . لقد شن لينين هجوماً على جناح ستالين الذي أمسك جيداً بدفة جهاز الحزب قبيل استيلائه على جهاز الدولة. لكن مرض لينين وموته لم يسمحا له بامتحان قواه في مواجهة قوى الردة وليس من قبيل الصدفة البتة أن يكون لينين قبل أسابيع معدودة من ثورة أكتوبر قد بذل مجهوداً خاصاً لإعادة العمل بذلك الجزء من التعاليم الماركسية المتعلق بالدولة والثورة والبيروقراطية . لقد تركزت جهود ستالين منذ ذلك التاريخ على تحرير جهاز الحزب من مراقبة الأعضاء وفتحت أبواب الحزب المحروسة جيداً حتى ذلك الحين على مصراعيها لمنتسبين جدد قليلي الخبرة السياسية وكان الهدف السياسي من وراء ذلك إغراق الطلائع الثورية داخل كتل بشرية محرومة من التجربة ذات أصول فلاحيه لكن معتادة على إطاعة الرؤساء، وحلّت المركزية/ البيروقراطية محل المركزية/ الديمقراطية . وهكذا فقد كانت البيروقراطية السوفيتية تكتسب ثقة إضافية كلما تلقت الطبقة العاملة الأوربية هزائم جديدة، إذ ساهمت الإدارة البيروقراطية للحركة في الهزائم وجاءت الهزائم لتقوي البيروقراطية السوفيتية. إن فشل الثورة المجرية وتقهقر العمال الألمان المذل في عام 1923 وفشل محاولة الثورة في استونيا عام 1924 وتصفية الإضراب العام وتصرف الشيوعيين المخزي خلال انقلاب السود سكي في بولونيا عام 1926 والهزيمة المنكرة للثورة الصينية عام 1927 والهزائم الأكثر خطراً التي تلت ذلك في ألمانيا والنمسا تلك هي الكوارث التاريخية التي دمرت ثقة الجماهير بالثورة العالمية وسمحت للبيروقراطية السوفيتية بأن تزدهر وترسم طريق الخلاص للثورة "المغدورة".
فالبيروقراطية لم تنتصر على المعارضة اليسارية فحسب ولكنها انتصرت على الحزب البلشفي وعلى برنامج لينين الذي كان يرى الخطر الرئيسي في تحول موظفي الدولة ( من خدام للمجتمع إلى سادته ) كان يفترض في الحزب أن يكون بمثابة المقابل للبيروقراطية فقد كانت البيروقراطية تدير الدولة فيما الحزب يشرف عليها ويراقبها وكان الدور التاريخي للمجموعة الستالينية هو تدمير هذه الازدواجية عبر إخضاع الحزب إلى مكاتبها الخاصة ودمج مكاتب الحزب بمكاتب الدولة .
لاشك إن قسماً من الطليعة الثورية العمالية ذاب في أجهزة الدولة وفقد اندفاعه شيئاً فشيئاً وتدمر القسم الثاني في الحرب الأهلية، ثم جاءت عمليات التطهير لتزيل القسم الثالث. إن مجتمعاً يرفع أحد أعضائه لضرورة طارئة قد يغدو هذا العضو خطراً على كل التنظيم الاجتماعي . ففي حقبة 1924 – 1928 تبنى الحزب البلشفي سياسة الجناح اليميني ( بوخارين ) والداعية إلى البطء في التصنيع ودعم الفلاحين ودعوتهم للاغتناء. هذه السياسة أدت إلى تجميع ثروة كبيرة بيد الفلاحين الأغنياء وأصبح الكولاك كطبقة من أغنياء الأرياف ومع احتكارهم للحبوب أصبحوا يهددون المدن بالمجاعة، وبالتالي يهددون السلطة السوفيتية، مما اضطر الحزب للردّ على هذا التهديد البرجوازي حيث لم تقتصر المواجهة على الكولاك بل شملت طبقة الفلاحين بكل فئاتها . إن حتمية هذه المواجهة نجمت أصلاً عن العمى الاستراتيجي لقيادة الحزب بكافة تياراته وهنا كان الامتحان الأكبر للديمقراطية السوفيتية – يقول جورج لوكا تش : " لقد سبق وأن ناقشننا .. كيف أن مسألة الحفاظ على الثورة الشعبية ( تحالف البروليتاريا والفلاحين ) وديمومتها كانت بالنسبة له ( أقصد لينين ) هي المسألة المركزية الإستراتيجية الملحّة , بينما لم تكن عملية إعادة بناء الإنتاج الصناعي وهي القضية الحاسمة والبارزة الأولى أمام السياسة الاقتصادية القومية بالنسبة له وقبل كل شيء إلا أداة لا غنى عنها لتوثيق عرى هذا التحالف على أرض الواقع ... وكان ينظر دائماً إلى عملية بناء التصنيع التي كان واعياً لمبلغ طولها وعمق تناقضاتها من وجهة النظر هذه ... بينما اختصر الجناحان اليساري ( ترو تسكي ) واليميني ( بوخارين ) – بعد وفاته القضية في جوهرها إلى هذه المشكلة الاقتصادية البحتة " ( 4) .
شكلت محاولة الهروب من نتائج سياسة أعوام 1924 – 1928 أساس التسرع في بتطبيق سياسة تبدو ظاهرياً أنها سياسة الجناح اليساري ( ترو تسكي – بياتاكوف ) تلك السياسة ( التكتيك ) التي وضعت أصلاً للفترة 1924 – 1928 , فالمرحلة كانت قد اختلفت وتغيّرت أمور كثيرة , فلو كان تكتيك اليسار البلشفي قد مورس في وقته لما اضطر ستالين إلى مثل هذه السياسات المغامرة والمأسوية في الفترة اللاحقة ( اعتباراً من 1928 ) وبالتالي نسف الأرضية للديمقراطية السوفييتية التي أساسها ( تحالف البروليتاريا والفلاحين ). هذا التكتل الستاليني لم يتوقع أبداً النتائج الحتمية للتطور التي أنهكته مراراًً. لقد رد بارتكاسات إدارية واضعاً سياسات يساروية موضع التطبيق .
هكذا صادرت البيروقراطية السوفيتية البروليتاريا سياسياً لتدافع بأساليبها الخاصة عن المكاسب الاجتماعية للبروليتاريا وبذلك حكمت على أعمالها وعلى نفسها بالتناقض والعقم .

مراجع :
1- اسحق دويتشر – الإنسان الاشتراكي – ترجمة : جورج طرابيشي . بيروت – دار الآداب – الطبعة الثانية – 1981 . ص 138 .
2- ليون ترو تسكي وآخرون – نصوص حول البيروقراطية – ترجمة : رفيق سامر – بيروت – دار الطليعة – الطبعة الأولى – 1981 – ص 22 .
3- ليون ترو تسكي – الثورة المغدورة ( نقد التجربة الستالينية ) .ترجمة : رفيق سامر – بيروت – دار الطليعة – الطبعة الثانية – 1980 . ص 41 .
4- جورج لوكا تش : ( ما قبل البيروستوريكا – حاضر ومستقبل إشاعة الديمقراطية ) ص 54 . من مجموعة بعنوان : ( سنتش , راكيتسكي , لوكا تش ) " قراءات في أزمة أوربا الشرقية " . مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي . الطبعة الأولى – 1990.







عتبة الهدم الديمقراطي
(التجربة السوفيتية والعولمة)
معتز حيسو
المستوي النظري في بعده الاقتصادي:
بعد استيلاء البلاشفة على السلطة بقليل يعلن لينين قائلاً:
سوف نبني الآن على أرض أزيلت منها أنقاض التاريخ، البناء المهيب والوضاء للمجتمع الاشتراكي، ونخلق نموذجاً جديداً للدولة مجهولاً من قبل. ومدعوّاً بإرادة الثورة إلى تنظيف الأرض من كل استغلال، ومن كل عنف، ومن كل استعباد ... الآن كل معجزات التقنية، وكل مكاسب الثقافة ستصبح تراث الشعب بأسره، ومن الآن وصاعداً لا الفكر ولا العبقرية البشرية سيتحولان إلى وسائل عنف ووسائل استغلال (1)
- بما أن الماركسية علم التوسطات والاشتراطات، أي دراسة الشروط المتحولة تاريخياً، فمن البداهة بمكان قراءة التجربة الروسية من ذات الحقل النظري، الذي على أساسه تمت دراسة وتحديد أشكال ومستويات تجاوز الواقع الروسي المتخلف. لقد اشتغل لينين في سياق مشروعه السياسي على أساس أممي وقومي .. وكان يتمتع بإرادة ثورية جبارة. لكن ما تحقق واقعياً ناقض بأشكال ومستويات متباينة ما كان لينين يتوقعه من مشروعه .. ونتساءل : أين تكمن الأسباب في هذه الإشكالية؟ هل ما آلت إليه التجربة الروسية كان بسبب الواقع الروسي المتخلف، أم كانت نتيجة للأسس النظرية التي تم بناءً عليها رسم وتحديد سياقات الممارسة السياسية، هل شكلت هيمنة الفكر الأحادي والحزب الواحد و سلطة الدولة الشمولية والنزعة الإرادوية وغياب الديمقراطية وسيطرة الاستبداد .... مقدمات لتراكم أسباب الانهيار؟؟؟ ما هو دور تقاطع ظروف داخلية بالغة الصعوبة، مع الشروط الدولية الموضوعية ؟؟ وهل كان تبييء منظومة الفكر النظري الماركسي في واقع متخلف، سبباً في أزمة التجربة، و فشلها اللاحق ؟ أم أن محاولات لينين تكييف الماركسية مع الشرط الروسي، وإدخاله بعض التعديلات على أسس نظرية وسياسية أسس لها في سياق ممارسته السياسية والحزبية، والتي شكلّت لاحقاً المنطلق الأساس للممارسة الستالينية البيروقراطية، كانت سبباً فيما آلت إليه التجربة الروسية.... ؟؟؟
إن شكل الدولة التي بناها ستالين يتعارض مع الاشتراكية كما حددها ماركس بكونها عالم الوفرة والمساواة والديمقراطية بأوسع أشكالها. أما التحول البيروقراطي فإنه كرس التفاوت والتناقض الاجتماعي الذي يحد من مقاومة القادة، وأسس لتناقض بين الحاجات المادية الفورية ومتطلبات البناء الاشتراكي الطويل الأمد في بلد معزول ومتخلف، لهذا فإن الأمر في الاشتراكية لا يتعلق باستبدال زمرة حاكمة بل تغيير طرائق الإدارة الاقتصادية، والتخلي عن العسف البيروقراطي وإحلال الديمقراطية، وإرساء حرية النقد والانتخاب و الحريات السياسية. إن التناقض بين قوى إنتاجية متطورة، وبين بنية سياسية وإدارية قديمة يمثلها نموذج بيروقراطي حكم المجتمع السوفيتي فترة الستالينية أدى إلى تفجر الأزمة التي انعكست آثارها على كافة الأحزاب الشيوعية العالمية. وكان واضحاً بأن السياسية البيروقراطية السوفيتية تجاه بلدان أوربا الشرقية، لم تنبع من الصراع الطبقي، ولا من مصالح البناء الاجتماعي والاقتصادي وتحقيق النمو الطبيعي والمستقل .. بحيث تتابع / كل بلد ديناميتها الخاصة والذاتية الدفع لإكمال البناء الاشتراكي ولإنجاز تكامله مع روسيا السوفيتية، بل كانت تنبع من سياسة التكتل والحرب الباردة وتأمين النفوذ. لذلك قسمت المجتمع إلى قوى اجتماعية متضادة، مما استدعى جهازاً مسلحاً متضخماً منفصلاً عن القاع الاجتماعي ومتناقضاً معه ليمارس ظاهرياً مهمة الدفاع عنه. وتعزز هذا في سياق التفكك الداخلي.
- إن تجربة لينين القصيرة في بناء الدولة تنطوي على التنوع والتناقض بذات الوقت. إذ في اللحظة التي كان يرى فيها استحالة الثورة الاشتراكية في روسيا، لارتباطها العضوي والبنيوي بالثورة الاشتراكية العالمية، نرى بأنه بُعيدَ استلام السلطة يخالف الميول النظرية الأساسية له ولماركس و لتروتسكي ومن تقارب مع هذا الميول نظرياً وسياسياً... لكنه تنبه لخطورة النتائج السياسية والاجتماعية والنظرية لاستمرار مشروعه السياسي، لذلك نرى إنه تحول إلى اعتماد الثورة الديمقراطية كمقدمة للثورة الاشتراكية، على أن يتم فيها انجاز المهام البرجوازية على المستوى الاقتصادي، لكنه تم تغييب الديمقراطية البرجوازية، وتكريس الأحادية السياسية المستندة إلى حوار البنادق مع المعارضة، في سياق احتكار الحزب الشيوعي تمثيل ديكتاتورية الطبقة العاملة. ونرى حتى اللحظة، بأن مفهوم ديكتاتورية الطبقة العاملة في ظل ثورة الاتصالات والثورة المعلوماتية المتراكبة مع السمة الاحتكارية للنمط الاقتصادي الرأسمالي المهيمن، يمثّل أحد أهم الإشكاليات النظرية والسياسية. وسنلاحظ في تفاصيل هذا النص مدى الخلاف وعمقه بين تروتسكي والمناشفة والفوضويين ولينين على هذه النقاط، ونقاط أخرى ترتبط معها نظرياً وسياسياً.
- لقد أكد لينين في مؤتمر تأسيس الأممية الثالثة ... الأشكال الأساسية للاقتصاد الاجتماعي في روسيا هي ذاتها في أي بلد رأسمالي ... وأعلن في تشرين الثاني 1920 : حين نلقي نظرة على أوربا الغربية نرى أن الظاهرات التي عرفناها تعيد إنتاج نفسها ..نرى تاريخنا يتكرر فيها. (2)
- في هذا المستوى يجب التمييز بين النمط الاقتصادي المهيمن، والشكل السياسي السائد الذي تختلف تجلياته بين الدول الرأسمالية، وبينها وبين دول رأسمالية الدولة/ الاشتراكية المحققة/. ويتضح هذا التباين بين شكل اقتصاد رأسمالية دولة موجه من قبل قيادة سياسية شيوعية أو غير شيوعية ( اقتصاد مركزي موجه سياسياً) وشكل اقتصاد رأسمالي حر، يسيره تكنوقراط اقتصادي، في سياق هذا الشكل يتم توظيف الدولة واقتصادها لخدمة الرأسمال الاحتكاري...( فبلد أكثر تطوراً من الناحية الصناعية لا يُظهر لبلد أقل تطوراً سوى لوحة مستقبله هو )(3). لكن وفقاً لأشكال التطور المتفاوت على قاعدة انعدام التكافؤ، يبدو أن الدول المتطورة لم تعد كما وصفها ماركس، مرآة للدول المتخلفة، ليتشكل وفق هذا المنظور أشكال متعددة للدولة الرأسمالية، ووفق مستويات متباينة في ذات النمط الرأسمالي المهيمن، الذي تتحكم في إطاره الدول الكبرى بقانون القيمة، والتراكم الاحتكاري .../ لا يمكن لمجتمع حتى لو عثر على القانون الطبيعي لتطوره .. أن يقفز عن الأطوار الطبيعية للتطور، ولا أن يلغيها بمراسيم .. لكنه يستطيع أن يقلص آلام المخاض )(4). وفي ذات السياق، يرى هاري ماجدوف بأنه يتم استخدام الدولة في إعادة توزيع الدخل القومي لصالح رأس المال الاحتكاري . وكلما زاد التهديد الذي يواجه النظام الرأسمالي وزاد الإفلاس .. زاد شأن الدولة الرأسمالية الاحتكارية لحماية نشاط شركاتها الاحتكارية، وسلامة هذا النشاط وفعاليته، وحين يتناقص التهديد تطالب البرجوازية الاحتكارية بأن تكف الدولة يدها عن الاقتصاد والأعمال، ويميل اتجاه حركة الاقتصاد العام نحو مزيد من الخصخصة.. وتتمحور وظيفة الدولة الرأسمالية الاحتكارية في حماية النظام الاجتماعي الرأسمالي ككل.. وتميل لأن تصبح أكثر أهمية لا أقل أهمية لصالح الشركات المتعددة الجنسيات.(5). وكان بوخارين مصيباً عندما قال بأن: قانون رأس المال المالي يتضمن كلاً من الإمبريالية و العسكرة ، بهذا فإن العسكرة لا تقل عن رأس المال المالي في كونها ظاهرة تاريخية نموذجية (6)
- إن الشرط التاريخي / الاقتصادي المهيمن تحديداً، السياسي عموماً / يحدد موضوعياً شكل التحولات التاريخية. وفي هذا السياق فإن النزعة الإرادوية التي تعمل على تحديد مسارات التطور الاجتماعي بمستوياته المختلفة، تخالف السياقات العامة والموضوعية للتطور التاريخي المحكوم بجملة من قوانين، إضافة إلى العوامل المتحددة بتوازنات القوى الاجتماعية، التي تشكل البناء الداخلي للشكل والنمط الاقتصادي ضمن البنية الاجتماعية العامة والكلية. من هذه النقطة فإن ما كان يراه لينين من إمكانية بناء شيوعية الحرب عشية ثورة أكتوبر، كان نتيجة لأوهام عقل إرادوي، لم ينتج سوى التناقض والأزمات .. تجاوزه لينين لاحقاً في سياق قراءته المتجددة للتجربة السوفيتية في سياق الشرط العالمي.
لكن بقيت إمكانية قيام ثورات اشتراكية عالمية تفرض نفسها على آليات تفكير عدد كبير من المنظرين الماركسيين ومنهم تروتسكي ولينين...التمسك بوهم تحليل نظري وسياسي سابق للحظته التاريخية. إذ أن قراءات من راهن على قيام ثورات اشتراكية عالمية، لم تكن تعبّر عن الشرط الموضوعي العالمي آنذاك، ليؤكد التطور التاريخي الطبيعي، أن التطور العام يتحدد بفعل قوانين جدل التطور المادي للتاريخ، وبجملة من المحددات البنيوية لم تكن قد نضجت آنذاك ..؟؟؟
وقد أدرك لينين بما يمتلكه من قدرة نظرية وسياسية، من أن الشرط العالمي المحكوم بهيمنة النمط الرأسمالي، هو المحدد لأشكال التطور في البلدان الطرفية، وفي روسيا المتخلفة، وإن تمكين النموذج الاشتراكي في بلد متخلف مثل روسيا لن ينجح دون قيام الثورة الاشتراكية في الغرب. وبتقديرنا هذا ما جعله يعيد قراءة الواقع الروسي في سياق شرطه التاريخي، ليرى بأن السياسية الاقتصادية الجديدة / النيب/ ربما تكون الخطوة الأولى لتجاوز الأزمات التي يعاني منها الواقع الروسي في سياق بناء اقتصاد متعدد القوميات، وبذات اللحظة، يكون قادراً على خلق حالة توازن مع الاقتصاد الرأسمالي المتطور. وبهذا المستوي كان يتقاطع مع تروتسكي الذي كان يرى بأن السيطرة السياسية للطبقة العاملة لن تحل المجابهة مع البرجوازية... وأن الثورة الاشتراكية في الغرب سوف تجعلنا قادرين على تحويل السيطرة المؤقتة للطبقة العاملة إلى ديكتاتورية اشتراكية.. إن اليوم والساعة اللذين سوف تنتقل فيهما السلطة إلى الطبقة العاملة لا يتوقفان على المستوى الذي بلغته قوى الإنتاج ، بل على العلاقات في صراع الطبقات، وعلى الوضع العالمي .. يمكن أن يلحق الفلاحين العمال .... بخلاف لينين الذي أكد على ضرورة التحالف بينهما بقيادة العمال. ويرى أيضاً بأنه ليس بين المرحلتين البرجوازية والاشتراكية قطع حقيقي، إن انتصار الثورة الحالية الكاملة، سوف يشكل نهاية الثورة الديمقراطية وبداية نضال حازم لأجل الثورة الاشتراكية، ثورة دائمة من جهة، وثورة متقطعة من جهة أخرى (7). ويتوافق لينين مع تروتسكي : بأن البلاشفة ما كانوا بادروا إلى الاستيلاء على السلطة السياسية أبداً لولا قناعتهم بأن بروليتاريا الغرب سوف تكمل ما بدأوه / واستناداً إلى تروتسكي فإن دوائر الحزب اتهمت لينين بالتروتسكية. وأكد لينين بأن تكتيكه في نقل السلطة إلى السوفيتات سيكون سلمياً، و يقوم على إحراز الأغلبية ورفض العنف والعمل على الإقناع // لننتبه هنا: هذا التوجه يخالف ما كان يسعى لينين إلى تكريسه من سلطة القوة، النابذة للحوار والتعدد..//. وينقلب لينين على تكتيكه السابق، في سياق تقاربه من الفوضويين عندما يعلن: أن ديكتاتورية البروليتارية سلطة لا تستند إلى قانون انتخابات، بل مباشرة إلى القوة المسلحة، إن الدولة التي تنبثق من الثورة البروليتارية تبدأ فوراً باتجاه الاضمحلال. (8). في النظام الاشتراكي سوف يحكم الجميع كلاً بدوره ويعتادون بسرعة على ألا يحكمهم أحد ... (9). ولا حقاً يتنبه لينين بأنه لن يستطيع الاستغناء عن خدمات الإدارة القديمة ..(10) وعلى أثر هذا التحول نشر الفوضويون في صحيفتهم في خاركوف : يبتعد البلاشفة أكثر فأكثر عن مذهبهم الأصلي ويقتربون أكثر فأكثر من المثل العليا الشعبية... وأعلن زعيمهم .. صيف 1917 بأن لينين تراجع عن زيغاناته الماركسية وينوي أن يقيم في روسيا نظاماً فوضوياً مؤسساً على تدمير الدولة . (11)
- بعد سفيتة المجتمع بفعل النشاط العفوي آل ضبط حركة المؤسسات إلى الجهات التنفيذية ، وعلا شأن التشيكا . إن مرحلة النيب كانت تخالف الميول الاشتراكية كما كانت مطروحة، أو كما كان يفكر بها لينين، بأن دور الدولة سيبدأ بالتلاشي لحظة انتصار الثورة الاشتراكية والاستيلاء على السلطة كما توقع الفوضويون، ولينين المتأثر بهم، لتتشكل عتبة جديدة لتطور المؤسسات السوفيتية التي أسست لنمط دولاني علقت فيه الحريات الديمقراطية انطلاقاً من حل الجمعية التأسيسية ووقف أعمالها في 5/1/1918. إن الإشكالية التي لازمت آليات لينين السياسية، هي العمل على تكريس الأحادية الحزبية من خلال رفض التنوع السياسي الذي يشكل تعبيراً موضوعياً عن مرحلة النيب تحديداً، والتي شكلت جنين رأسمالية الدولة البيروقراطية بفعل سياسية احتكار السلطة التي اشتغل ستالين على تمكينها لاحقاً، مستنداً إلى الأسس النظرية اللينينية. لكن بعد أن تخلى عن أهم خطوة أسس لها لينين وهي وضع الاقتصاد الروسي من خلال سياسية النيب في سياق التطور الطبيعي، بعد إدراكه استحالة إنجاز الثورة الاشتراكية بمعزل عن الشرط التاريخي العالمي. لكن ما أنجزه ستالين من تحديث وتطوير، في الاقتصاد السوفيتي وتحديداً على مستوى التصنيع الثقيل ... قام على دمار المجتمع الروسي، وعلى أنقاض الحياة السياسية، وجثث المعارضين السياسيين، وعلى دمج قسري للفلاحين/ الكلخزة والسفخزة/، إضافة إلى سياساته الشوفينية مع القوميات الأخرى التي لم تنتج إلا الكوارث الاجتماعية. وخالفت هذه الأشكال أحلام لينين في بناء مجتمع إنساني مهيب لم يشهد التاريخ البشري مثيلاً له قط.
***
عندما تنبأ لينين بملامح الثورة على المستوى العالمي وتحديداً في ألمانيا وايطاليا، أكد بأن البروليتاريا الروسية ليست معزولة....، وأن البروليتاريا الروسية ستستفيد فوراً من تحرير روسيا البرجوازية المتخلفة من القيصرية في إنجاز الثورة الاشتراكية بالتحالف مع بروليتاري أوربا (12) . وكان يؤكد بأن رأسمالية الدولة ستكون بالنسبة إلينا خطوة إلى الأمام ... إن رأسمالية الدولة قد تشكل في ظل سلطة السوفيتات ثلاثة أرباع الاشتراكية (13) ؟؟!!. وكان لينين يرى بأن: الماركسيين مقتنعون بشكل مطلق بالطابع البرجوازي للثورة الروسية) (14). وفي ذات الوقت رد لينين على صيغة كامنييف المستوحاة من البلشفية القديمة، بأن الثورة الديمقراطية البرجوازية لم تنته ، بأنها / قد شاخت لم تعد صالحة، لقد ماتت وعبثاً محاولة إحيائها) (15)..وكان لينين متأكداً في نيسان 1919 فترة الثورة الهنغارية ، أن أشهراً قليلة تفصلنا عن الانتصار على الرأسمالية في العالم بأسره.(16) وهذا يخالف ما كان يراه في كانون ثاني/ 1917 ( نحن المسنين ربما لن نرى النضالات الثورية الحاسمة الوشيكة).. إننا نؤمن بالثورة في الغرب ، ونعرف بأنها حتمية ... لم نكن بدأنا عملنا إلا لأننا كنا نعتمد بالكامل على الثورة العالمية .. إما أن الثورة ستندلع في البلدان الرأسمالية الأكثر تقدماً على الفور، و في مدى قريب، أو أننا سنهلك )(18).. في سنة 1918 يستحيل النصر النهائي للاشتراكية في بلد واحد.... وفي الذكرى الأولى للاستيلاء على السلطة: إن النصر النهائي للثورة الاشتراكية أمر لا يمكن تصوره في بلد واحد ) (19).. ما من شك في أن الثورة الاشتراكية في أوربا يجب أن تأتي وستأتي. كل آمالنا بالنصر النهائي للاشتراكية ترتكز على هذه القناعة ... نحن نراهن على انتصار الاشتراكية في أوربا ... هذه حقيقة فلسفية وتاريخية لا جدال فيها، إذا عانقنا عصر الثورة الاشتراكية بمجمله... إذا نظرنا للأمور على المستوى العالمي، من المؤكد بشكل مطلق أن انتصار ثورتنا النهائي سيكون يائساً، إذا اضطرت للبقاء معزولة. فإذا كان الحزب البلشفي اضطلع لوحده بالموضوع، فقد كان ذلك مع القناعة بأن الثورة تنضج في كل البلدان وأنه في نهاية النهايات، وليس في بداية البدايات... سوف تأتي الثورة الاشتراكية العالمية )(19)
لننتبه جيداً: من الواضح أن لينين كان مدركاً، وبشكل واضح للسّياق الموضوعي والطبيعي للتطور التاريخي، وهذا ليس غريباً. أنه كان يدرك بوعيه النظري والسياسي، خطورة المغامرة في قيام ثورة اشتراكية معزولة عن عمقها العالمي، بالتالي كان مدركاً بأن البدء ببناء نموذج اشتراكي في مجتمع متخلف ومعزول، ستكون نتائجه كارثية على المدى التاريخي البعيد. ويمكننا القول بأن هذا المستوى من الفهم العالي للجدل المادي في التطور، ولفهم ديالكتيكي قل نظيره ، يدلل على أنه كان يقدر بأن السياق الموضوعي والطبيعي للتطور الاقتصادي كان يجب أن يمر من بوابة الشرط العالمي، الرأسمالي تحديداً. لأن تطور الشرط العالمي في مستواه الاقتصادي كان الكفيل بتطور قوى الإنتاج على المستوى القومي الروسي، وفي هذا المستوى واللحظة تكون البروليتاريا قادرة على إنجاز مهامها التاريخية. لكن مكر التاريخ، وسخرية الأقدار، اللذين تقاطعا مع احتكار السلطة وعدم قيام الثورة العالمية التي تم التبشير بها قبل نضوج شرطها الموضوعي، ساهم في فشل التجربة السوفيتية، التي كانت تمثل لحظة توهج الفكر والإرادة الإنسانية. لكن هل يجعلنا هذا التحليل نخضع لآليات تحليل أحادي وخطي مستقيم للتطور التاريخي والبشري الذي تم رسمه من قبل عمالقة الفكر الإنساني، أم أن التاريخ البشري أكثر تنوعاً، ويحتمل المزيد من الاحتمالات التي تفاجئنا في لحظات معينة بأننا قد تخلّفنا عن سياقه المتطور باستمرار.؟؟ من المؤكد بأن التاريخ محمل بالمزيد من التنوع الذي لا يمكننا الإحاطة به، لكن يبقى الضابط لحركة وميول الترسيمات العامة من يحتكر القوة، وبالتالي يتحكم في سياقات التطور. لكن يجب أن نلاحظ بأن هيمنة الميل الرأسمالي الأحادي /اقتصادياً،سياسياً/ ، قاد المجتمعات البشرية إلى مزيد من التناقض والتفاوت والصراعات والحروب والإفقار والاستقطاب.... أي بغياب التوازن الاقتصادي و السياسي، يتحول احتكار السلطة إلى مفسدة مطلقة، واحتكار القوة إلى دمار معمم . لذلك يجب الاشتغال دائماً، وفي أية ظروف سياسية، على بلورة وتأسيس وتمكين أشكال سياسية، تمثل مصالح المتضررين من تناقضات النظام الرأسمالي المعولم، في سياق مواجهة النظم السياسية الشمولية والاستبدادية..، بذات الوقت الذي يجب العمل فيه على تمكين آليات سياسية يتم من خلالها تحويل الفكر المناهض للرأسمالية وتناقضاتها إلى قوة مادية .
- كان لينين يرى بعد الاستيلاء على السلطة بأن : النضال ضد الحرب الإمبريالية الأولى يقوم على رابط ملموس بين الطليعة الثورية ومؤخرة أوربا، لكن على أنقاض الأزمة الغذائية والفقر والصراعات الداخلية .. أعلن في المؤتمر الثاني لمصالح التربية في تشرين أول 1921 (لقد انحطت البروليتاريا الصناعية طبقياً .. بسبب الحرب والخراب والتدمير الرهيب .. ولم تعد توجد بوصفها بروليتاريا . وختم قائلاً: لقد زالت البروليتاريا .(21) وعلق شليابينيكوف: إذاً أهنئك على كونك خليفة بروليتاريا غير موجودة. وفي ذات اللحظة خلص اسحق دويتشر إلى أنه ( لو أتيح للطبقة العاملة التعبير عن رأيها في عام /1921/ والتصويت بحرية لكانت دمرت الديكتاتورية ، أي ديكتاتورية الحزب الشيوعي.. الحزب الشيوعي البلشفي يصمد في السلطة عن طريق الاغتصاب ) .. ماذا تعني هذه الرؤية اللينينية؟ من الواضح بأن الأزمات التي تفاقمت في فترة شيوعية الحرب، وتحديداً الأزمات الاجتماعية التي نخرت عمق البنى الاجتماعية في روسيا، ساهمت بشكل أو بآخر في تحلل الطبقة العاملة، مما يعني بداهة بأنها لم تعد قادرة على قيادة المرحلة التاريخية، ونعلم بأن لينين لم يكن يتصور بأن الطبقة العاملة ستكون قادرة على قيادة مشروعها الطبقي دون الحزب الشيوعي الذي تكمن أحد أهم مسؤولياته في قيادة الطبقة العاملة لتحقيق مشروعها الاشتراكي وبالتالي تحقيق ديكتاتوريتها، كونها لم تكن تعي ذاتها بذاتها لذاتها، فهي إذاً بحاجة للحزب القائد، (والمثقف) الذي يكمن دوره في إدخال الوعي الثوري إلى الطبقة العاملة ( سنرى لا حقاً موقف لينين من المثقف). من هذا المنظور السياسي يمكننا تحديد إشكالية دور الحزب الشيوعي الذي هيمن على تفاصيل الحياة اليومية، والذي تعزز وفق أشكال بيروقراطية يتحكم في مساراتها وتفاصيلها الأمين العام..
لقد استندت شيوعية الحرب إلى برنامج التأسيس الشامل والواسع للجيوش العمالية، واستخدام العمل القسري والتجنيد الشامل للعمال غير المدربين من أجل إعادة الحياة إلى الصناعة .
- تروتسكي 1918: مهما ناورنا ومهما اتبعنا من التكتيكات ... فإن الثورة الأوربية .. تنقذنا ، وأن البروليتاريا الأوربية أكثر قدرة على تحقيق الاشتراكية. لكن توقعات تروتسكي ، وتحديداته النظرية ذهبت مع الريح، ولم تنتقل أوربا إلى النمط الاشتراكي، بل تحولت إلى دول رأسمالية... لا الشيوعية ولا الاشتراكية يمكن بناؤها في المحراث الخشبي. !!!! وأكد زينوفييف و كامنييف: أن تخلف البلاد التقني يشكل عقبة في طريق بناء المجتمع الاشتراكي لا يمكن تجاوزها. ونتيجة لضغط أزمة 1920ـ 1921 التي اتسمت هذه الفترة بالمجاعة والتمردات الجماعية والاضطرابات .. تحول الهدم الديمقراطي إلى شكل من التوتاليتارية (22). وبعد أن أطلق لينين في آذار 1921 سياسية النيب اشتغل ستالين على نسفها منذ عام 1929 مما ساهم في تحطيم التحالف بين العمال والفلاحين، وإلى الهجوم على الفلاحين وإزالة أي أثر للسياسية الجديدة ليفرض سياسية الكلخزة بقوة الحديد والنار... وفي بداية الثلاثينيات تعرض الفلاحون لإبادة جماعية في سياق إشاعة التعاونيات قسراً، وقدر عدد الضحايا بين 5ــ 10 مليون إنسان. وعشرات الآلاف من المعارضين السياسيين المؤيدين لتروتسكي تم عزلهم وطردهم وقتلهم. وكانت حصيلة الإرهاب الستاليني بين 1929ـ 1932 ستة ملايين.. ، تهجير بين( 4 ـ 5 مليون من الفلاحين إلى مستوطنات أبيد منهم ما يقارب 2 ـ3 مليون ( . ومن 1947ـ 1953، وبذريعة مؤامرة ليننغراد، ومكافحة الكوسموبوليتين ..والأطباء القتلة، نكل ستالين بما يقارب المليون شخص. ويمكن ربط هذه الممارسات بكيفية فهم دور الدولة الذي أكد لينين على أنها التنظيم الخاص للسلطة وأنها تنظيم العنف المعد لقمع أحدى الطبقات. لكن كما بات واضحاً بأنه تم استخدام وتوظيف أجهزة الدولة في التصفيات داخل الحزب الشيوعي " والتطهير العرقي " والتهجير والعزل (23) .. وفي نهاية تشرين الأول 1918 قررت القيادة المنشفية دعم حكومة لينين بمقدار ما تدافع هذه عن مكاسب الثورة، ... الوقوف ضد سياستها القاضية بالتشريك الفوري، وضد ديكتاتورية الحزب البلشفي وضد ممارسة العنف، والدفاع عن الشرعية السوفيتية، والمطالبة بالليبرالية الاقتصادية وإعادة الاستقلال النقابي وحقوق الطبقة العاملة. وفي تموز من عام 1919 طالبوا بتليين شيوعية الحرب. لكن في شباط 1921 ونتيجة للظروف الاقتصادية والسياسية الكارثية التي حكمت بقمع انتفاضة كرونشتاد وإدخال سياسية النيب .. قرر الشيوعيون التوقف عن السماح لأي معارضة خارج الحزب الشيوعي، ليتم لاحقاً شطبهم من الخارطة السياسية لروسيا السوفيتية (24). وفي شباط 1920 وكانون أول 1921 : تكلم لينين عن سياسيته في التعايش السلمي والتخلي عن العنف والانتقال إلى سياسة السلام ليس بين الشعوب فقط بل في العلاقات الدولية (25). وكان هذا في معرض حديثه عن إمكانية وجود جمهورية اشتراكية في وسط رأسمالي .(26)؟؟؟؟!!!!. وقد أورد راداك : بأن الحكومة الروسية تعلن : نحن بحاجة إلى رأس المال العالمي ونمنحه الربح الذي يطلبه، ولكي ندافع عن الحقوق التي سفحت الطبقة العاملة دمها من أجلها، لن نتحالف مع الشيطان فقط ، بل كذلك مع جدته إذا دعت الحاجة (27). يمكننا أن نلاحظ مما سبق عرضه بأن التحولات التي تحددت حياة لينين السياسية بها، بقدر ما توحي بالتناقض والتقلب وعدم الاستقرار في آليات التحليل التي بموجبها سيتم تحديد الآليات السياسية التي تحدد وترسم مسارات التطور الاجتماعي، ويمكن أن نرد جانب من ذلك إلى تبدل معطيات الشرط التاريخي الداخلي والدولي. لكنه بذات الوقت يدلل على القدرة التحليلية والجرأة النظرية والإرادة الثورية، إضافة إلى الكاريزما الشخصية والقيادية التي كان يتمتع بها.
إن ذلك يستدعي منا التوقف عند بعض القضايا السياسية التي اشتغل لينين على صياغتها نظرياً، فنراه مثلاً يتقاطع مع الفوضويين في تلاشي دور الدولة في ظل انتصار الثورة الاشتراكية...، و يتقاطع بذات الوقت مع منظور ماركس لدور الدولة في المرحلة الاشتراكية بكونها مرحلة انتقال إلى الشيوعية تستوجب أو تفترض تلاشي دور الدولة ودور المؤسسات البرجوازية والمؤسسات العسكرية .. التي تعمل على ضبط التناقضات الاجتماعية، لأن زوال جملة هذه التناقضات تستوجب تراجع دور مؤسسة الدولة. نسبياً هذا ما حصل في مرحلة شيوعية الحرب، جراء نشاط اللجان المحلية التي كانت تسيّر وتشرف على المنشآت الصناعية وعلى المزارعين وعلى الدوائر الرسمية وغيرها ..هذه التجربة القصيرة عبّرت عن عمق نظري وسياسي وإرادة ثورية قل نظيرها، لكن الواقع الروسي المتخلف الذي كان يعاني جملة من التناقضات والأزمات والصراعات، إضافة إلى الشرط العالمي الكابح لإنضاج التجربة الروسية، والذي تقاطع مع الأحادية السياسية والحزبية التي تمثلت في فرض إرادة اللجنة المركزية بكونها الطرف الوحيد المتحكم في تفصيل إيقاع حركة المجتمع الروسي. وفشل هذه المرحلة كان البوابة للدخول في سياسة الاقتصاد الجديد، التي كانت تستوجب أشكالاً من ديمقراطية برجوازية تعبّر عن الشكل الاقتصادي الرأسمالي، لكن سياسية الحزب الواحد، ورفض أي تعددية سياسية، وحتى أي تلوينات سياسية، حتى داخل الحزب الشيوعي ... إضافة إلى عوامل موضوعية عامة و ذاتية كانت من أسباب تقويض هذه التجربة، التي كانت تمثل اقتصادياً تعبيراً عن الميل الاقتصادي العالمي / الرأسمالي المهيمن، لكن بقيادة الحزب الشيوعي الممثل والقائد للطّبقة العاملة. لكن ما حدث بعد عام / 1929/ وهو ما خالف كافة الأسس النظرية الماركسية واللينينية، وكافة تصورات لينين عن إمكانية تطور وبناء مجتمع الروسي ديمقراطي، هو أن ستالين تحول ظاهرياً إلى بناء الاشتراكية، وأين ؟ في بلد واحد و متخلف.. وعلى أنقاض قوميات تم اضطهادها؟ وعلى أنقاض اجتثاث كافة أشكال الحياة السياسية والأشكال الديمقراطية .. وحملات الاعتقال والإبعاد والتصفية ..، ليصل إلى عتبة التناقض، التي تمثلت في بناء جهاز دولة بيروقراطي مشوه يناقض التوقعات بأن مؤسسة الدولة تتلاشى مع تقدم بناء الاشتراكية. لكن ما توضح في سياق تطور التجربة السوفيتية مع ستالين ومن خلفه، أن جهاز الدولة وسلطة الحزب والأمين العام كانت تتوطد وتتبقرط على حساب تراجع الديمقراطية ودور المجتمع ومؤسساته المدنية والسياسية التي تم تصفيتها والقضاء عليها. وهذا ليس غريباً عندما نحدد بأن ما تم بناؤه ليس مشروعاً ديمقراطياً اشتراكياً، بل أحد نماذج رأسمالية الدولة، ذات عمق بيروقراطي شمولي ... تم استنساخه و تطبيقه / بتفاوت نسبي/ لاحقاً في كافة الدول المتخلفة، ونعلم بأن هذا النموذج لم ينتج إلا المجازر والكوارث، ومزيداً من التخلف والتسلط والقمع ... ولنا في هذا النموذج العديد من التجليات الملموسة عربياً و عالمياً من بولبوت في كمبوديا، إلى صدام حسين في العراق، إلى أوربا الشرقية... وبعض دول أمريكا الجنوبية وكوريا الشمالية..
إطلالة على دور الفكر النظري في التأسيس السياسي:
الحزب ولينين أخوان توأمان أبوهما التاريخ، لا يمكن الفصل بينهما .. (28)
على المستويين التنظيمي والسياسي يمكننا القول، بأن لينين رجل التنظيم الأول. وهو من وضع المداميك النظرية، التي أسس عليها ستالين بناءه السياسي، الذي أثر في آليات العقل السياسي وتجلياته في الممارسة السياسية على المستوى العالمي، لذلك من العبث الفصل بين التأسيس النظري والسياسي اللينيني. وبين الممارسة السياسية الستالينية، كونها تجليات سياسية لفكر نظري سياسي أسس له لينين في سياق بناء الحزب الشيوعي، الذي تم تشكلّه واقعياً، في سياق الصراع السياسي مع المناشفة تحديداً... لذلك فإن حركة الخط البياني في بناء الحزب وتطوره، والمواقف السياسية اللينينية، كانت تعبيراً موضوعياً عن حركة الصراع السياسي في سياق ترابط المستويين الداخلي والعالمي، وهذا ما يؤكده السياق الموضوعي للتطور التاريخي المتعيّن للتجربة السوفيتية على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية ..
من البداهة بمكان أن لينين أسس في سياق ممارسته السياسية، لمفاهيم نظرية وسياسية باتت المحدد الأول والمنطلق النظري للممارسة السياسية داخل وخارج روسيا. وفي سياق هذا البحث نستعرض بعضاً منها : الفهم النخبوي للحزب الطليعي : ينبذ لينين فكرة ( إن الحركة العمالية الصرفة قادرة بحد ذاتها على أن تنتج و .. سوف تنتج لذاتها أيديولوجية مستقلة ) (29)..( يجب أن يكون الحزب وحده الفصيل الطليعي .. للجمهور الواسع للطبقة العاملة ، التي لا تدخل بكاملها، ويجب أن لا تدخل بكاملها في الحزب ) (30)..( اللجنة المركزية تقود كل شيء..اللجنة المركزية : تضم أفضل القوى الثورية .. وتتولى القيادة على صعيد كل المسائل التي تهم الحزب... ) (31) إن هذه السياسة الداخلية للحزب قادت إلى أن تحل اللجنة المركزية محل الحزب والأمين العام محل اللجنة المركزية. .وقد نبه تروتسكي إلى: ( إن الرفيق لينين ... قد توصل إلى خلاصة مفادها أن اليد الحديدية إنما هي هو، وهو فقط) بانشلر . وقد دعمت روزا لوكسمبورغ ما ذهب إليه تروتسكي من خلال تأكيدها على أن ( اللجنة المركزية تفكر عن كل الناس وتعمل وتقرر بالنيابة عن كل الناس، إن هذا القدر من السلطات الممنوحة سيؤدي إلى النزعة المحافظة في الحزب، وليس كما يتوقع لينين بأنها ستكون متراساً ضد الانتهازية). (32)
- في سياق مختلف، لكنه يتقاطع مع فحوى ما تقدم به كلاً من تروتسكي وروزا لوكسمبورغ يثبته تأكيد لينين على أن: ( مبدأ الانتخاب واللامركزية ... مرفوض بشكل مطلق.. لا بل هما مضران بالعمل الثوري في ظل السلطة الاستبدادية)(33).. ( دون حرية سياسية .. ستبقى كل أشكال التمثيل العمالي كذبة بائسة، وستبقى البروليتاريا في السجن ...)(34) وهذا الميل في التأسيس النظري والسياسي، ورغم صوابيته في بعض اللحظات، إلا أنه أسس لبيروقراطية مؤسسة الدولة لاحقاً.. لذلك هل يمكن أن نقول بأن احتكار الحزب الشيوعي السوفيتي تمثيل الطبقة العاملة وقيادته الدولة والمجتمع، تحول في ظل ستالين .... إلى كذبة بائسة نتيجة لهيمنة السلطة الاستبدادية وغياب الحريات السياسية.؟؟؟!!!
- في مؤتمر لندن / نيسان من عام 1905 طرح لينين مشروعاً واستصدر عبر التصويت قراراً أكد فيه ( إن الأولية الكاملة للمبدأ الانتخابي الممكن والضروري في ظروف الحرية السياسية .. لكن .. الممكن حتى في ظل السلطة الاستبدادية بقدر أوسع بكثير/ مما في الماضي /)( ينبغي تطبيق مبدأ الانتخاب في منظمات الحزب من القاعدة إلى القمة) (35). ( حرمت اللجنة المركزية، حق تعديل تركيب اللجان المحلية من دون موافقتها) (36)( تقرر ضمان حقوق كل أقلية بشكل دقيق ومحدد، هذه الحقوق التي تكرسها أنظمة الحزب) (37) ورداً على تمنيات المناشفة بالعودة إلى الديمقراطية البرجوازية : ( حين أناساً أكدوا تعاطفهم معنا تصدر عنهم هكذا إعلانات نقول: كلا، إن الإرهاب والتشيكا لا غنى عنهما إطلاقاً )(38). لندقق جيدا إلى التناقض السياسي في سيرورة لينين السياسية. لكن المأساة أن المواقف التي عززت المركزية واستخدام القوه والأحادية الحزبية، تحولت إلى أسس سياسية لتعزيز البيروقراطية الستالينية. إن تأكيد لينين على لغة البنادق بديلاً عن لغة الحوار السياسي/ أدت إلى جملة من الممارسات العنفية بحق المعارضين السياسيين ومنها القضاء على حركة كرونشتاد / شباط 1921/ التي كان جوهر برنامجها يتمحور حول : إعادة الحريات ، إلغاء احتكار السلطة ، إعادة كامل الحقوق للأحزاب الاشتراكية اليسارية والنقابات ، إجراء انتخابات سرية جديدة على أساس الاقتراع السري ، عودة الحرية الاقتصادية للفلاحين والحرفيين . (39) ... ومع هذا تم القضاء عليها. .. في سياق آخر يتراكب مع ما أوردناه يتضح بأن لينين اشتغل على بناء حزب أقرب إلى الشكل العصبوي ، صاغه التكتل البلشفي كانون الثاني عام 1912 بكونه الممثل الوحيد للحزب .. ودعا إلى نموذج منظمة ممحورة حول جهاز تنفيذي يضم عدداً محدوداً من الأعضاء .. يكون له حق التدخل في كل لحظة باسم كل منظمة. ويكون العمال الطليعيون وحدهم مدعوون لتأليفه (40)... لقد قاد بوغدانوف الشخصية البلشفية .... هجوماً على لينين، واتهمه بخلق قيصرية حزبية أقام فيها ديكتاتوريته الخاصة.. مما أدى إلى طرده من التكتل البلشفي في تموز من 1909 (41)... ولاحقاً أعلن لينين بأن التوفيقيين أمثال تروتسكي، الذين يحاولون التقريب بين البلاشفة والمناشفة، لم يعد لديهم أيضاً ما يجمعهم بحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي) (42) ومنذ ذاك الوقت لم يتردد لينين بإطلاق وصف الجريمة والخيانة على كل من يحاول التقريب بين الطرفين ، ووصف تروتسكي بيهوذا الصغير .. ومارتوف بنمام حقير وكائن خسيس... (43)... أما فيما يتعلق بالتحريفية فإن تاريخها طويل ومؤلم في الحركة الماركسية ـ اللينينية الستالينية، وانعكاساتها على الأحزاب السياسية الشيوعية وغير الشيوعية كانت كارثية، وما زلنا حتى اللحظة نعاني من نتاجها، ورفض الآخر بكونه تحريفياً تأسس على قاعدة تحويل الفكر لعقيدة تدعي امتلاك الحقيقية المطلقة، وأي خروج عنها، أو محاولة قراءتها بشكل جديد يعتبر من قبل أدعياء تمثيل الفكر الماركسي، اللينيني، الستاليني... بشكله العقائدي، تحريفاً وارتداداً وخيانة ... : بداية تجسد هذا الميل في رفض لينين وتلامذته لأفكار الاشتراكية الديمقراطية بوصفها ميول برجوازية صغيرة. وتصلب عودها في معارك البلاشفة ضد المناشفة، وعلى أساسها كان يتم تبرير التصفيات الجماعية من قبل ستالين ومن جاء بعده، وكان بمقتضاها يتم لجم ومحاربة أي مظاهر فكرية مخالفة في أي حركة شيوعية عالمية وفي أوساط القيادات الشيوعية الحاكمة ( التجربة اليوغسلافية وخصوصاً محاولات تيتو التجريبية لتطبيق أشكال مختلفة من المجالس العمالية، وتلك الإدانة مهدت الطريق في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات إلى عدد من المحاكم الصورية في أوربا الشرقية كان ضحاياها يوضعون في سلة واحدة ويوصفون بالمحرفين والخونة والجواسيس ... . وفيما بعد تجلت هذه الظاهرة عقب الانتفاضات القومية المناهضة للستالينية في بولونيا والمجر ووجهت موسكو إلى أمري ناجي القائد المجري تهمة التحريف، وأعدم في 1958 بسبب محاولته الرامية إلى خلق مجر محايد على أسس الاشتراكية الديمقراطية .. وبلغ الكابوس السوفيتي إزاء التحريفية أوجه خلال ربيع براغ في 1968 فالأفكار المطروحة من القيادة الشيوعية التشيكية ولا سيما من قبل السكرتير الأول الكسندر دوبتشك الذي دعا في برنامجه إلى إلغاء المركزية في الاقتصاد وإلى الانفتاح الأيديولوجي، وفضح الجرائم الستالينية ... وقد قوبل هذا التحول من قبل موسكو بوصفه تحريفاً يمينياً يمهد للعودة إلى الرأسمالية والقطيعة مع حلف وارسو. وكان تدخل بريجينيف العسكري الذي أطاح بدوبتشك وزملائه النتيجة المنطقية . (44)
لذلك يمكننا القول بأن: (مأزق الحزب في المعتقدات هو المأزق الأبرز والأشد وضوحاً ..... ولم تكن التطورات العملية للاقتصاد والمجتمع والسياسة هي وحدها المنحرفة عن الحقائق التي طالما جرى تأكيدها، بل أن سيطرة الحزب الأيديولوجية على منظومة القيم الاجتماعية كانت مهددة بالخطر. فديكتاتورية البروليتارية الممارسة من جانب حزب احتكاري، في مجتمع متجانس عقائدياً ومذهبياً، يستند إلى نظام للتخطيط ممركز مركزة عالية، يرتكز إلى إعطاء الأولوية الأولى للصناعة الثقيلة مع الزراعة المجمّعة، كانت تتعرض للاهتزاز جراء المناقشات العامة المبتعدة في كل الحالات عن الممارسات الثابتة والمكرسة أيديولوجياً، ولزيادة التعقيد كان القطاع الثقافي في البلاد يتمرد بصورة مكشوفة على المذهب الراسخ، وحتى الدين كان يهدد بالعودة ثانية). (45)... لقد ارتبط مبدأ التكفير والتخوين والتحريف، واعتماد الحزب الواحد الممثل لقضايا المجتمع... بالدعوة والتلويح باستخدام القوة المباشرة: ( عام 1901 قال لينين من حيث المبدأ لم يسبق لنا قط أن جحدنا الإرهاب ولا نستطيع أن نجحده . وفي عشية الثورة البلشفية كتب في الدولة والثورة يقول انه حين يدعو إلى الديمقراطية إنما يعني تنظيما للاستخدام المنهجي المبرمج للقوة من قبل طبقة ضد طبقة، من قبل شريحة من السكان ضد أخرى/ أما بالنسبة للمعارضة السياسية لم يكن لينين مستعداً لأن يتحملها قط بل كان يقول / من الأفضل أن يتم الحوار بالبنادق بدلاً من مناقشة أطروحات المعارضة/ وقد أعلن على الملأ أن الديمقراطية بنظره تنطوي على ديكتاتورية البروليتارية، حين ينتقدوننا على ممارسة ديكتاتورية حزب معين ... فإننا نقول: نعم إنها ديكتاتورية حزب واحد ، إننا مع مثل هذه الديكتاتورية ولا نستطيع أن نستغني عنها ) ويقول أيضاً ( إن التحديد العلمي للديكتاتورية هو السلطة التي لا تقيدها أية قوانين و لا تحدها أية قواعد والمستندة إلى القوة بصورة مباشرة ) (46) : لننتبه جيداً : هذا الموقف وما شابهه، أسس لبيروقراطية الدولة السوفيتية، و لتغول سلطة الفرد، ولرؤية أحادية استبدادية لا حقاً .../ وقد تم استنساخ هذا الشكل من السلطة السياسية في كافة الدول التي دارت في الفلك السوفيتي، أو تماهت معها على مستوى الشكل السياسي السلطوي.. (وإن بأشكال ومستويات نسبية). " أحادية حزبية تقود الدولة والمجتمع / تحت يافطة دولة العمال والفلاحين/ في ظل تأبيد قانون الطوارئ الذي يوقف العمل في الدستور، و..)
- لقد كان حل الجمعية التأسيسية التي تشكلت بفعل انتخابات شاملة وحرة، طلقة على الديمقراطية، ليطلق من جديد حرية السوفيتات على أسس الثورة الدائمة، وبشكل لم تكن فيه السوفيتات تعبر عن التمثيل القومي، وضد الديمقراطيات البرجوازية القومية في سياق القطع مع الثورة البرجوازية، واعتماد ثورة ديمقراطية اشتراكية لا تعبر موضوعياً عن التحول الاقتصادي الجديد/ النيب/ الذي يفترض أشكالاً من الديمقراطية البرجوازية ... ومن الهام ذكر نتائج إحدى جلسات السوفيت التي تم فيها التصويت على اقتراح مارتوف بتشكيل حكومة مؤقتة تتمثل بها كل الأحزاب الروسية، وبعد خروجهم : تكلم تروتسكي قائلاً : لقد تبعت الجماهير رايتنا، وقيّض لانتفاضتنا الانتصار، والآن يقولون لنا تخلوا عن انتصاراكم، قدموا تنازلات، اقبلوا بمساومة. وأنا أسأل: مع من علينا عقد هذه المساومات؟ مع الجماعات البائسة التي غادرتنا للتو... أنتم مفلسون ... انتهى دوركم، مكانكم سلة مهملات التاريخ.. ورد مارتوف : إذاً في هذه الحالة سوف نغادر، وترك المنصة التي كان يشغلها دائماً ...وخلص المناضل البلشفي بأن الدوما وصلت نهايتها. (47)
وقد طالب لينين أمام اللجنة التنفيذية المركزية للسوفييت بتقييد حرية الصحافة، وهذا التحول يرتبط بمشكلة أعمق بموقفه من الحريات السياسية عموماً، وخلال المجلس المركزي للنقابات في نيسان / 1918 : قال لينين: كل من ليس معنا فهو ضدنا رافضاً بذلك أي اعتدال (48). في هذا السياق فإن لينين ينقلب في رؤيته السياسية التي دعا إليها متماهياً مع ترسيمات الانتقال البرجوازية ، وتمسكاً و تماهياً بالماركسية، والتي طرحها في عام 1895( الدعوة لانتخاب جمعية تأسيسية .. الاقتراح العام ـ حرية التجمع والإضراب، حرية الصحافة والفكر والمساواة بين القوميات. أي برنامج ديمقراطي برجوازي كان الليبراليون يطالبون به... (49 )
ورداً على (موقف بليخانوف الداعي للتحالف مع الليبراليين، /كان مارتوف يعتبر أن على الطبقة العاملة أن تدعم البرجوازية الليبرالية مقابل انتزاع وعود مناسبة/ قال لينين: نحن نظهر وجهنا لليبراليين بينما أنت تدير لهم ظهرك ، .. لينين يقف بالضد ( الليبرالية تنزع القناع بقدر ما تتقدم الثورة ) (50) وفي قضايا الإضراب قال : مثلما أن هذا الأخير كان يبدو عبثياً في نظام يملك العمال السلطة فيه، كان الاستقلال النقابي شاذاً، في حين أن السلطة البروليتارية كانت تتماهى مع سلطة الدولة .. وقد صوت المؤتمر الروسي الأول للنقابات / 1 / 1 / 1918 بتحويل النقابات إلى أجهزة للدولة السوفيتية (51) وقد حكم لينين بأن تنظيم الإضرابات كان معاكساً لمصالح الدولة البروليتارية (52) ، لكن المكانة التي تشغلها البيروقراطية في النظام ، تبرر عملاً مطلبياً للمنظمات العمالية، لماذا ؟؟ وأين السر في مطالبة عمالية فعالة من دون ممارسة الإضراب .. إن النقابات العمالية فقدت استقلالها حيال الدولة، وباتت تتماهى أكثر مع الحزب الموجود في السلطة..)(53)، ... يوجد نوع جديد من التعارض في المصالح بما يتعلق بشروط العمل في المنشأة بين جمهور العمال والقيادة / إن دولتنا ليست عمالية / بل عمالية ـ فلاحية مصابة بتشويه بيروقراطي، لذلك لا يمكن الاستغناء عن النقابات للدفاع عن مصالح البروليتاريا المادية والمعنوية.. يجب أن تضطلع النقابات بالنضال ضد التشويهات البيروقراطية للجهاز السوفيتي. وبعد إدخال السياسية الجديدة النيب ، كرر لينين ، أنه يوجد نوع من التعارض في المصالح بما يتعلق بشروط العمل .. / وإنه ينتج من ذلك بالنسبة للنقابات / الواجب المطلق المتمثل بالدفاع عن مصالح الشغيلة .. ، والتقويم الدائم لأخطاء الأجهزة الاقتصادية وتجاوزاتها حين يصدر عن تشوه بيروقراطي لجهاز الدولة) (54) ويمكننا التأكيد بأن هذه الأشكال ما زالت حتى اللحظة تمارس من قبل الأحزاب الشمولية ذات الميول الحزبية الأحادية، التي تدمج كافة المؤسسات المدنية وتوظفها لتأبيد سيطرتها السياسية، على قاعدة الاحتواء والاحتكار...
ـ وفي سياق تجذير الموقف الثوري طالبت لجنة فيبورغ البلشفية بطرد ستالين وكامنييف بسبب الموقف من الحكومة المؤقتة (55).. (لينين: يجب عدم دعم الحكومة الجديدة, الحكومة المؤقتة رجعية وجهاز سيطرة للملاكين الكبار والبرجوازيون.(56) وأكد على ضرورة اتخاذ اللجنة المركزية قرار طرد، كامنييف وزينوفييف لأن التردد جريمة .(57)... وقد أبدى لينين في المؤتمر الثامن للحزب / آذار 1919/ : على المنظمة الشيوعية أن تتأكد من السيطرة السياسية الكاملة داخل السوفيتات والإشراف العملي على كل نشاطاتها ) (58) وفي ذات المؤتمر أكتشف لينين تعبير /الحزب الشيوعي القائد / وأعلن أن ديكتاتورية الطبقة العاملة يمارسها الحزب البلشفي / وأكد في كتابه مرض الشيوعية الطفولي إن ديكتاتورية الطبقة العاملة تتحقق بقيادة الحزب الشيوعي(59).( السوفيتات أجهزة للسلطة ..إنها تعمل بوصفها سلطة (60).
- ووفقاً لشهادة تروتسكي : عندما أقر مؤتمر السوفيتيات إلغاء عقوبة الإعدام فإن لينين صاح ( حماقات، حماقات، آثمة اعتقاد: ثورة من دون إعدامات (61) وللعلم فإن لينين هو من اقترح في شباط 1920 إلغاء عقوبة الموت وطالب في عام 1921 بالحد من صلاحيات التشيكا في الوقت الذي نادى بالقمع الأشد صرامة للنشاطات المنشفية . وبعد ثلاث سنوات من كتابته الدولة والثورة اعترف لينين علناً : أنه ارتفعت على أنقاض المجتمع القيصري دولة عمالية مشوهه بيروقراطياً ). (62)... في تموز 1924: في المؤتمر الخامس للأممية الثالثة قررت إحدى الأطروحات المتبناة ( بلشفة المنظمات الشيوعية... ويجب أن يكون الحزب ممركزاً وألا يسمح لا بتكتلات ولا باتجاهات، وأن يكون مصهوراً في قالب واحد (63)... كان حظر التكتلات الذي تقرر في المؤتمر العاشر في آذار من عام/1921/ يستهدف في المقام الأول مجموعة كولنتاي وشليابنيكوف، التي صممت القيادة الشيوعية وعلى رأسها لينين أن تسكتها عن طريق الإكراه والعسف (64)).. وهذا نراه في الأحزاب الشيوعية العربية التي تعتمد النص اللينيني كعقيدة أسست لمحاربة واجتثاث كافة التلوينات النظرية والسياسية داخلها. ..أما التبعية التي تميزت بكونها شبه مطلقة من قبل الأحزاب الشيوعية الرسمية، والتي يقابلها هيمنة من قبل الحزب الشيوعي السوفيتي والأممية، فإن جذرها يعود بشكل أولي، إلى إعلان كارل كاوتسكي في 1920 / لا تحتاج الأممية الثالثة إلا أن يكون لها أعضاء يعترفون بديكتاتورية موسكو ليس في روسيا فقط بل كذلك في بلدانهم/(65). وبقي هذا الميل مكرساً عالمياً وإن تباين في بعض التجارب عند بعض الأحزاب الشيوعية حتى سقوط التجربة السوفيتية ، ووصول غورباتشوف إلى سدة السلطة . .. أما ما يثير الانتباه هو الموقف الذي صرح به لينين إلى غوركي بخصوص المثقفين ( أن أهمية المثقفين تنخفض في حزبنا . فلتذهب بهم الريح الطيبة، هؤلاء القذرين، الحزب يتخلص من الفضلات البرجوازية الصغيرة ، العمال يضعون يدهم على الأمور ... ) (66)... ورغم تحذير لينين من: أن الرفيق ستالين الذي أصبح أميناً عاماً قد حصر في يديه سلطة لا حد لها، أنا لست على ثقة في أنه سيعرف ... كيف سيستخدم هذه السلطة بما يكفي من الاحتراس ... ومن جهة أخرى، لا يتميز الرفيق تروتسكي بكفاءات بارزة وحسب... بل هو شخصياً أكفأ . (67) . فإن ستالين تغلب على تحالف تروتسكي، كامنييف زينوفييف بقوة تحالفه مع بوخارين وبقوة التغيير السلبي الذي طرأ على الحزب ... 1924ـ 1925، ثم نفى تروتسكي بعد فصله من الحزب إلى آلماتا في كانون ثاني عام 1928، وفي 16/ 2 / 1928 تم تسليمه وثيقة عزله عن الحياة السياسية. 1936/ تم إعدام كامنييف وزينوفييف، وقتل تروتسكي في المكسيك، وأخرج بوخارين من المكتب السياسي . و بعد استقرار السلطات بيد ستالين، تم التنكيل بآلاف الحزبيين، وساد نظام أوامري، بيروقراطي، وتقلص المناخ الديمقراطي، وسادت عبادة الفرد .. وهذا يشكّل التتويج الطبيعي لسياق التحولات السياسية التي أسس لها لينين ومارسها بشكل مباشر ستالين وفق أشكال سياسية بيروقراطية، وأحادية حزبية ذات لون واحد تنبذ التنوع والتعدد وتفرض سياسة القوة والإرهاب السياسي داخل الحزب والمجتمع، وهذا ساهم موضوعياً في بناء شكل خاص من أشكال الدولة الأحادية الكليانية البيروقراطية يقودها ويقود المجتمع حزب واحد. وحتى عندما حاول خروتشوف إعادة الاعتبار لضحايا الإرهاب الستاليني بعد أن وصلت ذروتها في 1953 . فقد تم في: 1 / 10 / 1962 تنحيته بقرار أجمعت عليه اللجنة المركزية ، مما يعني ويدلل على تأصل البناء السياسي الستاليني وتجذره في القاع السياسي، الذي أصبح سمة عامة لكافة التجارب التي اعتمدت الاشتراكية شكلانياً ( رأسمالية دولة واقعياً)، حتى وإن بدت بعض التجارب السياسية ميولاً للخروج عن هذا السياق. لكنها لم تزل خاضعة نسبياً لهذا الإرث التاريخي الذي لم يزل يمسك بتلابيب الحاضر..
المستوى القومي في التجربة الروسية:
إذا كانت الستالينية هي اللينينية التي شوهتها القومية، وإذا كانت اللينينية زائد العسف الإداري، إذا كانت اللينينية زائد الإرهاب البيروقراطي، فهي أيضاً اللينينية ناقص الديالكتيك، إنها إذاً اللينينية وقد انقصت منها الخميرة التي جعلت منها حتى في أخطائها ورغم إخفاقاتها أحد مصادر الإلهام الأكثر غناً للمعركة من أجل الاشتراكية، وإحدى المساهمات الأشد خصباً في نضال البشر من أجل تحررهم (68)
يشكل المستوى القومي الأساس المكين للانتقال إلى الاشتراكية، وكل تناقض بين المستويين القومي والاشتراكي يقود حتماً إلى كوارث اجتماعية وسياسية واقتصادية. إن الاقتصاد /الاشتراكي/ في ظل نمط اقتصاد رأسمالي كثيف واحتكاري معولم ومهيمن، يحتاج إلى إنجاز تكتلات اقتصادية تتجاوز المستوى القومية في إطاره التناقضي، من أجل تكريس التعاون والتنسيق لبناء اقتصاد فوق قومي يقوم على الاعتراف بحقوق القوميات المختلفة و الإقرار بالتنوع والتعدد و السيادة الوطنية، وهذا يستوجبه ميل الاقتصاد الرأسمالي العالمي إلى زيادة حدة الاحتكار والاندماج في تكتلات اقتصادية عملاقة تجاوزت الإقتصادات القومية لكن وفق آليات تزيد من حدة التناقض والصراع والاستقطاب العالمي. لذلك فإن الواقع الراهن يتطلب بناء تكتلات اقتصادية تقوم على تجاوز الأشكال السياسية التي تقوم في إطار النمط الاقتصاد الرأسمالي المهيمن. ويتقاطع مع هذا المستوى، ضرورة تجاوز المستوى القومي في سياق التأسيس لمجتمعات منفتحة على القوميات الأخرى، وفي سياق الإقرار بالخصوصية الوطنية والمساواة وحق الاستقلال .. وفق أشكال سياسية ديمقراطية ...وهذا يتقاطع بشكل أو بأخر مع ما طرحه لينين بخصوص المسألة القومية ومنها: حق الانفصال والمساواة المطلقة لكل الأمم وكل اللغات واحترام حقوق الأقليات القومية واستقلالاً إقليماً والحكم ذاتي ( يقول لينين: أيمكن شعباً أن يكون حراً إذا كان يضطهد شعوباً أخرى، كلا.. ) لكنه كان يرفض الحلول الفيدرالية لأن التطور الرأسمالي يستوجب أن تكون الدولة على قدر من الاتساع والمركزة ...؟؟ (69) وقد عارض التدخل المباشر في جورجيا (70)/ .وأكد لويس فيشر بأنه : ( لو جرى تبني وجهات نظر لينين، لكان الاتحاد السوفيتي انتقل من المركزة إلى اللامركزية .(71) إضافة لذلك فإن لينين انتقد مشروع توحيد الجمهوريات السوفيتية ( نعترف بأننا متساوون في الحقوق مع الجمهورية الأوكرانية وغيرها من الجمهوريات، وننضم معها على قدم المساواة إلى اتحاد جديد ) وقد لمح ستالين إلى ليبرالية لينين القومية. (72). " لم يكن لينين ليبرالياً في رؤيته القومية فقط، بل في سياسته الاقتصادية الجديدة، وفي علاقته مع خصومه السياسيين في بعض اللحظات السياسية الحرجة بالنسبة له...". لكن ستالين خالف كل ما كان طرحه أو أسس له لينين بخصوص القضايا القومية، لذلك فإن نتائج سياساته القومية كانت وبالاً على التجربة الاشتراكية السوفيتية، وذات انعكاسات سلبية على كثير من التجارب الاشتراكية عالمياً، ولعل آليات السياسة الستالينية بخصوص المسألة القومية، وأشكال تعامله مع القوميات والأعراق والإثنيات، شكلت إحدى الإشكاليات التي ساهمت في دمار التجربة السوفيتية، ويتقاطع مع المستوى القومي أشكال المواجهة التي فرضها ستالين مع الدين والمتدينين من أجل تجاوزهما قسراً، ونعلم بأن القضايا الاجتماعية المتأصلة والمتجذرة في القاع الاجتماعي والذاكرة الإنسانية، ومنها / الموروث الديني..، لا يمكن القطع معهما، من خلال لوي عنق التاريخ والمجتمع، بل يجب الإقرار بأشكال التطور الاجتماعي الذي يغتني بالتنوع والتعدد، الذي في إطاره يتم تشكّل البدائل الموضوعية للوعي حتى لو كان متخلفاً وسائداً بذات اللحظة. وتجاوز هكذا واقع يتم في سياقات التطور الطبيعي التراكمي. لكن ستالين خالف منطق التطور التاريخي، وخالف أسس الديالكتيك، ونتائج سياسته البيراقراطية القسرية القهرية ما زالت شاخصة للعيان، وقد بات معروفاً، بأنه قاد في الشتاء من عام 1940 حملات تهجير الأسر البولونية، وتوطينهم قسراً في سيبيريا، واعتقال نحو مليون شخص، وأسر 15000 ضابط بولوني وقتلهم في جو من الكتمان .... (73). وقتل ما يزيد عن 40 ألف ضابط ،وقد رحّل شعوب برمتها من مواطنها الأصلية إلى مناطق نائية ( في عام 1943 رحّل / 14777/ أسرة كرجية من جورجيا، وهجّر الكالماك في عام 1944، إضافة إلى الشيشان والبلغار و التتر و بلغار اليونان .. ولم تعان جمهوريات البلطيق من تدخل الكرملين بشكل شوفيني فقط ، بل انطوت على نزاعات أثنية متداخلة أدت إلى مذابح / الأرمن الأذريين ، أوزبكيين ـ الأتراك ، القرغيز ـ الأوزبك. وقام ستالين بعمليات الترحيل الجماعي القسري عن جمهوريات البلطيق بعد ضمها في عام 1940 وبعد احتلالها من جديد في 1944 و1945, واستمرت محاكمات "التطهير" من 1936 وحتى 1939، ( قارب عدد ضحايا حملات " التطهير" / 10 / مليون، وترافقت المجازر التي ارتكبها ستالين مع حملة إعدامات استهدفت القيادات اللينينية التي لم يكن يثق بمعظمها على أرضية الخلاف الأيديولوجي. (74)
ـ تحت غطاء الدمج القومي لإنجاز الوحدة السوفيتية، اشتغلت القيادات السياسية بأساليب قهرية على تذويب القوميات،لكن سرعان ما برزت هذه القوميات إلى السطح على شكل عداوات واضطرابات، استقلالية / انفصالية موجه ضد السيطرة المركزية رأسياً، وأفقياً بين الأمم غير الروسية، على قاعدة التمسك بالهوية الوطنية. وقد تم سحق جميع مظاهر الاستقلال العرقي والقومي، وسحق التطلعات القومية الأوكرانية أو الليتوانية بعد الحرب العالمية الثانية، وكان الدين أحد هذه الهويات النائمة. وقد شكلت الصراعات الأفقية تهديداً جدياً بالتمزق في القفقاس (الجورجيون ، الأرمن ، الأذربيجانيون .. ) بعد أن ظل كامناً أكثر من ثلاثين عاما ً . (75)
ملاحظات في المستوى الاقتصادي:
ـ إن القانون الأساسي الذي يمكن استخلاصه من تاريخ المجتمعات هو أن من يشرف على فائض الإنتاج الاجتماعي، يشرف على كافة النشاطات الاجتماعية، بما فيها البنية الفوقية / الدولة والنشاطات السياسية، الأخلاق السائدة، الإنتاج الأيديولوجي.(76)..ومن الواضح بأن التجربة السوفيتية بقيت أسيرة لقيادات سياسية ذات بنية وتركيبة سياسية إن لم تكن واحدة فهي متقاربة،هذه القيادات أسست لنهج فكري سياسي واقتصادي مؤطر بنهج أيديولوجي عقائدي أسس لأحادية قهرية على كافة المستويات، وهذا ما ساهم في تشكّل مناخ سياسي واجتماعي راكد يقوم على كم كبير من التناقضات المجتمعية، مقترناً مع تطور اقتصادي ظاهري، بقيت سمته الأساس التخلف عن الاقتصاد الرأسمالي العالمي. ولكون التجربة السوفيتية خضعت لبنية عقائدية صماء، فإن كافة المحاولات الإصلاحية كانت ترتد إلى مكوناتها الأساسية الأولية، وهذا ما حصل مع خروتشوف وبريجينيف، إلى أن فجر غورباتشوف التجربة السوفيتية بفعل تناقضاتها الداخلية التي تقاطعت مع شرط عالمي جديد، فكانت سياساته بمثابة الصاعق الذي أعلن بداية جديدة، بغض النظر عن مدى صحتها، أو توافقنا معها... لقد حاول بريجينيف عقلنة الإصلاحات الخروتشوفية العاصفة والصاخبة، إلا أن هذا المحاولات سرعان ما تحولت صنواً لعودة نظام أشبه بالنظام الستاليني. وكان هذا بفعل المكونات الأساسية للنظام الستاليني، خصوصاً الأشكال المركزية الخانقة، وسيطرة أجهزة الدولة البيروقراطية، التي تم تأبيدها على أرضية من التفسخ الاجتماعي والاقتصادي وحتى السياسي. لكن ما تم تغيره هو استبدال إرهاب ستالين الجماعي الشامل بقهر سياسي أكثر تميزاً، لأن النخبة كانت قد تعلمت عبر التجربة المرة أن آلية الإرهاب الخاصة تجهز مع الزمن حتى على القائمين بها... لقد عانى الاتحاد السوفيتي في عهد بريجينيف أزمة نظام حقيقية: تمثلت في الجمود والركود والفساد. إن أسباب التخلف تكمن في البنى البيروقراطية التي تحتكر تسيير قطاع الدولة... عدم قابلية الملاك الحاكم للعزل ... ، الجمود المتزايد حيال الخيارات السياسية، جمود الأيديولوجية المسيطرة ..، وترتبط هذه المظاهر إضافة لأزمة البنى الاقتصادية مع سيطرة الديكتاتورية البيروقراطية على الدولة والمجتمع. عبادة الشخصية، الإضطهادات غير القانونية، الفساد، استغلال السلطة، السرقات .. تكتلات عائلية، وتستند البيروقراطية قبل كل شيء على تذرير الطبقة العاملة وسلبيتها، وقد عززها في حقبة الإرهاب الستاليني الخوف المعمم ... ، ومن الملاحظ بأن احتكار شريحة بيروقراطية مغلقة تتشبث بالسلطة، و تسيّر قطاع الدولة ، وتتحكم بـ 80% من الناتج القومي، و تحتكر ممارسة السلطة السياسية و تغيّب الطبقة العاملة عن الميدان السياسي، وتحد من التضامن الطبقي، يجعل من انتفاع البيروقراطية المحرك الرئيسي، مما يقوض كل عقلانية اقتصادية...(77) مع حلول / 1970 / كان الاقتصاد السوفيتي يشكل 15،3% من الدخل العالمي، في حين الاقتصاد الأمريكي يشكل 27،7% .. ومع حلول 1985 تراجع الاقتصاد السوفيتي ليشكل 14،7% في حين زادت النسبة الأمريكية إلى 28،9% . (78).. إن الاقتصاد السوفيتي اتسم باستخدام كامل الموارد البشرية المادية دون تشكّل أزمات فيض إنتاج دورية، إضافة لمنافع الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج ضمن نمو أعلى للاقتصاد السوفيتي، لكن سوء اشتغال المنظومة وتبذير الموارد كان كابحاً نسبياً لتطور قوى الإنتاج. إن انخفاض الاحتياطي الطبيعي، يستوجب بالضرورة الانتقال المتسارع من التصنيع الانتشاري الأفقي إلى التصنيع /الكثيف/. وكلما انخفض معدل النمو، كلما ازدادت مخاطر سوء الاشتغال القائمة على التسيير البيروقراطي، وأصبحت كابحاً للتطور الاقتصادي، فيصبح الركود وتباطؤ النمو سمة الاقتصاد العامة. .. إن الركود الاقتصادي ساهم في تشكّل ركود اجتماعي اقترن في لحظة محددة مع تحلل المنظومة القيمية الاجتماعية. ونظراً للخصائص العامة للتسيير البيروقراطي التي ساهمت في تغيّب الرقابة والتصحيح الذاتي وتشكيل طابع جمعي للتفاوتات والتبذير، إضافة إلى المناخ العام الذي اتسم بالفساد والفقر انخفاض معدل الحياة ،الإدمان الكحولي، بطالة،تفكك اجتماعي وتفاوت .. التوظيف بين القطاعات الإنتاجية / الثقيلة تحديداً/ والخدمية،الاحتكارات والتجاوزات البيروقراطية... ضمن هذا السياق ازداد ضغط السوق العالمية على الاقتصاد والمجتمع السوفيتي لإرغامهما على تقليد تكنولوجيتها /التسليح بشكل خاص/... وإغراء المواطنين بتقليد نماذجها الاستهلاكية .. و بغض النظر عن كل ما شاب التجربة السوفيتية من تناقضات وإشكاليات، إلا أنها ساهمت بنشر الأمل عند غالبية الشعوب المضطهدة بإمكانية تحقيق مستقبل تسوده المساواة والعدالة الاجتماعية. وكانت سنداً لحركات التحرر العالمي (لكنها بذات الوقت دعمت بالتوازي مع بعض الدول الرأسمالية نظماً سياسية استبدادية وشمولية) وشكلت أحد أهم الروافع الاقتصادية والسياسية للدول التي حاولت إنجاز تنميتها في سياق التطور(اللا رأسمالي) تحت شعارات التحويل الاشتراكي. وكان وجود المعسكر السوفيتي الذي تقاطع مع نضالات الطبقة العاملة الغربية، أحد الأسباب التي ساهمت في دفع حكومات الدول الرأسمالية لتحقيق دولة الرفاه، التي تراجعت مستوياتها بعد انهيار التجربة السوفيتية وتفاقم أزمة الرأسمال العالمي التي نشهد تجلياتها حالياً. وكان من أسباب قيام دولة الرفاه أيضاً،عدة عوامل أهمها: تزايد معدلات تمركز وتركز رأس المال الاحتكاري في الدول الرأسمالية، النهب المتزايد لثروات الشعوب في الدول المستعمَرة والطرفية ( إذاً: كيف يمكن لحكومات رأسمالية أن تكون ديمقراطية في بلدانها ومع شعوبها، في ذات اللحظة التي توظفّ فيها سياسة القوة ضد مخالفيها، وتشتغل على تشديد قبضتها الإحتلالية ، و تمارس سياسات استعمارية في بلدان مختلفة). إن دعم السوفيت لحلفائها السياسيين عسكرياً واقتصادياً..،إضافة إلى تركيزها على الصناعة العسكرية، ومواجهة الحركات السلفية الجهادية والتكفيرية / المدعومة بشكل رئيسي من الولايات المتحدة الأمريكية/، استنزف جزءاً كبيراً من ناتج القومي السوفيتي، الذي كان من المفترض أن يساهم في إرساء المزيد من الرخاء الاجتماعي. ومن الأسباب التي ساهمت نسبياً في ضبط إيقاع الحياة السياسية، وتقويض أسباب نجاح التجربة السوفيتية، إضافة لما ذكرناه في سياق هذا البحث، الحربين: العالمية الثانية، و الباردة...لكن الحروب الاستعمارية ومواجهة النازية و الضغوط التي مارستها الدول الرأسمالية على السوفيت...، لم تمنعهم من تسريع وتائر البحث العلمي والتطور المعرفي ..الذي تجاوز في بعض المجالات ما أنجزته الدول الرأسمالية. لكن يبقى بناء الإنسان الحر في مناخ ديمقراطي، الأساس المكين للتطور وبناء المجتمعات ومواجهة الأخطار والتهديدات الخارجية والداخلية... إن التحولات التي ساهم غورباتشوف في إدخالها على التجربة السوفيتية / السياسية والاقتصادية تحديداً، أعادت التجربة السوفيتية إلي الإطار الرأسمالي المهيمن ( وفي سياقها استفاق الشعور القومي والديني الكامنين تحت رماد القمع والاضطهاد... ) . وهذا التحول وإن بأشكال وأساليب مختلفة، تقوده الحكومة الصينية تحت عباءة الحزب الشيوعي. مما يعيد إلى الأذهان سياسية النيب التي حاول لينين الاشتغال عليها في عام / 1921/ بعد أن فشل في تجربة شيوعية الحرب . وهذا أيضاً يعيدنا دائماً إلى ماركس " لا يمكن لمجتمع حتى لو عثر على القانون الطبيعي لتطوره .. أن يقفز عن الأطوار الطبيعية للتطور، ولا أن يلغيها بمراسيم .. لكنه يستطيع أن يقلص آلام المخاض " (79). وكأن التاريخ يأبى إلا سياق تطوره الطبيعي، ويعيد من حاول القفز عن مراحله إلى البداية دائماً، ليستمد القوة من الأرض مجدداً، ليبدأ محاولة جديدة. وكأني بعقل التاريخ الموضوعي يرفض العقل السياسي الإرادوي. ليبقى مكر التاريخ متربصاً بمن يحاول تجاوز القوانين الطبيعية للتطور.
ـ كتب ماركس في كتاب الثامن عشر من بروميير، لويس بونابرت، عن الثورات البروليتارية : أنها تنتقد ذاتها على الدوام، وتقاطع نفسها بصورة متواصلة أثناء سيرها، وتعود ثانية إلى ما بدا أنها أنجزته لتبدأ فيه من جديد، وتسخر من نواقص محاولاتها الأولى ونقاط ضعفها وتفاهاتها باستقصاء لا رحمة فيه، ويبدو أنها تطرح عدوها أرضاً لا لشيء إلا ليتمكن من أن يستمد قوة جديدة من الأرض وينهض ثانية أمامها وهو أشد عتواً، وتنكص المرة تلو الأخرى أمام ما تتصف به أهدافها من ضخامة غير واضحة المعالم، وذلك إلى أن ينشأ وضع جديد يجعل أي رجوع إلى الوراء مستحيلاً وتصرخ الحياة قائلة بصرامة: هنا الوردة فلنرقص هنا / هنا رودس فلنرقص هنا. (80)
مراجع وهوامش
1ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين الجزء الثاني، الاستيلاء على السلطة/ تعريب : كميل داغر/ دار الحصاد/ دمشق / 1989 الصفحة /7/
2ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين (ج 2) الصفحة / 269/ .
3ـ ماركس مقدمة رأس المال ، صفحة/ 13 /. عن كتاب : في القول السياسي / نايف سلّوم / 158/ج1
4ـ كارل ماركس، مقدمة رأس المال صفحة /17/. عن : في القول السياسي / نايف سلّوم / 160/ج1
5ـ هاري ماجدوف / الإمبريالية من عصر الاستعمار / عن نايف سلّوم: في القول السياسي الجزء2 /95ـ96/.
6 ـ عن نايف سلّوم ، في القول السياسي الجزء الثاني/ صفحة / 36/. بوخارين الإمبريالية والاقتصاد العالمي /186.
7ـ مارسيل ليبمان اللينينية في ظل لينين/ ج 1 / صفحة / 96/.
8ـ ذات المصدر /259ـ 260/ .
9ـ ذات المصدر /261/.
10ـ ذات المصدر /262/ .
11ـ ذات المصدر /266/.
12ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين (ج 1) الصفحة/242/.
13ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين (ج 2) الصفحة/ 174/ .
14ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين (ج 1) الصفحة/85/.
15ـ ذات المصدر /167/.
16ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين (ج 1) الصفحة/208/.
17ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين (ج 1) الصفحة/144/.
18ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين (ج 2) الصفحة/205 /.
19ـ ذات المصدر/ 207/.
20ـ ذات المصدر / 205/.
21ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين (ج 2) الصفحة/188ــ 137/.
22ـ لينين، حول ثورتنا / عن: نذير جزماتي/ المعسكر الاشتراكي / 153/.
23ـ زبيغينو بريجنسكي ــ الإخفاق الكبير / عن نذير جزماتي المعسكر الاشتراكي/ 80 ـ84/.
24ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين (ج 2) الصفحة/59 /.
25ـ ذات المصدر: الصفحة/218 /.
26ـ ذات المصدر: الصفحة/ 219/.
27ـ ذات المصدر: /228/.
38ـ مارسيل ليبمان ـ اللينينية في ظل لينين (ج 1) /13/.
39ــ ذات المصدر /21/.
30ـ ذات المصدر /23ـ24/.
31ـ ذات المصدر /33/.
32ـ ذات المصدر /35/.
33ـ ذات المصدر /70/.
34ـ ذات المصدر /70/.
35ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الأول /47ـ49/.
36ـ ذات المصدر / 47ـ48 /.
37ـ ذات المصدر /15/.
38ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الثاني /79/.
39ـ ذات المصدر /65/.
40ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الأول /56ـ 57/.
41ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الأول / 59/.
42ـ ذات المصدر / 59/.
43ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الأول / 63/.
44ـ زبيغينو بريجنسكي ــ الإخفاق الكبير /66/.
45ـ ذات المصدر /76/.
46ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الثاني /79/.
47ـ ذات المصدر / 43/.
48ـ ذات المصدر / 70ـ 78/.
49ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الأول /69/.
50ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الأول/ 72ـ77/.
51ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الثاني /181/.
52ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الثاني / 81/.
53ـ ذات المصدر / 81/.
54ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الثاني/183/.
55ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الأول /156/.
56ـ ذات المصدر/ 170/.
57ـ ذات المصدر / 190/.
58ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الثاني /98/.
59ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الثاني /99/.
60ـ ذات المصدر/100/
61ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الثاني /144/.
62ـ ذات المصدر / 146ـ183/.
63ـ ذات المصدر /265/.
64ـ ذات المصدر / 116 ـ 117/ .
65ـ ذات المصدر /266/.
66ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الأول/126/.
67ـ نذير جزماتي / المعسكر الاشتراكي... /5/.
68ـ مارسيل ليبمان / اللينينية في ظل لينين ، الجزء الثاني/ 320/. ص
69ـ ذات المصدر/86/.
70ـ ذات المصدر /92/.
71ـ ذات المصدر /93/.
72ـ ذات المصدر /86/.
73ـ زبيغينو بريجنسكي ــ الإخفاق الكبير /105ـ 106/.
74ـ زبيغينو بريجنسكي ــ الإخفاق الكبير /225ـ 226/.
75ـ زبيغينو بريجنسكي ــ الإخفاق الكبير / 83/.
76ـ أرنست ماندل ـ الاتحاد السوفيتي إلى أين في ظل غورباتشوف / 132/ .
77ـ ذات المصدر / 136ـ 144/ .
78ـ زبيغينو بريجنسكي ــ الإخفاق الكبير ـ / 39/ .
79ـ مقدمة رأس المال / 17/ عن في القول السياسي / نايف سلّوم / 160/ج1
80ـ كارل ماركس: الثامن عشر من برومير ، لويس بونابرت ،











حول التجربة السوفيتية
محمد سيد رصاص
يقدم لينين رؤيته للماركسية في مقال"برنامجنا" (أواخر عام1899): "نحن لا نعتبر أبداً نظرية ماركس شيئاً كاملاً لا يجوز المساس به...لأن هذه النظرية لا تعطي سوى موضوعات توجيهية عامة تطبق مثلاً في بريطانيا غير ما تطبق في فرنسا، وفي فرنسا غير ما تطبق في ألمانيا، وفي ألمانيا غير ما تطبق في روسيا"(1)
ينطلق لينين،هنا، من اعتبار الماركسية منهجاً معرفياً لمكان وزمان محددين في إطار جدل (العام- الخاص)، وليس كعقيدة مكتملة ومنتهية، وبالتالي ليست هي فقط منفتحة على التطور والمعطيات المتغيرة بل تمتلئ وتتساوق عبرهما: إنها ماركسية واحدة، كمنهجية وأسس فلسفية، إلا أنها، وفي إطار تفاعلها مع الأمكنة والأزمنة المتغيرة، والمتغايرة، فهي تكوِن ماركسيات متعددة ومستقلة ومتمايزة عن بعضها البعض.
عبر هذا كان لينين متمايزاً ومختلفاً، كفرد وكحزب بلشفي، مثلاً عن تجربة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، بجناحيه الأرثوذكسي بزعامة كارل كاوتسكي والآخر التنقيحي- المراجِع (أو ما اصطلح على تسميته بالتحريفي) بقيادة إدوارد برنشتين منذ عام1899. يمكن القول أكثر من ذلك، بأن الثورة البلشفية في أوكتوبر1917 قد كانت خروجاً عن "الوصفة الماركسية الكلاسيكية" منذ ماركس وانجلز، ولم يكن أنطونيو غرامشي مخطئاً عندما قال بأن ثورة أكتوبر هي"ثورة ضد كتاب (رأس المال)"(2)
تأتي طبيعة الماركسية الروسية (أي اللينينية) من خلال تفاعلها مع الخصوصية المحلية المتميزة بوجود شرائح الفلاحين التي تشكل80%من المجتمع، وقوميات متعددة، وفئات بَينِية قائمة على الإنتاج البضاعي الصغير. وقد كان لينين واعياً، قبل وبعد انشقاق البلاشفة والمناشفة في شهر آب1903، أن الهدف هو الوصول إلى أهداف ثورة1789 الفرنسية، أي ثورة وطنية- ديمقراطية، كمدخل للسير نحو الاشتراكية: كان خلافه مع المناشفة ليس حول الهدف، وإنما حول حامل وقائد هذه الثورة، والتي رأى لينين أن البرجوازية الروسية، بخلاف الفرنسية،عاجزة عن القيام بهذه الثورة بحكم تبعيتها للحكم القيصري المستند إلى بنية اجتماعية ما قبل رأسمالية وبحكم تبعيتها أيضاً للبرجوازيتين الإنكليزية والفرنسية الحليفتين للقيصر الروسي، لذلك دعا لينين إلى (ديكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية) كأداة لتحقيق ثورة روسية على طراز ثورة1789 البرجوازية الفرنسية بقيادة حزب الطبقة العاملة الذي يقود تحالفاً عريضاً من الفلاحين وكل الفئات الراغبة في التغيير، من أجل الإصلاح الزراعي وضرب وإنهاء العلاقات ما قبل الرأسمالية وكل تمظهراتها الاجتماعية والقانونية والتشريعية ،لإنشاء مجتمع حديث عصري يدخل روسيا في الحضارة والتمدن و(المجتمع المدني).
عندما بلور لينين هذه النظرة ، أساساً عبر كتاب"خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية" عام 1905، كان هناك شخص قابع في السجن إثر فشل ثورة1905 اسمه ليون تروتسكي يكتب من هناك كراساً (صدر عام1906)، تحت عنوان"نتائج وتوقعات"، قدم فيه رؤية مضادة للبلاشفة والمناشفة تقول بأنه لا يمكن الفصل بين مهام الثورتين الديمقراطية والاشتراكية وأن هاتين الثورتين متداخلتان ومتشابكتان في سلسلة تربطهما، في لحمة تنفيذ قيادة حزب الطبقة العاملة لهما،عبر تصور منظوري كلي جامع لهما في ثورة واحدة اسمها"الثورة الدائمة". لهذا عندما قدم لينين تصوراته، بعد ثورة شباط1917، في "موضوعات نيسان"(1917) التي يتخلى فيها عن منظورات كتاب1905، اتهمه بعض مندوبي مؤتمر الحزب البلشفي بـ "التروتسكية"، لما دعا إلى تداخل الثورتين الديمقراطية والاشتراكية في ثورة واحدة وعبر قيادة واحدة، وهو ما مارسه مع تروتسكي (المنضم في تموز1917 للحزب البلشفي) بعد ستة أشهر في ثورة أوكتوبر1917، مع أن من الضروري هنا القول بأن نظرية لينين حول (الامبريالية)، المقدمة في كتاب1916، هي الأساس في تصورات "موضوعات نيسان" وذلك لما أتاحت نظرية (تفاوت النمو) الانطلاق إلى نظرية(الحلقة الأضعف في سلسلة الامبرياليات) والوصول إلى نظرية (إمكان قيام ثورة اشتراكية في بلد واحد ومتخلف) لوتم استغلال مسألتي الأرض والسلم في زمن الحرب العالمية الأولى، ولكن من دون أن يكون الانطلاق الأولي سوى نحو مهام برجوازية محضة تحت قيادة حزب الطبقة العاملة إثر استيلائه على السلطة، حيث لا تكون ثورته "اشتراكية" من حيث المهام في لحظة الانطلاق الأولى وإنما من حيث التوجه العام والهدف والإيديولوجية.
كانت سياسة(النيب) في عام1921 تعبيراً عن ذلك الوعي عند البلاشفة، ثم ليكون هناك تنظيرٌ اقتصاديٌ واضحٌ حيال ذلك عند المفكر الاقتصادي البلشفي الأبرز وهو(يفغيني بريوبراجنسكي) في كتابه"الاقتصاد الجديد" عام 1926، لما كتب الكلمات التالية،التي يعي صاحبها بأن الدولة السوفياتية ستمر بمرحلة (التراكم الأولي) التي سترسم مساراً إجبارياً أمام هذه الدولة تضطهد عبره الفلاحين والحرفيين وأصحاب الإنتاج البضاعي الصغير، مثلما اعتمد (التراكم الأولي) في الرأسمالية الأوروبية الغربية على "الموارد المتأتية من الإنتاج الصغير" للانتقال إلى نظام الإنتاج الرأسمالي: يقول بريوبراجنسكي:"لسنا ندري مبلغ الدمار الذي سوف يصيب بلداناً أخرى تنتصر فيها ديكتاتورية البروليتاريا على إثر الحرب الأهلية، إلا أن بلداً مثل الاتحاد السوفيتي، باقتصاده المدمَر والمتأخر بشكل عام، يجب أن يمر بمرحلة تراكم أولي يستحوذ فيها بحرية على الموارد التي توفرها الأشكال الاقتصادية العائدة إلى ما قبل الاشتراكية.....وعلى كل حال فتلك هي المسألة التي تواجه الاتحاد السوفيتي اليوم"(3) . كان بريوبراجنسكي وقت صدور هذا الكتاب في صف تروتسكي الداعي إلى التشدد اليساري ضد الفلاحين فيما كان بوخارين على اليمين، وبينهما ستالين في الوسط، قبل أن ينتقل الأخير مع(التجميع الزراعي"الكلخزة")في شهر آذار1929 إلى تطبيق ما دعا له بريوبراجنسكي وتروتسكي، ولكن بعد إبعاد خصومه في الحزب على اليمين واليسار:هنا، لا يمكن تفسير ديكتاتورية ستالين بدون انهيار تحالف العمال والفلاحين خلال عقد العشرينيات، وبدون الدمار الذي حاق قبل ذلك بالطبقة العاملة الروسية التي فنيت عملياً بحكم خراب الصناعة الذي أتى نتيجة الحرب العالمية الأولى ثم عبر ثلاث سنوات من الحرب الأهلية (1917-1920) وهو ما عبر عنه لينين في تشرين الأول 1921بالتالي: "لقد انحطت البروليتاريا الصناعية طبقياً...بسبب الحرب والخراب و التدميرات الرهيبة..ولم تعد توجد بوصفها بروليتاريا"(نقلاً عن مارسيل ليبمان:"اللينينية في ظل لينين"،الجزء الثاني،دار الحصاد،دمشق1989،ص188) وهو ما يجب أن يربط مع كلام لينين قبل سنتين من ذلك بأن"الفلاحين هم الذين كانوا أول من ربحوا، وربحوا أكثر من الجميع، بفضل ديكتاتورية البروليتاريا" (4)
عملياً، قاد اضمحلال قوة الطبقة العاملة إلى جعل الفلاحين القوة الاقتصادية الأبرز في المجتمع السوفياتي، الذي يقوده حزب الطبقة العاملة من السدة العليا للسلطة في الكرملين، لهذا كانت (مسألة الفلاحين)هي القضية الأبرز أمام البلاشفة في عقد العشرينيات، الذين أصبحوا عملياً، مع خراب الصناعة وفناء الطبقة العاملة، قوة سياسية فوقية غير مستندة إلى قاعدة اجتماعية تحتية. لذلك كان اللجوء إلى العنف والديكتاتورية حلاً منع فقدان البلاشفة للسلطة، وهو ما تم عبر (الكلخزة) لتحجيم الفلاحين اقتصادياً وإجبارهم على التحول (بعشرات الملايين منهم الذين نقلوا للمدن من أجل تحويلهم إلى عمال صناعيين) إلى وقود بشري لثورة صناعية قادها ستالين خلال الثلاثينيات، في طريق مختصر ولكن عنيف شبيه بما حصل للطريق الغربي نحو الرأسمالية عبر الحكم المَلكي المطلق (هنري الثامن في انكلترا الذي فصل كنيسة انكلترا عن روما وأمَم ممتلكات الكنيسة والأديرة في عام 1534، ثم لويس الرابع عشر في فرنسة في الربع الأخير من القرن السابع عشر) ثم عبر الديكتاتورية الفردية (كرومويل في انكلترا 1653-1658 ثم نابليون بونابرت 1799-1815 في فرنسا). بدون هذه الثورة الصناعية ما كان للإتحاد السوفيتي أن يصمد أمام الهجوم الألماني في عام1941 ولا أن ينتصر على هتلر في1945،و لا أن يتحول في العقود الأربعة اللاحقة إلى إحدى الدولتين العظميين.
في عام 1918 كتب لينين:"إن رأسمالية الدولة خطوة إلى الأمام بالنسبة للواقع الراهن في جمهوريتنا السوفييتية" (5)
لم يستطع الاتحاد السوفيتي منذ ثورة أوكتوبر1917 وحتى قرار حل الحزب الشيوعي السوفيتي في يوم الأربعاء21آب 1991 تجاوز حالة (رأسمالية الدولة) إلى (الاشتراكية) وإنما كان(اقتصاد السوق) هو لاحقها ومرحلتها اللاحقة ونتيجتها، وقد بيَنت تجربة1917-1991 السوفيتية أن الشيوعيين قد استطاعوا عبر إقامة نموذج فعَال من (رأسمالية الدولة)، مع أشكال معينة من(التشريك الاجتماعي)، تحقيق ممهدات وأسس الثورة البرجوازية بمعانيها التكنولوجية- الاقتصادية-الاجتماعية- الثقافية بكفاءة عالية فاقت البرجوازيات الغربية التي تطلب منها ذلك زمناً أطول وكانت متمتعة بظروف أكثر راحة، وقد كان ما حصل في زمن(البيريسترويكا: نيسان1985-آب1991) تعبيراً عن وجود توازنات اجتماعية سوفيتية،في ظل اختلال التوازن الدولي لصالح الغرب،أصبحت تميل أكثر باتجاه(اقتصاد السوق) ومتطلباته السياسية والأيديولوجية، فالبنية السياسية لدولة عظمى لا يمكن أن تنهار نتيجة مؤامرة خارجية أو لمجموعة من الأخطاء في التطبيق أو بسبب اختلال التوازن الدولي، بل لكون(وهذا ما تقوله الماركسية) البنية الاقتصادية-الاجتماعية-الثقافية في مجتمع تلك الدولة العظمى قد أصبح أكثر تطوراً وتقدماً من البنية السياسية- الدولتية، حتى ولو كانت الأخيرة هي التي أنشأت البنية الأولى في مرحلة تاريخية محددة (ستالين وثورته الصناعية - التكنولوجية)، وإذا كان العامل الدولي يلعب دوراً"ما"في هذا الانهيار فهذا لا يتم إلا في اللحظة التي يكون فيها اختلال التوازن الدولي متزامناً مع اتجاه البنيتين إلى حالة التصادم والتناقض .
في عام1991 انتصر كارل ماركس على فلاديمير إيليتش لينين،عندما ثبت،عبر ثلاثة أرباع القرن من التجربة السوفيتية، أنه لا يمكن الانطلاق نحو(الاشتراكية) من خلال ثورة في بلد لم تكتمل فيه مراحل التطور الرأسمالي، حيث كان المسار اللينيني معاكساً لما وضعه ماركس في "البيان الشيوعي"(1848) للوضع الألماني الذي كان مشابهاً لروسيا1917: يقول ماركس:"في ألمانيا يناضل الحزب الشيوعي بالاتفاق مع البرجوازية مادامت تناضل هذه البرجوازية نضالاً ثورياً ضد النظام المَلكي المطلق وضد المُلكية الإقطاعية العقارية، وضد البرجوازية الصغيرة الرجعية.....فالثورة البرجوازية الألمانية لا تكون،بالتالي، سوى بداية وتمهيد مباشر لثورة بروليتارية" (6)
هذا الأمر أدركه الشيوعيون الصينيون منذ عام1987 عندما بدأوا في قيادة "ثورة برجوازية- رأسمالية"تحدث على مسار العقدين الماضيين تحت قيادة الحزب الشيوعي، فيما تم التحول من (رأسمالية الدولة) نحو(اقتصاد السوق)على حساب الحزب الشيوعي السوفيتي، وهو شيء كاد أن يحصل في بكين1988-1989 عبر اضطرابات الطلاب ووجود طبعة صينية لغورباتشوف ممثلة في الأمين العام للحزب (زهاو زيانغ: نيسان1987- حزيران1989)، إلى أن حسم الشيوعيون الصينيون هذا الأمر لصالحهم بعد حوادث ساحة(تيان آن مين) في يوم4 حزيران1989، وليقيموا نظاماً من (الحزب الواحد) في السياسة بالترافق مع تعددية اقتصادية أصبح فيها (اقتصاد السوق) هو الأقوى، وليقودوا عبر ذلك نهضة اقتصادية- اجتماعية يعي الشيوعيون الصينيون أنها طريق رأسمالي وليس (الاشتراكية)، من دون أن يستطيع أحد القول،الآن بما فيهم الشيوعيون الصينيون، بأن هذا الطريق الصيني سيجد ممراً نحو(الاشتراكية)، أم سيكرر ما حصل في موسكو، وفي نيودلهي والقاهرة ودمشق والجزائر،عندما قادت (رأسمالية الدولة) إلى طريق كانت خاتمته ومنتهاه ونتيجته هي (اقتصاد السوق).
هوامش
(1) (ضمن مجموعة لينين:"حول الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية"، دار التقدم، موسكو1975، ص ص20-25،ص22).
(2) ("الأمير الحديث"، دار الطليعة، بيروت1970،ص143).
(3) (يوجد نص طويل من كتاب بريوبراجنسكي ضمن مجموعة:"مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية"، دار الطليعة، بيروت1971، ص ص 33-103،ص43).
(4) (ليبمان:"المرجع السابق"،ج 2،ص189).
(5) ("المختارات"،المجلد 3،الجزء2،دار التقدم،موسكو1971،ص228)
(6) ("مختارات ماركس و انجلز"،4 أجزاء،ج 1،دار التقدم،موسكو، بدون تاريخ، نص "البيان الشيوعي"بين الصفحتين41-96،ص ص 94-95).















عرض كتاب: "الثورة غير المنتهية"
نايف سلّوم

عنوان الكتاب الأصلي:
The unfinished revolution Russia 1917-1967.
Isaac deutscher, oxford university London 1967.
فصول الكتاب:
1- المنظور التاريخي.
2- انقطاعات في استمرارية الثورة.
3- البنية الاجتماعية.
4 - تجميد الصراع الطبقي.
5- الاتحاد السوفيتي والثورة الصينية.
6- نتائج وتوقعات.
الفصل الأول:تمهيد
بعد تفكك الدولة السوفيتية، وبعد فشل الثورة الروسية في تحقيق الآمال الأممية والإنسانية التي أثارتها- يتوجب نقد هذه التجربة نقداً جذرياً لاستخلاص الدروس، وهو نقد من موقع نظري/عملي ماركسي. أي نقد من موقع الحركة الاشتراكية . يكتب سارتر: "منذ أكثر من قرن من الزمن ، وتحت أشكال تتبدل مع مجرى التاريخ ، هناك حركة واحدة تقود المستغَلين إلى المطالبة لأنفسهم وللجميع بإمكانية كينونتهم بشراً بصورة تامة شاملة - حركة واحدة تكشف المجتمع بالذات في كل واقعة وتحدد البورجوازية بالاستغلال في الوقت الذي تعتبرها سائر الحركات طبقة شمولية . حركة واحدة تنتج من خلال العمل و به نظرية/ أيديولوجية تتيح لها أن تفهم نفسها وأن تفهم الآخرين: إنها الحركة الاشتراكية منظوراً إليها في مجملها . إنها الحكم المطلق على سائر الحركات لأن المستغَلين يصطدمون بالاستغلال وبصراع الطبقات بوصفه واقعهم، وبوصفه حقيقة المجتمعات البورجوازية : فهي ترى المعنى العميق للمناورات والعمليات لأنها لا تستطيع أن تتخلف عن ربطها ببنى التاريخ الأساسية . ولأنها حركة الإنسان الذي هو في سبيله إلى صنع نفسه . أما الأحزاب الأخرى غير الاشتراكية الماركسية فتعتقد أن الإنسان قد صُنع ، وأنه تابع مجرّد للمِلْكية البورجوازية، ملاك ضجر لا يعرف من حاجات لم تشبع ، إنها قوة الاستغلال وتجزيء الصراع الطبقي إلى منازعات مشتتة وخاصة. و واضعو عقائدها ومؤرخوها يبحثون عن معنى التاريخ في كل مكان اللهم إلا حيث هو موجود : ولهذا السبب لا يملكون وسائل فهم عمل الطبقات المستقلة ولا وسائل الحكم عليه ، بل هم يجردون أنفسهم حتى من القدرة على الحكم على أنفسهم لأنهم لا يريدون معرفة حقيقة ما يفعلون..إن الاشتراكية التي تنقسم على نفسها وتتعارض أجزاؤها .. هي نفسها التي تستطيع ويجب عليها تقييم عمل روسيا الاشتراكية .."
نقرأ عند دويتشر: "إن الأرض التي نطرقها هي من الأراضي التي يخاف المؤرخون ارتيادها، وإذا ارتادوها فبخشية ووجل" ص /29/ ويضيف: ..لم تحافظ أي من الثورات [السابقة] على استمرارية مشابهة، ولو نسبياً لاستمرارية الثورة الروسية، سواء في المؤسسات السياسية، أم في السياسات الاقتصادية، أم في الأعمال التشريعية، وفي التقاليد الأيديولوجية" /30/
يقول دويتشر وهو يتحدث عام 1967: "إن مجرد استمرار الثورة الروسية يظهر استحالة تكرار أي شيء مشابه لهذه الدورة التاريخية الكلاسيكية [البورجوازية في بريطانيا وفرنسا] فليس من الممكن بتاتاً أن نتصور أن روسيا قد تعيد آل رومانوف إلى الحكم ولو لفترة، ثم تطيح بهم من جديد. كما أننا لا نستطيع أن نتخيل عودة الارستقراطية العقارية الروسية من جديد. كما حدث في فرنسا بعد عودة الملكية ومطالبتها باستعادة أملاكها أو بتعويضها عن الأراضي التي انتزعت منها. لقد عاش الإقطاعيون الفرنسيون الكبار مدة تقارب العشرين عاماً في المنفى، فقط، ولم تعد أمجادهم الماضية سوى ذكرى يحنون إليها. أما بالنسبة لروسيا، فلم يبق حياً أحد من الإقطاعيين والرأسماليين الروس الذين ذهبوا إلى المنفى عام 1917، ومن المؤكد أن أولادهم وأحفادهم قد ابتعدوا عن ممتلكات أسلافهم، حتى في أحلامهم. ولا تشكل المصانع والمناجم التي كان آباؤهم وأجدادهم يمتلكونها إلا جزءاً ضئيلاً من الصناعة السوفيتية التي أنشئت وطورت منذ ذلك الحين في ظل الملكية العامة. ويبدو واضحاً الآن أن الثورة قد تخطت كل العوامل الممكنة لعودة النظام القديم. ولم تتلاش أحزاب "النظام القديم" من الوجود وحسب، بل تلاشت في المنفى أيضاً وتلاشت حتى كأشباح، بل إن المنشفيك والاشتراكيين الثوريين أنفسهم الذين سيطروا على المسرح السياسي في ما بين شباط وتشرين الأول، لقوا نفس المصير. إن الحزب الذي حقق النصر في انتفاضة أكتوبر هو وحده الذي ما زال قائماً بكل سلطانه الأسطوري. وما زال حاكماً ورافعاً أعلام عام 1917 وشعاراته"
لكن، هل هذه الاستمرارية حقيقة أم شكلية؟.. وكيف يستطيع إطار فارغ، لا يحتوي أي مضمون فعلي، أن يصمد لفترة طويلة كهذه؟ وحين يعيد القادة السوفييت المتعاقبون تأكيد ولائهم للأهداف والغايات الأصيلة للثورة، فإننا لا نستطيع أن نصدق إعلاناتهم بشكل كلي، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهلها أيضاً.."
..لقد اقتضى الأمر مرور قرنين من الزمان قبل أن يبدأ الإنكليز بتغيير وجهة نظرهم بصدد "الثورة العظمى" وفي التحدث عنها باحترام أكبر. ومضى وقت أطول قبل أن يصبح ممكناً إقامة نصب لكرومويل أمام مجلس العموم (البريطاني)" ..
"أما الروس فما يزالون [بعد انقضاء خمسين عاماً] يتقاطرون يومياً إلى ضريح لينين في الساحة الحمراء. وحين أدانوا ستالين وأخرجوه من الضريح. فإنهم لم يمزقوا جثته إرباً، كما فعل الإنكليز بجثة كرومويل، والفرنسيون ببقايا مارا، بل قاموا بهدوء، بإعادة دفنه تحت حائط الأبطال في الكرملين. وحين قرر خلفاؤه التخلي عن جزء من تركته، فإنهم اعترفوا بأنهم إنما يرجعون إلى منبع الثورة الروحي، إلى مبادئ وآراء لينين ..إلا أن تياراً قوياً من الاستمرارية يجري خلف هذه الطقوس. ما زال تراث الثورة حياًن بشكل أو بآخر، في بنيان المجتمع وفي عقل الأمة"
...على أية حال فقد حدثت انقطاعات حادة في إطار استمرارية الثورة، إلا أن هذا الإطار هو إطار كثيف بشكل كاف. ولا يستطيع أي مؤرخ جدي أن يتجاهل هذا الإطار، أو أن يبقى خارج مجال تأثيره، إذا أراد أن يفهم الثورة..كما أن المؤرخ الجدي لا يستطيع أن ينظر إلى أحداث نصف القرن هذا نظرته إلى أحد انحرافات التاريخ أو إلى عمل شيطاني من تدبير حفنة من رجال أشرار. ..إن ما يتجسد أمامنا هو قطعة هائلة ونابضة من حقائق التاريخ الموضوعية، ونمو عضوي في تجربة الإنسان الاجتماعية، واتساع كبير في آفاق عصرنا.
..إنني أشير، بصورة أساسية إلى العمل الخلاق الذي أنجزته ثورة أكتوبر، ولست في صدد الاعتذار بسبب هذا التخصيص. ذلك أن ثورة شباط 1917 لا تحتل مكانها في التاريخ إلا بوصفها مقدمة لثورة أكتوبر.
..مثل ثورة شباط/ 1917 الروسية- كمثل ثورة 1918 الألمانية...هل يستطيع أحد التحدث الآن عن ثورة 1918 الألمانية كحدث ذي تأثير أساسي من أحداث القرن العشرين؟ ...لقد تركت هذه الثورة النظام الاجتماعي القديم سليماً، وكانت مقدمة لصعود النازية...ولو بقيت روسيا محصورة في نطاق ثورة شباط.. لو أنها أنتجت صيغة مشابهة لجمهورية ويمار الألمانية..فأي سبب يدعونا إلى الافتراض أننا كنا سنتذكر الثورة الروسية اليوم؟"
.. ما تزال قلة من المنظرين والمؤرخين تعتبر ثورة أكتوبر حدثاً جاءت به الصدف. إذ يُصرّ البعض على أن روسيا كانت ستتجنب الثورة لو أن القيصر كان أقل عناداً في تمسكه بامتيازاته المطلقة، أو فيما لو اتفق مع المعارضة الليبرالية الموالية، ويقول آخرون أن الفرصة ما كانت لتسنح للبولشفيك لو لم تتورط روسيا في الحرب العالمية الأولى، أو لو أنها انسحبت منها في الوقت المناسب، وقبل أن تجرها الهزيمة إلى الفوضى والخراب. واستناداً لوجهة النظر هذه فإن انتصار البولشفيك إنما جاء، نتيجة للأخطاء والحسابات غير الصائبة التي ارتكبها القيصر ومستشاروه، أو الرجال الذين استولوا على الحكم بعد سقوط القيصر مباشرة، ..حقاً أن القيصر ومستشاروه ارتكبوا العديد من الأخطاء السخيفة، إلا أنهم ارتكبوها بضغط من البيروقراطية القيصرية، وبتأثير من عناصر الطبقات المالكة التي كان لها نفوذ في النظام القيصري. وكذلك فإن حكومة نظام شباط، وحكومات الأمير لفوف وكيرنسكي لم تكن حرة التصرف.
فقد أبقت هذه الحكومة روسيا داخل الحرب لأنها كانت كسابقتها (الحكومة القيصرية) معتمدة على مراكز الرأسمال المالي، الروسية منها والأجنبية التي كانت مصرة على أن تبقى روسيا، حتى النهاية، طرفاً محارباً بين صفوف الحلفاء. وعلى هذا فإن "الأخطاء والحسابات غير الصائبة" إنما كانت إفرازاً حتمياً لأوضاع اجتماعية معينة". .
بالفعل، فقد كشفت الحرب بشكل عنيف وفاقمت الضعف البالغ للنظام القديم، غير أنه يصعب القول أنها كانت السبب الحاسم لهذا الضعف" . لقد اهتزت روسيا مع ارتعاشات الثورة قبل الحرب. فامتلأت شوارع بتروغراد بالمتاريس صيف 1914. وبالفعل، فقد أغرق انفجار القتال، والتعبئة (الحربية) الثورة المبتدئة وأخّرها لمدة تقارب السنتين والنصف، ليعيد إطلاقها من جديد بقوة انفجارية أعظم.
...لقد استولى حزب ماوتسي تونغ على السلطة عام 1949، بعد أربع سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية. ويلقي هذا الأمر نوراً كاشفاً على العلاقة بين الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية. ..
يكتب مارسيل ليبمان نقلاً عن لينين: "مع النضال ضد الحرب الإمبريالية الأولى..كان يقوم رابط ملموس بين الطليعة الثورية (الروسية) والمؤخرة الأوربية للثورة العالمية" ..
إضافة لذلك فقد أنهكت الحرب القوى الإمبريالية الرئيسية وسمحت للبلاشفة بتحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية ثورية ضد القيصرية.
..إن المؤرخ الذي يعمل على تقليص جبل الثورة إلى بضعة مصادفات، يجد نفسه عاجزاً عن فهمها. تماماً كالقادة السياسيين الذين عملوا على إيقاف صعودها. [المناشفة]. ..
يقول دويتشر: "إن كل ثورة يبدأ أعداؤها في التساؤل عن شرعيتها التاريخية. وقد يفعلون ذلك، أحياناً، حتى بعد مضي قرنين أو ثلاثة على حدوثها"..
..يعطي تريغليان الثورة الإنكليزية العظمى حقها...حتى عندما يؤكد أنها خلّفت الأمة "أكثر فقراً وأقل نبلاً" مدة من الزمن، وهذا ما ينطبق ...بمعنى أو آخر على الثورات الأخرى، بما فيها الثورة الروسية....
ويضيف تريغليان: "إن كرومويل والطهرانيين (البيوريتانيين) هم الذين أسسوا مبدأ سيادة البرلمان، رغم أنهم كانوا من معارضيه، ورغم ما أبدوه من رغبة في إزالته. فقد تجاوزت أعمال الثورة الطهرانية (البيوريتانية) الحسنة أخطاءها. ففي الواقع أنه بالسيف استطاع البرلمان أن يكسب حقه في البقاء بوصفه السلطة السائدة في الدستور "الإنكليزي" [تريغليان: موجز تاريخ إنكلترا]
لم يكن الروس قادرين على نسخ النماذج الغربية للديمقراطية البرلمانية وذلك لكون البورجوازية الروسية باتت عاجزة (حزب الكاديت) عن حل مهام الثورة البورجوازية في روسيا...بالسيف استطاع البلاشفة أن يكسبوا لمجالس نواب العمال والفلاحين والجنود (مجالس السوفييت) – وللاشتراكية- حقها في البقاء كسلطة سائدة في الدستور السوفييتي، رغم أنهم قاموا، بأنفسهم، بتقليص مجالس السوفييت هذه، ومطامحها الاشتراكية إلى مجرد وجود شكلي، فقد بقيت هذه المجالس أهم ما حملته رسالة الثورة"...
أما بالنسبة للثورة الفرنسية فقد ناقش ضرورتها أو أنكرها عدد كبير طويل من المفكرين والمؤرخين، من بيرك، الخائف من العدوى اليعقوبية، إلى توكفيل، المشكك بالديمقراطية الحديثة، وتين، الذي أفزعته كومونة باريس، حتى مادلين، وبينيفيل وتلامذتهم، الذين عمل بعضهم فيما بعد عام 1940، وتحت نظرات الماريشال بيتان المشجعة على دفن شبح الثورة. والمدهش أن توكفيل، من بين جميع هؤلاء الكتاب، قد اكتسب الشهرة الأوسع، مؤخراً، في البلاد التي تتكلم اللغة الإنكليزية. وقد حاول عدد قليل من المتعلمين أن يصوغوا مفهومهم حول روسيا الحديثة بالاستناد إلى كتابه "النظام القديم والثورة". ويعجب هؤلاء بحجج توكفيل القائلة بأن الثورة لم تمارس أي انعطاف راديكالي بالنسبة للتراث السياسي الفرنسي، وأن كل ما فعلته كان إتباع نفس الاتجاهات الأساسية التي كانت تتفاعل في ظل النظام القديم، وخاصة الاتجاه نحو مركزة الدولة ونحو توحيد الحياة القومية. ..
بالمقابل، فإن كل ما حققه الاتحاد السوفيتي من إنجازات تقدمية كانت وفق المنظور السابق) مجرد استمرار لعملية التصنيع والإصلاح التي بدأها النظام القديم. ولو بقي النظام القيصري قائماً، أو لو استبدل بجمهورية ديمقراطية بورجوازية لكان العمل قد استمر في نفس الاتجاه، ولكان التقدم قد تحقق بشكل أكثر انتظاماً وعقلانية . وأنه كان ممكناً لروسيا أن تصبح القوة الصناعية الثانية في العالم دون الحاجة إلى دفع الثمن المروِّع الذي فرضه البولشفيك، ودون الحاجة إلى تحمل مضاعفات المصادرات والرعب ومستويات المعيشة المنخفضة، والانحطاط البيروقراطي" ...
كانت قريش بعد وفاة هاشم وعبد المطلب قد عقدت اجتماعاً في دار الندوة سمته (حلف الفضول) - وهو أشبه بما يمكن تسميته بـ "تحت- برلمان" بالمعنى الحديث- تناقش أمورها وتديرها، عبر تعاقد بين القبائل على نصرة المظلوم . لكن الخلاف الشديد بين بني هاشم وبني أمية صدع الأمر..وكانت من الناحية الأخرى قوافل قريش محمية من قبل عبيد (جنود)... كانت "الدولة" القرشية تتشكل عبر "دار الندوة" من جهة، وعبر الجيش الذي راح يتشكل من حماة القوافل. لكن قريش بغاراتها وبغياب "الأيديولوجية" الموحّدة بعد موت عبد المطلب- وبغياب القوة الأخلاقية الجديدة، كانت عاجزة عن القيام ببناء دولة للعرب، كما فعل محمد ومشروعه السياسي- التاريخي الجديد.
إن القطيعة التاريخية تصنعها القوى السياسية والأيديولوجية الجديدة عبر إشراك قوى جديدة لإحداث الانتقال التاريخي والقطع /الرفع.
لقد حاول "توكفيل" تبني الثورة الفرنسية وفقاً لشروطه المحافظة، وأن يدخلها في التراث القومي (الفرنسي) ...إلا أن حماس مقلديه للانتقاص من قيمة العمل الخلاق والمبتكر الذي أنجزته الثورة الروسية، كان أكبر من حماسهم "لتبنيها"، حتى وفق شروطهم الخاصة" ..
إذا قلنا مع توكفيل: "إن الماضي يعكس نفسه بشكل مشوه ضمن عمل الثورة المجدد..فإننا ننظر إلى الجديد من موقع القديم. وهذه وضعية فلسفية (ونظرة رجعية) .. أما قول لينين: "إننا نبني نظاماً جديداً من الحجارة التي خلفها لنا النظام القديم" فهذا معناه أن أية ثورة لا تأتي من العدم، إذ تؤثر كل ثورة في البيئة التي أفرزتها، وتعتمد على المواد التي تجدها في هذه البيئة" ..
ويصح القول هنا: "إن روسيا خطت خطوة حقيقية في طريق التصنيع، أثناء حكم القيصرين الأخيرين، خطوة ما كان ممكناً لولاها أن تدخل الطبقة العاملة الصناعية إلى المسرح السياسي، بمثل تلك السرعة..[لقد حققت روسيا بعض التقدم]..إلا أن ذلك لا يعني أن التقدم كان سيستمر بطريقة "منتظمة"، دون الحاجة إلى عمل الثورة. بالعكس، فالتقدم الذي تم في ظل النظام القديم كان، بالتحديد، هو الذي عمل على تدمير هذا النظام." إذ كانت قوى التقدم محصورة ضمن النظام القديم إلى حد أنه كان عليها أن تفجره..." ..
..كانت قوى الإنتاج في فرنسا قد تجاوزت علاقات الملكية الإقطاعية . وأصبح مستحيلاً احتواؤها ضمن محاور المَلَكيّة البوربونية، التي حفظت وحمت هذه العلاقات..." .. كانت المشكلة التي واجهتها روسيا مماثلة، مع قدر أكبر من التعقيد. فقد اصطدمت الجهود التي بذلت أثناء حكم القياصرة لتمدين (من مدينة) نسيج الحياة القومية، برواسب قوية من الإقطاعية، وبتخلف وضع البورجوازية الروسية، وبصرامة الأوتوقراطية، وبنظام الحكم المهترئ ، وأخيراً، وليس آخراً ، بتبعية روسيا اقتصادياً للرأسمال الأجنبي. وهكذا تحولت الإمبراطورية العظمى، أثناء حكم آخر آل رومانوف، إلى نصف إمبراطورية ونصف مستعمرة، إذ كان أصحاب الأسهم الغربيون يمتلكون 90% من مناجم روسيا، و50% من ودائعها المصرفية. وكان الرأسمال المحلي نادراً، وكذلك كان الدخل القومي أقل بكثير من المتطلبات الحديثة. إذ كان أكثر من نصف هذا الدخل ناجماً عن الزراعة التي كانت بدورها جد متخلفة. وقدرتها على المساهمة في تراكم رأس المال قدرة ضعيفة. وفي حدود وفرت الدولة، بواسطة الضرائب، بعض مقومات الصناعة، إذ قامت ببناء ميناء السكك الحديد، على سبيل المثال. ولكن رأس المال الأجنبي، كان بشكل إجمالي عماد التوسع الصناعي..
كانت روسيا حتى تنجز انطلاقتها الصناعية" بحاجة إلى استغلال مواردها الزراعية وجهود عمالها الفائقة..، ولم يكن تحقيق أي من هذه المتطلبات ممكناً في ظل النظام القديم. إذ كانت الحكومات القيصرية تابعة للرأسمال الأجنبي إلى حد منعها من تقديم مصالح روسيا القومية عليه، وكانت إقطاعية في خلفيتها وفي ارتباطاتها الاجتماعية التي كانت تشكلها ، إلى الحد الذي منعها من تحرير الزراعة من قبضة الارستقراطية العقارية. ولم تملك أي من الحكومات التي سبقت البولشفيك القوة السياسية والسلطة المعنوية الكافية لدفع العمال إلى بذل الجهود والتضحيات التي كان التصنيع يتطلبها في كل الأحوال. كما لم تملك أي منها بعد النظر، والتصميم، والعقل الحديث، الضرورية لهذه المهمة،..ولا يبدو ممكناً أنه كان باستطاعة أي نظام غير ثوري تماماً أن يوصل أمّة فلاحية، شبه جاهلة، إلى مستوى يقارب المستوى الحالي للاقتصاد والثقافة السوفيتيين" ! ..ويمكن القول: "أنه في ظل النظام القديم، أحرزت قوى الإنتاج الروسية تقدماً إلى حد كاف لتفجير البنيان الاجتماعي القديم وبنيته الفوقية السياسية"
..وكما كان ضرورياً إحداث انقلاب في العلاقات القبلية، وبالتالي تحطيم البنية القبلية القديمة، عبر عمل سياسي محكم (دعوة محمد)..كذلك الأمر في روسيا- ففي روسيا: "إن أية آلية اقتصادية تبقى في أي حال، عاجزة عن إفراز الاضمحلال النهائي لنظام قديم قائم .."
..إن التناقضات الموضوعية في النظام القديم تترجم نفسها إلى تعابير ذاتية، أي إلى أفكار، وتطلعات وانفعالات فعالة لدى الشعب. نقرأ عند بليخانوف: "يقود ديالكتيك التطور التاريخي لا إلى أن "يصبح المعقول لا معقولا، والمفيد ضاراً فحسب، بل كذلك إلى أن تتحول المصالح الأنانية لمجتمع أو طبقة ما في قلوب الأفراد- إلى نبضات مليئة باللاأنانية والبطولة. ويكمن سر هذا التحول في تأثير البيئة الاجتماعية"
إن جوهر الثورة ..هو "التدخل المباشر للجماهير في الأحداث التاريخية"..وبسبب هذا التدخل- الذي يشكل ظاهرة جد حقيقية وجد نادرة في التاريخ- كان عام 1917 "استثنائياً" وهائلاً..فقد تملكت جماهير الشعب الواسعة وعياً حاداً وملحاً بأن النظام القائم قد تعفن حتى العظم، وكان هذا التملك فجائياً. إذ اندفع الوعي إلى الأمام ليحاذي الحقيقة الاجتماعية الواقعة، وليغيرها.
إلا أن هذا التغيير في نفسية الجماهير لم يأت من العدم. بل تطلب الأمر أجيالاً متعاقبة من الاختمار الثوري ومن النمو البطيء للأفكار- وتطلب ولادة وتلاشي العديد من الأحزاب والجماعات – لإفراز المناخ الأخلاقي- السياسي، ولإفراز قادة، وأحزاب وأساليب عمل 1917 . ولم يكن هناك مجال لأي قدر من الصدفة، فخلف هذه الثورة ... يكمن قرن كامل من التحضيرات والمحاولات الثورية...
وقد عبرت الأزمة الاجتماعية، التي عانتها روسيا القيصرية، عن نفسها بالتناقض الحاد بين وضعها وأهميتها كقوة عظمى والضعف الهائل لبنيانها الاجتماعي، وبين عظمة إمبراطوريتها وهلهلة مؤسساتها. وقد برز هذا التناقض لأول مرة، لدى انتصار روسيا في الحرب النابوليونية" إذ ثارت أشجع قواها الروحية واندفعت للعمل، ففي عام 1825 حمل الديسمبريون السلاح ضد القيصر. وكان هؤلاء يشكلون نخبة ارستقراطية مثقفة، إلا أن جمهرة (النبلاء) [جمهرة طبقتهم] وقفت ضدهم وقتها. ولم تكن أية طبقة اجتماعية في روسيا بقادرة على حفز تقدم الأمة. إذ كانت المدن قليلة العدد ما تزال مرتدية طابع القرون الوسطى. وكانت الطبقة الوسطى المكونة من تجار وحرفيين أميين، ذات وجود هامشي سياسياً. وقد قام الفلاحون الأقنان بعدة تمردات تشنجية، إلا أنه لم تبرز، منذ هزيمة بوغاتشوف أية حركة واسعة النطاق تهدف إلى تحريرهم. كان الديسمبريون ثوريين دون أن يجدوا أية طبقة ثورية خلفهم . وتلك كانت مأساتهم، ومأساة أجيال متعاقبة من المتطرفين والثوريين الروس حتى نهاية القرن التاسع عشر تقريباً..وقد عكست هذه المأساة نفسها بأشكال مختلفة في الفترة اللاحقة للثورة... إذا كان فشل الشعبيين في الستينات والسبعينيات من القرن التاسع عشر قد أكد بطلان الأمل في دفع الفلاحين إلى النهوض، فقد أوضح استشهاد جماعة "إرادة الشعب" في الثمانينيات عقم أية طليعة ثورية لا تستند إلى طبقة اجتماعية أساسية. ..وقد لقنت هذه التجارب السلبية ثوريي الأجيال اللاحقة دروساً لا تقدر بثمن..
..كانت العبرة التي استلهمها بليخانوف، وزازوليتش، ولينين، ومارتوف ورفاقهم هي ضرورة تجنب العمل كطليعة منفردة...؛ وجوب الحصول على دعم طبقة ثورية- طبقة أخرى غير الفلاحين، وفي هذا الوقت كانت الخطوات الأولى للتصنيع في روسيا، قد بدأت تعطي حلاً للمشكلة. إذ وجد الدعاة والمحترفون من جيل لينين، جمهورهم بين عمال المصانع الجدد"
...تواجد هذا التباين بين الحاجة الاجتماعية والوعي في جذور التطورات المتنوعة للحركة الثورية في روسيا على امتداد مائة عام..وأدى منطق الظروف هذا، إلى إفراز نموذجين متناقضين من نماذج التنظيم: النخبة التآمرية المكتفية ذاتياً، من جهة وحركة الجماهير من الجهة الثانية. بتعبير آخر: المنظمة الثورية من الطراز المركزي، والمنظمة الديمقراطية/العفوية ....علينا أن ننتبه أيضاً إلى الدور الخاص، والمميز ، والمؤثر تاريخياً الذي لعبته الفئات المثقفة في كل ذلك- دوراً لا نجد له مثيلاً في أي بلد آخر. إذ كانت هذه الأنتلجنسيا تنقضُّ جيلاً بعد الآخر على الأوتوقراطية القيصرية، فيتحطم رأسها على أسوارها- ممهدة الطريق بذلك لأولئك الذين أتوا بعدها، وكان يلهمها يقين شبه مسيحي برسالتها ورسالة روسيا الثورية. وحين أصبح الماركسيون في المقدمة ورثوا عن أسلافهم تراثاً عظيماً وتجربة فريدة، استطاعوا أن يقيموها بروح نقدية وأن يسخِّروها بفعالية، إلا أنهم ورثوا أيضاً مشاكل ومعضلات بعينها..
...لقد ابتدأ الماركسيون بحق، بتفنيد التراث الشعبي والإرهابي. ففندوا "الاشتراكية الزراعية "التي تنظر إلى الفلاحين نظرة مثالية عاطفية، كما دحضوا الفكرة شبه المسيحية عن الرسالة الثورية الفريدة لروسيا. وأدانوا الإرهابية والتمجيد الذاتي لدى المثقف المتطرف، والنخبة التآمرية المكتفية ذاتياً، واختاروا بالمقابل، أشكال التنظيم الديمقراطية: الحزب ونقابات العمال، والأشكال الحديثة لنضال جماهير البروليتاريا. وكان هذا الموقف المتوجه "أساسا" نحو البروليتاريين، والذي يفتقر إلى الثقة بالفلاحين، مميزاً لبدايات الحزب الديمقراطي- الاشتراكي بأسره، وبقي هذا الموقف مميزاً للمناشفة في أهم مراحل عملهم. إلا أن الحركة عندما انتقلت إلى طور العمل، لم تعد قادرة على الاكتفاء بالتفنيد المجرد للتراث المحلي- وإنما كان عليها أن تمتص ما كان ذا مغزى في هذا التراث وأن تتجاوزه. ولقد أنجزت البلشفيّة هذه المهمة قبل عام 1917 بوقت طويل.
وقد لخص لينين في نهاية حياته في كتابه (اليسارية، الجناح الطفوليّ للشيوعية)، فكرته على هذا النحو، مبيناً فائدة الثورة، وأهميتها التاريخية العالمية: "إن البلشفية موجودة كتيار من الأفكار السياسية وكحزب سياسي منذ عام 1903. على أساس متين إذا لزم الأمر من النظرية الماركسية. إن صحة هذه النظرية الثورية- وهذه النظرية وحدها- قد برهنت عليها لا التجربة الشاملة للقرن التاسع عشر بأسره وحسب، بل وبصفة خاصة تجربة، تأرجح، وتردد، وأخطاء وخيبة الفكر الثوري في روسيا، والحق أن الماركسية ، النظرية الثورية الوحيدة الصحيحة، قد دفعت روسيا ثمنها نصف قرن من الآلام والتضحيات الفريدة، من الخيبة ، من الاختبارات، من المقارنة مع تجربة أوربا..لقد عاشت البلشفية تاريخاً عملياً عمره خمسة عشر عاماً (1903-1917) كان، من حيث إغناء التجربة، لا مثيل له في العالم..فما من بلد عاش، ولا على وجه التقريب، وبالسرعة التي تعاقبت فيها الأشكال العديدة التنوع للحركة المشروعة وغير المشروعة، السلمية أو العاصفة، حركة نواد أو جماهير، برلمانية، أو إرهابية، وما من بلد قد شهد، في فترة زمنية قصيرة كهذه، تركزاً كهذا غنياً بالأشكال ، بالتلونات بالطرق، في صراع جميع طبقات المجتمع المعاصر، صراع كان ينضج بسرعة خاصة. نتيجة تأخر البلد والنير القيصري الساحق."
يقول دويتشر: "لقد ورث البلاشفة عن الشعبيين تحسسهم لمشاكل الفلاحين ، وورثوا الروح العدوانية المكثفة والإصرار التآمري الذي مثله جماعة "إرادة الشعب" ولولا هذه العناصر لبقيت الماركسية في روسيا نبتة غريبة، أو في أحسن الأحوال، امتداداً نظرياً للاشتراكية الأوربية الغربية كما كانت في مؤلفات بليخانوف وفي عدد من كتابات لينين المبكرة.
وكان تأقلم الماركسية مع البيئة الروسية أحد الإنجازات التي حققها لينين، إذ استطاع دمج الأيديولوجية الماركسية مع التراث المحلي. وقد أصر لينين على حاجة العمال، وهم القوة القائدة في الثورة، إلى كسب الحلفاء بين الفلاحين. كما أدخل إلى المثقفين والنخبة الثورية دوراً هاماً فيما يتعلق بالقضايا التثقيفية والتنظيمية، بين جماهير الحركة العمالية. وقد جاء هذا التوحيد الذي أنجزه لينين ليتوج قرناً بأكمله من المحاولات الثورية الروسية...
البلشفية، ليست ظاهرة روسية خالصة ، فهناك مساهمة لأوربا الغربية في قيامها..فسواء أراد "الغرب" أن يتذكر ذلك أم لم يرد، فإنه قد قام في الواقع، بتوظيف قدر كبير من تراثه الروحي في الثورة الروسية. وقد عبر تروتسكي عن ذلك بالقول: "في حين كانت أوربا الغربية ، "تقوم بتصدير تقنيتها الأكثر تطوراً إلى الولايات المتحدة الأميركية.. فإنها قامت بتصدير أفكارها الأكثر تقدماً إلى روسيا.." وهذا ما عبر عنه لينين بجلاء وقوة حين قال: "خلال نصف قرن تقريباً من 1840-1890، في روسيا يبحث الفكر الطليعي المسحوق تحت النير القيصري الهمجي، الرجعي، الذي لا سابق له، يبحث بدأب ونهم عن نظرية ثورية صحيحة، متتبعاً، بحمية وعناية مدهشتين كل "آخر كلمة" لأوربا وأمريكا في هذا المضمار. بالحقيقة،..فـ بفضل الاغتراب الذي فرضته القيصرية، وجدت روسيا الثورية نفسها، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أكثر ثروة بكثير في العلاقات الدولية، وأكثر اطلاعاً بكثير، من أي بلد آخر ، على أشكال ونظريات الحركة الثورية في العالم أجمع.." ...لقد اعتبر البولشفيك أنفسهم أبطال ثورة أوربية، على الأقل، يقومون هم بخوض معاركها على الأطراف الشرقية لأوربا.." وقد دفع المناشفة هذا القول إلى حد التبعية لأوربا...
أما كارل كاوتسكي كبير منظري الأممية الثانية فقد عبّر عن التصور التالي: "لقد ثابر محور الثورة على التحرك من الغرب إلى الشرق، فقد كان في النصف الأول من القرن التاسع عشر في فرنسا، وأحياناً في إنكلترا. ثم دخلت ألمانيا صف الأمم الثورية في عام 1848... وها هم السلاف (الروس) ينضمون إلينا، ويتحرك وينتقل معهم مركز الثقل، في الفكر والعمل الثوريين، أكثر فأكثر...نحو روسيا" ..
وقد علق كاوتسكي على التناقض بين هذا التطور والوضع الذي كان قائماً في 1848، حين لفح الصقيع القاسي الآتي من روسيا "ربيع الشعوب في أوربا الغربية" علق بقوله: "قد تصبح روسيا بدورها، بعد أن أخذت من الغرب هذا القدر من المبادرة الثورية، مصدراً للطاقة الثورية بالنسبة للغرب، بمعنى آخر وكما قال: "قد تساعد العاصفة الآتية من روسيا على تنقية الهواء في الغرب" ..
ظهرت تعليقات كاوتسكي هذه في عام 1902 في الآيسكرا "التي كان لينين أحد محرريها..إلا أن هذه "النبوءة" كانت في الواقع هائلة بشكل لم يتصوره أي من كاوتسكي أو لينين. فقد رأينا كيف انتقل محور الثورة أكثر فأكثر باتجاه الشرق، من روسيا إلى الصين...إن تاريخ الثورة العالمية: جوقة من أصوات الأمم المختلفة تدخل إليها الواحدة بعد الأخرى لتعبر عن أمالها وخيباتها....
الفصل الثاني (انقطاعات في استمرارية الثورة)
"عاشت روسيا في عام 1917 آخر الثورات البورجوازية العظمى وأول ثورة بروليتارية في التاريخ الأوربي، وقد تداخلت كلتا الثورتين معاً، بحيث أعطى تمازجهما، الذي لم يسبق له مثيل، النظام الجديد حيوية واندفاعاً خارقين. إلا أنه كان أيضاً ، مصدراً لضغوطات وتوترات وتشنجات عنيفة"
ربما علينا هنا، أن نقدم تعريفاً للثورة البورجوازية. من هذه التعريفات: "هي الثورة التي لعبت فيها البورجوازية دور القائد، بمعنى أنها وقفت على رأس الشعب الثائر، واستولت على السلطة...وهذا مفهوم تجريدي وغير حقيقي تاريخياً.. وتغدو الثورة البورجوازية بهذا الشكل أقرب إلى الأسطورة.. وأنها لم تحدث في أي مكان إلا بصعوبة- حتى في الغرب...فلم يكن المقاولون الرأسماليون، والتجار وأصحاب المصارف بارزين بين زعماء البيوريتانية (الطهرانية) أو قادة خيالة أوليفر كرومويل، أو في النادي اليعقوبي، أو على رأس الجموع التي هاجمت الباستيل أو اقتحمت التويلري. كما أنهم لم يستلموا زمام الحكومة أثناء الثورة، أو حتى بعد الثورة بوقت طويل، في أي من إنكلترا أو فرنسا. فقد تشكلت الكتائب الثائرة من الطبقات الوسطى الدنيا، ومن فقراء المدن، ومن العامة والمعدمين. كما أن القادة كانوا بالأحرى من صفوف "المزارعين السادة" في إنكلترا ومن بين المحامين، والأطباء، والصحفيين، وغيرهم من المثقفين في فرنسا. وقد انتهت الانتفاضات في كلا البلدين بدكتاتوريات عسكرية.
..إن أهم إنجازات هاتين الثورتين (في إنكلترا وفرنسا) وأكثرها ثباتاً أنها أدت إلى الإطاحة بالمؤسسات الاجتماعية والسياسية التي كانت تعيق نمو الملكية البورجوازية والعلاقات الاجتماعية المتمشية معها...[لقد خلقت هذه الثورات] الشروط التي كان مقدراً، في ظلها، للصناعيين والتجار، وأصحاب المصارف أن يتوصلوا إلى السيادة الاقتصادية ، بل الوصول ، في المدى الطويل، إلى التفوق الاجتماعي وحتى السياسي. إذ تخلق الثورات البورجوازية الشروط التي تمكن الملكية البورجوازية من الازدهار. وفي هذا فحسب، ، لا في التشكيلات الخاصة التي يشهدها النضال، تكمن فروقاتها المميزة" ..
بهذا المعنى، نستطيع أن نعرّف ثورة أكتوبر بأنها تلاحم (وحدة) بين ثورتين إحداهما بورجوازية، والأخرى بروليتارية. وإن كانت كلتاهما قد أنجزت بقيادة البولشفيك. ويشير التاريخ الروسي الحالي لثورة شباط (1917) إلى أنها ثورة بورجوازية ، فيما تحتفظ بلقب "بروليتارية" لانتفاضة أكتوبر وحدها. ويميل العديد من المؤرخين الغربيين إلى نفس التمييز الذي يجد تبريره في واقعة استلام البورجوازية للسلطة في شباط، إثر خلع القيصر. وفي الواقع، إن وحدة الثورتين كان قد ظهر في شباط، وإن بشكل غير جلي تماماً. فقد تم إسقاط القيصر، ومعه آخر حكوماته ، بواسطة إضراب عام وانتفاضة جماهيرية للعمال والجنود الذين خلقوا ، على الفور ، مجالسهم أو سوفيتاتهم التي أصبحت أجهزة محتملة لدولة جديدة.
إن الأمير لفوف، وميليوكوف، وكيرنسكي، قد تسلموا السلطة طوعاً من أيدي مجلس سوفييت بتروغراد المضطرب والضائع، إلا أن حكوماتهم لم تقم بأي عمل أساسي من أعمال الثورة البورجوازية، وأكثر من ذلك، فإنهم لم يعمدوا إلى تقسيم العقارات التي كان الأرستقراطيون يمتلكونها، ولم يوزعوا الأرض على الفلاحين. وهكذا كانت ثورة ..شباط فاشلة، حتى كثورة بورجوازية"..
"يشير كل ذلك إلى التناقض الضخم الذي عزم البولشفيك على التلاؤم معه، في أكتوبر، حين حفزوا ووجهوا الانتفاضة المزدوجة. فقد خلقت الثورة البورجوازية التي قادوها الشروط المناسبة لنمو أشكال ملكية بورجوازية . فيما هدفت الثورة البروليتارية ، التي أنجزوها ، إلى إلغاء هذه الملكية...
في عام 1917 لم يجرؤ أي من الأحزاب البورجوازية حتى الاشتراكيون المعتدلون، على تأييد الثورة الفلاحية التي كانت تتطور بشكل عفوي، وبقوة بدائية، بحيث كان الفلاحون قد بدأوا في الاستيلاء على أراضي الارستقراطيين قبل انتفاضة البولشفيك بوقت طويل، ولخوف الأحزاب البورجوازية من الأخطار التي كانت تهدد المِلْكية في المدينة، فقد رفضت تقويض المِلْكية في الريف. وهكذا بقي البولشفيك (ومعهم يسار الاشتراكيين الثوريين) وحده على رأس الثورات الفلاحية . إذ كانوا يدركون أنه كان محتماً أن تنعزل الثورة البروليتارية في المدينة وأن تمنى بالهزيمة، إذا لم تقم انتفاضات في الريف. ومن ناحية أخرى، وجد الفلاحون الخائفون من ثورة مضادة تعيد الإقطاعيين، أن لهم مصلحة في النظام البلشفي. إلا أن الأوجه الاشتراكية للثورة كانت تثير شكوكهم، ومخاوفهم وعداءهم، منذ البداية" ..أما الطبقة العاملة المدينية فقد دعمت الثورة بكل قواها...
شكل سكان المدن في روسيا 1917 عشرين مليوناً نصفهم من العمال. وكان أصلب قطاع في الطبقة العاملة يتكون من حوالي ثلاثة ملايين من الرجال والنساء العاملين في الصناعة الحديثة. كان الماركسيون قد توقعوا أن يصبح العمال الصناعيون القوة الأكثر دينامية في المجتمع الرأسمالي، وأن يكوّنوا العناصر الأساسية للثورة الاشتراكية، فإن العمال الروس قد أعطوا أكثر من تبرير كاف لمثل هذا التوقع، فلم تعمل أي من طبقات المجتمع الروسي، أو أية طبقة عاملة في العالم، بمثل الزخم والذكاء السياسي، والقدرة على التنظيم التي عمل بها العمال الروس عام 1917 (ومن ثم في الحرب الأهلية فيما بعد). وقد أدى واقع الصناعة الحديثة في روسيا المتمثل بانحصارها في عدد قليل من المصانع الضخمة، الموجودة في موسكو وبتروغراد، إلى إعطاء عمال العاصمتين قوة ضاربة غير عادية ، في مراكز أعصاب النظام القديم. كما أدى جيلان من الدعاية الماركسية المكثفة، وذكريات نضالات 1905 و1912 و1914 وتراث قرن كامل من المحاولات الثورية ووحدة الهدف التي تميز بها البولشفيك إلى تأهيل العمال للقيام بدورهم التاريخي..
كان العمال الروس يعتبرون الهدف الاشتراكي للثورة أمراً مسلماً به. وما كانوا ليقنعوا بأقل من إلغاء الاستغلال الرأسمالي، وتأميم الصناعة والمصارف، وإدارة العمال للإنتاج، وإقامة حكومة السوفييتات ، لقد أداروا ظهورهم للمنشفيك، بعد أن تبعوهم في البداية، لأن هؤلاء قالوا لهم بأن روسيا لم تكن ، بعد "ناضجة لثورة اشتراكية" كذلك كانت لهم كالفلاحين قوتهم العفوية: إذ أقاموا سيطرتهم على الإنتاج، على مستوى المصنع، حتى قبل انتفاضة أكتوبر. وقد ساندهم البلاشفة في ذلك، وحولوا تمردات المصانع إلى ثورة اشتراكية.."
...لم يقتصر الأمر على التناقض الضمني ما بين الثورتين البورجوازية والاشتراكية، بل إن الثورة الاشتراكية ، كانت بالإضافة إلى ذلك، حبلى بتناقضاتها الداخلية الذاتية، إذ كانت روسيا ناضجة وغير ناضجة، في آن معاً للثورة الاشتراكية. وكانت مؤهلة للتعامل مع مهماتها السلبية بشكل أفضل من قدرتها على معالجة مهماتها الإيجابية. فبقيادة البلاشفة تمكن العمال من نزع ملكية الرأسماليين ومن نقل السلطات إلى السوفييتات، إلا أنهم لم يتمكنوا من بناء اقتصاد اشتراكي ونمط حياة اشتراكية. كما أنهم لم يكونوا قادرين على الحفاظ على سيطرتهم السياسية لفترة طويلة" .. وقد ازداد مأزق الثورة الروسية خطورة لأن روسيا كانت تعيش، في نفس الوقت، التناقضات الداخلية لثورة اشتراكية تقوم في بلد متخلف.
"[يتحدث ماركس عن نمو ونضج جنين الاشتراكية في رحم المجتمع البورجوازي نفسه، أما في روسيا، فإنه يمكن القول أن الثورة الاشتراكية قد تدخلت في مرحلة مبكرة من الحمل، قبل أن يجد الجنين الوقت الكافي للنضج. وهكذا لم تكن النتيجة وليداً ميتاً، كما أنها لم تكن جسماً اشتراكياً قابلاً للحياة...]
..يصف ماركس كيف أبدلت الصناعة الحديثة الحرفيين والصناع، والزراع المستقلين بالعمال المأجورين، وكيف غيرت بالتالي...نمط الإنتاج، من كتلة من المشاريع الفردية المتفرقة إلى نشاط جماعي وشامل لعدد كبير من المنتجين المشتركين. ومع تقسيم العمل والتقدم التقني تغدو قوى الإنتاج أكثر ترابطاً، كما أنها تصبح، أو تنزع إلى التلاحم على المستوى القومي. وهذا ما يسمى بالتحديد، تشريك" عملية الإنتاج (تعاظم الطابع الاجتماعي لعملية الإنتاج) أي جنين الاشتراكية النامي في رحم الرأسمالية...
ويستدعي هذا النمط من الإنتاج رقابة وتخطيط اجتماعيين، بحيث يتناقض مع الملكية والرقابة الخاصتين، إذ تعمل الرقابة الخاصة، حتى بالأشكال التي تمارسها بها الشركات الحديثة الكبرى، على تقسيم وتفكيك آلية اجتماعية متلاحمة ، أساساً، وفي حاجة إلى تلاحم واقعي وعقلاني" ..إذاً، ترى الماركسية في التطور الكامل للطابع الاجتماعي لنمط الإنتاج الشرط التاريخي المسبق، الأساسي للاشتراكية ، وبدونها تصبح الاشتراكية قلعة في الهواء. وأية محاولة لفرض رقابة اجتماعية على نمط إنتاج غير اجتماعي، ذاتياً، تصبح غير ملائمة وتجاوزية تميل الإبقاء على رقابة خاصة وفئوية على نمط إنتاج [متعاظم في ميله] الاجتماعي.." ..هذا الشرط المسبق الأساسي للاشتراكية كان مفقوداً في روسيا، كما هو مفقود في أي بلد متخلف...
الزراعة في روسيا كانت تعيل ¾ لسكان، وكانت موزعة على 23-24 مليون قطعة أرض صغيرة تتحكم فيها قوى ..العفوية...ولم تتجاوز الصناعة جيباً صغيراً في اقتصاد بدائي وفوضوي...هذا ما أدى إلى افتقار روسيا إلى شرط أساسي آخر للاشتراكية..وهو الوفرة والخدمات..لأن الاشتراكية لا يمكن أن تبنى على الحاجة والفقر، فالفاقة تولد اللامساواة. وحيث لا يتوفر طعام، وملابس، ومساكن كافية للجميع، فإن أقلية تستولي على ما تصل إليها بدهاء، تاركة الباقين ليعيشوا في الجوع والأسمال، والأحياء القذرة..إضافة إلى ذلك، كانت نقطة البداية انطلاقاً من كارثة ساحقة. فعلى إثر سنوات الحرب العالمية الأولى، والحرب الأهلية، والتدخل الأجنبي، تهاوت الصناعات القليلة التي كانت روسيا تتملكها إلى مجرد أنقاض، واستهلكت الآلات والبضائع المخزونة، وتراجعت الأمة، اقتصادياً، أكثر من نصف قرن إلى الوراء...وأخذ سكان المدن يحرقون أثاثهم ليدفئوا مساكنهم، وهام عشرات الملايين من الفلاحين الذين ضربتهم المجاعة، على وجوههم في الريف، بحثاً عن الطعام. وتفرق الملايين القلائل من العمال الذين أقاموا المتاريس في عام 1917 وزالوا من الوجود كقوة اجتماعية متماسكة، فقد هلك الأكثر شجاعة بينهم في الحرب الأهلية، وتولى كثيرون مناصب في الإدارة الجديدة، وفي الجيش والشرطة، في حين فرت أعداد كبيرة من المدن الجائعة. وكان القلائل الذين بقوا في المدن يمضون وقتهم في التجارة أكثر من العمل بحيث فقدوا هويتهم الطبقية المحددة، وابتلعتهم الأسواق السوداء. تلك كانت الظروف المكونة في أوائل العشرينات ، حين كان البولشفيك يعملون على بلورة وتدعيم نظامهم. ولم يستطع البولشفيك ، في جهدهم هذا أن يستندوا إلى الطبقة التي اعتبروا أنفسهم طليعتها، الطبقة التي كان يفترض فيها أن تصبح سيدة الدولة الجديدة، ودعامة الديمقراطية الجديدة، والعنصر الأساسي للاشتراكية . فقد تلاشت هذه الطبقة جسدياً وسياسياً، وهكذا، ففي حين استطاعت الثورة البورجوازية ، برغم المجاعة في الريف، أن تصمد بين الحقائق الملموسة للحياة الريفية، فإن الثورة الاشتراكية بدت كشبح معلق في الفراغ.." تلك كانت الأصول الحقيقية لما يدعى بالانحطاط البيروقراطي للنظام السوفياتي..
لم يكن البولشفيك غافلين عن هذا الخطر، ولم يكونوا بعيدين عن قول اللورد أكتون: "السلطة تنزع إلى الإفساد، والسلطة المطلقة تفسد بصورة مطلقة... بل إنهم فهموا شيئاً غاب عن اللورد أكتون وتلامذته: "إن المُلْكية تعني السلطة، السلطة المركّزة، وإن المُلكية الاحتكارية للشركات الكبرى هي سلطة مطلقة قادرة على العمل بفعالية أكبر تحت غطاء الديمقراطية البرلمانية. كما كان البولشفيك واعين لأخطار السلطة في مجتمع ما بعد الرأسمالية... فلم يكن عبثاً أنهم كانوا يحلمون باضمحلال الدولة. وإنني لا أعرف كتاباً وصل إلى جذور إفساد السلطة بمثل ما فعل كتاب لينين "الدولة والثورة"...وهكذا تواجد عنصر مأساوي في أقدار البولشفيك؛ فلم ينجهم وعيهم العميق والحاد للخطر من الوقوع فيه، كما لم يمنعهم اشمئزازهم من الفساد ، من أن يرزحوا تحت عبئه.
..لم يكن أمامهم ، كحزب ثوري، أي خيار إلا إذا تنازلوا وجردوا أنفسهم من السلطة، ليسلموها إلى الأعداء الذين كانوا قد فرغوا للتو من هزيمتهم في الحرب الأهلية، وذلك كان خليقاً بالقديسين أو المجانين. ولم يكن البولشفيك أياً من هؤلاء..وقد وجدوا أنفسهم ، على غير توقع، في وضع يشابه، مع بعض الفروقات التي تفرضها الظروف، أوضاع الديسمبريين، والشعبيين، وجماعة "إرادة الشعب" في القرن التاسع عشر، أي وضع نخبة ثورية لا تجد أي طبقة ثورية خلفها. غير أن النخبة كانت هذه المرة ، حكومة تسيطر على قلعة محاصرة، كانت قد أنقذتها، بصعوبة في السابق، إلا أنها بقيت في حاجة إلى الدفاع، ولأن تبني بدءاً من الأنقاض، ولأن تتحول إلى قاعدة لنظام اجتماعي جديد...ونادراً ما كانت القلاع المحاصرة تبنى بطريقة ديمقراطية..
ولا يستطيع المنتصرون في حرب أهلية أن يعطوا المهزومين حرية التعبير والتنظيم، خاصة حين يكون المهزومون مدعومين من دول أجنبية قوية. وكقاعدة، فإن الحروب الأهلية تؤدي إلى احتكار المنتصرين للسلطة" ..
...وهكذا ، أصبح نظام الحزب الواحد ضرورة لا مفر منها بالنسبة للبولشفيك، وعلى هذه الضرورة كان يتوقف خلاصهم وخلاص الثورة..وقد وصل البلاشفة إلى هذا الخيار كمخرج مؤقت..بحكم منطق الوضع..وتحول المخرج المؤقت إلى قاعدة..واكتسب نظام الحزب الواحد ثباتاً وزخماً ذاتيين.
..وقد وجدت مراتب الحزب، إثر موت لينين، في ستالين قائدها الذي يستطيع، بحكم مقدرته البارزة، التي ترافقها شخصية مستبدة، واستهتار تام، أن يسوس احتكار السلطة على أفضل وجه. وسنرى فيما بعد، كيف استعمل ستالين هذه السلطة ليغير البنيان الاجتماعي للاتحاد السوفيتي، وكيف أدى هذا التغيير، الذي أبقى المجتمع في حالة انصهار دائم، إلى تدعيم سلطته. ..كان ستالين مقتنعاً أن كل ذلك كان ضرورياً للدفاع عن مصالح الطبقات العاملة..
لكن إذا كان البولشفيك على حق في التصرف كوكلاء للطبقة العاملة أثناء فترة تشتتها وغيابها الفعلي، فإن ستالين قد تمسك، بكل قوة، بسلطة أوتوقراطية بعد ذلك بوقت طويل، في وجه طبقة عاملة موجودة وسريعة النمو. كما استعمل كل أساليب الإرهاب والخداع ليمنع العمال والشعب ككل من المطالبة بحقوقهم وتراثهم الثوري.."
استمرارية الثورة
كان ضمير الحزب في صراع دائم مع حقائق احتكار السلطة هذه. ففي عام 1922 حذر لينين، وهو على سرير الموت، الحزب من "المتسلط" ، من درجيموردا/ ومن الشوفيني الروسي الكبير ، الذي كان يعتزم اضطهاد الضعفاء والبائسين . واعترف لينين بأنه كان يشعر "بذنب كبير أمام عمال روسيا" لأنه لم يحذرهم من ذلك في وقت مبكر . وبعد ذلك بثلاث سنوات حاول كامنييف عبثاً تذكير مؤتمر حزبي عاصف بوصية لينين . وفي عام 1926 ، في اجتماع للمكتب السياسي ، صرخ تروتسكي في وجه ستالين بكلمات "حفار قبر الثورة" . "إنه جنكيز خان الجديد" - تلك كانت نبوءة بوخارين عام 1928 - "إنه عازم على ذبحنا جميعاً" ... إنه يعتزم إغراق انتفاضات الفلاحين بالدم ". ولم تكن تلك مجرد ملاحظات لا قيمة لها، لقلة من القادة. فخلف هؤلاء الرجال كانت تقوم معارضة إثر الأخرى، بهدف إعادة الحزب إلى تقاليده الديمقراطية الثورية ، وإلى التزاماته الاشتراكية. وذلك ما حاولت المعارضة العمالية والمركزيون الديمقراطيون فعله في 1921 و 1922 . وكذلك التروتسكيون، ابتداء من 1923 ، وكتلة زينوفييف من عام 1925 إلى 1927 ، وكتلة بوخارين في عامي 1928 و 1929 . وكذلك جماعات أخرى أصغر وأقل تميزاً ، ومن بينها جماعات ستالينية ، في أوقات أخرى.
ولا أستطيع ،هنا، التعمق في قصة الصراعات والتطهيرات- فقد قمت بذلك في مكان آخر- ولكن من الواضح أنه فيما كان يجري قمع الانشقاقات المتعاقبة، كان احتكار السلطة يغدو أكثر ضيقاً وصلابة. ففي البدء ترك الحزب لأعضائه حرية التعبير والمبادرة السياسية . ثم حرمتهم الأوليغارشية الحاكمة تلك الحرية، وغدا احتكار الحزب الواحد احتكاراً لزمرة واحدة ، الزمرة الستالينية . وفي الحقبة الثانية برزت الوحدانية التوتاليتارية (الاستبدادية) إلى الوجود، وتحول حكم الزمرة الواحدة إلى حكم فردي لزعيم هذه الزمرة . وتشير الوقائع إلى أن ستالين لم يتمكن من إقامة أتوقراطية إلا على أجساد القادة الأصليين للثورة ، وأنه اضطر إلى التسلق حتى على جثث ستالينيين مخلصين - هذه الوقائع تشير على مدى عمق المقاومة التي واجهها وقوتها.
وقد رافق التحولات السياسية للنظام انحطاط أفكار 1917 . وتعلم الشعب أن الاشتراكية كانت تتطلب أكثر من مجرد الملكية العامة والتخطيط القوميين، والتصنيع السريع ، والجماعية والثقافة الشعبية . وإن ما يسمى بعبادة الفرد، والامتيازات الجافة ، واللامساواة الحادة ، والسلطة المطلقة للشرطة ، كانت كلها جزءاً لا ينفصل من المجتمع الجديد.
وأفرغت الماركسية، أكثر العقائد نقدية وصرامة ، من مضمونها وتحولت إلى مجموعة من السفسطات والطقوس شبه الدينية المهيأة لتبرير كل إجراءات ستالين وكل نزواته "النظرية" . وليست النتائج المدمرة لذلك كله بالنسبة للعلم والفن والأدب السوفييتي ، وبالنسبة للمناخ الأخلاقي للبلاد ، بخافية على أحد. ولآن الستالينية كانت العقيدة الرسمية لمنظمة عالمية ، فقد ترك انحطاط الاشتراكية و الماركسية انعكاسات هائلة على الصعيد الأممي أيضاً، وخاصة بالنسبة لحركة العمال في الغرب [وعلى الأحزاب الشيوعية في البلدان المتخلفة لاحقاً] ...
يمكن أن توصف الستالينية بأنها عبارة عن خليط من الماركسية والتخلف المروع لروسيا . وفي أية حال ، كانت الفجوة ما بين طموحات وحقائق الثورة أكبر في روسيا منها في أي بلد آخر. وهذا ما تطلب قدراً أكبر من الدماء وقدراً أكبر من التدجيل لتغطية العجز الفادح...
لقد توجب على الزعماء السوفييت جميعهم بمن فيهم ستالين وخروتشوف، وخلفه، أن ينموا في تفكير الشعب معنى استمرارية الثورة. وكان عليهم أن يعيدوا تأكيدات التزامات 1917، حتى في الوقت الذي كانوا يناقضونها فيه. كما كان عليهم أن يعلنوا، مرة إثر أخرى، التزام الاتحاد السوفييتي بالاشتراكية..وقد ترسخت هذه التعهدات والالتزامات في أذهان كل الأجيال الجديدة، ومن كل الأعمار ، في المدارس والمصانع- هكذا سيطر تراث الثورة على النظام التعليمي السوفييتي. وهذا بحد ذاته عامل فعال من عوامل الاستمرارية.
حقاً إن نمط التعليم هذا يرمي إلى إخفاء الانقطاعات في الاستمرارية وإلى تزوير التاريخ، وإلى تمويه التناقضات واللاعقلانية . إلا أنه ، برغم ذلك قد توصل إلى أن يوقظ في جماهير الشعب وعياً لتراثهم الثوري" ..
خلف هذه الظاهرة الأيديولوجية والسياسية تكمن الاستمرارية الحقيقية لنظام يبنى على أساس إلغاء الملكية الخاصة، والتأميم الكامل للصناعة والمصارف، فلم تؤثر كل التغيرات في الحكومة ، وقيادة الحزب، والسياسات في إنجاز أكتوبر" الأساسي وغير القابل للنقض. وتلك هي الصخرة التي تستند إليها الاستمرارية الأيديولوجية...ومعلوم أن علاقات الملكية أو أنماط الملكية ليستا بالعامل السلبي أو المحايد في تطور المجتمع. ونحن نعلم عمق التغيير الذي أنتجه الانتقال من أشكال الملكية الإقطاعية إلى أشكال الملكية البورجوازية، في نمط حياة وشكل المجتمع الغربي. ويقود التأميم الكامل لوسائل الإنتاج إلى تحول أكثر حسماً وعمقاً.
من الخطأ الاعتقاد بأن هناك فرقاً كمياً فقط بين تأميم 25% من الصناعة، والملكية العامة الكاملة. إن الفرق نوعي أيضاً، إذ تؤدي الملكية العامة الشاملة، في المجتمع الصناعي الحديث، إلى خلق بنية جديدة لنشاطات الإنسان الإنتاجية، ولاهتماماته الثقافية، ولأن روسيا ما بعد الثورة لم تكن مجتمعاً صناعياً حديثاً، فإن تأميم الصناعة لم يستطع ، بحد ذاته، خلق هذه البيئة النوعية الجديدة، وإنما عناصر منها فقط. ولكن ذلك كان، بحد ذاته، كافياً للتأثير بشكل حاسم على تطور الاتحاد السوفييتي، ولإضفاء وحدة معينة على أنماط التغيير الاجتماعي"...
الفصل الثالث (التحولات الاجتماعية):
التغيرات التي شهدها الاتحاد السوفييتي بين 1917-1967 "؛ و البنية الاجتماعية" الناجمة عن ذلك..
يقول دويتشر: "أكدت في معالجتي السابقة لمسالة استمرارية الثورة ، على مغزى كون الدولة، وليس "المشاريع الخاصة" أو الشركات الرأسمالية الكبرى، قد تعهدت عملية التصنيع والتحديث في الاتحاد السوفييتي"..بكلام آخر: إن التحديث السوفييتي جرى في شروط إلغاء الملكية الرأسمالية الخاصة لوسائل الإنتاج- وهنا يكمن سر استمرارية الثورة..مهما كان شكل البنى الفوقية.. وقد حدَّدَت هذه الحقيقة مدى زخم النمو الاقتصادي السوفييتي ، وطابع التحول الاجتماعي..
لسنا بحاجة، هنا، إلى التوقف عند الجانب الاقتصادي البحت للمشكلة، فكلنا يعلم أن الاتحاد السوفييتي قد ارتفع من مركز أكثر دول أوربا الكبرى تأخراً إلى مصاف القوة الصناعية الثانية في العالم..
سيكون الاتحاد السوفييتي في عام 1967 قادراً على إنتاج /100/ مليون طن من الصُلْب...إذ تزيد هذه الكمية على مجموع ما تنتجه بريطانيا، والجمهورية الفيدرالية الألمانية، فرنسا وإيطاليا مجتمعة، ولا تنقص إلا 20 طناً عما تنتجه مصانع الصلب في الولايات المتحدة الأميركية. وهذا هو الأساس لصناعة هندسية، ووسائل إنتاج السلع الإنتاجية، يعادلان تلك الموجودة في الولايات المتحدة تقريباً، من ناحية أخرى، طبيعي أن تكون الصناعة الاستهلاكية ما زالت متخلفة..
يقول دويتشر: "إلى هنا، فسأتجاوز أية إحصاءات اقتصادية أخرى لأبحث في الملابسات والنتائج الاجتماعية لهذا التقدم الاقتصادي"..
ينبغي علينا أن نتذكر أن فترات النمو الفعلي تغطي الفترات:1928-1941و1950- حتى نهاية 1967- أي ما لا يزيد عن ثلاثين عاماً..إضافة إلى سباقات التسلح التي سبقت الحرب العالمية الثانية وتلتها....ولو استطعنا حساب التقدم بوحدات مثالية من سنوات السلم الحقيقية لتوصلنا إلى الاستنتاج بأن الاتحاد السوفييتي حقق تقدمه هذا في غضون عشرين أو خمسة وعشرين عاماً في الأكثر. وهذا ما ينبغي أن يحفظ في الذهن لدى تقييم الإنجازات"..
غير أن المجتمع السوفييتي الحالي يبقى، بالطبع، وليد الاضطراب الذي عرفه نصف القرن هذا، بحيث تداخل، في سياق تطوره، الربح والخسارة، والبناء والتدمير، تداخلاً محكماً، وبحيث مارس هذا الامتزاج بين العمل البناء، والعمل غير البناء، تأثيراً فعلياً على الحياة المادية، والمناخ الروحي للاتحاد السوفييتي"
..إن أول وأبرز ما يطالعنا من أوجه التحول هو نشوء المدن وتوسعها توسعاً هائلاً في الاتحاد السوفييتي.. فقد تميزت الحقبة الأولى التي تلت عام 1917 بتناقص عدد سكان المدن، وبحركة معاكسة بطيئة- كما أدت الحرب العالمية الثانية إلى نتائج مماثلة، على الأقل في روسيا الأوربية. واقتصرت فترات توسع المدن الكثيف على السنوات 1930-1940 ومن 1950-1960..وقد تم بناء 800 مدينة كبيرة، ومتوسطة الحجم، وما يزيد على 2000 من المستوطنات المدينية الصغيرة. وفيما كان عدد سكان المدن يقارب 26 مليون نسمة عام 1926 بلغ هذا العدد 125 مليوناً في عام 1966. وزاد عدد سكان المدن بين 1950-1965 وحدها- بما يقارب 53-54 مليون نسمة، أي بما يزيد على عدد سكان الجزر البريطانية- وهكذا ارتفعت نسبة سكان المدن، في مدى حياة جيل واحد من 15-60% ولو أخذنا بعض السوابق في هذا المجال، لوجدنا أن زيادة عدد سكان المدن، في الولايات المتحدة، بما يعادل 100 مليون نسمة، قد استغرقت 160 عاماً..وإن ارتفاع هذه النسبة من 15-60% استغرق قرناً بأكمله، من 1850-1950. وفي خلال المائة عام هذه، كان النمو الظاهري للمدن الأميركية يتلقى زخماً ودفعاً قويين عبر الهجرة الجماعية، وتدفق رأس المال والمهارات، وبقائها بمعزل عن الغزو الأجنبي والتدمير الحربي، هذا إذا لم نتحدث عن انحرافات المناخ..." وتشكل حركة توسع المدن السوفييتية ، من زاوية سرعتها ومداها، حدثاً لا مثيل له في التاريخ.. ..فقد تكونت جماهير السكان ، في المدن الجديدة، من الفلاحين الذين انتزعوا من قراهم، سنة بعد أخرى، ووجهوا إلى الصناعة. ومثل الأمم الصناعية القديمة في أوربا، وجد الاتحاد السوفييتي في الفلاحين، الاحتياطي الأساسي للطاقة الإنسانية الصناعية"..
وقد رافق البدايات الأولى لنمو المشاريع الرأسمالية في الغرب، انتزاع قسري لملكيات المزارعين- بواسطة قانون "السياجات" في إنكلترا- وتشريعات عمالية مجحفة. وفيما بعد، اعتمد الغرب على الحركة العفوية لسوق العمل، بقوانين عرضه وطلبه، لكي يؤمن الكمية المطلوبة من الطاقة البشرية للصناعة، ومغزى هذا التعبير الملطف، هو أنه في مجرى حقبات عديدة، وحتى في قرون عدة، كان تضخم سكان الأرياف، وأحياناً المجاعة، يرمي بأعداد كبيرة من الأيدي الفائضة إلى سوق العمل. وأما في الاتحاد السوفييتي فقد أمنت الدولة قوى العمل المطلوبة، بالاعتماد على التخطيط والتوجيه. وكان مركزها الاقتصادي السائد العامل الحاسم، الذي لم يكن ممكناً، بدونه، إنجاز مثل هذا التغيير الهائل، في مثل هذه الفترة القصيرة" ..
..ابتدأت عمليات انتقال سكان الأرياف، بشكل نشيط في أوائل الثلاثينات، وكانت مرتبطة بتجميع الزراعة الذي مكن وكالات الحكومة من مصادرة فائض القوى البشرية الموجودة في المزارع، ونقلها إلى الصناعة. كانت بدايات هذه العملية صعبة للغاية، بحيث رافقها قدر كبير من استعمال القوة والعنف. كما كانت عادات الحياة الصناعية المستقرة، المنتظمة بحسب ..المصنع، والتي كانت قد زرعت لدى عمال البلدان الأخرى، عبر الأجيال المتعاقبة، مفقودة في روسيا..وهكذا توجب إكراه الفلاحين الروس، وتكييفهم مع روتين العمل الجديد. غير أن الفلاحين قاوموا هذا التغيير، فكانوا يعملون بتباطؤ، أو يقومون بتحطيم وإتلاف الآلات. كما كانوا ينتقلون باستمرار، من مصنع إلى مصنع، ومن منجم إلى آخر. أما الحكومة فقد فرضت من جهتها، النظام باللجوء إلى قوانين العمل الصارمة، وتهديدات الترحيل، والترحيل الفعلي إلى مخيمات العمل الإجباري"
..وقد أدى افتقاد المساكن الكافية، والنقص الحاد في السلع الاستهلاكية، العائد، بشكل رئيسي إلى السياسة الاستهلاكية..إذ كانت الحكومة مصممة على إنتاج أكبر قدر من السلع الإنتاجية والذخائر الحربية – إلى زيادة حدة المصاعب والاضطراب.
مع مرور الوقت، كان الاحتكاك الاجتماعي والصراعات، التي أنتجها هذا الانقلاب تميل إلى التفاؤل، فمنذ الحرب العالمية الثانية، بدا أن مآثر الصناعة، والأسلحة السوفييتية، تقدم تبريراً حتى للعنف، والآلام والدماء، والدموع. غير أن هذا لا يمنعنا عن الاعتقاد ...أنه كان ممكناً، دون الحاجة إلى العنف والدماء والدموع، إنجاز هذا البناء العظيم بشكل أكثر كفاءة، وبحيث يؤدي إلى نتائج اجتماعية وسياسية وأخلاقية أفضل. ..
...مهما يكن؛ إن تحويل البنيان الاجتماعي ما زال مستمراً، وهو مستمر دون الحاجة إلى أي دفع قسري، وسنة بعد أخرى، يزداد تضخم سكان المدن، وبنفس المعدل السابق. ورغم أن العملية هذه ما تزال خاضعة للتخطيط والتنظيم؛ إلا أنها تتبع إيقاعها الذاتي..
- حتى عام 1967....يشكل العمال الصناعيون أكبر طبقة اجتماعية حالياً. وتشغل الدولة ما يقارب 78 مليوناً من الأفراد في المصانع والمكاتب- مقابل 27 مليوناً لدى نهاية الحرب العالمية الثانية. ويعمل ما يزيد عن 50 مليوناً، من هؤلاء في الصناعات الأولية والتصنيعية، وفي النقل والبناء والمواصلات وفي مزارع الدولة.. كما أن هناك 13 مليوناً يعملون في الصحة، والثقافة والأبحاث العلمية. وليس سهلاً التمييز بدقة بين أعدادا العمال اليدويين، والفنيين، وأعداد موظفي المكاتب، لأن الإحصاءات السوفييتية تجمعهما معاً- وسنبحث فيما بعد المغزى الاجتماعي لهذه الظاهرة-غير أنه يمكن تخمين عدد العمال الفعليين بما يتراوح بين 50-55 مليوناً" ..
..تتميز الطبقة العاملة الروسية بوجود فروقات عالية في داخلها. فقد تركزت سياسة ستالين العمالية على إتباع مقاييس متفاوتة للمعاشات والأجور، وعلى رفع مستوى الارستقراطية العمالية، فوق مستوى العمال اللامهرة، وشبه المهرة، الذين يتلقون أجراً منخفضاً، ويمكن تبرير هذه السياسة، إلى حد ما، بالحاجة إلى توفير دوافع للمهارة والكفاءة . إلا أن فوارق الأجور تعدت هذه الغاية، وقد أحيطت هذه، وما زالت بسرية غير عادية، فلم تنشر الحكومة، منذ الثلاثينات، أية معلومات شاملة لبنيان الأجور القومي، وكان على الطلاب أن يكتفوا بمعلومات مبعثرة. وطوال عهد ستالين كانت تجري مطاردات شرسة للداعين إلى المساواة-أو "للبورجوازيين الصغار الداعين إلى المساواة". إلا أنها كانت أقل فعالية مما بدا، وبالتأكيد أقل فعالية من المطاردات السياسية. . . ويبين كتمان المعلومات حول بنيان الأجور، بأي شعور بالذنب، كانت الجماعات الحاكمة في ظل ستالين وبعده تمارس سياستها المتناقضة للمساواة.
...يبقى أمراً خطراً، ومشوباً بالمغامرة، أن تقدم أية حكومة سوفييتية على كشف المدى الفعلي لهذه اللامساوة. ويبدو أن الفروقات فيما يكسبه العمال، تماثل تلك الموجودة في البلدان الأخرى، غير أنها تصبح أكثر ضيقاً بفضل ما تقدمه الخدمات الاجتماعية، الأكثر شمولاً، الموجودة في الاتحاد السوفييتي. وقد تعرض بنيان الأجور للإصلاح مرة بعد أخرى، في السنوات الأخيرة. فقد شهدت الفترة الأولى لنزع الستالينية تقليصاً ظاهراً لعدم المساواة- وإن كان مدى هذا التقليص يبقى أمراً بحاجة تقييم. وأثارت سياسة الأجور الجديدة، هذه، مقاومة متزايدة من جانب المدراء والأرستقراطية العمالية. غير أن المرونة الاجتماعية المرتفعة التي يوفرها اقتصاد متنام، بشكل مستمر وسريع، لا تسمح للفروقات أن تصبح جامدة بشكل غير ضروري. إذ تتلقى جماهير كبيرة من العمال، وبصورة مستمرة، تدريباً يؤهلها لشغل وظائف تتطلب المهارة، وهي بذلك تنتقل إلى عداد الجماعات التي تتلقى دخلاً أفضل" ..
تحتل الفروقات الاجتماعية والثقافية، الموجودة في الطبقة العاملة، أهمية أكبر أحياناً، من الفروقات الاقتصادية نفسها. وهذه مسألة لا يتضمنها أي وصف، أو تحليل، اجتماعي محدد...سأحاول أن أقدم فكرة عامة عن المسالة، وأن أشير إلى مقدار تعقيدها. ..
أنتج النمو الهائل للطبقة العاملة العديد من التباينات والتمايزات، التي تعكس المراحل المتعاقبة للتصنيع، وتداخل هذه المراحل. وأفرزت كل مرحلة من هذه المراحل قطاعاً مختلفاً من الطبقة العاملة، وبالتالي ثغرات ذات مغزى.
وتتميز جملة الطبقة العاملة بأصولها الفلاحية. فليس هناك إلا عدد قليل جداً من الأسر العمالية التي استقرت في المدينة منذ ما قبل الثورة.
وبالفعل فإن أقدم قطاع من الطبقة العاملة هو ذلك الذي تكون خلال فترة إعادة البناء في العشرينات. وكان تكيف هؤلاء مع إيقاع الحياة الصناعية أمراً سهلاً نسبياً، فقد انضموا إلى المصانع، باختيارهم، ولم يتعرضوا حتى ذلك الحين، لأي تجنيد صارم. ويشكل أولاد هؤلاء العمال العنصر الأكثر استقراراً، والأكثر مدينية، بين السكان الصناعيين. ومن صفوفهم جاءت عناصر الإداريين والارستقراطية العمالية ، في الثلاثينات والأربعينات. وأما من بقوا عمالاً من هؤلاء، فقد كانوا آخر العمال السوفييات الذين شاركوا بملء حريتهم، في ظل "السياسة الاقتصادية الجديدة NEP) بنشاطات نقابية، وحتى بالإضرابات، وآخر من تمتع، بقدر معين من حرية التعبير السياسي" ..
والتناقض صارخ بين هذا القطاع، والقطاع الذي يليه مباشرة، فقد تم خلال الثلاثينات، نقل عشرين مليوناً من الفلاحين إلى المدن. وكان تكييف هؤلاء مع البنية الجديدة، أمراً مفزعاً وشديد التوتر. فبقوا لوقت طويل قرويين مقتلعي الجذور، وسكان مدن يائسين، وفوضويين وعاجزين. .ولقد أرغموا على تقبل عادات العمل في المصنع، وأبقوا تحت رقابة تدريب ونظام صارمين. وكانوا هم الذين أعطوا المدن السوفييتية تلك النظرة الرمادية، واليائسة وشبه البربرية، التي غالباً ما أدهشت الزوار الأجانب. كما جلبوا معهم إلى الصناعة، فردية الفلاحين الروس البدائية. وقد استغلت السياسة الرسمية هذه الفردية، حافزة المجندين الصناعيين على التنافس، فيما بينهم، من أجل العلاوات، والمكافآت، والأجور المضاعفة على القطعة..وهكذا انقلب العامل ضد العامل، واستعملت ذرائع "التنافس الاشتراكي" لمنع بروز وتكون أي تضامن طبقي. وقد ترك إرهاب الثلاثينات أثراً لا يمحى على الرجال المنتمين إلى هذه الفئة. فمعظمهم، وهم الآن (1967) في الخمسينات يشكلون، على الأرجح، وإن لم يكن ذلك لذنب ارتكبوه-العنصر الأكثر تخلفاً بين العمال السوفييت- فهم غير متعلمين، وراغبون في التملك، وضائعون. فقط الجيل الثاني من هذا القطاع، من الطبقة العاملة، استطاع أن يتجاوز الصدمات الأولية لعملية التمدين."..
وقد عانى الفلاحون الذين أتوا إلى المصانع، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، من ظروف المعيشة الصعبة، والتشرد الفعلي، ومن قوانين العمل القاسية، والإرهاب. إلا أن معظمهم كان قد أتى بمحض اختياره، هرباً من القرى المقفرة والجائعة...وقد أعدتهم سنوات من حياة الجندية للنظام الصناعي، فوجدوا في أمكنتهم الجديدة بيئة أكثر قدرة على امتصاص واستيعاب القادمين الجدد من مدن ومستوطنات الثلاثينات. وهكذا كانت عملية التكيف أقل إيلاماً. وكذلك كانت أقل إيلاماً من الشراذم التالية من المتمرنين الذين جاؤوا إلى المصانع في الفترة اللاحقة لستالين، بعد إلغاء قوانين العمل القديمة، والذين استقروا في أعمالهم، في جو تحرر نسبي من الحاجة والخوف. وقد دخلت الجماعات الشابة، من المهاجرين الجدد، ومن أبناء العمال الأوائل، المصانع بثقة بالنفس افتقدها من سبقهم. ولعبت دوراً كبيراً في إصلاح شكليات العمل البالية، وفي تغيير حياة المصنع السوفييتي. ومعظم هؤلاء تقريباً قد تلقى ثقافة ثانوية (تامة أو غير تامة)، فيما يتلقى بعضهم دروساً جامعية حرة... وغالباً ما اصطدموا مع رؤسائهم ومدرائهم الأقل كفاءة، والأقل تمدناً. وربما كانت تلك المجموعة هي الأكثر تقدمية في الطبقة العاملة السوفييتية. وهم يشتملون على بناة المصانع الذرية، والعدادات، والسفن الفضائية، عمالاً تعادل إنتاجيتهم إنتاجية أقرانهم من العمال الأمريكيين، هذا برغم أن معدل إنتاجية العامل السوفييتي، في الساعة، تعادل 40% من الإنتاجية الأميركية..ويعود هذا المعدل المنخفض، بالطبع، إلى التنوع الكبير في الطاقة البشرية للصناعة السوفييتية، وإلى المستويات المختلفة والمتفاوتة في الثقافة والكفاءة، التي حاولت أن أتتبعها. وبرغم ذلك فإن معدل الإنتاجية السوفييتية هو أرفع، نوعاً ما، من معدل الإنتاجية في أوربا الغربية.
في العشرينات كانت إنتاجية العامل الأميركي 1/3 إنتاجية اليوم- وكانت إنتاجية العامل السوفييتي 1/10 إنتاجية العامل الأميركي (متوسط حسابي)...
يعطينا هذا الوصف التجريدي فكرة عامة، فقط، عن القدر الكبير من عدم التجانس الاجتماعي، والثقافي، في الطبقة العاملة السوفييتية. فقد كانت عملية إعادة الزرع، والتوسع، سريعة وعاصفة إلى حد لم يسمح بالاستيعاب المتبادل للقطاعات المختلفة، وبتكون وجهة نظر عامة، وبنمو تضامن طبقي.
وقد شاهدنا كيف سمحت حالة التقلص والتفكك التي مرت بها الطبقة العاملة، بعد أعوام قليلة من الثورة، للبيروقراطية أن تركز نفسها كقوة اجتماعية سائدة . كما أعطت التطورات اللاحقة البيروقراطية المجال كي تدعم مركزها هذا. فقد أبقت طريقة تجنيد الأيدي العاملة الجديدة للمصانع، وسرعة النمو، الطبقة العاملة في حالة دائمة من عدم الانتظام والتشرذم، بشكل لم يمكنها من اكتساب أي تماسك، وتوازن، ووحدة، ومن إيجاد هويتها الاجتماعية-السياسية.
وهكذا أصيب العمال بالعجز من جراء تضخم أعدادهم . كما بذلت البيروقراطية وسعها لإبقائهم في هذه الحالة- فلم تكتفي بإثارتهم، ضد بعضهم في المصانع، بل إنها عملت على بعثرة تذمرهم وصراعاتهم المشتركة. فقد حرمتهم حق تقديم المطالب، وحق الدفاع عن أنفسهم بواسطة النقابات. غير أن هذه الأساليب، مضافاً إليها الإرهاب، ما كانت لتتميز بكل هذه الفعالية لو لم تكن الطبقة العاملة ممزقة بفعل قواها التجزيئية الذاتية. والذي جعل الأمور أكثر سوءاً. إنَّ الترقية المستمرة للعمال اللامعين والنشطين إلى مراكز إدارية، كانت تحرم جمهرة العمال من متكلمين باسمهم، ومن قادة محتملين . ولأن الثقافة كانت قليلة بين الكادحين، فقد كان لنزوح الأدمغة هذا نتائج هامة. ففيما أفادت المرونة الاجتماعية بعض العمال، فإنها حكمت على الباقين بالانحلال الاجتماعي والسياسي"..
وبرغم أن الطريق ما تزال طويلة أمام تمتع العمال بالحرية السياسية، ومشاركتهم مشاركة أصيلة، في الرقابة على الصناعة، فإن الطبقة العاملة تغدو أكثر ثقافة، وتجانساً وأكثر ثقة بالنفس. مضافاً إليه متطلبات التقدم التقني-التي أجبرت الجماعة الحاكمة على الإطاحة بنظام المصنع القديم، وإعطاء العمال متسعاً من الحرية يفوق ما عرفوه أثناء العهد الستاليني..."

أما الوجه الآخر للتحولات الاجتماعية فهو تقلص حجم الفلاحين.
فلأربعين عاماً خلت، كان صغار الملاك الريفيون يشكلون أكثر من ثلاثة أرباع الأمة، فيما لا يزيد حجم الفلاحين الجماعيين، حالياً على الربع." ..
وعلى قول البروفيسور بترفيلد: "يميل المعاصرون إلى تقييم الثورة انطلاقاً من آثامها فحسب، في حين أن خطأ من يأتي بعدهم إنما يكمن في عدم قدرته على أخذ هذه الآثام بعين الاعتبار وعلى تقييمها بوضوح" [المسيحية والتاريخ 1949، لندن]
يقول دويتشر: "كواحد من الذين شهدوا عمليات التجميع، في الثلاثينات وانتقدوا بشدة وسائلها الإكراهية، فإنني أود أن أتمعن قليلاً في المصير المأساوي للفلاحين الروس..
كان الريف الروسي، في ظل النظام القديم، يتعرض للمجاعة بشكل دوري. كما كانت الحال في الريف الصيني، وكما هي الحال في الريف الهندي، وفي الفترات الفاصلة بين المجاعات كانت ملايين لا تحصى (ولا تسجلها الإحصاءات) من الفلاحين، ومن أبناء الفلاحين، تموت بسبب سوء التغذية والأمراض. وهذا أمر مازال قائماً في عدد كبير من البلدان المتخلفة. بيد أن النظام القديم لم يكن أقل قسوة إزاء الفلاحين، من حكومة ستالين، غير أن قسوة النظام القديم كانت تبدو جزءاً من الناموس الطبيعي للأشياء، الذي كان ضمير الأخلاقيين الحساس بالذات ميالاً لاعتباره أمراً مسلماً به. وطبيعي أن ذلك لا يبرر أو يخفف من جرائم السياسة الستالينية، غير أنه يضع المسألة في سياقها التاريخي الصحيح.
ويعبّر أولئك الذين يدّعون أن كل شيء كان سيسير على ما يرام فيما لو ترك الفلاحون وشأنهم، مثاليو الحياة الريفية وفردية الفلاحين، عن تعهدهم لنشيد، هو بدعة من وحي خيالهم. فقد كانت المِلْكيات الصغيرة، البدائية، أوهن، في أي حال من أن تصمد في حقبة التصنيع. وهي لم تصمد في أي من بريطانيا أو الولايات المتحدة . وقد شهدنا، في السنوات الأخيرة، تقلصاً دراماتيكياً في حجم الفلاحين في فرنسا، الوطن الكلاسيكي للفلاحين. وأما في روسيا، فقد كانت الملكيات الصغيرة عقبة هائلة في وجع تقدم الأمة، فلم تكن قادرة على إطعام أبناء الريف المزدحم. وكان البديل المعقول، الوحيد، للتجميع القسري يكمن في شكل ما من التجميع أو التعاونيات، المرتكزة على رضا الفلاحين.
ولا يستطيع أحد أن يتكهن بمقدار واقعية حل كهذا بالنسبة للاتحاد السوفييتي، في ذلك الوقت. والأمر الأكيد هو أن التجميع القسري قد خلف تركة من عدم الكفاءة الزراعية، ومن العداء بين المدينة والريف، ما زال الاتحاد السوفييتي يعانيها حتى الآن" ..
يكتب جورج لوكاش: "لقد سبق لي وأن ناقشت كيف أن مسألة الحفاظ على الثورة الشعبية (تحالف البروليتاريا والفلاحين) وديمومتها كانت بالنسبة إلى لينين هي المسألة المركزية الإستراتيجية الملحة، بينما لم تكن عملية إعادة بناء الإنتاج الصناعي...إلا أداة لا غنى عنها لتوثيق عرى هذا التحالف على أرض الواقع...
بعد وفاة لينين كان لكلا الاتجاهين (اليميني واليساري) تجلياتهما السياسية البعيدة المدى. في ذات الوقت، أقصى كلا الاتجاهين، في النظرية وفي الممارسة، بالتحديد تلك الجوانب التي اعتبرها لينين مركزية. ولهذا السبب وحده كان تناحر الاتجاهات في جوهره مقتصراً على صراع الخيارات التكتيكية التي كانت تتطابق مع الصفات الشخصية للشخصيات المقررة في القيادة والتي تميزهم بالضد من لينين..."
كان لينين ينطلق من الصراع الاجتماعي والحس العميق بضرورة بناء ديمقراطية اشتراكية متفوقة قادرة على قيادة الفلاحين نحو تجميع يفيد الجميع ولا يخلق شرخاً في التحالف الاجتماعي الذي غدا بعد أن لاحت بوادر فشل ثورات أوربا هو المنفذ الوحيد للنجاة- هنا بالتحديد جاءت الضربات التكتيكية "العمياء" لـ ستالين لتقصم ظهر هذه الرؤية- ستالين الذي لم يكن متميزاً عن الجناحين في الحزب بالمعايير النظرية لـ"موقعه" من هذه القضايا، لكنه كان متفوقاً عليهم تماماً تكتيكياً" .. يكتب لينين ، تحت عنوان: السياسة والاقتصاد؛ الديالكتيك والاختيارية : ".. لا يمكن للسياسة ألّا تعلو على الاقتصاد ... إن القول أن الموقف السياسي يوازي الموقف "الاقتصادي" ، وبأنه "يمكن أخذ هذا وذاك" ، يعني نسيان ألف باء الماركسية .. إن الموقف السياسي إنما يعني ما يلي : إذا وقفنا من النقابات موقفاً غير صحيح [سمحنا لأنانية العمال الاقتصادية أن تتحرك حتى حدود الاصطدام بمصالح الفلاحين ، خاصة الفقراء منهم ] فإن هذا يهلك السلطة السوفياتية ودكتاتورية البروليتاريا.. لقد انزلق بوخارين نظرياً إلى "الاختيارية" بترويجه لجمع الموقف السياسي مع الموقف الاقتصادي.. إن بوخارين وتروتسكي يصوران الأمر كأنما يقولان : نحن نعني بإنماء الإنتاج (موقف اقتصادي) ، أما أنتم فتعنون بالديمقراطية الشكلية فقط. إن هذا التصوير غير صحيح لأن المسألة لا توضع إلا على النحو التالي : دون موقف سياسي صحيح من القضية ، لن تحتفظ الطبقة المعنية بسيطرتها ، بالتالي لا تستطيع أن تحل مهمتها الإنتاجية أيضاً "
حتى بوخارين "بمساعيه الوضعيّة كان قد أحرز قصب السبق في تحويل مفهوم ماركس عن قوى الإنتاج إلى شيء ما يتعلق بالتكنولوجيا...وكان من نتائج هذه النظرية الهشة والوضعية الفلسفية-النظرية-العملية، تحول من الديالكتيك المادي إلى نوع من الوضعية التقنوية : فمن وجهة نظر بوخارين ما كانت العبودية السحيقة سوى النتيجة الاقتصادية لتخلف التكنولوجيا. فيما عزا ماركس هذا التخلف (التكنولوجي) بالتحديد إلى العبودية (كنمط إنتاج)، وقرر بأن الأخيرة (علاقات الإنتاج العبودية) هي الأساس الاقتصادي/الاجتماعي لهذه التشكيلة" .
...وفي موضوع الخلاف الانفعالي العميق هذا بالتحديد، صار جلياً لنا إلى أي مدى أسقطت القوى المتنازعة على السلطة من حسابها التعاليم المنهجية والشمولية لماركس ولينين، وكم استحوذت عليها بعد وفاة لينين روح الخطوات التكتيكية والخطوات المضادة. في المقام الأول تلاشت مشكلة الأساس "غير التقليدي" للثورة أكثر فأكثر من النقاشات واختزال الأساس النظري العام بوتائر متصاعدة إلى مجرد تأميم وسائل الإنتاج وخلق النمط الحكومي من دكتاتورية البروليتاريا. وأدى ذلك عملياً إلى تصفية كل سؤال جوهري يتعلق بهذه المعضلة.
وبالرغم من أن التصدي للتخلف الاقتصادي تصدر قائمة المشاكل لفترة طويلة باعتباره المسألة الرئيسية في الاقتصاد، وعومل بشكل استثنائي كمسألة اقتصادية صرفة، إلا أن كل الأسئلة التي تخص هذه المعضلة بالتحديد أقصيت بإصرار عن بساط البحث سواء عن طريق طرح الأسئلة حولها أو الإجابة عنها. أما مسألة "انتصار الاشتراكية في بلد واحد" فقد اختزلت إلى سؤال ما إذا كان بميسورها البقاء بأي حال، وأن تتطور أكثر في ظل هذه الظروف. وهذا يعني بالتالي أن الإجابة عن هذا السؤال قد سربت إلى قنوات القرارات التكتيكية السائدة أيضاً. كان الجميع على وعي بالمتاعب الجمة التي تكتنفها هذه العملية، ولكن إذا كان الاستنتاج المجترح من ذلك يقول بأن هذه العملية لا يمكن أن تتحقق إلا بمساعدة الثورات الاشتراكية في البلدان الأخرى. والبلدان المتطورة قبل غيرها- فإن ذلك سيطرح علينا بالضرورة سؤالاً تكتيكياً- دعائياً لا مناص منه وهو: هل يتوجب تقديم أقصى التضحيات الذاتية لأجل المباشرة ببناء الاشتراكية من دون توفر الإمكانات الفعلية لإنجازها نهائياً؟.."
إن العمى الاستراتيجي الذي أصاب ستالين، منعه من رؤية خطورة الحفاظ على التحالف مع الفلاحين في ظروف عزلة الثورة المؤقتة...
على أية حال: "إن فقدان النظرية الراسخة الأسس حتم لهذا الخيار الزائف أن يلعب دوراً هاماً بين أوساط الرأي العام وفي المناظرات القائمة حول الموضوع"...وحينها رفع التكتيكي البارع ستالين هذه المتطلبات المشوهة بالتحديد إلى موضع الصدارة في النقاشات، فاعلاً ذلك بصياغة تجريدية دعائية مؤثرة تقول بأن الجواب الماركسي الممكن الوحيد والقائم هو التأكيد التام على إمكانية بناء الاشتراكية في البلد الواحد بالكامل" ..وعلى جميع شيوعيي العالم بذل كل ما لديهم للحفاظ على بلد الاشتراكية الأوحد، ...وبعد أن زرع ستالين الفرقة في كتلة تروتسكي- زينوفييف- كامنييف وجرّدها من قواها بدعم من مجموعة بوخارين، انتحل الآن المحتوى الاقتصادي لـ التراكم الاشتراكي البدائي) دون المباشرة بإطلاق هذه التسمية طبعاً) وانقلب على حلفائه السابقين مستخدماً هذا الحل التكتيكي لتصفية هذه المجموعة. ثم توالت النتائج: أوتوقراطية ستالين، التجميع الزراعي القسري، استئصال الكولاك (الفلاحين الأغنياء)، والتصنيع فائق السرعة والقسري.."
كان لينين يفكر بطريقة مختلفة. يقول في "الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي" :"إن ثورتنا بورجوازية طالما نسير مع الفلاحين بمجملهم (أغنياء وفقراء) ".. وأوضح أمام المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي / أيار 1919 : حين بدأت تنتظم لجان الفلاحين الفقراء ، وبدءاً بذلك الحين ، باتت ثورتنا ثورة بروليتارية" .. إن خلق لجان فلاحين فقراء / حزيران 1918 ، إذ كان يحطم وحدة المعسكر الفلاحي ، أدخل الصراع الطبقي إلى الأرياف.. كان يعني الانتقال من الثورة البورجوازية إلى الثورة الاشتراكية." . وفي خطاب لينين عن السياسة الريفية في المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الروسي / آذار 1918 يقول: ""إن الثورة الديمقراطية البورجوازية" ، ينبغي أن تتجاوزها ثورة عمالية وفلاحية، تستبدل الجمهورية البرلمانية بجمهورية سوفياتية. " ولقد وصف ، حتى في آذار 1919، ثورة تشرين الأول بأنها ثورة بورجوازية "بقدر ما أن صراع الطبقات في الريف لم يتطور بعد ". ويضيف: بأن الثورة البروليتارية الحقيقية في الريف ، لم تبدأ إلا عام 1918 . ولقد ظل متعلقاً بفكرة أن الثورة الروسية ، لا تنقذها إلا الثورة الألمانية."
يقول دويتشر: فإذا تابعنا نتائج التجميع القَسْريّ كان لدينا:
1-عدم الكفاءة في الزراعة
2-العداء بين المدينة والريف.
3- نسف أسس التحالف بين البروليتاريا والفلاحين، وهي الإستراتيجية الأصيلة للحفاظ على الديمقراطية السوفييتية في ظروف عزلة الثورة المؤقتة..
إذا تابعنا ذلك تكون سياسات ستالين مصابة بالعمى الاستراتيجي وتكون باهظة الثمن وفقيرة النتائج. . وقد انسحب هذا العمى الاستراتيجي على معظم الأحزاب الشيوعية الستالينية في العالم ..
لكن يضاف إلى تلك السياسات الرهيبة، أهوال الحرب العالمية الثانية:"فقد كان معظم الـ20 مليوناً، من الرجال الذين حشرهم الاتحاد السوفييتي في ساحات الحرب العالمية الثانية، من الفلاحين. وقد خلق ذلك ثغرة هائلة في الطاقة البشرية الريفية بحيث أصبح النساء والأطفال والعجزة والمسنون، العاملين الوحيدين في الحقول، في معظم القرى، في أواخر الأربعينات والخمسينات. وهذا ما يفسر إلى حد ما الحالة الراكدة للزراعة، كما يفسر استياء أكثر أهمية؛ التوترات الهائلة التي تعرضت لها العلاقات العائلية، والحياة الجنسية ، والثقافة الريفية، وكذلك المقدار الزائد من اللامبالاة والسكون في الريف السوفييتي"..
..ونتيجة لكل هذه الأحداث، تدهور وزن الفلاحين في الحياة الاجتماعية والسكانية للأمة، تدهوراً خطيراً، وما زالت أحوال الزراعة حتى اليوم، مصدراً لقلق كبير، لأنها تؤثر على مستوى حياة ومعنويات السكان المدينين. وما زال أي موسم سيء يشكل حدثاً سياسياً خطيراً- فقد ساهمت سلسلة من المواسم السيئة في سقوط خروتشوف 1964...يكتب أرنست ماندل تحت عنوان؛ "إصلاحات عهد خروتشوف" : "كان الاقتصاد السوفييتي، خلال السنوات الأخيرة قبل موت ستالين، قد وصل إلى طريق مسدود: فلم يعد بإمكان الدولة الكبرى الثانية في العالم أن تطعم سكانها! ففي عام 1950 و1953 ركد إنتاج الحبوب وعدد الأبقار ركوداً تاماً في مستوى أدنى من 1928! وركد أيضاً عدد أيام العمل الذي وفره الفلاحون في الكولخوزات، وبقي أدنى منه في عام 1940- وكان الناس يصطفون باستمرار أمام مخازن التموين، وأبدى المستهلكون استياءهم بصورة متزايدة العلنية..فكان بمالنكوف ومن ثم خروتشوف أن عكسا التيار، مباشرة بعد موت ستالين. فتمت زيادة أسعار شراء التجهيزات الإلزامية بصورة هامة. وتمت زيادة إنتاج سلع الاستهلاك الصناعية زيادة قوية، وأرسل قسم هام منها إلى الريف. وانتقلت القدرة الشرائية للكولخوزات من 43 مليار روبل عام 1952 إلى 95 ملياراً عام 1956 و135 ملياراً عام 1958. وكان مفترضاً باستصلاح "الأراضي البكر" في سيبيريا أن يسمح بزيادة إنتاج الحبوب. غير أن نتيجة الإجراءات لم تسمح بحل أزمة الزراعة السوفييتية" ...منذ ذلك الحين، قررت الحكومة السوفييتية تعديل مظهر أساسي لسياستها الزراعية، والاستناد إلى "المصلحة المادية" للكولخوزيين أنفسهم. وتم إلغاء التسليم الإلزامي المنخفض السعر. وبيعت الجرارات والآلات للكولخوزات فسلمت هذه إنتاجها للدولة منذ ذلك الحين بأسعار مربحة. سمحت لها بتراكم سريع لموجودات هامة بالروبلات. وحصلت علاوة على ذلك، على إذن إنشاء منشآت صناعية لإنتاج مواد بناء، وأدوات عمل صغيرة ومواد غذائية (معلبات، مقانق، معجنات) كان للكولخوزات حق بيعها في المدن. فتشجع الإنتاج الزراعي...وازداد في الوقت نفسه الفارق بين الكولخوزات الثرية والكولخوزات الفقيرة..." ...وبهدف زيادة الإنتاجية وامتصاص أحد أسباب الاستياء الشعبي، جرى حل معسكرات العمل الإجباري على نطاق واسع وخففت قيود قانون العمل تخفيفاً كبيراً. كما ألغيت العقوبات الجزائية التي كانت تنزل بالعمال المتأخرين أو المتغيبين بلا مبرر. وفي الوقت نفسه، تم تخفيف مركزية تسيير الصناعة بخلق السوفنارخوز (إدارة إقليمية) ومنحت النقابات مجدداً بعض الحقوق فيما يتعلق بمراقبة التسريحات ومعايير العمل وتعريفات الأجور..وقد تقلصت اللامساواة الاجتماعية بعض الشيء نتيجة رفع الأجور المتدنية وإعادة العمل بنظام مجانية التعليم المتوسط والعالي. ..وأخيراً فإن الزيادة المرموقة في إنتاج السلع الاستهلاكية الدائمة والمجهود الجبار الذي بذل في البناء العقاري كان لهما أثرهما في تقليص الاختلال بين المستوى العالي لتطور القوى المنتجة والمستوى المنخفض لمعيشة الشعب..وتم تخفيض معدلات النمو الصناعي..وزاد الاستهلاك الفعلي لكل فرد بنسبة 66% بين 1950-1958، العام الذي زاد فيه بنسبة الضعف عما كان عليه في 1928 و1937، وبنسبة ضعفين عما كان عليه عام 1944...لكن في الوقت الذي فشلت الخطة الخمسية السادسة في تحقيق أهدافها وكذلك كان مصير الخطة الخمسية السابعة- خاصة في مضمار السلع الاستهلاكية ...فقد تباطأ الارتفاع في مستوى - المعيشة، بل إنه تلاشى مؤقتاً عام 1962، بينما راح معدل نمو الاقتصاد يتدنى..على هذا النحو انتهى العهد الخروتشوفي ..
في الأعوام 1964-1966 تم إجراء إصلاحات جديدة بهدف رفع معدل النمو الاقتصادي (الخطة الثامنة). إن هذه الإصلاحات المختلفة (كما يقول ماندل) تعدّل جزئياً بنية الاقتصاد السوفييتي كما وصفنا أعلاه، لكنها لا تغير من واقع التناقضات الرئيسية للاقتصاد السوفييتي، كما بينا ذلك فيما يتعلق بالتسيير الصناعي"
عودة إلى الفلاحين،: "برغم التضاؤل المستمر في عدد الفلاحين، فما زال التراث الفلاحي يلوح، بشكل واسع، في الحياة الروسية، في العادات والتقاليد، وفي اللغة والأدب والفنون، برغم أن معظم الروس يعيشون حالياً في المدن، فإن معظم الروايات الأدبية الروسية، بنسبة 5/4 روايات، تعالج حياة القرية، وتتخذ من الفلاح شخصيتها الرئيسية . إن الفلاح الروسي يغادر المسرح، لكنه يلقي ظلاً كبيراً من الكآبة على روسيا الجديدة"
يقول دويتشر: "نأتي الآن، إلى ما يعتبر، في كل وصف سوسيولوجي للاتحاد السوفييتي، المشكلة الأكثر تعقيداً وإرباكاً؛ مشكلة البيروقراطية، والجماعات الإدارية، والاختصاصيين، والإنتلجنسيا. لقد تنامى عدد هؤلاء ووزنهم بصورة ملحوظة. ..زاد عددهم من 200.000 قبل الثورة إلى ½ مليون في العشرينات إلى 12 مليون بعد خمسين سنة من الثورة...يضاف إلى هؤلاء 2-3 مليون من الأعضاء النظاميين في المراتب السياسية أو في المؤسسة العسكرية (من الأشخاص العاملين بصورة دائمة في المنظمات السياسية والعسكرية.) . ومن الناحية العددية المجردة، تعادل كل هذه الجماعات، التي تشكل 5/1 أولئك الذين تشغّلهم الدولة، الحجم التقريبي للفلاحين الجماعيين (إذ لا يزيد عدد أعضاء الكولخوزات عن 7 مليوناً). غير أن وزنها لاجتماعي (لهذه البيروقراطية) أكبر بما يقاس. على أنه لا ينبغي لنا أن نضع كل هذه الجماعات معاً، وأن نلصق بها صفة البيروقراطية أو الطبقة الإدارية.
ويتوجب التمييز ، بدقة، بين الاختصاصيين والإداريين الذين يملكون ثقافة عالية، وأولئك الذين يملكون ثقافة ثانوية. فقط، إذ تتشكل عناصر القيادة الإدارية من الفئة الأولى، ولكن جميع الكادر العالي لا يشغل مراكز قيادية. ويشكل الاختصاصيون ذوو الثقافة العالية، 40% من مجموع الكادرات، أي أكثر من 4.5 مليون شخصاً، أو ربما 5.5 مليوناً. إذا أضيف إليهم كادرات الحزب والشخصيات العسكرية.."..
إذن هذه هي البيروقراطية التي أشار إليها تروتسكي بوصفها الحاكمة نيابة عن العمال (حاكمة بالوكالة)... والتي وصفها جيلاس بـ"الطبقة الجديدة" /92/
دعوني أقول هنا في الرد على جيلاس : إنني / والكلام لـ دويتشر/ أميز ما بين عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية، والصراع الطبقي. والفارق ما بين العمال المهرة، ذوي الأجور المرتفعة، والعمال غير المهرة، هو أحد الأمثلة على عدم المساواة التي لا تصل حد الصراع الطبقي. إنه فارق ضمن طبقة واحدة.
إن وجهة نظر جيلاس عن "طبقة المستغلين الجديدة"، والآراء المشابهة عن: "المجتمع الإداري" السوفييتي هي مجرد تبسيطات تزيد الموضوع تعقيداً..
..فمركز(لُبّ) الجماعات المحظوظة في المجتمع السوفييتي..تملك ميزات معينة، مشتركة مع الطبقات المستغلة في المجتمعات الأخرى، إلا أنها تفتقد بعض الميزات الأخرى التي تتمتع بها تلك الطبقات المستغلة. وهي تملك امتيازات مادية وغير مادية، تدافع عنها بعناد ووحشية... ولكن هنا أيضاً، بنبغي أن نتجنب التعميمات الجارحة، فثلث العدد الإجمالي للاختصاصيين هم من المعلمين ذوي الأجور المنخفضة..والملاحظة نفسها تصح بالنسبة لمعظم ½ مليون طبيب، ويكسب كثيرون من مليوني المهندس، والمهندسين الزراعيين، والأخصائيين دخلاً يقل عن دخل العامل ذي المهارة المرتفعة. ويمكن مقارنة مستواهم بمستوى الطبقة الوسطى الدنيا، في المجتمعات الغربية...إن مستواهم المعيشي أرفع من المستوى المعيشي للعمال اللامهرة، وشبه المهرة، عير أنه سيكون بحثاً سوسيولوجياً (في علم الاجتماع) هزيلاً ذلك الذي يدين ازدهارهم المتواضع هذا، بوصفه مبنياً على استغلال العمال. فقط الشرائح العليا من البيروقراطية، ومراتب الحزب، والجماعات الإدارية والشخصيات العسكرية، تعيش في ظروف مشابهة لتلك التي يتمتع بها الأغنياء، والأغنياء الجدد في المجتمع الرأسمالي...ومن المستحيل تحديد الحجم الدقيق لهذه الجماعات (كون المعلومات الإحصائية بصدد عددهم، ومداخيلهم تحظى بكتمان شديد).
إن الميزات المشتركة بين هذه الجماعات، وبين أية طبقة مُسْتَغِلَّة- وأنا أستعمل اللفظة هنا بمضمونها الماركسي- هي أن مداخيلهم مستقاة، ولو جزئياً، من "فائض القيمة" الذي ينتجه العمل. وأكثر من ذلك، فإنهم يسيطرون على المجتمع السوفييتي، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً. .. إلا أن ما يسمى "الطبقة الجديدة"، هذه، إنما تفتقر إلى الملكية. فهي لا تملك أياً من وسائل الإنتاج أو الأرض. وتنحصر امتيازاتها المادية في مجال الاستهلاك. وعلى نقيض العناصر الإدارية في المجتمع الغربي، فإنهم لا يستطيعون تحويل قسم من مدخولهم إلى رأس مال: ولا يتمكنون من التوفير، والتوظيف وتجميع الثروة بالشكل الثابت والمتنامي الذي توفره الأسهم الصناعية، أو الموجودات المالية الكبيرة. ولا يستطيعون أن يوصوا بثروتهم إلى ورثة، أي أنهم لا يستطيعون أن يخلّدوا أنفسهم كطبقة..
من الممكن نظرياً ، أن تحفز ردة الفعل الحالية ضد المركزة الشديدة للرقابة الاقتصادية، اتجاهات رأسمالية جديدة بين المديرين الصناعيين... غير أن التخلي عن التخطيط الاقتصادي المركزي كفيل بأن يوجه لطمة كبرى لمصلحة روسيا القومية، وإلى مركزها في العالم ...
..إن حقيقة البيروقراطية السوفييتية لم تتمكن، حتى الآن، من إحراز ملكية خاصة لها في وسائل الإنتاج، تفسر ذلك المقدار المعين من التزعزع، وإمكانية الهلاك، الذي يميز سيطرتها الاجتماعية.
فقد كانت المِلْكيّة أساساً لأية سيادة طبقية، أساساً يستند إليه تلاحم أية طبقة ووحدتها. وتشكل الملكية، بالنسبة للطبقة التي تمتلكها، عاملاً مكوناً للشخصية. وهي أيضاً العامل الإيجابي الذي يجمع الطبقة دفاعاً عنه...وصرخة القتال بالنسبة لأية طبقة مالكة هي "قدسية الملكية"..وليس فقط الحق في استغلال الآخرين. ومن هنا، ليست الجماعات المحظوظة في المجتمع السوفييتي موحدة بفعل أية روابط مشابهة. فهي تسيطر على الصناعة، كما يفعل مديرو الأعمال في النهاية، وتمارس سيطرتها عليها بصورة مطلقة..وينبغي على هؤلاء المدراء السوفييت أن يعترفوا بأن جميع الحصص هي ملك الأمة..بل ينبغي عليهم أن يعترفوا أيضاً بأنهم يعملون بالنيابة، بصورة خاصة، عن الطبقة العاملة. وتبقى مسألة ما إذا كانوا سيتمكنون من المحافظة على هذا الإدعاء، أم لا، مرهونة بالظروف السياسية...
..إن ركيزة البيروقراطية الكبرى هي "حالة من التوازن السياسي" .. وهذا - في المدى البعيد- أساس للسيطرة الاجتماعية، أكثر هشاشة إلى حد بعيد، من أي بنيان قائم لعلاقات الملكية يكتسب الشرعية من القانون، والدين والتقاليد. .
..وإذا كانت هذه البيروقراطية التي حكمت الاتحاد السوفييتي، طوال هذا الوقت، مكونة من "المراتب السياسية المركزية" فقط، فإن هويتها تصبح شديدة الخداع، بالفعل- فقد تغير تكوينها مراراً، وبصورة جارفة، في تطهير إثر آخر، أثناء حياة ستالين، وبعده" ..
..وفي الحقيقة، فقد مارست البيروقراطية السوفييتية مقداراً من السلطة أعظم من ذلك الذي عرفته أية طبقة مالكة في التاريخ الحديث... وبرغم ذلك فإن مركزها أضعف، وأكثر تعرضاً، من المركز الذي تشغله، عادة، مثل هذه الطبقة. وسلطة هذه البيروقراطية، هي سلطة غير عادية، لأنها اقتصادية، وسياسية، وثقافية، في نفس الوقت، ولكن، برغم ما في ذلك من تناقض، فإن كل عنصر من عناصر السلطة هذه يعود بأصله إلى فعل من أفعال التحرير: إذ تشتق امتيازات البيروقراطية الاقتصادية من إلغاء الملكية الخاصة في حقل الصناعة والمال، وتعود امتيازاتها السياسية إلى الانتصار الكامل للعمال والفلاحين على النظام القديم، فيما تعود امتيازاتها الثقافية إلى تولي الدولة المسؤولية الكاملة لتعليم الشعب، ولتطوره الثقافي... ونتيجة لعدم قدرة العمال على المحافظة على التفوق الذي أحرزوه في عام 1917، فقد انقلب كل فعل من أفعال التحرير إلى نقيضه. وهكذا أصبحت البيروقراطية سيدة لاقتصاد فقد سيده، وأقامت وصاية سياسية، وثقافية، على الأمّة. غير أن الصراع بين أصول السلطة وطابعها، وبين الأغراض التحريرية التي كان يفترض فيها أن تخدم، والأغراض التي قامت بخدمتها، بالفعل، فقد ولد، بصورة مستمرة، توترات سياسية حادة، وتطهيرات متكررة، كشفت، مرة إثر أخرى، فقدان التلاحم الاجتماعي في صفوف البيروقراطية. فلم تتمكن البيروقراطية، بعد، من توطيد مواقعها إلى حد تشكيل طبقة جديدة. ولم تستطع أن تمحي من عقول الشعب أفعال التحرير التي اشتقت منها سلطتها. كما لم تستطع إقناع الجماهير-أو حتى إقناع نفسها- بأنها إنما تستعمل سلطتها بشكل متطابق مع هذه الأفعال. بكلمات أخرى، لم تحرز هذه "الطبقة الجديدة" لنفسها قدسية الشرعية الاجتماعية. وما زال عليها أن تخفي هويتها باستمرار، وهو أمر لم يضطر البورجوازيون، والملاك العقاريون، إلى فعله أبداً. وما زال الشعور يراودها - بعد 50 سنة من الثورة- بأنها وعد التاريخ...
سبق وأشرنا إلى الشعور بالذنب الذي يرغم الجماعات الحاكمة على ضم "العمال" و"الموظفين" معاً، في حقل إحصائي واحد، وعلى اعتبار بنيان الأجور، وتوزيع الدخل القومي، سراً من أسرار الدولة. وهكذا تختفي "الطبقة الجديدة" في الكتلة الرمادية الضخمة من "العمال والموظفين". فهي تخفي وجهها، وتكتم حصتها من الوليمة القومية. وهي لا تجرؤ بعد كل هذه المطاردات للداعين إلى المساواة، على مواجهة رغبات الجماهير في المساواة!!
وكما قال أحد المراقبين الغربيين: "في حين تعمل الطبقات الوسطى الغربية على التعالي على الناس العاديين، فإن على المحظوظين في الاتحاد السوفييتي أن يتذكروا ضرورة الظهور بمظهر الناس العاديين، دائماً. وهذا ما يدنينا من نفسية المجتمع السوفييتي، ومن بعض النواحي الكامنة الأخلاقية، ومن القوة النشيطة، والدافعة التي يشكلها التراث القومي...وأكثر من ذلك، فإن العامة الروس يرتفعون إلى مستويات أعلى بالجملة، وحيث يرتكز التمايز الاجتماعي على الدخل والوظيفة، فقط دون الملكية. فإن تقدم ثقافة الجماهير يشكل قوة هائلة لا سبيل إلى مقاومتها في المدى البعيد، في سبيل المساواة...ويتوجب على الجماعات المحظوظة أن تمتص باستمرار، عناصر عامية وبروليتارية جديدة، تجد صعوبة متزايدة في استيعابها. مما يمنع "الطبقة الجديدة"، مرة أخرى، من تمكين نفسها اجتماعياً وسياسياً...
وهكذا كانت قوة التراث الثوري فائقة إلى حد كاف لإرغام البيروقراطية على إعطاء العمال قدراً من الثقافة، يفوق المتطلبات الاقتصادية الضيقة، بل وربما يفوق حد الأمان بالنسبة للجماعات المحظوظة.."
وهنا يحق أن نردد قول ماركس في كتابه "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت"، الذي صدر للمرة الأولى سنة 1852 : "أن الثورة البرجوازية، كتلك التي حدثت في القرن الثامن عشر، تندفع كالعاصفة من نجاح إلى نجاح، وآثارها الدرامية تفوق بعضها بعضًا، ويبدو فيها الأشخاص والأشياء في إطار باهر وهاج، ويكون كل يوم مشبعًا بالحماسة والنشوة. بيد أن عمر هذه الثورات قصير، فسرعان ما تدرك هذه الثورات نقطة الأوج وتخيم على المجتمع وخمة السكر الطويلة الممضّة قبل أن يستطع أن يهضم بتعقل واتزان نتائج فترة الضغط والاندفاع العاصف تلك. أما الثورات البروليتارية كتلك التي تحدث في القرن التاسع عشر[والقرن العشرين]، فهي، بالعكس، تنتقد ذاتها على الدوام، وتقاطع نفسها بصورة متواصلة أثناء سيرها، وتعود ثانية إلى ما بدا أنها أنجزته لتبدأ فيه من جديد، وتسخر من نواقص محاولاتها الأولى ونقاط ضعفها وتفاهتها باستقصاء لا رحمة فيه، ويبدو أنها تطرح عدوها أرضًا لا لشيء إلا ليتمكن من أن يستمد قوة جديدة من الأرض وينهض ثانية أمامها وهو أشد عتوًا، وتنكص المرة تلو المرة أمام ما تتصف به أهدافها من ضخامة غير واضحة المعالم، وذلك إلى أن ينشأ وضع جديد يجعل أي رجوع إلى الوراء مستحيلاً وتصرخ الحياة نفسها قائلة بصرامة:
Hic Rhodus, hic salta : هنا الوردة، فلترقص هنا!


هوامش
- اسحق دويتشر: "الثورة غير المنتهية". الكتاب منشور ضمن مجموعة مقالات بعنوان : "ثورة أكتوبر في نصف قرن" ، نقله عن الإنكليزية بيار عقل ، نيسان/ أبريل 1970 ، دار الحقيقة بيروت . وهناك ترجمة أخرى للدكتور فؤاد أيوب صادرة عن دار دمشق، بعنوان: "الثورة التي لم تتم" .
2- جان بول سارتر: شبح ستالين، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب بيروت ، 1965 ، ص 50-51
3- سلالة القياصرة والأباطرة الروس الذين حكموا روسيا منذ عام 1613 حتى 1917..ولقد أسقطت ثورة شباط 1917 الديمقراطية البورجوازية القيصر الأخير؛ نقولا الثاني.
4- الجناح الانتهازي من حزب العمال الاشتراكي-الديمقراطي في روسيا. لقد اختلفوا مع البلاشفة حول عدد من النقاط: منها المتعلقة بتنظيم الحزب الثوري. ولكن أبرزها كان الخلاف حول إستراتيجية الثورة الروسية، إذ تبنى المناشفة إستراتيجية يمينية تعارض استيلاء البروليتاريا على الحكم، على أساس أن روسيا لم تنضج للاشتراكية بعد..كان موقفهم ينم عن فهم دوغمائي للماركسية الكلاسيكية.
5-. حزب فلاحي (بورجوازي صغير) نشأ في روسيا في أواخر 1901...ألف الجناح اليساري حزباً مستقلاً، واعترفوا بالسلطة السوفييتية ودخلوا حكومة لينين..ثم ما لبثوا أن وقفوا ضد هذه السلطة .
6- هذا الكلام سنة 1967
7- قد تلعب الثقافة الشرقية-الدينية دوراً مساعداً ومعاضداً لقضايا أخرى.
8-لفوف: أمير وملاك عقاري. كان رئيساً للحكومة التي تشكلت في أعقاب ثورة شباط 1917.
9-كيرنسكي: أحد قادة الحزب الاشتراكي/ الثوري. ترأس الحكومة المؤقتة بعد تنحية لفوف عام 1917. في عام 1918 فر إلى الخارج.
10- إن علاقة الحرب بضعف النظام– كعلاقة السبب بالعلّة- السبب خارجي والعلّة داخلية (العلة: خاصية الشيء)
11- مارسيل ليبمان: اللينينية في ظل لينين، الجزء الأول: الاستيلاء على السلطة ، ترجمة كميل داغر. دار الحصاد ، دمشق 1988 .
12- إن التناقضات التي أنتجها النظام القديم والقوى المشتتة والمهمشة الناجمة عن التغيرات و الإصلاحات التي قام بها، تجعل مشروعاً نقيضاً للنظام القديم أكثر قدرة على التعبئة وأكثر إدراكاً من الناحية السياسية لضرورة التغيير الجذري ، وأكثر قدرة على إنجاز المهمة بنجاح (قارن بين إصلاحات قريش والانقلاب المحمدي، أوائل القرن السابع الميلادي ).....
13- بالنسبة لثورة محمد، إن رحيل عبد المطلب وأبو طالب كزعامة تحقق الوحدة القرشية، وتراكم الثروة (قوى الإنتاج ) وتأسيس دار الندوة كمجلس لإدارة شؤون قريش وتزايد الحراس العبيد لحماية القوافل التجارية، كلها جعلت من انقلاب محمد من القبيلة إلى الدولة عملاً سياسياً- تاريخياً ضرورياً ؛ لأن قريش بصفتها القبلية لم تعد قادرة على إدارة الثروة المتراكمة لحد يمكنها من تجميع شتات القبائل المتشرذمة..
لقد وجد الفرنسيون الذين عملوا لتحقيق الدولة الموحدة أنفسهم في تناقض مع الحواجز التي خلقتها خصوصيات ناجمة عن أصول إقطاعية؛ إذ كان اقتصاد فرنسا البورجوازي النامي بحاجة إلى سوق قومية موحدة، وإلى فلاحين أحرار، وإلى حرية تنقل الرجال والسلع.
14- كان رئيس أول جمهورية عام 1917 ملاكاً عقارياً
15- على لسان مفستوفيلس في مسرحية "فاوست " لـ غوتّه
16- جورج بليخانوف: " أبحاث في تاريخ المادية"، الطبعة الأولى أغسطس/ آب. تعريب: محمد مستجير مصطفى. دار الفارابي- بيروت 1979
17- قارن هذا مع طبقة "البازار" في المدن العربية (أميتها وهامشيتها السياسية)
18- قارن هذا مع كوادر حزب العمل الشيوعي في سوريا.
19- هنري لوفيفر: فكر لينين ، ترجمة ومراجعة : د. كمال الغالي، و أديب اللجمي ، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، دمشق 1969 .. ص 65-66
20- اليعقوبيّة البلشفية (التحالف مع الفلاحين خاصة الفقراء منهم)
21- ترجمة أخرى للعبارة: وهي تملك تقليداً صناعياً وذكريات عن الطبقة قبل الثورة . "الثورة التي لم تتم" ترجمة فؤاد أيوب ص /61/
22- الفيدفيجنتسي: عناصر الإداريين والأرستقراطية العمالية .. عن ترجمة: فؤاد أيوب
23- ترجمة أخرى للعبارة: السلطة الاجتماعية العليا- ترجمة أيوب ص 64
24- إن المرونة الاجتماعية التي سمح بها النمو السريع كانت تخدم البيروقراطية، وتكيف الطبقة العاملة أكثر ، وتحرمها من أي نوع من التضامن الطبقي.
25- سنتش، راكيتسكي، لوكاش: "قراءات في أزمة أوربا الشرقية" . ترجمة مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي . الطبعة الأولى 1990 ، ص 54-55 .
26- قراءات ، مرجع سابق ، ص 55
27- راجع: لينين، المختارات - مجلد 10 1920-1923دار التقدم موسكو ، ترجمة الياس شاهين 1978 . ص 267-268 "
28- قراءات، مرجع سابق ، ص 58
29- قراءات:مرجع سابق، ص 56
30- قراءات، مرجع سابق ، ص 56-57
31- نقلاً عن مارسيل ليبمان : اللينينية في ظل لينين ، الجزء الأول . ترجمة كميل داغر دار الحصاد ، الطبعة الأولى 1988 ، ص 41
32 - مارسيل ليبمان : اللينينية في ظل لينين ، مرجع سابق ، ص 41
33 - الماركسية السوفياتية: تأليف هربرت ماركوز ، ترجمة جورج طرابيشي ، الطبعة الأولى أيار 1965 ، دار الطليعة- بيروت ص 32
34- أرنست ماندل: النظرية الاقتصادية الماركسية ، الجزء الثاني ، نقله إلى العربية جورج طرابيشي ، دار الحقيقة بيروت ، ص 355
35- النظرية الاقتصادية الماركسية ، الجزء الثاني ، مرجع سابق ، ص 356
36- النظرية الاقتصادية الماركسية ، الجزء الثاني ، مرجع سابق ، ص 357
37- اسحق دويتشر: الثورة التي لم تتم . ترجمة الدكتور فؤاد أيوب ، ص 69 . دار دمشق
38- الثورة التي لم تتم ، مرجع سابق ، ص 69
39- جيلاس: عضو مكتب سياسي للحزب الشيوعي اليوغسلافي- انشق عن الحزب وتعاون مع القوى الإمبريالية - سجن، ثم بعد خروجه سافر إلى أمريكا.
40- تكهّنات..
41- وهو ما حصل في عهد يلتسين ؛ تسعينات القرن الماضي











عرض الفصل الرابع من كتاب
"الماركسية السوفياتية"
نايف سلّوم

يقول ماركوز: "إننا لا نقيل الفرضية القائلة ، أن الماركسية السوفياتية مجرد عقيدة مفروضة من فوق ، مهمتها تدعيم النظام ، كما لا نقبل الفرضية المعاكسة القائلة ، إن المجتمع السوفياتي مجتمع اشتراكي بالمعنى الماركسي للكلمة . وعلى هذا فنحن لا نستطيع أن نفسر هذه المفارقة ، بأنها مجرد تناقض محض ، بين العقيدة والواقع ، بل يبدو بالأحرى ، أن هذه المفارقة تعكس بناء المجتمع السوفياتي ، في شروط التعايش "الشاذة" " ص 75
.. فما دامت رقابة وسائل الإنتاج ، وتوزيع الإنتاج ليس في يد "المنتجين المباشرين ، أي طالما أنه ليست هناك رقابة ومبادهة "من تحت" فإن التأميم لا يكون إلا أداة سيطرة فعالة ، ووسيلة لزيادة إنتاجية العمل، والتحكم بها في إطار المجتمعات الجماهيرية. ويتبع المجتمع السوفياتي ، من هذه الزاوية ، الاتجاه العام للمجتمع الصناعي في مرحلته الحديثة .." ص 75
إنني أتحفظ هنا على المماثلة التي يقيمها ماركوز بين فعل التأميم في السياق السوفياتي وفعل التصنيع ؛ مماثلة بين فعل اجتماعي بامتياز وفعل تقني ، وهذا الأخير قائم في مجتمعات متباينة اجتماعياً . فالطبيعة الاجتماعية للاقتصاد الصيني مختلفة عن طبيعة الاقتصاد الياباني على الرغم من وجود تشابهات تقنية . فمجتمع يخضع للتأمميم "الشامل" يخضع لمفاعيل مختلفة عن آخر تحكمه الشركات الاحتكارية ذات الطبيعة الرأسمالية ؛ مبدَؤها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ، تعاضدها الدولة الرأسمالية الاحتكارية(الدولة الإمبريالية).
يقول ماركوز: "إن مذهب "الاشتراكية في بلد واحد" الذي قدم للماركسية السوفياتية إطارها العام ، طوال الفترة الستالينية يفيد أيضاً في تبرير الوظيفة القمعية للدولة السوفياتية تاريخياً" ص 76
.. إن عزلة الثورة البلشفية في البداية ، وانحصار الاشتراكية في مناطق متأخرة ، وتوطد الرأسمالية على صعيد القارات قد حملت مسؤولية التناقضات الداخلية والخارجية على حد سواء ، التي تثقل كاهل المجتمع السوفياتي ."
يعتبر المذهب الستاليني أن التناقضات (الداخلية) يمكن أن تُحلّ من قبل - وفي - الاتحاد السوفياتي بفضل الدور "القيادي" الذي تتحمله الدولة ، في حين أن التناقضات (الخارجية) لا يمكن تصفيتها نهائياً إلا عن طريق التطور الدولي (للصراع الطبقي) ، أي الثورة في العالم الرأسمالي" . 76 .. إلا أن التناقضات الخارجية في الواقع ، تطيل أمد التناقضات الداخلية ، وبالعكس، بحيث أن التمييز بينهما يفقد قيمته [بخصوص مسألة الاشتراكية الماركسية] .. إن "الاشتراكية في بلد واحد" تنحل بفضل تطورها الخاص في تصور أوسع يعيد توطيد الصلات الأساسية بين بناء المجتمع الاشتراكي وتطور الرأسمالية.." 76 ..ما أن تنجز الدولة العمالية مهام التحديث الصناعي والاجتماعي حتى نصل إلى هذا التصور الأوسع الذي يؤكد السمة الدولية للصراع الطبقي القومي في عصر الإمبريالية الرأسمالية. وهذا يقودنا إلى قول ماركس: من أن صراع الطبقات ، دولي بماهيته.
يبذل المفهوم الماركسي السوفياتي ذو النزعة القطرية جهده ليلائم النظرية الماركسية بخصوص صراع الطبقات وبناء الاشتراكية . يقول ماركوز: يبذل المفهوم الماركسي السوفياتي جهده ليلائم النظرية الماركسية عن صراع الطبقات ، مع تلك الواقعة التاريخية المتمثلة في "تجميده" في البلدان الصناعية المتقدمة ..
إن هذه الملاءمة مرتبطة بمذهب المعسكرين..إن النزاع بين مصالح البروليتاريا الواقعية (التاريخية/ السياسية) ، ومصالحها المباشرة (النقابية/ المطلبية) ، هذا النزاع الذي كشفت عنه النظرية الماركسية منذ البداية ، يصبح الآن نزاعاً بين تجمعين دوليين ، والمفروض بـ بروليتاريا البلدان المتخلفة "الخارجية" أن تقاتل من أجل المصالح الواقعية ، وتأخذ على عاتقها الرسالة التاريخية للبروليتاريا العالمية . هذا التغير في التناحرات، يترافق بتغير في مضمون الصراع الطبقي وإستراتيجيته. إن هذا الصراع يصبح نزاعاً دائراً حول المكان والسكان ، وتصبح المشكلات الاجتماعية تابعة للمشكلات السياسية (والدبلوماسية). والمصالح الطبقية للبروليتاريا الغربية ، لا تلقى التأييد من السياسة السوفياتية إلا بقدر ما لا تتعارض مع مصالح الاتحاد السوفياتي السياسية .
وعلى هذا فإن صراع الطبقات لم ينتقل إلى الصعيد الدولي - كما تدعي الماركسية السوفياتية- بل تحول إلى صراع سياسي دولي .. وباتت مصالح البروليتاريا الواقعية في الغرب (وفي باقي العالم الرأسمالي ) مرهونة بمصالح البيروقراطية السوفياتية.. (راجع ص 78 )
هكذا ، يقود الصراع الدولي إلى آلية لتثبيت الوضع والبنية في الاتحاد السوفياتي ، ولاحقاً إلى تعفن هذه البنية وانهيارها.
إن هذا التحول لصراع الطبقات ، لم يعد قادراً على حل النزاع الداخلي في الاتحاد السوفياتي بين القوى المنتجة المتطورة والطابع القمعي لتنظيمها واستخدامها. 78 . وكان ماركس يؤكد أن الأفراد لا يستطيعون أن يكونوا أحراراً إلا إذا أشرفوا على عملية الإنتاج .. 78 .. فإذا لم تقلب الثورة الاجتماعية .. دفعة واحدة العلاقة بين الشغيل وأدوات عمله ، أي إذا لم تسلم الأول الرقابة على الثانية ، فإن مبرر وجودها لا يكون مختلفاً كثيراً ، عن مبرر وجود المجتمع الرأسمالي .. وعلى هذا فإن إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، مرتبط من الأساس، بنقل الرقابة عليها إلى الشغيلة أنفسهم . وما لم يتم هذا النقل ، فإن الثورة تجازف بأن تخلق من جديد ، التناحرات نفسها ، التي تبذل جهدها للتغلب عليها .. ومن أشكال هذه التناحرات:
1- الاستخدام القمعي لوسائل الإنتاج المؤممة
2- التباين بين مستوى الإنتاجية ومستوى الاستهلاك
3- النزاع بين حاجات المجتمع وحاجات الفرد
4- النزاع بين ملكية الدولة والملكية الخاصة ونصف الخاصة(التعاونية)
5- النزاع بين مصالح الاتحاد السوفياتي ومصالح الأحزاب الشيوعية الأجنبية
6- النزاع بين أهداف الأمن "القطري" للاتحاد السوفيالتي وأهداف السياسة الاشتراكية أو مصلحة الصراع الطبقي العالمي.
لقد زعم ستالين عام 1938 أن التناقضات الداخلية قد حلت بفضل نجاح بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي . وفي عام 1952 أشار إلى أن هذه التناقضات الداخلية ، تعاود الآن الظهور من جديد على مستوى آخر.." 79
هكذا فإن الوضع التاريخي ، يدفع إلى غياهب العدم بالتصور الستاليني عن "الاشتراكية في بلد واحد " ، هذا التصور القائل إن التناقضات الداخلية يمكن أن تحلها الدولة السوفياتية ، في حين أن التناقضات الخارجية ستظل قائمة.." 80 فالماركسية السوفياتية ترى أن "التطويق الرأسمالي" يفرض التعزيز المستمر للمؤسسات السياسية والعسكرية القمعية ، ويمنع الاستخدام الحر للقوى المنتجة لإشباع الحاجات الفردية . لكن هذا التعزيز المستمر للمؤسسات السياسية والعسكرية السوفياتية ، يطيل بدوره أمد "التطويق الرأسمالي" ، بل يؤدي إلى توحيده على مستوى القارات..
إن الماركسية السوفياتية ، مرغمة على الاعتراف (بقول ماركس ولينين) بالارتباط القائم بين سلسلتين من التناقضات ، تجعلان المشكلات الاجتماعية(الطبقية) تحدد المشكلات السياسية (والدبلوماسية) . وحين يكف التنافس الدولي ، عن أن يكون تنافساً مسلحاً ، يستهلك قسماً كبيراً من الإنتاجية السوفياتية ، بحيث يعاد توجيه قدرة إنتاج الدولة السوفياتية لتوضع في خدمة حاجات مواطنيها..(وفي خدمة الصراع الطبقي الدولي) ، وليس في خدمة المصالح الضيقة للبيروقراطية .
لقد كتب ماركوز تنظيراته هذه سنة 1961 .
وعندما فعل غورباتشوف شيئاً يشبه ذلك اعتباراً من سنة 1985 ، عبر إعلانه وقف الحرب الباردة من طرف واحد ، لم يكن ذلك من موقع المبادئ الماركسية ، بل ترافق هذا الإعلان مع تخلي الدولة السوفياتية قبل تفككها عن أيديولوجيتها (الماركسية السوفياتية) وعن مهماتها الدولية ، لأنها مع إعادة التوجيه لم تعد بحاجة إليهما . ومع هذا التخلي عن الأيديولوجية تفككت الدولة السوفياتية بعد أعوام خطة خمسية واحدة.
هوامش
42- "الماركسية السوفياتية"، تأليف: هربرت ماركوز . ترجمة: جورج طرابيشي ، دار الطليعة بيروت ط1 أيار 1965 .عنوان الفصل: ؛"الاشتراكية في بلد واحد"..
43- مجتمع ألغيت فيه الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ، وتخضع فيه عملية الإنتاج بما فيها التوزيع لرقابة المنتجين المباشرين.
44- تعود الصياغة الستالينية الأصيلة لهذه الفكرة إلى سنة 1925 ، مع ظهور نتائج المؤتمر 14 للحزب الشيوعي السوفياتي.










عرض الفصل السابع من كتاب
"الماركسية السوفياتية"
نايف سلّوم
.. إن البنية الديالكتيكية للنظرية الماركسية تستلزم أن تتغير مفاهيمها كلما تحولت العلاقات الطبقية الأساسية التي تريد هذه المفاهيم أن تعبر عنها. لكن بصورة يمكن معها الحصول على المضمون الجديد، عن طريق تطوير العناصر الملتحمة بالمفهوم الأصلي . وبذلك يحافظ المفهوم على انسجامه النظري ، بل على هويته"، بهذا المعنى يشكل المنهج الديالكتيكي قوة إنتاج فكرية ذات طابع تراكمي ومتوسع بالمحتويات الجديدة ؛ وبهذا المعنى الأخير فهو تاريخي ، أي تنضاف إليه باستمرار محتويات جديدة مع تطور المجتمعات وتغير علاقات الإنتاج.
إن التمييز الماركسي بين المصلحة الواقعية (السياسية- التاريخية) والمصلحة المباشرة (الاقتصادية- النقابية) ذو أهمية بالغة لفهم العلاقة القائمة بين النظرية والممارسة ، بين الإستراتيجية والتكتيك . وهذا التمييز يتضمن اعترافاً بوجود نزاع تاريخي بين النظرية والممارسة، يكمن أصله وحله في تطور الرأسمالية. وعلى هذا فإن النزاع يبدو عاملاً موضوعياً."
كانت المنشفية تشكل حزب المصلحة المباشرة ، ولهذا السبب التقت مع غالبية الحركة الاشتراكية الانتهازية الأوربية في عصر الإمبريالية. إن العامل الذي ينتمي إلى حزب المصلحة المباشرة لا يختلف كثيراً من حيث النزعة السياسية عن الفلاح الذي تهمه قطعة الأرض فحسب..
.. إن المنطق الديالكتيكي هو حجر الزاوية في النظرية الماركسية . إنه يوجه تحليل التطور الثوري ، و ما قبل الثوري، على حد سواء . ويفترض في هذا التحليل أن يوجّه الإستراتيجية، خلال هاتين المرحلتين... إن كل "إعادة للنظر" أساسية في المنطق الديالكتيكي ، تتجاوز الاستعمال الماركسي للديالكتيك ، على وضع تاريخي جديد ، لا تكشف فقط عن "انحراف" في النظرية الماركسية .. بل أيضاً عن تبرير نظري ، لتغير في اتجاه الحركة الأساسي.
إن الماركسية السوفاتية (الستالينية) أضعفت نور الديالكتيك ، وحاصرته بهدف تبرير وحماية عقائديين لنظام ينبغي أن يبدو ، حسب المنطق الديالكتيكي ، مرحلة يتوجب على حركة التاريخ، أن تتجاوزها. .. لقد مارست الماركسية السوفياتية (الستالينية) ..عملية بتر .. على المفردات الديالكتيكية ، وبخاصة رفضها الاعتراف بإمكانية تحول انفجاري في ظل الاشتراكية القائمة (مفهوم التناقضات غير التناحرية)، وإعادتها الاعتبار إلى المنطق الشكلي (الصوري) ، وأخيراً اختفاء مفهوم "نفي النفي" في أواخر الثلاثينات.
لكن، إذا لم تكن الماركسية السوفياتية (الستالينية) قد أعادت النظر، أو رفضت أي مفهوم من المفاهيم الديالكتيكية الأساسية ، إلا أن دور الديالكتيك بالذات تعرض إلى تحول له دلالته. فقد كفَّ عن أن يكون طريقة في التفكير النقدي ، ليصبح "رؤية للعالم"، شاملة ومنهجاً شاملاً ، مزوداً بقواعد ومبادئ ، موطدة بحزم ؛ (مذهب أنطولوجي عام). مثل هذا التحول يدمر الديالكتيك بصورة أعمق من أي إعادة نظر . وهذا التغير يتجاوب مع التغير الذي حول الماركسية ، من نظرية إلى "أيديولوجية" زائفة (عقيدة) . وبذلك يكون الديالكتيك قد تم تكييفه بما يناسب التفكير والاتصال الرسميين. كما أن حركة الفكر الديالكتيكي قد تجمدت في نظام فلسفي مجرد. بهذا الشكل كفت النظرية الماركسية عن أن تكون جهاز الوعي والممارسة الثوريين، وتغلغلت إلى البنى الفوقية التابعة لنظام قائم على السيطرة . وكلما أصبحت العلاقة ، بين المنطق الديالكتيكي والمنطق الشكلي (الصوري) ملتبسة ، أصبح الديالكتيك نفسه منطقاً شكلياً.
... إن الصعوبات التي واجهتها الماركسية السوفياتية (الستالينية) في وضع "موجز تعليمي" قيّم عن الديالكتيك والمنطق ، ليست صعوبات سياسية فقط، بل إن ماهية الديالكتيك بالذات ، تتمرد على مثل هذا التجميد في قوانين(قوالب) فلسفية . وهذا ينطبق على الديالكتيك المثالي ، وعلى الديالكتيك المادي، على حد سواء، ذلك أنه لا هيغل ولا ماركس ، قد فهما الديالكتيك على أنه مخطط منهجي عام . والمرحلة الأولى في هذا الاتجاه ، إنما قطعها انجلز في كتابه "ديالكتيك الطبيعة" . وقد قدمت ملاحظاته المادة التي كانت الماركسية السوفياتية (الستالينية) بحاجة إليها لإنجاز عملية التجميد ضمن إطار القوانين" .
ننقد هنا عبارة ماركوز السالفة الذكر بالقول: إن ماركوز يندفع بسرعة أكبر من اللازم في نقده للستالينية بحيث يحطم الحدود التي تفصل لينين عن ستالين ، وانجلز عن ستالين! يكتب ماركوز:"إن تكوين النظرية الماركسية السوفياتية (الستالينية) ، يستند إلى التفسير اللينيني للماركسية ، دون عودة إلى النظرية الماركسية الأصلية، ولكي نوضح نقطة الانطلاق هذه، يكفينا أن نلخص بإيجاز الروابط الأساسية التي توحّد اللينينية بالماركسية السوفياتية اللاحقة (الستالينية) " ص 30
لكن الأمر ليس بهذا الشكل الوضعي والمثالي بالمعنى الفلسفي: أي إن التحويل الذي أجرته الماركسية السوفياتية هو وليد أوضاع جديدة في روسيا السوفياتية أكثر مما هو نتيجة تعلم أفكار لينين وانجلز ، الخ..هذا أولاً ، وثانياً، أن صياغات لينين لم تكن سوى تعبير نظري عن الواقع الفعلي القائم ، أبعد من أن يسقط ميكانيكياً على أوضاع مستجدة تالية لانقلاب اجتماعي / تاريخي . ولقد جاء صعود البيروقراطية السوفياتية بعد موت لينين ليجتزئ من هذه النصوص حسب حاجته ومصلحته ، وليطوّب بعض النصوص اللينينية، كنصوص مقدسة، في سبيل سحق الخصوم وتكييف "الموالين" للنظام البيروقراطي الجديد.
أما بخصوص انجلز ، واتهامه بالصورية ، ومهاجمة ماركوز غير المحقة لـ "المخططات المنهجية العامة"، أو "الكراسات التعليمية" ، إنما يدل على عدم فهم ماركوز لحركة استيعاب الديالكتيك المتناقضة ، مثله كمثل تعلّم أي علم كان ..
نعم، إن ديالكتيك الطبيعة هو المستوى الأبسط والتعليمي للديالكتيك ، والأعقد هو ديالكتيك تطور المجتمعات وصراع الطبقات . ومن هذه الناحية يأخذ التركيز على ديالكتيك الطبيعة طابعاً تعليمياً..وهنا يظهر الحس التعليمي لدى انجلز . لكن "المخططات المنهجية التعليمية " ؛ اللحظة التعليمية في ديالكتيك الماركسية السوفياتية يتم توسيعها إلى درجة تلغي وتزيل لحظة إنتاج العلم في الديالكتيك، وإضافة محتويات علمية جديدة خلال التطور التاريخي .
إن التأكيد على اللحظة التعليمية في حركة بناء وتطور الديالكتيك ليست مقتصرة على انجلز ، بل نراها عند ماركس وعند لينين. ففي رسالة ماركس إلى انجلز /14 كانون الثاني 1858 نقرأ: "في منهج المعالجة، فإن نظرية جديدة ألفيتها بمحض الصدفة في منطق هيغل أدت لي خدمة جليلة.. وإذا ما سنحت لي ذات يوم الفرصة من أجل مثل هذا العمل مرة ثانية ، فلشد ما سوف أود أن أضع في متناول الذكاء الإنساني العادي ، في ملزمتين أو ثلاث ملازم مطبوعة ، ما هو عقلاني في المنهج الذي اكتشفه هيغل ، لكن لفه بالصوفية ".. وكذلك فعلها لينين في "الدفاتر الفلسفية" والذي اعتبر "مخطط منهجي عام " عن الديالكتيك كونه تلخيصاً ونقداً لمؤلفات هيغل في المنطق(علم الديالكتيك أو المنطق الكبير ) و (المنطق الصغير أو موسوعة العلوم الفلسفية )، إضافة إلى محاضرات في تاريخ الفلسفة، وفلسفة التاريخ ..الخ..إنه مخطط منهجي عام للتوضيح الشخصي وللآخرين أيضاً..
إذاً لدينا لحظتان في استيعاب علم الديالكتيك: لحظة تعليمية ابتدائية تحتاج إلى "مخططات عامة منهجية" ، وإلى "كراس تعليمي" ، الخ..ولحظة أخرى هي إنتاج العلم الاجتماعي/التاريخي . ومحتوى هذا العلم يدخل كأداة من أدوات المنهج في التحليل اللاحق. وقد تتزامن اللحظتان أحياناً كما في مثال ماركس . نقرأ في الدفاتر الفلسفية-1 : "إن نتيجة النفي هي الحد الثالث ، [الذي هو بالضبط] هذه الوحدة (وحدة التناقضات؛ وحدة مفهومي الذات والواقع) التي هي حركة وفاعلية في توسّط مع الذات.. إن نتيجة هذا التحول الديالكتيكي إلى حد ثالث ، إلى تركيب، هي مقدمة جديدة ، تأكيد جديد، الخ.. يصير من جديد منبع تحليل لاحق . ولكن هذه الدرجة الثالثة دخل عليها "محتوى" المعرفة . إن محتوى المعرفة[النظرية] بوصفه كذلك يدخل في ميدان التحليل[المنهج] " والطريقة تتوسع [فتتحول] إلى منظومة" . وهذه المنظومة system هي ما يجب تدريسه وتعلّمه..
وإذا اكتفينا باللحظة الأولى ، وهو ما أفرزته البيروقراطية السوفياتية ، تحول الديالكتيك (مُسِخ) إلى منطق صوري ، جامد، فارغ من المحتوى وميْت.
لا يعطي ماركوز اللحظة الأولى التعليمية (البيداغوجية) أية قيمة ، بالتالي لا يعطي لحظة الظاهر أية قيمة خلال سير العملية الديالكتيكية ، وهذا قصور له عواقب سيئة واستفزازية. يكتب هيغل في المنطق الكبير(علم الديالكتيك): "لا يوجد شيء في السماء ، ولا في الطبيعة ولا في الروح ولا في أي مكان آخر إلا ويحوي معاً المباشر والوساطة" .. هذا الظاهر ، هذه الظاهرة هما مباشرة.." . يعلّق لينين على نصوص هيغل بالقول: "الظاهر هو الجوهر في أحد تعييناته، في أحد وجوهه ، في إحدى لحظاته" . أقول: هذه اللحظة؛ لحظة الظاهر (ومنها اللحظة التعليمية) متضمنة في كلية المفهوم عبر سير التعمق وبناء العلم التاريخي/ الاجتماعي . ونشير إلى أن الاكتفاء بهذه اللحظة الأولى هو ضرب من "تكرارية فارغة" حسب هيغل
إن ماركوز بإهماله اللحظة البيداغوجية يفترض أن البعض من الناس يولد وهو اشتراكي مشرّب بالديالكتيك تحت وقع "الغريزة البورجوازية"!
ماركوز يركز على الطابع السلبي للديالكتيك (طابع التحرر) ، مهملاً اللحظة الإيجابية أو لحظة الهوية (المباشرة). نقرأ عنده: "المنطق الديالكتيكي منطق تحرير .. إن عملية التحرير تبدو ، كما في التصور الهيغلي تماماً، لا كمخطط خارجي ملصوق بالواقع ، بل كدينامية هذا الواقع الموضوعية [ونسي أن لحظة الظاهر واحدة من لحظات هذه الدينامية] ، وهذه الدينامية هي تحقق الذات الحرة ، التي وجدت أخيراً، شكلها ومهمتها التاريخيتين- شكل ومهمة البروليتاريا - .. علاوة على ذلك فإن الديالكتيك الماركسي، باعتباره صيرورة سياسية- تاريخية ، هو أيضاً ، صيرورة عِرْفانية: فوعي البروليتاريا الصحيح (الوعي الطبقي) هو عامل مكون لدينامية التحرر الموضوعية " ..
يقول ماركوز: إن هذه الشروح المقتضبة لبنية الديالكتيك ، يمكن أن توضح لنا المصير الذي آل إليه هذا الديالكتيك في الماركسية السوفياتية (الستالينية) . فمنطق الديالكتيك في الماركسية السوفياتية (الستالينية) ، لم يعد منطق تحرير- سواء أفهمنا هذا التحرير بالمعنى الأنطولوجي (الوجودي العام) - تحرر على مستوى الفهم والوعي فقط- الذي قال به هيغل ، أم بالمعنى التاريخي الذي قال به ماركس… وكلما أوغلت الماركسية في تحولها إلى "رؤية للعالم" ؛ رؤية علمية عامة ، أصبح الديالكتيك "نظرية معرفة " مجردة"..
وفي رأيي ، يشكل بناء تصور أنطولوجي لحظة إيجابية من لحظات الماركسية بشرط استنادها إلى حركة تاريخية عينية ؛ أي عدم قطع هذه اللحظة عن جذرها التاريخي..؛ و وعي هذا الارتباط عند كل منعطف تاريخي جديد.
يقول ماركوز: بالرغم من أنه على الديالكتيك أن يكون مرتبطاً بالبروليتاريا والحزب الشيوعي "؛ [أي أن يرصد علاقتهما المتحولة (تناغم، أو تناقض)]. .. إلا أن العلاقة لم تعد ظاهرة" في الماركسية السوفياتية . لأنه لم يعد من مصلحة البيروقراطية السوفياتية توضيح هذه العلاقة التي باتت ملتبسة واستبدالية (الحزب الشيوعي بديل الطبقة العاملة).
إن الماركسية هي "رؤية للعالم" .. عالم المجتمع الطبقي، وبصورة خاصة المجتمع الرأسمالي . إن النظرية الماركسية تنقد و تحلل هذا العالم في جميع مظاهره ، وفي ثقافته المادية والفكرية. لكن لا وجود لنظرية ماركسية ،يمكن أن توصف بحق، أنها "رؤية للعالم" بصدد المجتمعات ما بعد الرأسمالية.. الماركسية لا تستطيع (ولن تفعل) أن تحدد هذه السمات مسبقاً ولا أن "تتنبأ "..الماركسية تدرس الشروط القائمة وإمكانات الواقع الموضوعية والذاتية..وتنخرط في الممارسة السياسية -التاريخية..
إن الماركسيين السوفييت ، عندما يحاولون أن يصوروا "الديالكتيك" ، لا يفعلون شيئاً ، سوى أن يقطّروا ، بدءاً من تحاليل "الكلاسيكيين" الديالكتيكية العينية، بعض المبادئ ويشرحوها، ويواجهوها بفكر "غير ديالكتيكي" .. والمبادئ هي المبادئ المعددة في كتاب ستالين "المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية"، الذي ليس بدوره إلا شرحاً مسهباً لصيغ كتاب انجلز "ديالكتيك الطبيعة" . وهذه الشروح لا تعدو أن تكون إطارات فارغة .
يقول ماركوز: النظرية الماركسية التي ترفض التأويل الهيغلي للكائن بأنه مثال ، لا تستطيع أن تشرح الديالكتيك على أنه منطق[صوري] ، فمنطقها هو الواقع التاريخي ، وشموليتها هي شمولية التاريخ " ..
يندفع ماركوز مرة أخرى ليحرم الماركسية من مقولة الصورة ومقولة الهوية (المباشر؛ الظاهر) كلحظات متضمنة في كلية المفهوم الماركسي التاريخي/ الاجتماعي ..
الديالكتيك الماركسي منطق ما هو كائن ، ولكن هذا المنطق هو لحظة من لحظات الديالكتيك التي تشمل ولادة وموت هذا الكائن (الرأسمالية، مثلاً). وفي تلخيص لينين لموسوعة العلوم الفلسفية يضع مخططاً عنوانه التالي: "مخطط ديالكتيك (منطق هيغل)" . كما أن هيغل نفسه يضع عنواناً آخرَ لكتابه علم الديالكتيك، تحت اسم المنطق الكبير ، وللموسوعة : المنطق الصغير..
إن تقسيم كتاب غارودي: "فكر هيغل" وفصوله ذات معنى بالنسبة لموضوعنا:
الفصل الثاني: طريقة هيغل (وهنا تلعب اللحظة التعليمية دوراً أساسياً أو مهيمناً)
الفصل الثالث: ديالكتيك المعرفة ؛ فينومينولوجيا الروح/ العقل (ديالكتيك التعرّف والعِرْفان)
الفصل الرابع: ديالكتيك الكينونة: المنطق (الكينونة ، الجوهر ، المفهوم)
تظهر سمة أخرى من سمات الماركسية السوفياتية ، وهي تخفيض قيمة التاريخ وإعلاء شأن الطبيعة و "العلم الطبيعي". نقرأ عند ماركوز: "إن تشديد اللهجة على ديالكتيك الطبيعة ، هو أحد السمات المميزة للماركسية السوفياتية، ويعارضها بماركس وبلينين . فإذا كان الديالكتيك الماركسي في بنيته التصورية ، ديالكتيك الواقع التاريخي ، فهو يشتمل على الطبيعة بقدر ما أنها تشكل هي نفسها جزءاً من الواقع التاريخي -التأثير المتبادل بين الإنسان والطبيعة ، السيطرة على الطبيعة؛ تحويلها واستثمارها، الطبيعة كأيديولوجيا.. الخ - لكن بالقدر الذي تدرس به الطبيعة مجردة من علاقاتها التاريخية كما في العلوم الطبيعية ، فإنها تبدو وكأنها واقعة خارج نطاق الديالكتيك . وليس من قبيل الصدفة أن تبدو المفاهيم الديالكتيكية في "ديالكتيك الطبيعة" لانجلز أشبه بتجانسات ، بعلامات رمزية ملصوقة من الخارج ، فارغة ، بسيطة بصورة ملحوظة إذا ما قورنت بالدقة العينية للمفاهيم الديالكتيكية المستعملة في الأعمال الاقتصادية والاجتماعية- التاريخية ".. والحال إن "ديالكتيك الطبيعة" هو الذي أصبح المصدر المأذون ، الذي يستشهد به باستمرار في الشروح الصادرة عن الماركسية السوفياتية ، بصدد الديالكتيك.
ولا مجال لأن تأخذ الأمور غير هذا الاتجاه ، فما دام الديالكتيك "يسود كل شيء"، وما دام هو "علم القوانين العامة للعالم المادي والمعرفة " حسب نكزادز ، بالتالي "الرؤية العلمية الصحيحة للعالم " حسب مولدوتسون .. فإن على المفاهيم الديالكتيكية أن تنطبق أولاً ، وقبل كل شيء ، على أكثر العلوم علمية (طبيعية) - علوم الطبيعة ، وهذا ما ينجم عنه إنقاص من قيمة التاريخ." .. هنا تظهر النزعة الإرجاعية للستالينية ؛ إرجاع المجتمع وقوانين حركته إلى الطبيعة وقوانين حركتها . هذه النزعة العلموية الإرجاعية لدى الستالينية - والتي وجدت منظرها الأكبر في كارل بوبر الفيلسوف العلمي الإنكليزي (المعاصر لستالين)- مناهضة للتاريخ .
إن الماركسية السوفياتية ، عندما تحول الديالكتيك إلى رؤية أنطولوجية شاملة للعالم ، تكون قد قسمت النظرية الماركسية إلى مادية ديالكتيكية ومادية تاريخية ... الثانية هي "توسيع" ، "مد" و "تطبيق" الأولى في "دراسة المجتمع" و"دراسة تاريخ المجتمع" .. بالنسبة لماركس المادية الديالكتيكية هي ديالكتيك التاريخ البشري بعينه أو شكل حركة المجتمعات البشرية وتطورها..
إن المادية التاريخية تصبح في الماركسية السوفياتية ، فرعاً خاصاً من النظام الفلسفي العام والعلمي للماركسية ، وجهاً من "تطبيقات" الأنطولوجيا العلمية ، الذي يستخدم كتبرير للسياسة الرسمية المتبعة ، بعد أن تجمدت هذه الأنطولوجيا في عقيدة رسمية للدولة ، وصارت تفسر من قبل مسؤولي الحزب... لقد باتت هذه العقيدة "عرّافة" قادرة على التفسير البعدي ، وعلى التنبؤ بكل الظواهر القادمة!؟
إن التاريخ الذي ترى فيه النظرية الماركسية البعد الذي يحدد الديالكتيك ، ويثبت "شرعيته" ، ترى فيه الماركسية السوفياتية ، ميداناً خاصاً ، تسود فيه القوانين التاريخية ، وما فوق التاريخية (المتعالية) على حد سواء ..وتصور القوانين الأخيرة ، المنظمة في صيغ ومعادلات ، بأنها القوى التي تحدد عند التحليل الأخير التاريخ والطبيعة معاً..على هذا النحو ، فإن ما يحدث في الاتحاد السوفياتي ، بما فيها السياسات الرسمية للدولة والحزب، يكتسب كرامة القوانين "الطبيعية" الموضوعية ..لكن هذه الموضوعية الزائفة تعكس نزعة متسلطة وإكراهية ، هي ضرب من المذهب الأوامري (الإرادوي) .. إن إدعاء القوانين "الطبيعية" الصارمة والجبرية ، والمذهب الأوامري هما وجهان لعملة واحدة ، هي سيطرة البيروقراطية السوفياتية واستبدادها ..
الماركسية السوفياتية عملة ذات وجهين: الحتمية التاريخية المُرجعة إلى حتمية القوانين الطبيعية من جهة ، والمذهب الإرادوي (الأوامري) من الجهة الثانية.
يندفع ماركوز مرة ثالثة في محاولة دمج الأيديولوجية الستالينية بإسهام لينين السياسي والفلسفي معتبراً أن النزعة الإرادوية - الأوامرية عند الستالينية هي أوج اللينينية .. هذا الاندفاع غير ديالكتيكي ، إنه تصعيدٌ أنطولوجيٌ لاستنتاجات لينين العلمية / التاريخية .. في الواقع، إن تحول الستالينية إلى أنطولوجيا عامة قادرٌ على دفع الكثير من إسهامات انجلز ولينين إلى حدود المنطق الصوري ، عبر سحبها على فترات لاحقة ، محولة الديالكتيك إلى أنطولوجيا عامة ..
يعود ماركوز في ص /121/ ليؤكد على قولنا بأن الاندفاع والرغبة عند البعض في دمج الستالينية بتراث لينين النظري يقود إلى مغالطات تعيق فهم الماركسية السوفياتية . يعود ماركوز ويستدرك كلامه لصالح فصل تراث لينين النظري وإسهامه الماركسي عن الماركسية السوفياتية ، يقول: "إن كلا العنصرين ، "الحتمية" و "الإرادية" لم يكفا عن الظهور ، منذ البداية في المذهب الماركسي ، وأهميتهما النسبية تتعلق بالشروط التاريخية التي تعمل فيها الماركسية. ففي فترات الصراعات الطبقية الحادة ، وحين تكون الثورة مطروحة على جدول الأعمال فإن "الإرادية" ترفع رأسها.. وتظهر الماركسية أنها تظاهرة واعية للعوامل الموضوعية .. إن هذه الوظيفة عامل ذاتي : فما دامت في حد ذاتها معرفة وإرادة ، فإنها تنادي وتستدعي المعرفة والإرادة... وتكون وظيفة الأحزاب الماركسية وقادتها وتنظيمها القومي والدولي ، في مثل هذه الحالة، هي فهم وتفسير التجمع الموضوعي (الحالة الموضوعية) للقوى السياسية وتوجيه عمل البروليتاريا وفق هذا الحال.. إلا أنها ليست باعتبارها عاملاً ذاتياً ، إلا التعبير عن القوى الموضوعية "
وبالعكس، عندما تصاب الطاقة الثورية بالضعف ، وتستهلك أو يغلب على أمرها ، فإن عنصر المعرفة والإرادة يكف عن أن يكون متجسداً في الموقف الموضوعي ، وآنئذ يصبح وعي البروليتاريا ، وعملها معينين إلى حد كبير من قبل "القوانين العمياء " الخاصة بالصيرورة الرأسمالية (إعادة الإنتاج الموسع لرأس المال) .. بالتالي يبدو الحزب ، أو بالأحرى ، قيادة الحزب ، الأمين التاريخي على مصالح البروليتاريا .. "الحقيقة" التي تقف فوق هذه البروليتاريا ، ولا تتكلم إلا بلغة الحِكَم والمراسم ، في حين تصبح البروليتاريا موضوعاً خالصاً لقراراته (الحزب).. تظهر اللينينية كإرادة و معرفة معبرة عن الطاقة الثورية لعام 1917 ، بينما تظهر الماركسية السوفياتية كتعبير عن انكفاء وتلاشي الطاقة الثورية للبروليتاريا بعد انتهاء الحرب الأهلية، واستسلامها اللاحق كبروليتاريا منهكة ومدمرة للبيروقراطية المستبدة والأوامرية. نقرأ عند ماركوز: يمثل هذا التحول في النظرية ، تحت شكل توتر وتناحر ، بين المذهب الإرادي والمذهب الحتمي" 122 .. إن الحتمية الزائفة تفترض الاستبداد والأوامرية ، ويرفع هذا الزيف إلى مصاف العلم التاريخي الصارم، صرامة علم الطبيعة . يكتب ماركوز: "لقد حاولنا أن نبين آنفاً، كيف أن اللينينية ، بذلت جهدها ، لإعادة توطيد الصلة الأصيلة بين العوامل الذاتية ، والموضوعية ، عن طريق توطيد سلطة حزب ثوري مركزي ، على البروليتاريا ومن فوقها..." ص 123 .. إن كلا العاملين حافظا على ارتباطهما الوثيق في اللينينية ، خاصة بعد إعادة لينين قراءة منطق هيغل وتلخيصه، السنوات: 1914-1915 . فقد تبين أثناء الثورة ، إلى أي حد نجح لينين ، في تشديد إستراتيجيته على المصالح الطبقية الحقيقية للعمال والفلاحين ، وعلى صبواتهم . وفي الوقت نفسه أعيدت الحياة من جديد إلى الديالكتيك ، ما استمد منه لينين الأدوات التصورية لتحاليله عن الموقف التاريخي." ص 123 .
إن تركز عمل التاريخ في روسيا القيصرية قبيل نهاية الحرب العالمية الأولى ، والإنهاك الذي أصاب الدول الإمبريالية الرئيسية ، ووعي الطبقة العاملة وتنظيمها الجيد ، وتناغم مصالحها التاريخية إلى حد ما مع مصالح الفلاحين خاصة الفقراء منهم ، وجاهزية الحزب البلشفي : كل ذلك دفع بلينين والبلاشفة عموماً للعمل بلياقة تاريخية كاملة ونادرة . هذا الاندفاع الاستثنائي في الممارسة السياسية -التاريخية خلق وضعاً تاريخياً جديداً، سوف تكون له تداعيات لاحقة على وضع الرأسمالية كتشكيل عالمي. فلولا انتصار الثورة الروسية 1917 لاستحال انتصار الثورة الصينية عام 1949 . إن دفع الإرادة الثورية إلى أعلى مستوياتها تحت وقع البطولة المدهشة للطبقة العاملة في روسيا ، وتحت وقع المبادرة الممتلئة بالعزم للحزب البلشفي ، قدم إسهاماً نادراً في علاقة النظرية بالممارسة في ألمع أشكالها ، حيث الممارسة في لحظة متضافرة العوامل تقدم تأسيساً لوضع تاريخي جديد له تداعيات هامة على النظرية والممارسة اللاحقتين. إن الكشف العلمي لكتاب لينين : الإمبريالية .. وربطه للانتهازية في حركة الطبقة العاملة في أوربا وفي روسيا بصعود الظاهرة الإمبريالية ، لم يمنع البلاشفة بدفع من لينين من المبادرة في لحظة تاريخية مناسبة لاستلام السلطة والبدء بتحديث قومي رفيع. وكان من التداعيات اللاحقة ثورات آسيا المتلاحقة. لكن العمى الاستراتيجي للستالينية والأخطاء الجسيمة المترتبة على ذلك وجبن البيروقراطية وحسها المحافظ أفشل العديد من ثورات أوربا اللاحقة (الثورة الإسبانية 1936 ، والجبهة الشعبية في فرنسا 1936 .. ووضع فرنسا وانتفاضة شيوعيي اليونان بعد هزيمة الفاشية في أووربا، ومع نهاية الحرب، وتجربة حزب تودة في إيران بعد الحرب العالمية الثانية، إلى آخر القائمة.. )
ليس غريباً أن تستند الماركسية السوفياتية قليلاً على كتاب لينين: "المادية والمذهب النقدي التجريبي " ذي النزعة الواقعية الطبيعية .. والذي كتب في فترة الردة الرجعية بعد هزيمة ثورة 1905-1907 ، حيث كتبه لينين سنة 1908 ..
.. وبدءاً من سنة 1923 (مرض لينين ومن ثم وفاته) أخذت الشقة تتسع وتبعد بين قرارات القادة، ومصالح البروليتاريا الطبقية .. فلم تعد هذه القرارات تفترض مسبقاً ، أن البروليتاريا الدولية هي العامل الثوري ، بل فرضت بالعكس فرضاً على البروليتاريا ، وعلى سائر السكان المحكومين .. والمذهب الإرادي الاستبدادي الذي ، ميز السلطة الستالينية، كان رداً على العامل الموضوعي الحتمي ؛ أعني تضاؤل الطاقة الثورية في البلدان الرأسمالية المتطورة صناعياً .. وقد تحجر الديالكتيك في نظام شامل ، تبدو فيه الصيرورة التاريخية كصيرورة "طبيعية" وتسوس فيه القوانين الموضوعية من فوق الأفراد ، المجتمع الرأسمالي والاشتراكي على حد سواء ..
.. إن المصير الذي آل إليه الديالكتيك ، يكشف عن الجوهر التاريخي للمجتمع السوفياتي : فهذا المجتمع يساهم إلى حد كبير .. في وظيفة الرأسمالية بالذات ، أعني التطوير الصناعي للقوى المنتجة .. إلا أنه يفعل ذلك على أساس مختلف : التأميم الشامل للاقتصاد . وهو ما يمكن أن يحدث تطوراً مختلفاً كل الاختلاف .. إلا أن إمكانية النكوص إلى رأسمالية قائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ممكن ، باعتبار أن "رقابة الإنتاج" منفصلة عن "المنتجين المباشرين".

تحجُّر الديالكتيك
إن الكتب الرسمية الموجزة التي تعرض الديالكتيك وتشرحه ، تركز اللهجة على الطابع الحتمي النزعة للصيرورة الديالكتيكية... يصور تطور الرأسمالية والانتقال إلى الاشتراكية ، والتطور اللاحق للمجتمع الاشتراكي ، خلال مراحله المختلفة ، وكأنه تطور نظام مؤلف من قوى موضوعية ، ما كان في مقدوره أن يسير في اتجاه مغاير . إن العامل الذاتي ما عاد يبدو كجزء لا يتجزأ كمرحلة (لحظة ) من الديالكتيك الموضوعي ، بل صار يبدو أنه ملتقى هذا الديالكتيك أو منفذه . .. وقد ظل هذا التصور إلزامياً ، أثناء العصر الستاليني ، وبعده . والحزب وقيادته ، هما المصدران المأذونان ، لتفسير الديالكتيك... لكن القادة أنفسهم ، خاضعون للقوانين الموضوعية ، التي يفسرونها، ويضعونها موضع التنفيذ .. إنهم وكلاء المصالح الشرعية والناموس الذي نزّله الله..هكذا تحول الديالكتيك المادي إلى لاهوت متجدد أو إلى عقيدة دينية جديدة..
.. إن التفسير الماركسي السوفياتي للعلاقة بين العامل الذاتي والموضوعي ، يحول الصيرورة الديالكتيكية إلى صيرورة تكنيكية .. وهو ما يتجلى بوضوح خاص في النقاش حول العلاقة بين الضرورة والحرية .. تعرّف الماركسية السوفياتية الحرية على أنها "ضرورة معترف بها" وهو تحوير لعبارة هيغل المنقولة من انجلز: الحرية هي معرفة الضرورة أو هي ضرورة مفهومة؛ أي أن الحرية بهذا المعنى هي وعي الضرورة .. إن الانتقال من الضرورة إلى الحرية عند هيغل يعني الانتقال إلى موقع يشرف فيه الكائن بعينه . وهذا انتقال ديالكتيكي صعب وقاس حسب هيغل ، الانتقال من إشراف بسيط إلى إشراف شامل؛ موقع أو منزلة تبدو من خلاله أعيان الأشياء.
إن الماركسية السوفياتية تقلل من أهمية هذا الانتقال في درجة المعرفة وشكلها ، بالتالي فهي غير معنية بكشف الحقيقة ؛ حقيقة الكائن ، بل بتزييف الواقع ، عبر دمج الحرية بالضرورة ، معبراً عنها بأيديولوجية البيروقراطية السوفياتية.
.. إن الانفجار ليس "آلياً " ، بل يفترض عمل ونشاط الطبقة الثورية ووعيها ، و "التقدم" يشير فقط إلى تطور القوى المنتجة ، ويظل مترافقاً بالاستغلال والاستعباد ، إلى أن تصبح البروليتاريا العامل التاريخي (ذات التاريخ بالفعل). إن وعي ونشاط الطبقة الثورية متضمن في مفهوم العلم الماركسي التاريخي/الاجتماعي.
إن ادعاء ستالين عام 1938 بانتفاء قانون "نفي النفي" ، و"بالتناقضات غير التناحرية" في المجتمع السوفياتي ، وأن هذه التناقضات قابلة للحل عبر تطور تدريجي تحت الرقابة السياسية للدولة السوفياتية ، إنما ينسب إلى الدولة حل التناقضات غير التناحرية .. إن هذه الأقوال تفترض أن المجتمع السوفياتي هو "مجتمع اشتراكي" ، والمنظرون السوفيات ينسبون إليه الميزات الديالكتيكية التي أشار إليها ماركس عند حديثه عن المجتمع الاشتراكي .. المسألة هنا ليست إعادة نظر في الديالكتيك ، بل مسألة نسب الاشتراكية إلى مجتمع اشتراكي - انتقالي مشوه بالمرض البيروقراطي . والديالكتيك مستخدم لتعزيز هذا الادعاء.
إن الماركسية السوفياتية ، تمثل "توقف" الديالكتيك لمصلحة النظام القائم ، والعقيدة ستتبع تشوه وتوقف الاشتراكية الواقعية ..إن المعاملة التي تعامل بها الماركسية السوفياتية الديالكتيك ، تفيد فقط في حماية وتبرير النظام القائم ، وذلك بحذفها أو تقليلها لأهمية كل عناصر الديالكتيك التي قد تشير إلى تقدم في التطور الاجتماعي -التاريخي ، يتجاوز هذا النظام ، نحو مرحلة في الاشتراكية أعلى . يكتب ماركوز: لقد ذكرنا كيف أن ستالين شدد اللهجة في أكثر من مناسبة على الدور "الفعال" للبنية الفوقية في تطور قاعدتها . وهذا الدور ليس مجرد تبرير عقائدي ، واستقرار لشكل ومرحلة قائمة، من أشكال ومراحل الدولة ، بل هو أيضاً تأكيد مهمة الدولة ، في إحداث تحولات منسجمة ، مع نمو القوى المنتجة ، لأن الأيديولوجية الموصوفة أعلاه بدأت تدخل في نزاع مع الأهداف الأساسية على أثر التقدم التكنولوجي والصناعي ، الذي حققه المجتمع السوفياتي ، وعلى أثر القوة السياسية والإستراتيجية المتنامية التي توصلت إليها الدولة السوفياتية بعد الحرب العالمية الثانية. .. بهذا الصدد فإن تصريحات ستالين عام 1950 تمهد لكتابة "مشكلات الاشتراكية الاقتصادية" الصادر عام 1952 ، مع تشديد اللهجة على التناقضات بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج في الاتحاد السوفياتي، التي ينبغي أن تحل بصورة "تدريجية" تحت قيادة الدولة . كذلك فإن النقاش حول المنطق والديالكتيك ، بين عامي 1950-1951 ، يبدو وكأنه تهيئة لتغيرات متوقعة، أكثر مما كان دفاعاً عقائدياً ، عن الوضع القائم . ضد تغيرات محتملة ، وحماية له من التقدم التاريخي... إن خروج الاتحاد السوفياتي منتصراً في الحرب العالمية الثانية وهزيمة الفاشية في أوربا ، وانتصار الثورة الصينية على أثر الحرب ، خلق وضعاً جديداً ، يتطلب إعادة النظر في "المذهب القومي " للاتحاد السوفياتي ، ودفع الفكر السوفياتي إلى عودة أرثوذكسية ماركسية وآفاقها الأممية والإنسانية ... إن النضال العنيف للتغلب على تخلف روسيا التكنولوجي والصناعي ، والذي فرض بالإرهاب على سكان سلبيين إلى حد بعيد، بل معادين أحياناً، يجد تعويضه العقائدي في مختلف مذاهب الطابع الموحد للإنسان السوفياتي ، وتفوقه الناجم عن "امتلاكه" للماركسية باعتبارها "رؤية العالم" الصحيحة والتقدمية الوحيدة.. لكن النظرية الماركسية أممية النزعة في جوهرها . وليست القومية تقدمية في إطار هذه النظرية إلا كمرحلة في الصيرورة التاريخية ..
إن الماركسية السوفياتية لم تنجح قط، في حل التناقض بين نزعتها القومية الخاصة، وبين النزعة الأممية الماركسية .. إن تشديد النبرة على عقلية ، وعلى منطق وعلى علم لغة ، الخ.. سوفياتية نوعية ، كان لا بد بالضرورة - خاصة مع التغيرات التي حملتها نتائج الحرب العالمية الثانية- أن يعرقل النداء الموجه إلى التضامن الأممي ، من أجل الهدف الثوري النهائي ، وكذلك النداء الموجه إلى التعايش السلمي . وهي أمور ما كان بمقدور "مذهب الاشتراكية في بلد واحد " ؛ أو الشيوعية في بلد واحد ، أن يهمله كلية ..






هوامش
45- "الماركسية السوفياتية"، تأليف: هربرت ماركوز . ترجمة: جورج طرابيشي ، دار الطليعة بيروت ط1 أيار 1965 . عنوان الفص: تقلبات الديالكتيك.
46- هذا مفيد من الناحية التعليمية فحسب
47- هذا القول يهمل القيمة التعليمية لكتاب انجلز "أنتي دوهرنغ" و "ديالكتيك الطبيعة " ، كما أنه يتناقض مع قول ماركوز عن انجلز واستدراكه لهذا الأمر: وبالرغم من أن انجلز ، قد عرّف الديالكتيك ، بأنه "علم القوانين العامة لحركة وتطور الطبيعة، والمجتمع الإنساني و الفكر " ، إلا أنه لاحظ ، أن الطبيعة والمجتمع على حد سواء ، هما مرحلتان في التطور التاريخي " وأن قوانين الديالكتيك "مستخلصة" من تاريخها. وبهذه الصفة يمكن أن تصور هذه القوانين على أنها سلسلة من الفرضيات ، والمقولات والاستنتاجات العامة - لكن الإطار العام يلغي نفسه بنفسه فوراً، لأن مقولاته لا تولد إلا من خلال محيطها التاريخي ".. الماركسية السوفياتية ، ص 118
48- لينين: الدفاتر الفلسفية .في ثلاثة أجزاء . ترجمة الياس مرقص الطبعة الثانية 1983 ، دار الحقيقة بيروت . الجزء الأول عن الديالكتيك (خلاصة "علم المنطق" لهيغل)
49- الدفاتر الفلسفية -1 ، مرجع سابق .. ص 247 .. والاقتباس أخذه لينين من المنطق الصغير لهيغل أو ما اشتهر باسم: موسوعة العلوم الفلسفية . ما بين الأقواس المتوسطة من عندي.
50- الدفاتر-1 ، مرجع سابق .. ص 141
51- الدفاتر -1 ، مرجع سابق .. ص 164
52- الدفاتر-1 ، مرجع سابق .. ص 166
53- الدفاتر-1 ، مرجع سابق ص 168
54- البروليتاريا ليست واعية طبقياً من الضربة الأولى
55- روجيه غارودي: فكر هيغل ، ترجمة الياس مرقص ط2 1983 دار الحقيقة بيروت
56- نحن نعرف علماً واحداً هو علم التاريخ (ماركس : الأيديولوجية الألمانية )
57- قارن هذا التعريف الماركسي السوفياتي بتعريف انجلز في "أنتي دوهرنغ"، يقول انجلز: "الديالكتيك هو علم القوانين العامة لحركة وتطور الطبيعة والمجتمع الإنساني والفكر" . وقد استبدل التعريف السوفياتي كلمة الطبيعة والمجتمع الإنساني ب العالم المادي بحيث بندغم عبر صياغة كهذه المجتمع بالطبيعة !؟ لصالح الطبيعة وقوانينها وصرامتها..(الحتمية الستالينية)
58- الأنطولوجيا العامة: تعميمات فكرية - وجودية شاملة عامة ، تعكس ما هو مشترك في الظاهرات الكونية والتاريخية عامة..من دون تمييز للمراحل التاريخية.
59- كتب ماركوز كتابه موضع العرض في بداية الستينات من القرن الماضي ، وقد يكون لهذا الأسلوب في التعاطي : دمج لينين وستالين ، دمج انجلز وستالين في لحظة أولى ثم فصلهما في لحظة تالية ، قيمة تكسيرية أو تحطيمية لقدسية النصوص والأشخاص الذين كرستهم العثيدة الستالينية ..
60- بقول آخر: كلما استوعبت الذاتية الميول الموضوعية للواقع ، كلما كانت فاعليتها أكبر وتعبيرها أصح .
61- يكتب لينين ، تحت عنوان السياسة والاقتصاد؛ الديالكتيك والاختيارية : ".. لا يمكن للسياسة ألا تعلو على الاقتصاد ... إن القول أن الموقف السياسي يوازي الموقف "الاقتصادي" ، وبأنه "يمكن أخذ هذا وذاك" ، يعني نسيان ألف باء الماركسية .. إن الموقف السياسي إنما يعني ما يلي : إذا وقفنا من النقابات موقفاً غير صحيح [سمحنا لآنانية العمال الاقتصادية أن تتحرك حتى حدود الاصطدام بمصالح الفلاحين ، خاصة الفقراء منهم ] فإن هذا يهلك السلطة السوفياتية ودكتاتورية البروليتاريا.. لقد انزلق بوخارين نظرياً إلى "الاختيارية" بترويجه لجمع الموقف السياسي مع الموقف الاقتصادي.. إن بوخارين وتروتسكي يصوران الأمر كأنما يقولان : نحن نعني بإنماء الإنتاج (موقف اقتصادي) ، أما أنتم فتعنون بالديمقراطية الشكلية فقط. إن هذا التصوير غير صحيح لأن المسألة لا توضع إلا على النحو التالي : دون موقف سياسي صحيح من القضية ، لن تحتفظ الطبقة المعنية بسيطرتها ، بالتالي لا تستطيع أن تحل مهمتها الإنتاجية أيضاً " راجع: لينين، المختارات - مجلد 10 1920-1923دار التقدم موسكو ، ترجمة الياس شاهين 1978 . ص 267-268 . إن التجميع القسري بين 1928-1931 كان كفيلاً بتدمير الآمال الأخيرة لبناء ديمقراطية سوفياتية خاصة بعد فشل ثورات أوربا الوسطى ..لقد دمر التجميع القسري الديمقراطية السوفياتية ، ولم يحل مشكلة الإنتاجية في الزراعة السوفياتية .
62- الستالينية والنزعة الميكانيكية الجبرية






















خروج القطار السوفيتي عن
الســـكة قبل مغادرته المحطة
( لماذا سقطت الدولة السوفيتية؟ )
نذير جزماتي

بالاستناد الى:
1-ول وايريل ديورانت، قصة الحضارة
2-تاريخ الطبري...
3-عبد الرحمن الجوزي، القرامطة
4-اسماعيل المير علي، القرامطة والحركة القومية في التاريخ
5-م.ل.بيرنيري، المدينة الفاضلة عبر التاريخ
6-توماس مور، يوتوبيا..
7-فريدريك انغلز، الاشتراكية الطوباوية، والاشتراكية العليمة..
8-الموسوعة السوفياتية الكبرى باللغة الانكليزية
9-سانت سيمون، نصوص مختارة..
10-اوغست كورنو،ماركس وانجلز، حياتهما وأعمالهما الفكرية
11-فريدريك انغلز، حول تاريخ عصبة الشيوعيين...
12-لينين، المختارات..
13-ماركس وانجلز، المختارات
14-مراسلات ماركس وانجلز..
15-الياس مرقص، المسألة اليهودية لكارل ماركس..
16-لينين، خطتا الاشتنراكية-الديموقراطية في الثورة الديموقراطية.
17-د. جميل صليبا، المعجم الفلسفي،..
18-الوصية السياسية –أفكار بليخانوف الأخيرة

المقدمة

لم يكن كارل ماركس(1818-1883) وفريدريك إنغلز(1820-1895)أول من فكرا وكتبا في الاشتراكية والشيوعية، بل سبقهما الى ذلك الكثيرون ممن كتبوا بصورة مبهمة وبدائية في اقدم العصور مثل فيثاغورس الذي ولد نحو 575 ق.م، ومدرسته الأرستقراطية الشيوعية، وكونفوشيوس الذي ولد عام 551 ق.م واعتنق المباديء الاشتراكية (1) وأفلاطون الذي ولد عام 428 ق.م ودعا الى شيوعية الأطفال والنساء والأموال(2)
وعملياً أُقيم النظام الاشتراكي في مصر الفرعونية، وأبقى البطالمة الاغريق على هذا النظام ما بين عامي 322 ق.م و136 ق.م. فقد كانت الأرض ملكية مقدسة بدل أن تكون ملكية عامة ، وكان على الفلاح أن يقدم الى الدولة الجزء الأكبر من محصوله. وكانت هيئة بيروقراطية كبيرة من الموظفين الحكوميين، يدعمها حراس مسلحون، تدير شؤون أرض مصركلها وكأنها مزرعة حكومية ضخمة. وكان هؤلاء الموظفون يعينون لكل زارع تقريباً قطعة الأرض التي ينبغي له أن يزرعها، والمحصولات التي يجب أن يجنيها. وكان في وسع الدولة أن تجنده هو ودوابه للعمل في المناجم، واقامة المباني العامة، والصيد، وشق قنوات الري، وانشاء الطرق..وكان البطالمة يجيزون للفلاح أن يمتلك بيته وحديقته، ويجيزون الملكية الخاصة في الحواضر، ويؤجرون قطعاً من الأرض للجنود ويكافئونهم بها على ما قدموا للدولة من خدمات..ولم يكن يسمح لأحد أن يورثها الى أبنائه، أو يوصي بها لمن يشاء. وكذلك للملك حق الايجار لمن أراد. وصار يحق للناس، فيما بعد،توريث الأرض. وتم بذلك التطور المألوف من الملكية العامة الى الملكية الخاصة(3)
هامش
1- ول ديورانت، قصة الحضارة، دار الجليل، بيروت،1986م6،ص 294
2- د.جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتب..،بيروت 82،ج1،ص615
3-ول ديورانت ديورانت،قصة الحضارة، م1،ص70و103
وسارت الصناعة وسط ظروف مماثلة، فلم تكن الحكومة تمتلك المناجم فحسب، بل كانت تديرها بنفسها أيضاً، او تستولي على ما يخرج من المعادن. وكانت الحكومة تعصر الزيتون في مصانع تمتلكها الدولة بعصارات من كتل الخشب الضخمة ويُحركها أقنان الأرض، ثم تبيع الزيت الى تجار التجزئة بالثمن الذي تريده هي. وتمنع المنافسة الأجنبية بالضرائب الجمركية العالية. وكانت أرباحها من هذه العملية تتراوح ما بين سبعين وثلاثمائة في المائة. ويلوح أن الحكومة كانت تجني أرباحاً مماثلة لهذا الربح من الملح والنطرون(كربونات الصودا المستخدم في صنع الصابون)، والبخور، والبردى، والمنسوجات. وكانت في البلاد مصانع للنسيج يمتلكها الأفراد، ولكنها كانت تضطر الى بيع كل ما تنتجه الى الحكومة. وكانت الصناعات اليدوية تقوم بها هيئات من العمال يتوارث أعضاؤها صناعاتهم بحكم التقاليد المرعية.
وكانت الحكومة تشرف على التجارة بأجمعها وتنظم شؤونها. فكان بائعو الأشياء عادة وكلاء مُعينين من قبل الدولة لتوزيع بضائع الدولة. وكانت الحكومة تحتكر لنفسها انشاء المصارف. وكانت المصارف تقرض المال بالربا، وتسدد حسابات الخزائن الملكية.
وحسب تقدير ول ديورانت في" قصة الحضارة" فان تطور هذا النظام الاشتراكي الحكومي، قد حدث لأن أحوال الزراعة في مصر تتطلب من التعاون ووحدة العمل في الزمان والمكان أكثر مما تستطيع أن تُهيّئه الملكية الفردية. وان مقدار ما يزرع من الغلات ونوعها يقفان على مقدار الفيضان السنوي، وكفاءة نظام الري والصرف. وهذه كلها مسائل تتطلب أن تشرف عليها هيئة مركزية. وبفضل تركيز الادارة الاقتصادية في يد الحكومة ونظام السخرة أمكن اقامة المنشآت العامة للتحكم في فيضان النيل، وانشاء الطرق، وشق قنوات الري وتشييد المباني. [وهذا ما يُسمّى: نمط الإنتاج الآسيوي/ المحرر].. وأضاف ول ديورانت،" أننا لا نعرف في التاريخ كله عهداً بلغت فيه الزراعة والصناعة، والمالية، ما بلغته كلها في هذا العهد من ثراء ووحدة ونماء."
وفي الصين أقام الامبراطور وو- دي وهو من أعظم الأباطرة من اسرة هان، نظاماً اشتراكياً في الفترة ما بين عامي 140ق.م و87 ق.م فجعل موارد الثروة الطبيعية ملكاً للأمة. وذلك لكي يمنع الأفراد من "أن يختصوا بأنفسهم بثروة الجبال والبحار، ليجنوا من ورائها الأموال الطائلة، ويخضعوا لهم الطبقات الدنيا". واحتكرت الدولة استخراج الملح والحديد وعصر الخمور وبيعها. وأراد وو- دي أن يقضي على سلطان الوسطاء والمضاربين فأنشأ نظاماً قومياً للنقل والتبادل تشرف عليه الدولة. وسعى للسيطرة على التجارة حتى يستطيع منع تقلب الأسعار الفجائي.. وكان دخل الأفراد كله يسجل في سجلات حكومية وتؤدي عنه ضريبة مقدارها خمسة بالمائة..وأقام وود- دي المنشآت العظيمة ليوجد بذلك عملاً لملايين الناس الذين عجزت الصناعات الخاصة عن استقبالهم، فأُنشئت الجسور على انهار الصين، وحُفرت القنوات التي لا حصر لها لربط الأنهار بعضها بالبعض الآخر وارواء الحقول. وامتلأت خزائن الدولة بالأموال، وانتشر طلاب العلم في كل مكان، وكثر الشعراء، وبدأ الخزف الصيني يتخذ منظراً جميلاً جذاباً. وجمع في المكتبة الامبراطورية 3133 مجلداً في الأدب الصيني القديم، و2705 في الفلسفة، و1488في الشعر، و2568 في الرياضيات، و868 في الطب، و790 في فنون الحرب( 4)
ونظم الامبراطور الروماني ديقلديانوس الذي اختير قنصلاً على روما في أواخر القرن الثالث ميلادي، فأعاد تنظيم كل فروع الادارة الحكومية، وأجرى تغييرات في الوظائف والموظفين والعسكريين والأشراف والخ..وأحل نظاماً اقتصادياً تسيطر عليه الدولة محل قانون العرض والطلب بقصد التغلب على حالة الكساد، ولكي يمنع نشوب الثورة. ووضع نظاماً نقدياً سليماً بأن عيّن للعملة الذهبية وزناً وعياراً محددين. ووزع الطعام على الفقراء بنصف ثمنه في السوق أو بغير ثمن على الاطلاق. وأقام كثيراً من المنشآت العامة ليوجد بذلك عملاً للمتعطليـــــن.
هامش
4- المصدر نفسه، ول ديورانت م1، ص107
ووضع عدداً كبيراً من فروع الصناعة والتجارة تحت سيطرة الدولة ليضمن بذلك حاجات المدن والجيش. وبدأ هذه السيطرة الكاملة باستيراد الحبوب فأقنع أصحاب السفن والتجار والبحارة المشتغلين بهذه التجارة أن يقبلوا اشراف الدولة نظير ضمان الحكومة لعدم تعطلهم ولأرباحهم. وكانت الدولة منذ زمن قديم تمتلك معظم مقالع الحجارة، ورواسب الملح، والمناجم. ولكنها خطت في ذلك الوقت خطوة أخرى فحركت تصدير الملح والحديد والذهب والخمر والحبوب والزيت من ايطاليا. وفرضت نظاماً دقيقاً صارماً على استيراد هذه المواد. ثم انتقلت، بعد ذلك، الى السيطرة على المؤسسات الصناعية التي تنتج حاجات الجيش، وموظفي الدولة وبلاط الأباطرة. وحتمت على مصانع الذخيرة، والنسيج والمخابز، ألا يقل انتاجها عن قدر معين. واشترت هذا القدر بالأثمان التي حددتها هي له. وألقت على جمعيات الصناع تبعات تنفيذ أوامرها ومواصفات منتجاتها. فإذا تبينت أن هذه الخطة لم تؤد الى الغرض المنشود أممت هذه المصانع، وجهزتها بعمال وفرضت عليهم أن يعملوا فيها. وبهذا وضعت الكثرة الغالبة من المؤسسات الصناعية والنقابات الطائفية في ايطاليا شيئاً فشيئاً تحت سيطرة الدولة المتحدة. وحصلت جمعيات التجار والصناع من الحكومة على مزايا كثيرة متنوعة، وكثيراً ما كانت تؤثر تأثيراً كبيراً في خططها. واضطر ديقلديانوس ان يصدر عام 301 قانوناً بتحديد الأسعار ليضع بذلك حداً للتلاعب بها(5)
ولم تخمد حرب الطبقات الأبدية قط- حسب تعبير ول وايريل ديورانت- وكان لهيبها يندلع من آن الى آن في البلاد الاسلامية (778،796،808،838) في ثورات عنيفة. وكانت هذه الثورات تستتر أحياناً بستار الدين لأن الدين والدولة كانا في البلاد الاسلامية شيئاً واحداً. وكان منهم شيع كالخرمية والمحيدة تعتنق آراء مزدك الفارسي الشيوعية. ومنهم شيعة أطلقت على نفسها اسم "سرخ علم" أي "العلم الأحمر".
هامش
5- المصدر نفسه، م1، ص362
وقام في عام 772 رجل من خراسان يدعى هاشم المقنع وقال أن الله قد حل في جسمه، وانه بعث ليعيد شيوعية مزدك. وأصبحت حوله عدة طوائف. وهزم كثيراً من الجيوش التي أرسلت للقبض عليه, وظل ثلاثة عشر عاماً حاكماً على بلاد فارس. ثم قبض عليه في عام 786 وأعدم (6) .. ولقد ظهر مزدك- حسب رواية عبد الرحمن بن الجوزي- في ايام قباذ والد أنو شروان. وقد دعا مزدك قباذ الى مذهبه فأجابه. وأطلع أنو شروان بعد موت أبيه على خزيه وافتراءاته. فطلبه فوجده، فقتله. وكان مزدك يقول:"ان النور يفعل بالقصد والاختيار، والظلمة تفعل على الخبط والمواضعة." وقد اباح النساء والأموال لأنهما سبب المخالفة والمباغضة، وحرم ذبح الحيوان وقال:"يكفي طعام الانسان ما تنبته الأرض"(7)
والمزدكية- حسب المصدر نفسه- "فرع من الثنوية وقد وافقت زرادشت في كثير من الأمور، وكان أتباعه من السفلة (حسب ابن الأثير) وعرّف الامام المذكور المزدكية (نسبة الى مزدك) بأنها أهل الاباحة من المجوس الذين تبعوه أيام قباذ"(8)
أما اسماعيل المير علي، فقد كتب أن القرمطية كانت تمثل صرخة جماهير الفرس ضد النظام الطبقي السائد منذ العصر الساساني، والذي لم يغيره الاسلام. وكانت الدعوة تامل من ذلك جلب رد الفرس وتأييدهم لها (9) وأخذت المباديء الخرمية تنتشر هناك بسرعة فائقة فيلقاها الفلاحون وجماهير الفقراء بالترحاب والتأييد والانضواء تحت لوائها حتى صارت رمز وعي الأمة الايرانية في كفاحها للتحرر والتخلص من حكم العباسيين الذي دعم ويدعم سلطان الأرستقراطية الايرانية المستبدة الطاغية (10) وكتب ميكال يا ندي خويه أن "للخرمية برامج اقتصادية يسارية لا تقف عند حد توزيع الأراضي على الفلاحين ومحو التباين الطبقي(11)

والواقع ان بابك الخزاني (الخرمي)أثار الفتنة في عام 838 وجمع حوله طائفة سميت المحمرة،واستولى بها على أذربيجان،و ظلت في قبضته اثنين وعشرين عاماً، وهزم عدة جيوش. وقَتَلَ على حد قول الطبري 255500 جندي وأُسر قبل أن يُهزم.
وفي عام 251هـ876م قطعت بنو عقيل طريق جدة، فحاربهم جعفر بشاشات، فقتل من أهل مكة نحو ثلاثمائة رجل وردد بعض بني عقيل القول:
عليك ثوبان وأمي عارية فالق لي ثوبك يابن الزانية(12)

ولعبت في المراحل اللاحقة، اليوتبيات،أي القصص الخيالية عن مجتمعات مثالية، دوراً هاماً."فلولا يوتبيات العصور الأخرى- حسب أناتول فرانس- لظل الناس يعيشون في الكهوف عرايا بؤساء. ان اليوتوبيات هي التي رسمت خطوط المدينة الفاضلة الاولى، ومن الأحلام السخية تأتي الوقائع النافعة. إن اليوتوبيا هي مبدأ كل تقدم، وهي محاولة بلوغ مستقبل أفضل" (13)
وقال كارل كاوتسكي:"ان الاشتراكية الحديثة تبدأ من اليوتوبيا وقال هـ.ف. رسل :"ان اليوتبيات أسهمت اسهامات جادة في حل المشكلات الأساسية التي أقلقت العصر الذي ظهرت فيه."
هامش
6-المصدر السابق نفسه، م 13، ص113و114 ,ايضاً تاريخ الطبري، دار سويدان، بيروت، 1967، ص 135
7-عبد الرحمن بن الجوزي، القرامطة،منشورات المكتب الاسلامي، بيروت،1968، ص 30
8- بن الجوزي- مرجع سابق
9-اسماعيل المير علي، القرامطة والحركة القومية في التاريخ، دار مكتبة الهلال، بيروت1983 ،ص70
10- المصدر نفسه، ص 31
11-ميكال يان دي خويه،القرامطة، دار ابن خلدون، بيروت،1986ص162
12-- تاريخ الطبري، م9، ص 346
13-ماريا لويزا بيرنيري، المدينة
وقال اوسكار وايلد:"ان خريطة للعالم لا تحتوي على يوتوبيا، لا تستحق حتى مجرد النظر اليها، لأنها تغفل البلد الوحيد الذي تتوجه سفينة البشرية اليه. وعندما ترسو على شاطئه تتلفت في الأفق، فإذا لمحت بلداً آخر، انطلقت مبحرة اليه. ان التقدم هو تحقيق اليوتبيات في الواقع". وكتبت د.عطيات ابو السعود في ترجمتها لكتاب "المدينة الفاضلة عبر التاريخ" ان الأحلام اليوتوبية لم تكن غير استجابات مختلفة للمجتمعات التي نشأت فيها، فكانت تعبيراً عن الرغبة في تغيير الواقع القائم وتجاوزه، والحلم بحياة ومجتمع أفضل وأكثر عدلاً..انها كانت صرخــــة احتجاج على أوضاع وظروف اجتماعية ظالمة وفاسدة(14)
وكان توماس مور الذي ولد في بريطانيا في 7/2/1477 أول مبدع لهذا النمط من الكتابة وأول من أطلق على كتابه اسم "يوتوبيا" أي "ليس في وضع"أو"في مكان" أي "لا مكان" على اعتبار أن OU تعني "لا" باللغة اليونانية وTOPOS تعني "مكان"، وقد سقط حرف O وبقيت الكلمة "يوتوبيا". وتتلخص قصة هذه "اليوتوبيا" في أن رحالة يصف شيوعية سكان جزيرة من الجزر التي يزورها، بقوله: "ولما كان كل شيء على المشاع بين سكان المدينة الفاضلة فان كل شيء متوفر لدى كل انسان..وأنا استمسك جيداً بما قاله أفلاطون..بأن كل الناس يجب ان يحصلوا ويتمتعوا بحصص متساوية من الثروة والأمتعة. لأنه حيث ينتزع كل انسان، ويتخذ ألقاباً معينة ويتسمك بإدعاءات ما، ويختطف أكبر قسم يستطيع الحصول عليه بحيث نجد قلة هي التي تتقاسم فيما بينها كل الثروات، فلن يترك للباقين سوى العوز والفاقة"(15)
ويقول توماس مور :" لا يوجد ما يعد ملكاً خاصاً في أي مكان. وبالفعل، يتبادل اليوتوبيون بيوتهم كل عشر سنوات عن طريق القرعة. وتختار كل ثلاثين اسرة سنوياً ممثلاً لها أو رئيساً لها، كان يدعى في لغتهم القديمة سينو غرانت، أما في اللغة الحديثة فيدعى فيلارك. ويقام على كل عشرة من الفيلارك والأسر التابعة لها شخص كان يدعى قديماً نرتيبور، أما الآن فيسمى برتو فيلارك ، أو الرئيس الأول. وتنتخب الهيئة المؤلفة من الرؤساء أو السينو غرانت، ويبلغ عددها مائتي شخص، بعد أن تُقسِمْ على اختيار الرجل الذي تراه أفضل المرشحين وأكثرهم نفعاً بطريقة الاقتراع السري، حاكماً، على أن يكون أحد أربعة يرشحهم الشعب(16)
هامش
14 - المدينة الفاضلة عبر التاريخ.. ترجمة عطيات أبو السعود
15-ول وايريل ديورانت، قصة الحضارة، م25، ص104وما بعدها.
16-توماس مور، يوتوبيا، دار المعارف بمصر،القاهرة،1973،ص148
وثمة يوتوبيات أخرى مثل "مدينة الشمس" أو "حوار عن الجمهورية" لراهب فيلسوف وشاعر ومنجم يؤمن ايماناً متعصباً بأفكاره وهو جوفان دومينيكو كانبانيلا الذي ولد عام 1568 في ستيلو بكالابريا، في جنوب ايطاليا. وتخيّل الكاتب مدينة الشمس على جبل في جزيرة "سيلان"(سري لانكا) وكل موظفيها صفوة مختارة- وهم قابلون للعزل- عن طريق جمعية تضم كل من بلغ العشرين من سكان المدينة. وهؤلاء الناس المختارون على هذا الأساس، يختارون بدورهم رئيس الحكومة، وكانوا يسمونه"هوه Hoh "يفصل هو ومعاونوه في كل المسائل الدنيوية او الدينية. ويشرفون كذلك على زواج الجنسين، ليستوثقوا من أن النساء والرجال يتصلون بعضهم ببعض لينجبوا أحسن ذرية.
واعتبر ول ديورانت أن ما كتبه كامبانيلا تحت عنوان "مدينة الشمس" بياناً شيوعياً بامتياز يردد صدى افلاطون(17) واختارت ماريا لويزا بيرنيري العنوان التالي:"مدينة الشمس" أو "حوار مع أفلاطون" وفيه عرض المؤلف لفكرة اصلاح الجمهورية المسيحية طبقاً للوعد الذي وعد به الله القديسة كاترينا والقديس بروجيه(18)
ونشر الباحث والعالم الانساني الألماني فالنتين أندريا (1589-1654) كتاباً بعنوان "مدينة المسيحيين" وهي مدينة مثالية مثل باقي المدن الفاضلة (اليوتوبية). وقد صدر هذا الكتاب عام 1619 وهو لا يخلوا من بذور اشتراكية وشيوعية كأن يُخصص القسم المواجه للشرق للمزارع التعاونية.. ولا يدين أعضاء المجلس الثلاثي الحاكم، ولا الموظفون الكبار والمستشارون بمناصبهم للمولد أو للثروة، بل لفضائلهم السامية وخبرتهم بالشؤون العامة، والحب والاحترام الذين يتحليان بهما. ويحتل العمل مكاناً مشرفاً في جو مشبع بالمساواة والحرية(19)
واقام اليسوعيون ما بين سنتي 1620 و1750 مجتمعاً شيوعياً في الباراغواي في أميركا الجنوبية (20)
هامش
17- ول ديورانت ، قصة الحضارة، م29، ص 39-42
18- ماريا لويزا بيرنيري، المدينة الفاضلة..،ص 145
19- المصدر نفسه، ص 116 وما بعدها
20- ول ديورانت، قصة الحضارة، م29،ص39-42
وتساءل ديورانت عن المصدر الذي استقى منه اليسوعيون فكرة هذا النظام العجيب، وأجاب:"أنه ربما كان من "يوتوبيا" توماس مور، وبعضها من الأناجيل، وبعضها الآخر من دستور جماعتهم التي كانت هي ذاتها، أي اليسوعية، أشبه بجزيرة شيوعية وسط بحر يدين بالفردية. وأياً يكن الأمر، فقد أثبت هذا النظام أنه محل حب الوطنيين لأنه أُقيم على الاقتناع دون ضغط.
وظهر في عام 1649 في انكلترا "نبيٌ" يدعى وليام افرارد Avrard وقاد أربعة رجال الى تل سان جورج في سري، ووضعوا أيديهم على بعض الأرض غير المشغولة، وفلحوها، ونثروا فيها البذور، ودعوا الناس اليها. فانضم اليهم ثلاثون آخرون من جماعة الحفارين. ولما سيق "أفرارد" للمثول أمام نقيب في حكومة الكمونولث البيوريتانية، أوضح له أن أتباعه قد اعتزموا احترام الأملاك الخاصة، وأنهم لن يقربوا إلا الأراضي العامة غير المفلوحة ليعملوا فيها حتى تُؤتي ثمارها، وأنهم يأملون، في ان يحين الوقت الذي يأتي فيه كل الناس طائعين مختارين وينزلون عن أراضيهم وضياعهم ويذعنون لجماعة الأخيار هذه . وأصدر أحدهم وهو جيرارد ستانلي (1609-1660)"القانون الجديد للاستقامة" في كانون الثاني/ يناير 1649 الذي وُصف بأنه بيان شيوعي مكتوب بلهجة عصره، وهو يكشف عن وعي بالمشاكل الاجتماعية، سبق فيه أي مفكر اجتماعي انكليزي. وقد استنكر الملكية الخاصة للأرض استنكاراً شديداً يتجلى في قوله أن الحكام يدعون أن الأرض أرضهم" وما داموا يضعون أيديهم على ملكيتي الخاصة وملكيتك، فلن يحصل العامة على حريتهم (21)
وكتب فريدريك إنغلز أن السوائيين الحقيقيين أو "الدايغرز- الحفارون" هم ممثلو تيار يساري متطرف في مرحلة البرجوازية الانكليزية في القرن السابع عشر. وكان "الحفارون" يعربون عن مصالح الفئات الفقيرة في الريف والمدينة. وقد طالبوا بتصفية الملكية الخاصة للأرض، وروجوا أفكار الشيوعية السوائية البدائية. وحاولوا تحقيق هذه الأفكار في الواقع العملي بحراثة الأراضي المشاعية بصورة جماعية (22)
وكتب جان مسلييه (1678-1733) من فرنسا " أن نظام الملكية الخاصة هو اس البلاء: فتلك لصوصية، وقد كيّفوا التعليم والدين والقانون لحماية هذه اللصوصية وإجازتها، وان الثورة للقضاء على مؤامرة الأقلية ضد الأغلبية لها ما يبررها كل التبرير(23)
وكتب موريلليMorelly الذي لا نعرف عنه إلا الاسم الأخير، أن انتهاك الشيوعية هو الذي أفسد الفضائل للإنسان. ولولا الجشع والأنانية، والمزاحمات والأحقاد التي ولدتها الملكية الخاصة، لعاش الناس معاً في أخوة مسالمة متعاونة(24)
وكتب جان جاك روسو(1712-1778) أن القوة نظمت لحماية الملكية الخاصة، ثم أصبحت هي الدولة. ولتيسير الحكم طور القانون لتعويد الناس الضعفاء على الاذعان للأقوياء بأقل قدر ممكن من الاكراه والتكلفة. هكذا نشأ الوضع الذي نرى فيها القلة المميزة تكتظ بالكماليات على حين تفتقر الجماهير الجائعة الى أبسط ضروريات الحياة"(25)
وكتب كلود أدريان هلفتيوس(1715-1771) أن هذا الشقاء الذي يُخيم على كل الناس والأمم إنما ينشأ من قصور قوانينهم والتوزيع البعيد كل البعد عن المساواة لثرواتهم. وفي معظم الممالك توجد طبقتان من المواطنين: واحدة في مسيس الحاجة الى الضروريات والأخرى تبذر تبذيراً (26)
هامش
21-ماريالويزا بيرنيري، المدينة الفاضلة،ص221-222
22-فريدريك إنغلز،الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية،المختارات 3 ،دار التقدم موسكو1970، ص80، والملاحظة 434
23-ول ديورانت، م38،ص10
24-المصدر نفسه، م39، ص136
25-المصدر نفسه،م39،ص57
26-المصدر نفسه،م38،ص123
وكتب هنري لانجيه في القرن الثامن عشر أن حرباً طبقية لا مندوحة عنها تستعر بين أصحاب الملكية أو رأس المال وبين العمال الذين لا بد من بيع كدحهم لأرباب العمل والملاك منافسين في ذلك بعضهم بعضاً.. وقارن بين الأرقاء في عهد الرق وبين العمال في العصور الحديثة وقال:"كان الرقيق يُسكن ويُطعم على مدار السنة. اما في الاقتصاد غيرالمقيد فان رب العمل حر في أن يقذف بالعمال الى مهاوي التسول اذا لم يستطع جني الربح من ورائهم، ثم يجعل التسول جريمة". وفي رأيه لا يوجد دواء لهذا كله إلا بالثورة الشيوعية(27)
وأقام غراتشوس بابوف (فرانسوا نويل بابوف) (1760-1797) الحركة الشيوعية للمساواة وقاد في ربيع عام 1796 الادارة السرية لحركة كانت تهدف الى القيام بانتفاضة، فأُلقي القبض عليه وأُعدم (28)
وأُعتبر كومت دو كلودي هنري دوفروي (سانت سيمون)1760- 1825 من أوائل الاشتراكيين في القرن التاسع عشر. وقد تحدث في كتابه بعنوان"رسائل احد سكان جينيف الى معاصريه عن صراع الطبقات. ويشكل هذا البحث- حسب فريدريك إنغلز في كتابه "أنتي (ضد) دوهرينغ"- اكتشافاً من أذكى الاكتشافات. وطلب من خلال "برنامج النظام الاجتماعي" افساح المجال للطبقة الأقل يسراً أقصى ما يمكن من الفرص لمعرفة المباديء التي ينبغي أن يرتكز عليها التنظيم الاجتماعي، ومعرفة القوانين التي يخضع لها العالم المادي". وأسعد الناس من يعمل، واسعد الأمم من يقل فيها عدد العاطلين عن العمل" ودعا الى سيادة السلام في العالم (29)
واهتم شارل فرانسوا ماري فورييه (1772-1837) في اقامة المشارك (مزارع جماعية) التي قدر لها فورييه أن تحل التناقض بين المدينة والريف. وهو من أعلن أن درجة التحرر العام في كل مجتمع معني تقاس بدرجة تحرر المرأة (30)
وسار على درب شيوعي مماثل ايتيان كابيه (1788-1856) الذي كتب في عام 1840 كتاب "كيف أصبحت شيوعياً؟" ورواية "رحلة الى ايكاريا" رسم فيها الشيوعية كمجتمع مشاركة تأسس على قاعدة المساواة الاجتماعية والاخوة والوحدة والديموقراطية المتفقة مع مباديء العقل ومطالــــــــب العقل(31)
هامش
27-المصدر نفسه، م39، ص 132
28-الموسوعة السوفياتية(باللغة الانكليزية) م28، ص 285
29- سانت سيمون،نصوص مختارة،وزارة الثقافة، دمشق،ص149 1957..
30-الموسوعة السوفياتية ،م 28 ص 285
وحصل ايكارييه بمساعدة روبرت اوين على قطعة أرض في تكساس عام 1848 ونظم مستعمرة للايكاريين.
ومن الشيوعيين الفرنسيين في النصف الأول من القرن التاسع عشر ديزامي تيودور(1803-1850) الذي آمن بأن الثورة الاجتماعية التي يقوم بها الشعب الكادح والفقراء شرط ضروري للانتقال الى هذا النظام الاجتماعي (32)
واقام روبرت أوين(1771-1858)علاقات شيوعية من عام 1800 الى عام 1829 في معمل كبير لغزل القطن في نيو لارناك باسكتلاندة من موقعه كمدير وشريك في المعمل. فأقيمت، لأول مرة مدارس الأطفال الصغار. وخفضت ساعات العمل الى عشر ساعات. واكتشف من خلال لتجرية ما يمتصه الراسماليون من دماء العمال. ورأى أن ثلاث عقبات كبيرة تحول دون تحويل المجتمع: الملكية الخاصة، والدين، والشكل الحالي للزواج (33)
وكان جون غراي (1798-1850) من أبرز تلاميذ روبرت أوين عرض في كتابه بعنوان "محاضرة في السعادة الانسانية" الذي صدر في عام 1825 الاستثمار الرأسمالي. وقام بالفعل نفسه في مؤلفه بعنوان"النظام الاشتراكي" الذي صدر في عام 1831(34)
واستوحى الألماني ولهلم هينس من روسو، وعارض المجتمع الذي أفسدته الحضارة، وشجب الملكية الخاصة بصفتها مصدر اللا مساواة. ورسم لوحة مثالية للمجتمع الشيوعي المقبل(35)
وفي ألمانيا نشّر يوهان كريستوف فريدريخ شيفر(1759-1805) في مسرحية "اللصوص" أفكار انسانية رفيعة، كما بشّر بأفكار مماثلة يوهان هيردر(1744-1803) في الجزء الثاني من "أفكار نحو فلسفة تاريخ الانسان"، وكتب يقول:"في الدول العظمى لا بد أن يتضوّر المئات جوعاً لكي يزهو فرد واحد يتقلب في النعيم. ان عشرات الألوف يظلمون ويساقون الى الموت لكي يستطيع أحمق واحد أو عاقل متوّج أن يُحقق أحلامه (36)
هامش
31-المصدر نفسه، م11،ص 7 32-المصدر نفسه، م8، ص 176
33-فريدريك إنغلز، الاشتراكية العلمية،..ص 85و94
32-الموسوعة السوفياتية الكبرى، م7، ص 363
35-اوغست كورنو، ماركس وانجلز،دار الحقيقة، بيروت1971،م1،ص33
36-ول وايريل ديورانت، قصة الحضارة،م42، ص 281وم41، ص 282

وأسس لودفيغ غال(1791- 1856 ) اتحاداً هدفه أن يؤمن لكل ألماني فقير عملاً وأجراً ومسكناً ومقداراً كافياً من الخيرات المادية". وأسس في الولايات المتحدة التي هاجر اليها مستوطنة نموذجية مستوحاة من مشارك فورييه. وعاد الى المانيا فعالج في كُتيب بعنوان "مصدر الخلاص المسألة الاجتماعية" مبيناً، أن حاجات البشر في المجتمع البرجوازي لا يمكن تلبيتها تلبية كاملة، وذلك لأن العمل مستعبد للمال ومستثمر من قبله" (37)
وعرض موسس هيس في "تاريخ البشرية المقدس بقلم أحد تلامذة سبينوزا" أحلامه المسيحية الرسولية والشيوعية. ورأ ى في كتابه" زعامة الامبراطوريات الثلاثة" في الشيوعية الهدف النهائي لتطور البشرية (38)
وكتب خياط شاب اسمه ويلهلم ويتلينغ(1805-1879) تلبيةً لطلب "رابطة العادلين" (وهي أول منظمة شيوعية سرية) أول مؤلف ألماني شيوعي هام بعنوان"البشرية كما هي، وكما ينبغي أن تكون". والمنظمة المذكورة تتلمذت على يد اخطر الجمعيات الثورية الشيوعية السرية وهي "جمعية الفصول الأربعة". وانطلق ويتلينغ في اول بيان شيوعي الماني (أي كتابه المذكور) من فكرة المساواة الفعلية، لا المساواة السياسية فحسب، بل الاجتماعية أيضاً (39)
وتوسعت العصبة او الرابطة المذكورة في سويسرا وألمانيا وفرنسا وتحولت شيئاً فشيئاً الى عصبة أممية. وانعقد مؤتمرها في لندن عام 1847 وكان كارل ماركس وفريدريك إنغلز قد انتسبا اليها. وسُميت العصبة منذ عقد المؤتمر باسم "عصبة الشيوعيين" (40) وانعقد المؤتمر الثاني في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر وأوائل كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه 1847 وعُهد الى ماركس وإنغلز بوضع بيان، فقاما بصياغة "بيان الحزب الشيوعي".
هامش
37- اوغست كورنو، ماركس وانحلز، م1، ص 241
38-المصدر نفسه، ص 149
39-المصدر نفسه، م2، ص 149
40-فريدريك إنغلز، حول تاريخ عصبة الشيوعيين، المختارات3، موسكو1970

كارل ماركس وفريدريك إنجلز
ولد كارل ماركس في عام 1818 ودرس الحقوق، وبنوع خاص التاريخ والفلسفة. وفي عام 1841 أنجز دراسته الجامعية بتقديم اطروحته الجامعية حول فلسفة أبيقور. أما فريدريك إنغلز فقد ولد عام 1820 ولم تتعد دراسته المرحلة الثانوية. وكان الرجلان من أتباع هيغل. ولعب كتابا لودفيع فورباخ "جوهر المسيحية" عام 1841 و "أسس فلسفة المستقبل" عام 1843 دوراً كبيراً في تحريرهما من مثالية هيغل والتحول نحو المادية. ومثل أي كائن بشري بحث كل منهما عن الحقيقة وعن المثل المتمثلة بالعدالة والمساواة.
وأصبح ماركس اشتراكياً لدى انتقاله الى باريس نتيجة موقفه من السلطات البروسية، وصار إنغلز اشتراكياً في انكلترا التي أخذته اليها اسرته للمشاركة في العمل الذي أسسه والده. والتقى الرجلان في باريس عام 1844 وكتبا معاً "الأسرة المقدسة، او "نقد النقد النقدي""، كما كتبا "الايديولوجية الألمانية" التي صفيّا فيها حساباتهما مع عقائدهما السابقة. وما لبثا أن أقاما علاقة مع "عصبة العادلين" وصاغا "بيان الحزب الشيوعي" بتكليف منها. وبعد أن كتب إنغلز "أحوال الطبقة العاملة في انكلترا" الذي اطلع على مخطوطه كارل ماركس قبل طبعه، أخذ كل منهما يرفد النظرية التي كانت في طريق التكوين بكتاباته. فكان من كتابات ماركس "العمل المأجور ورأس المال" في نسختين، الاولى في عام 1847 والثانية في عام 1849 و"الثامن عشر من برومير بونابرت" و"الصراعات الطبقية في فرنسا" عام 1851 و"مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" في عام 1859، و"الأجور والأسعار والأرباح" في عام 1865، و"رأس المال" المجلد الأول، في عام 1867، و"الحرب الأهلية في فرنسا" في عام 1870، و"نقد برنامج غوتا" في عام 1875.
وتوّج فريدريك إنغلز كتابات ماركس في الفلسفة التي أهمها كتاب "بؤس الفلسفة" بكتاب "أنتي (ضد) دوهرينغ" الذي أخذ منه فصولاً ثلاثة وجعل منها كتاب"الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية" في عام1875، و"لودفيغ فورياخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية" في عام 1888. ولم يطبع كتابه "ديالكتيك الطبيعة" إلا في عام 1925. وكان من أهم كتبه الأخرى "حرب الفلاحين في ألمانيا" في عام 1850 و"أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" في عام 1844، و"مسألة الفلاحين في فرنسا وألمانيا" في عام 1894.
ولا تقل أهميةً عن كل ما ذكرنا مقدماته لكتبه وكتب ماركس بعد وفاة الأخير، ولَمّ اوراق المجلدين الثاني والثالث لرأس المال، وتنقيحها وترتيبها واصدارها، وانكاره الفريد لذاته، ووضع نفسه باستمرار وراء ماركس، و كان قد أصبح المرجع الوحيد للاتجاه الذي رسخاه معاً.
واضافة الى النشاط الفكري الذي لم يقتصر، بالطبع، على ما ذكرنا، فقد دخل الرجلان في معارك حامية الوطيس ضد الأنظمة الاجتماعية التي كانت قائمة في أوربا، وضد الذين اختلفا معهم من الاشتراكيين في هذه المرحلة او تلك. وبعد أن تلاشت "عصبة الشيوعيين" خليفة "رابطة العادلين" نتيجة الملاحقات والمحاكمات، أقاما ما يسمى في الأدب الشيوعي "الأممية الاولى"، وتركا على الرف "بيان الحزب الشيوعي" الذي لم يكن ليوافق على أفكاره عدد كبير من المشتركين في تأسيس الأممية الاولى. وأدت الخلافات في داخل هذه الأممية الى حلها. واشترك فريدريك إنغلز بعد وفاة ماركس في تأسيس "الأممية الثانية" التي لم تكن أسعد حظاً من الأممية الأولى، وقد أخذت بها الحرب العالمية الأولى.
وبيّن فلاديمير أيليتش أوليانوف (لينين)في مقالة له بعنوان "مصادر الماركسية الثلاثة وأقسامها المكونة الثلاثة" أن التعاليم الماركسية جاءت نتيجة لدراسة وتمحيص التيارات الفكرية الرئيسية في القرن التاسع عشر:الفلسفة الألمانية والاقتصاد السياسي الانكليزي، والاشتراكية الفرنسية. فقد استفاد الرجلان من المعرفة التي بلغها عصرهما في العلوم الاجتماعية والطبيعية, وكان كارل ماركس أول من أرشد الى طريق دراسة التاريخ دراسة علمية. وبرهن أن أساس تطور المجتمع البشري هو طريقة انتاج حياته المادية، وأن مجمل العلاقات الانتاجية تكوّن بنية المجتمع الاقتصادية التي تحدد نظامه الاجتماعي والسياسي. وكتب ماركس وإنغلز في "بيان الحزب الشيوعي" ان الاشتراكية ليست شيئاً يتفتق عنه خيال الحالمين، وانما هي الهدف النهائي لتطور المجتمع البشري والنتيجة الحتمية لهذا التطور.
وخلص ماركس وإنغلز ديالكتيك هيغل من مثاليته: اذ ليس هناك من أمر نهائي مطلق، مقدس أمام الفلسفة الديالكتيكية. وليس ثمة شيء قادر على الصمود في وجهها غير الحركة التي لا تنقطع، حركة الصيرورة والفناء، حركة التصاعد أبداً دون توقف من الأدنى الى الأعلى. وهذه الفلسفة نفسها ليست سوى مجرد انعكاس هذه الحركة في الدماغ البشري. فالديالكتيك اذن: علم القوانين العامة للحركة، سواء في العالم الخارجي أم في الفكر البشري(41)
وخلص ماركس أيضاً الى"ان المجتمع الرأسمالي سيتحول حتماً الى مجتمع اشتراكي"، في جعل العمل اجتماعياً،" وفي التطور الاسطوري لنسب الرأسمال المالي وقوته، ذلك هو الأساس المادي الرئيس لمجيء الاشتراكية الذي لا مناص منه". إلا أن للرأسمالية دوراً هاماً يتمثل أولاً، بأنها تهيء بتطورها الأكثر تقدماً، العناصر الجديدة للترابط بين الزراعة والصناعة، وتهيء اتحاد الصناعة بالزراعة على أساس تطبيق العلم تطبيقاً واعياً، وعلى أساس العمل التعاوني، وتوزيع جديد للسكان( وضع حد لعزلة الريف عن العالم وما يعانيه من اهمال وتوحش، وكذلك لتكديس عدد ضخم من السكان في المدن الكبيرة على نحو غير طبيعي ). ان الأشكال العليا للراسمالية تهيء شكلاً جديداً للعائلة، وشروطاً جديدة للمرأة، ولتربية الأجيال الناشئة..ان الصناعة الكبيرة باعطائها النساء والأحداث والأولاد من الجنسين دوراً حاسماً في عملية الانتاج المنظمة اجتماعياً خارج النطاق العائلي، تخلق أساساً اقتصادياً جديداً لشكل أعلى من أشكال العائلة والعلاقات بين الجنسين.
وثانياً، ان نظام المصنع يبين لنا "بذور التربية في المستقبل، هذه التربية التي ستوحد العمل المنتج لجميع الأولاد فوق سن معينة، ومع التعليم، والرياضة. وذلك ليس فقط بمثابة طريقة تهدف الى زيادة الانتاج الاجتماعي، بل بمثابة الطريقة الوحيدة، الفريدة لانتاج رجال متطورين من كل النواحي.
وثالثاً، ان تطور الرأسمالية لا ينفك يحطم الحدود القومية ويحل التناحرات الطبقية محل التناحرات القومية. ولهذا يكون من الصحيح تماماً "أن ليس للعمال وطن" في البلدان الرأسمالية المتطورة، وأن "توحيد جهود" العمال، في البلدان المتمدنة على الأقل، "هو أحد الشروط الأولية لتحرر البروليتاريا ".
رابعاً، اما الدولة، هذا العنف المنظم، فقد ظهرت حتمياً عند درجة معينة من تطور المجتمع، حينما أصبح المجتمع منقسماً الى طبقات لا يمكن التوفيق بينها، ولم يعد في طوقه أن يعيش بدون "سلطة" موضوعة،كما يُزعم، فوق المجتمع ومفصولة عنه الى حد ما. وهذه الدولة التي وُلدت في قلب التناحرات الطبقية، تصبح دولة الطبقة الأقوى المسيطرة اقتصادياً، والتي تغدو أيضاً، بفضل الدولة، الطبقة المسيطرة سياسياً(42)
هامش
41- لينين،المختارات،دار التقدم، موسكو، 1966،م1،ج1،ص58وما بعدها
42-المصدر نفسه، ص 59 وما بعدها

شروط الثورة الاشتراكية / الشيوعية
1- "لقد لعبت البرجوازية في التاريخ دوراً ُثورياً للغاية " حسب ما ورد في بيان الحزب الشيوعي لكلٍ من ماركس و إنغلز ، "فالبرجوازية لا تعيش إلا اذا أدخلت تغييرات ثورية مستمرة على أدوات الانتاج، وبالتالي، على علاقات الانتاج، أي على العلاقات الاجتماعية بأسرها..."وبدافع الحاجة الدائمة الى أسواق جديدة تنطلق البرجوازية الى جميع أنحاء الكرة الأرضية. فينبغي لها أن تدخل وتتغلغل في كل مكان, وتوطد دعامتها في كل مكان، وتقيم العلاقات في كل مكان..(ص45) ومكان الانعزال المحلي والوطني السابق والاكتفاء الذاتي، تقوم بين الأمم صلات شاملة وتصبح الأمم متعلقة بعضها ببعض في كل الميادين, وما يقال عن الانتاج المادي ينطبق أيضاً على الانتاج الفكري..(45).."وتجر البرجوازية الى تيار المدنية الأمم، حتى أشدها همجية، تبعاً لسرعة تحسين جميع أدوات الانتاج وتسهيل وسائل المواصلات الى ما لا حد له, فإن رخص منتجاتها هو في يدها بمثابة مدفعية ضخمة تقتحم وتخرق ما هنالك من أسوار صينية، وتنحني أمامها رؤوس أشد البرابرة عداءً وكرهاً للأجانب (46)
"وأخضعت البرجوازية الريف للمدينة، فأنشأت المدن الكبرى وزادت عدد سكان المدن زيادة هائلة بالنسبة لسكان الأرياف، وانتزعت بذلك قسماً كبيراً من السكان من بلادة الحياة القروية.
وكما أخضعت الريف للمدينة، كذلك أخضعت البلدان الهمجية ونصف الهمجية للبلدان المتمدنة، الأمم الفلاحية، للأمم البرجوازية، الشرق للغرب(43)
وبالنسبة الى البحث الذي نحن بصدده، يُشير بيان الحزب الشيوعي المذكور الى أولاً،"أن طبقة البروليتاريا، طبقة العمال العصريين الذين لا يعيشون إلا اذ وجدوا عملاً، ولا يجدونه إلا إذا كان عملهم هذا يُنمي الرأسمال..مما يعني أن تطور البروليتاريا مرتبط بتطور البرجوازية، اي تطور رأس المال.."(44)
وثانياً، "تعيش البرجوازية في حالة حرب مستمرة، في باديء الأمر، ضد الأرستقراطية، ثم ضد تلك الجماعات من البرجوازية نفسها التي تتناقض مصالحها مع رقي الصناعة، وبصورة دائمة ضد بورجوازية الأقطار الأجنبية جميعاً"(45)
وثالثا، وتحاربها الفئات المتوسطة "من أجل الحفاظ على وجودها بوصفها فئات متوسطة، فهي (أي البرجوازية المتوسطة) ليست إذن ثورية، بل محافظة، وأكثر من محافظة أيضاً. انها رجعية، فهي تطلب أن يرجع التاريخ القهقرى ويسير دولاب التطور الى الوراء. واذا كنا نراها تقوم بأعمال ثورية، فما ذلك إلا لخوفها من ان تتدهور الى صفوف البروليتاريا (46)
ورابعاً، ان المحاولات الاولى المباشرة التي قامت بها البروليتاريا لتحقيق مصالحها الطبقية الخاصة في وقت عم فيه الغليان والثوران، خلال مرحلة هدم المجتمع الاقطاعي، انتهت بالضرورة الى الفشل نظراً لأن البروليتاريا كانت غير متطورة ونظراً لغياب الظروف والشروط المادية اللازمة لتحريرها.. ومن الواضح أن الأدب الثوري الذي رافق حركات البروليتاريا هذه لا بد أن يكون ذا محتوى رجعي. وهو يدعو الى زهدٍ عام وسواسية خشنة فظةٍ (47)
ولكن ثمة برجوازية وبرجوازية، وهي مسألة لا تولى الاهتمام الكافي مما حدا بكارل ماركس لأن يكتب في رسالة الى فيرا سازوليتس في 8/3/1881 بأنه لا يعترف باولئك الماركسيين الذين لا يأخذون بالحسبان التطور التاريخي الخاص لبلادهم، وخاصة وجود المجتمعات الريفية التي لا تستطيع أن تخلق لنفسها ربما – اشتراكية لا تنبع من تناقضات رأسمالية متطورة، كرأسمالية انكلترا. وذكر بأن مشروعه كان وبشكل صريح وواضح لبلاد اوربا الغربية حصراً (48)
وكتب فريدريك إنغلز في مقدمته لكتاب "حرب الفلاحين في ألمانيا" أنه "بقدر ما تطور البرجوازية الصناعة والتجارة ووسائل المواصلات بقدر ما تولّد البروليتاريا"(49) وأن "القضية تقوم أولاً، في تفسير حتمية نشوء إسلوب الانتاج الرأسمالي في علاقته التاريخية، واثبات ضرورته في مرحلة تاريخية معينة، وبالتالي حتمية زواله"(50) وكتب في كتـــــــاب "الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية"أن "عدم نضوج الانتاج الرأسمالي وعدم نضوج العلاقات الطبقية قد قابلتهما نظريات غير ناضجة"(51)
وكتب الياس مرقص أن "الاشتراكية بدون تحقق الثورة البرجوازية ستكون انتكاساً، والثورة الاشتراكية أصلاً ستكون بلا قاعدة، وبالتالي، فان ماركس أكد على أن المجتمع المدني المكمَل-الدولة الحديثة-الحقوق البرجوازية، تقدم هائل في سير التاريخ الكلي"(52)
أما القول الفاصل في هذا الشأن فقد أتى على لسان كلٍ من ماركس وأنغلز اللذين كتبا "أن الشرط الأول لنجاح الثورة الشيوعية هو تطور المنظومة الرأسمالية التام والشامل، الذي سيتيح للبروليتاريين أن يتملكوا جملة قوى الانتاج الواصلة الى أعلى درجات تطورها، وأن يصيروا بتطبيقها رجالاً كليين، وان يعطوا الشيوعية طابعاً كلياً-كونياً يستجيب للطابع الذي اتخذته الرأسمالية. "فطالما لم يتطور الانتاج الرأسمالي حتى النقطة التي يصير فيها التزاحم نافلاً، سيكون بالنسبة الى البروليتاريا اضطلاعاً بمهمة مستحيلة أن تريد استبدال الرأسمالية بمنظومة اشتراكية. فإذا ما نشبت الثورة الشيوعية قبل تمام تطور النظام الرأسمالي، لن يكون لها سوى طابع محلي محدود، وستنتهي الى فشل محتوم. وبما ان منظومة الانتاج الرأسمالي ستواصل نموها وتطورها، وبما أن البلدان الرأسمالية ستزاحم البلد الشيوعي مزاحمة منتصرة، فان هذا البلد سيغرق في البؤس، الأمر الذي ستكون عاقبته دمار الشيوعية والرجوع الى وضع الأشياء القديم"(53)
هامش
43-ماركس وانغلز، المختارات1،دار التقدم، موسكو1968، ص46
44- المصدر نفسه،ص49
45- المصدر نفسه، ص53
46-المصدر نفسه،ص54
47-المصدر نفسه،79
48-مراسلات ماركس وانجلز، دار دمشق، 1981، ص333
49-ماركس وانجلز، المختارات 2، ص106
50-المصدر نفسه، ص 105
51- ماركس وانجلز، المختارات 3،ص 84
52-الياس مرقص،المسألة اليهودية لكارل ماركس وباور، دار الحقيقة، بيروتً، ص12
53-اوغست كورنو، ماركس وأنحلز،م3،ص197
لم يخرج فلاديمير ايليتش اوليانوف (لينين) (1870-1924) في البداية عن هذه القواعد. وقد كتب في كتاب"خطتا الاشتراكية الديموقراطية في الثورة الديموقراطية" الصادر عام 1906 ، أي في خضم الثورة الروسية الاولى "ان من يريد السير الى الاشتراكية بطريق آخر، خارج الديموقراطية السياسية يصل حتماً الى استنتاجات خرقاء ورجعية، سواء بمعناها الاقتصادي أو بمعناها السياسي"(54) و"ان الماركسيين لعلى اقتناع مطلق بطابع الثورة الروسية البرجوازي.. وأن التحويلات الديموقراطية في النظام السياسي، ثم التحويلات الاجتماعية والاقتصادية التي أصبحت ضرورية لروسيا لا تفترض بحد ذاتها، زعزعة الرأسمالية، وزعزعة سيطرة البرجوازية، ليس هذا فحسب، بل أنها، على العكس، ستمهد السبيل حقاً، وللمرة الاولى، لتطور واسع وسريع، أوربي لا آسيوي، للرأسمالية، وستجعل من الممكن للمرة الأولى قيام سيطرة البرجوازية بوصفها طبقة (55) و"أن الثورة البرجوازية لا تعبر عن مصالح البروليتاريا بقدر ما تعبر عن مصالح البرجوازية، ولكن الفكرة القائلة أنها لا تعبر أبداً عن مصالح البروليتاريا فكرة خرقاء حقاً"(56) و"من المفيد للطبقة العاملة اطلاقاً القضاء على جميع بقايا الماضي التي تعيق تطور الرأسمالية تطوراً واسعاً وحراً وسريعاً.. وعليه فان الثورة البرجوازية تقدم للبروليتاريا أكبر الفوائد. وبقدر ما تكون الثورة البرجوازية أكمل وأحسم وبقدر ما تكون أوفى انسجاماً ، بقدر ما تتوافر للبروليتاريا امكانيات النضال في سبيل الاشتراكية، ضد البرجوازية" (57)
وتتطلب الاشتراكية- حسب لينين أيضاً- تقدماً واعياً وجماهيرياً نحو انتاجية في العمل أرقى من انتاجية العمل في ظل الرأسمالية، وعلى أساس النتائج التي توصلت اليها الراسمالية". وثمة شرط آخر، اضافة الى الصناعة الثقيلة واتقان العمل، يتمثل، حسب لينين أيضاً، بانماء انتاجية العمل، عن طريق، أولاً، نهوض التعليم والثقافة عند جماهير السكان..وتستحيل الاشتراكية من دون تكنيك الرأسمالية الكبير والموضوع وفقاً لآخر كلمة العلم الحديث"(58)
هامش
54- لينين، خطتا الاشتراكية.. ،المختارات 1966، م1،ج2،ص23
55- المصدر نفسه،ص44
56- المصدر نفسه، ص 45
57- المصدر نفسه، ص56
58- لينين، المختارات2م2ج ص7و266و316

الانقلاب على المباديء وعلى الأسس المذكورة أعلاه
تم الانقلاب الأول على المباديء والأسس المذكورة أعلاه في روسيا التي كانت من بين كل الأمم الأوربية الكبرى الوحيدة التي لم تشارك إلا قليلاً في التقدم السلمي الذي وفرته المرحلة السابقة...(59) بما سمي "موضوعات نيسان/ ابريل" التي طرحها لينين في 4/4/1917 بعد وصوله الى بتروغراد في 3/4 من المهجر في سويسرا، اثر الاطاحة بالحكم القيصري في شباط/ فبراير من العام نفسه. ونشرت جريدة "البرافدا" صحيفة الحزب البلشفي/ الأكثرية موضوعات نيسان/ ابريل هذه في 7/4، وهي تتضمن الأفكار التالية:
1-ان موقف لينين وحزبه من الحرب الاستعمارية اللصوصية لا يقبل التنازل، ولا يسع البروليتاريا الواعية (اي حزب البلاشفة) أن توافق على حرب ثورية تبرر نزعة الدفاع الثوري إلا بشرط أ- انتقال السلطة الى أيدي البروليتاريا ، والعناصر الفقيرة من الفلاحين، وب، التخلي الفعلي عن جميع الالحاقات، ج، القطيعة الفعلية مع جميع مصالح الرأسمال . وطالب لينين بأن تشرح للعمال الصلة الوثيقة التي لا تنفصم عراها بين الرأسمال والحرب الاستعمارية، وأن يبينوا لهم أن انتهاء الحرب بصلح ديموقراطي مستحيل بدون قلب الرأسمال أي انتزاع السلطة.
2-ان الشيء الأصيل في الوضع الراهن في روسيا، انما هو- حسب لينين- الانتقال من المرحلة الاولى للثورة ، التي أعطت الحكم للبرجوازية الروسية نتيجة لعدم كفاية الوعي والتنظيم لدى البروليتاريا الى المرحلة الثانية للثورة، التي يجب أن تعطي الحكم للبروليتاريا، وللفئات الفقيرة من الفلاحين (60)
وثانياً، ان هذا الانتقال، يتصف، من جهة، بالحد الأقصى من العلنية. فروسيا، هي اليوم، بين جميع البلدان المتحاربة، أوفر البلدان حرية في العالم . ومن جهة أخرى، تتصف بانعدام تسليط العنف على الجماهير. وأخيراً عدم ثقة الجماهير وبوعي بحكومة الرأسماليين، الد أعداء البلاد والاشتراكية .
3- لا تأييد للحكومة المؤقتة على الاطلاق، وهي حكومة الرأسماليين، وحكومة استعمارية.
واضح من الفقرتين الاولى والثانية في "موضوعات نيسان/ابريل" اجراء تغيير على خطة لينين السابقة. ويتمثل هذا التغيير بأن استلام البرجوازية للحكم عائد لعدم تمكن البروليتاريا من ذلك، بسبب عدم كفاية الوعي والتنظيم لديها. ولو أن الأمر كان خلاف ذلك، كأن تكون البروليتاريا واعية ومنظمة، لكان قد انتفى حق البرجوازية في استلام السلطة. او بالحقيقة، لانتفت ضرورة استلام البرجوازية للسلطة.
وبصرف النظر عن كل ما قيل على لسان لينين بهذا الشأن، وخصوصاً في كتاب "خطتا الاشتراكية الديموقراطية في الثورة الديموقراطية" الذي دعا فيه لينين الى فتح أبواب روسيا ونوافذها على مصاريعها لاستقبال النظام الرأسمالي، لأنه لا يوجد أي سبيل آخر، غير سبيل التطور الرأسمالي الى الاشتراكية..،بصرف النظر عن كل ذلك، من سيقوم اذن، بانجاز مهام الثورة الوطنية الديموقراطية التي انجزتها البرجوازية في أوربا الغربية؟ هل البروليتاريا المنظمة التي يُعتبر الحزب البلشفي طليعتها، أو بديلها الحزب، حسب ما كان يقول تروتسكي دائماً وهو يتهم لينين بالميل لجعل الحزب بديلاً عن الطبقة العاملة؟(61)
4- الاعتراف بأن البلاشفة لا زالوا يشكلون أقلية في السوفياتات
5-لا جمهورية برلمانية-فالرجوع اليها بعد قيام سوفييتات نواب العمال يكون خطوة الى الوراء.
6-نقل مركز الثقل في البرنامج الزراعي الى سوفييتات نواب الاجراء الزراعيين. مصادرة جميع اراضي الملاكين العقاريين . تأميم جميع الأراضي في البلاد، وضع الأراضي تحت تصرف السوفييتات المحلية لنواب الاجراء الزراعيين والفلاحين.
7-دمج جميع المصارف في البلاد فوراً في مصرف وطني واحد بوضعه تحت اشراف سوفييتات نواب العمال.
8- عدم "تطبيق"الاشتراكية باعتباره مهمتنا المباشرة، بل الانتقال فوراً الى مراقبة الانتاج الاجتماعي وتوزيع المنتجات
من قبل سوفييتات نواب العمال.
9-مهمات الحزب:أ- عقد مؤتمر الحزب بلا ابطاء، ب، تعديل برنامج الحزب، ويالدرجة الاولى 1) حول الاستعمار والحرب الاستعمارية،2) حول الموقف من الدولة ومطلبنا" دولة كومونة"،3) اصلاح برنامج الحد الأدنى الذي ولى زمانه، ج) تغيير اسم الحزب.
10- تجديد الأممية. المبادرة الى انشاء أممية ثورية، أممية ضد الاشتراكيين الشوفينيين وضد الوسط.
هامش
59-اسحق دويتشر، تروتسكي"النبي المسلح"المؤسسة العربية..،بيروت1981،ص233
60-لينين ، موضوعات نيسان، دار الطبع باللغات الأحنبية، موسكو(بدون تاريخ)ص4و5 4
61-اسحق دويتشر، النبي المسلح، ص 480
ومن الانتقادات التي وجهت الى"موضوعات نيسان"انتقاد ليف بوريسوفيتش (زونفيلد) كامينييف(1883-1936) الذي قال: "ان المخطط العام الذي وضعه الرفيق لينين يبدو لنا انه لا يمكن قبوله، لأنه ينطلق من الاعتراف بأن الديموقراطية البرجوازية قد تحققت، ولآنه يعوّل على تحول هذه الثورة فوراً الى ثورة اشتراكية"(62)
ويقول لينين في رسالته التوضيحية الاولى بتاريخ 13/4/1917 التي يرد فيها على منتقديه ومن ضمنهم كامينييف:"ان الشعار الأساسي، مهمة اليوم، كان حتى ذلك الحين:"أيها العمال، لقد قمتم بآيات من البطولة البروليتارية والشعبية في الحرب الأهلية ضد القيصرية، فعليكم أن تقوموا بآيات من التنظيم البروليتاري والشعبي لتهيئة انتصاركم في المرحلة الثانية من الثورة." والعبارة واضحة: فلو كانت البروليتاريا قد قامت بآيات من التنظيم البروليتاري والشعبي لتهّيء انتصارها في المرحلة الثانية من الثورة. ولهذا اتهم بليخانوف لينين، كما اتهمه آخرون، برفع "راية الحرب الأهلية في قلب الديموقراطية الثورية"(63)
وتمثل رأي الماركسيين في داخل روسيا وفي خارجها الذي لخصه اسحق دويتشر بالقول:"ان الثورة في روسيا في تلك الحقبة (اوائل القرن العشرين) ثورة برجوازية هدفها الاطاحة بالقيصرية، وتكنيس ارثها شبه الاقطاعي. وكانوا يقولون انه لن يستطيع كمجتمع رأسمالي صناعي حديث أن ينمو في روسيا ويتطور بشكل عام إلا بعد تحقيق تلك الأهداف. ولن تستطيع الاشتراكية الثورية أن تستولي على السلطة وتجيب على متطلبات الجماهير الى المساواة، إلا في مجتمع من هذا النموذج، مع نمو الثروة والتوسع الاقتصادي الذي يؤدي اليه. وكان الماركسيون يعتقدون أن الوضع ناضج للثورة الاشتراكية في بلدان الغرب الرأسمالية القديمة.
وكانت تلك الحقائق ثابتة لدى اشتراكيي اوربا الغربية، كما لدى المناشفة والبلاشفة الروس. ولم ينقسم هؤلاء الأخيرون إلا لأنهم كانوا قد اختلفوا حول الطبقة، البرجوازية او العاملة، التي سيكون لها الدور القيادي في ثورة روسيا "البرجوازية"(64)
وقد اعترض تروتسكي على معظم هذه التأكيدات. فهو كالبلاشفة-حسب دويتشر-يعتبر البرجوازية عاجزة عن قيادة الثورة، ويرى أن على البروليتاريا الصناعية ان تضطلع بهذا الدور. لا بل أنه مضى أبعد من ذلك، وكان يعتقد أنه لما كانت الطبقة العاملة تمسك بالتفوق السياسي فسيؤدي ذلك الى الانتقال بالثورة الروسية من الطور البرجوازي الى المرحلة الاشتراكية ، وذلك قبل أن
يستلم الاشتراكيون السلطة في الغرب. وتتجلى"ديمومة" الثورة في واقع أنه يستحيل حصرها ضمن حدود انتفاضة بورجوازية(65)
وأمضى لينين قرابة الشهر في جدال حاد مع الجناح(اليميني) في حزبه، بقيادة كامينييف، وأقنع الحزب بالتخلي عن الاطروحة "البلشفية القديمة" حول آفاق الثورة. وأخذ كامينييف على لينين تبنيه الكامل لنظرية "الثورة الدائمة" لتروتسكي، وتخليه عن البلشفية لصالح التروتسكية.
وقدّر اسحق دويتشر أن تروتسكي نظّّر مرة أخرى للينين، أو أن لينين تبع تروتسكي في اصدار حكم على الاشتراكيين والشيوعيين في اوربا الغربية بالخيانة بسبب موقفهم من الحرب فالامـــــــــــبريالية الرأسمالية – حسب تروتسكي- لا تستطيع إلغاء الحواجز القومية إلا بالقوة، لذا تعجز عن الغائها جدياً، ولهذا أيضاً طالما انها تسيطر على العالم فهي ستجر البشرية من حربٍ الى حربٍ، ومن مجزرة الى مجزرةٍ، وتقود الحضارة الى الهاوية. وليس للاصلاحية الاشتراكية مستقبل، لأنها أضحت جزءاً لا يجزأ من النظام القديم وشريكة له في جرائمه. ومن يأملون في اعادة بناء الأممية القديمة، معتقدين أن قادتها يمكن أن يمحو خيانة الأممية الثانية، عن طريق غفران متبادل، يعملون على الحؤول دون انبعاث الحركة العمالية(66)
هامش
62-لينين، موضوعات نيسان، ص23
63-المصدر نفسه، ص 5
64-اسحق دويتشر، النبي المسلح، ص 176
65-المصدر نفسه.
66-المصدر نفسه، ص 277-278

جيورجي فالينتينوفيتش بليخانوف (1856-1918) من الرعيل الأول من الماركسيين الروس، اولئك الذين أرسوا أساساً لنشر تعاليم كارل ماركس الثورية في روسيا. وأحرز بليخانوف في ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر شهرة واسعة ومكانة بارزة بين اشتراكيي اوربا الغربية وأميركا باعتباره نظرياً بارزاً للماركسية وشخصية كبيرة في الحركة العمالية.
وفي عام 1883 أسس بليخانوف في جنيف مع غيره المهاجرين من روسيا أول منظمة للماركسيين الروس هي جماعة "تحرير العمل". ونجحت هذه الجماعة في أداء المهمة التي وضعتها نصب عينيها، مهمة دحض الآراء المثالية الخاطئة المنتشرة آنذاك بين المثقفين الروس الذين ساهموا فيما يسمى بالحركة الشعبية او كانوا متأثرين بها.
وفي سنوات الكفاح ضد "الشعبية"(1883-1903) وضع بليخانوف أفضل مؤلفاته الفلسفية والسوسيولوجية (الاجتماعية)، حيث عمل بأروع شكل على ترويج الماركسية. ولم يكتف بليخانوف بتسليط النقد على الآراء الفلسفية والسوسيولوجية (الاجتماعية) للشعبيين الروس، فقد لعبت مؤلفاته، فضلاً عن ذلك، دوراً كبيراً في مكافحة النزعتين الفوضوية والسينديكالية(النقابية) الفوضوية في اوربا الغربية. وكان بليخانوف في أواخر التسعينات أول من رفع صوته ضد تحريف الماركسية على يد ادوارد بيرنشتين، وكونراد-شميدت وضد محاولاتهم لاستبدال نظرية ماركس وأنجلس الثورية بالنزعة الاصلاحية.. وكتب لينين عنه في عام 1921:
"...يبدو لي أن من المناسب تنبيه أعضاء الحزب الشباب الى انه لا يمكن للمرء أن يصبح شيوعياً حقيقياً واعياً بدون أن يدرس –وأن يدرس بالذات-كل ما كتبه بليخانوف في الفلسفة، فذلك هو أفضل ما تحويه كل الأدبيات العالمية للماركسية" (كلمة "دار التقدم" في تقديم كتاب بليخانوف " في تطور النظرة الواحدية الى التاريخ") دار التقدم، موسكو1981..
كتب بليخانوف في ما يسمى وصيته في عام 1918 قبل موته بفترة قصيرة وسلمها الى نيكولاي ايفانوفيتش نيغوغورودوف الذي كان عليه أن يسلمها الى الحكومة الروسية التي تأتي بعد سقوط حكومة البلاشفة.. وقد تم تسليم "الوصية" التي نشرت في ملحق "نيزافيسيمايا –غازيتا- الجريدة الروسية المستقلة-عدد8 بتاريخ 30ت2/نوفمبر 1999. وقام الدكتور أشرف صباغ بترجمتها ونشرها في مجلة "الثقافة العالمية" في العدد 148/103/11771 ت2/ نوفمبر2000.
لعب "البيان الشيوعي" دوراً هائلاً في قضية تربية البروليتاريا وتنظيمها، وفي التقدم الاجتماعي ايضاً. وقامت البرجوازية المرعوبة من المنطق الحديدي لـ"لبيان الشيوعي" و"شبح الشيوعية" بتقديم تنازلات من ناحية، ولكنها من ناحية أخرى، حاولت بشتى الطرق التشهير بنظرية ماركس والحط من قيمتها. ".. . والتحليل الموجود في "لبيان الشيوعي" والصحيح تماماً بالنسبة لعصر التصنيع البخاري، أخذ يفقد أهميته مع دخول الكهرباء.. وان ديكتاتورية الأغلبية على الأقلية لا يمكن أبداً أن تعد ديكتاتورية بالمعنى الكامل لهذه الكلمة...وأنا أعتقد أن ديكتاتورية الطبقة العاملة بمفهوم ماركس لن تتحقق أبداً-لا الآن ولا في المستقبل، وها هو السبب: فبقدر تغلغل وترسيخ آلات الانتاج الجديدة المعقدة المصممة على العمل بالكهرباء، وعلى ضوء انجازات العلم التالية، سوف تتغير التركيبة الطبقية للمجتمع ليس في صالح البروليتاريا، بل وستصبح البروليتاريا نفسها طبقة أخرى. وسيبدأ تعداد البروليتاريا، تلك التي ليس لديها ما تفقده، في التقلص، ومن ثم ستحتل الانتلجنتسيا المركز الأول من حيث التعداد ومن حيث الدور في عملية الانتاج. لم يقم أي أحد بعد بالاشارة الى هذه الامكانية على الرغم من ان الاحصائيات الموضوعية تتحدث عن ان صفوف الانتلجنتسيا منذ بداية القرن العشرين تتزايد في علاقة تناسبية أسرع من صفوف العمال. وعلى الرغم من أن الانتلجنتسيا تبقى، الى وقتنا هذا، مجرد "خادمة" للبرجوازية، إلا أنها في الوقت نفسه تبقى أيضاً تلك الطبقة المميزة والتي تمتلك مهمة تاريخية لها خصوصيتها. فالانتلجنتسيا باعتبارها أكثر طبقات المجتمع تعليماً وثقافة مكلفة بحمل مشعل التنوير والأفكار الانسانية والتقدمية الى الجماهير. انها –شرف وضمير وعقل الأمة. وأنا لا أشك إطلاقاً بأنه في أقرب وقت ممكن سوف تتحول الانتلجنتسيا من "خادمة" للبرجوازية الى طبقة لها خصوصيتها وتأثيرها بشكل خطير من حيث تعدادها الذي ينمو باطراد، ومن حيث دورها الذي سيتركز في أثناء عملية الانتاج في توصيل قوى الانتاج الى حد الكمال: ابتكار آلات جديدة،وأدوات جديدة، وتكنولوجيات جديدة، وخلق عامل رفيع التعليم والثقافة.
ان تنامي دور الانتلجنتسيا في عملية الانتاج لا بد وأن يؤدي الى تخفيف التناقضات الطبقية، خاصة وأن تلك الحدود التاريخية والاجتماعية الفلسفية، مثل الأخلاق والعدالة والمباديء الانسانية والثقافة والحق، التي تنطوي على جانبين: عام وطبقي، هي حدود قريبة الى الانتلجنتسيا بالذات. واذا كان الجانب الثاني كوظيفة للتناقضات الطبقية يمكنه أن يتعرض الى طفرة ثورية وتشكيل مباديء مسيطرة، فالأول –يتحدد كلياً وبالضبط بدرجة الانتاج المادي، وبالتالي، يتطور بصورة متزايدة وارتقائية. ونظراً لأن هذا الجانب يعتبر انسانياً عاماً من حيث الطابع- حيث الانتلجنتسيا بالذات هي المنوطة به بدرجة كبيرة-فسوف ينعكس بصورة مفيدة على جميع طبقات المجتمع، ويخفف من التناقضات الطبقية، ويلعب دوراً متنامياً باستمرار. وعلى هذا النحو ستكون احدى النتائج الرئيسية للتقدم المادي هي تقليل دور الجانب الطبقي للحدود المذكورة وزيادة دور جانب المباديء الانسانية العامة. وعلى سبيل المثال، ففي المستقبل لا بد وأن تتسع أطر المباديء الانسانية (كحد من الحدود السابقة)، التي تفهم في أيامنا هذه كمنظومة التصورات حول قيم الانسان ومصلحته وحقه، الى مفهوم ضرورة الاهتمام
بكل ما هو حي،وبالطبيعة المحيطة. وهذا هو تطوير وتقوية دور الجانب الانساني العام لهذا الحد. ولعل التطور الشديد لقوى الانتاج، وتزايد عدد الانتلجنتسيا سوف يعملان بشكل مبدئي على تغيير الظرف الاجتماعي. والعامل المطلوب منه معرفة أكثر من أجل توجيه الآلة المعقدة سوف ينتهي دوره كزائدة إضافية او كذيل لها..سوف يرتفع العامل الى مستوى الانتلجنتسيا. وستكون ديكتاتورية البروليتاريا في هذه الحالة نوعاً من أنواعه العبث..
انني أحياناً أفكر في الفترة الأخيرة أنه حتى نظرية ماركس التي ولدت في ظروف الحضارة الأوربية ، من المشكوك فيه أن تصبح نظاماً عاماً لوجهات النظر، لأن التطور الاجتماعي-الاقتصادي للعالم يمكن أن يسير على نمط المراكز المتعددة.....
لقد أدرك الرأسمالي المعاصر منذ زمن أن الأكثر منفعة لها هو التعامل مع ال
عامل المكتفي الراضي أكثر من الجائع الساخط (*)
هامش
*ما كتبه بليخانوف في مقال بعنوان" كل شيء حول ذلك أيضاً":"كان هناك زمن عندما كان ايديولوجيو البرجوازية يفكرون بان أي تنازل يقوم به الرأسمالي للعامل الأجير سيتسبب في خسارة للرأسمالي. وثمة فكرة كانت سائدة آنذاك بأن يوم العمل الطويل والأجر المنخفض هو شرط ضروري من أجل ضمان مستوى عال للقيمة الزائدة للرأسماليين. ورويداً رويداً أخذت خبرة الدول الرأسمالية الطليعية تدحض تلك الأخطاء لمنظري الاقتصاد البرجوازي ومديريه. لقد اتضح أن قوة العمل"الرخيصة" هي أغلى "الغالي"، واتضح أن العامل الأجير الذي يعيش في ظروف مادية أفضل، هو أكثر انتاجاً(حتى من وجهة النظر الرأسمالية الخالصة), لذلك يعتبر الآن من أبجديات الحقائق في العلوم الاقتصاية"(الوحدة رقم III بتاريخ 9 اغسطس/آب 1917).
ولذلك، لا أعتقد كثيراً، وكثيراً لأسباب أخرى، أن الرأسمالية ستدفن قريباً. فمتابعاتي لتطور الرأسمالية في أوربا، والتي قمت بها منذ بداية رحيل ماركس وخاصة من بداية هذا القرن، تدل على ان الرأسمالية شكل اجتماعي مرن يُبدي ردود أفعال على النضال الاجتماعي، يتغير ويتحول ويتكيف، يتأنسن ويتحرك في اتجاه فهم وادراك وتكييف أفكار متفرعة عن الاشتراكية. واذا كان الأمر كذلك، فهي اذن ليست في حاجة الى حفار قبور. وفي كل الأحوال فالرأسمالية لديها مستقبل يبعث على الحسد. وهاهي المراحل الممكنة أو المتوقعة لتطور الرأسمالية-الرأسمالية القومية المتوحشة، الرأسمالية الدولية المتوحشة، الرأسمالية الليبرالية بعناصر ديموقراطية، الرأسمالية الليبرالية-الديموقراطية،الرأسمالية الانسانية-الديموقراطية بمنظومة متطورة للتأمينات الاجتماعية. وأنا لا أرى ضرورة لمحاولات التنبؤ او التكهن بملامح محددة بالضبط للمرحلة الأخيرة التي يمكن أن تسير فيها عناصر الرأسمالية والاشتراكية جنباً الى جنب ولمدة طويلة: ستتنافس في أمور ما، وستكمل بعضها بعضاً في امور اخرى. ومن الممكن في المستقبل أن تموت الرأسمالية من تلقاء نفسها، في بطء ومن دون مرض، ولكن ذلك يحتاج الى قرن على الأقل، وربما ليس الى قرن واحد...
ولقد كانت الأسباب الموضوعية لظهور وازدهار البلشفية في روسيا هو تخلف البروليتاريا الروسية، وكثرة العناصر اللا طبقية، والأمية وانعدام الثقافة لدى الروس*...فاليعقوبيون ** وبلانكي وباكونين*** وأنصارهم ،والكثيرون من المشاركين في كومونة باريس ،بشأن قضايا التكتيك والايديولوجية كانوا عملياً بلاشفة...فأفكار البلشفية كانت دوماً دلائل البروليتاريا المتخلفة، والفقر وانعدام الثقافة، والوعي المتخلف للشغيلة...
البلشفية تكتيك له خصوصيته، وايديولوجية لها خصوصيتها. وهي موجهة الى البروليتاريا الرثة****
هامش
*جاءت كلمة"الروس" هنا بمعنى جمبع المواطنين الروس وغير الروس الذين يعيشون في روسيا حتى وان كانوا من أصل غير روسي. والكلمة تستخدم في الوقت الراهن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بالمعنى نفسه بصرف النظر عن القويمة او الدين، وتنطبق على جميع المواطنين الذي يملكون مواطنة روسيا الاتحادية (المترجم) ويستخدم بليخانوف كلمة "الروس" هنا بالمفهوم المرتبط بـ"تاريخ الفكر الاجتماعي الروسي"(انظر بليحانوف الأعمال الكاملة، المجلد 20 العام 1925م ص16و18و24) هذه الاضافة وردت في صفحة المراجع (باللغة الروسية) تحت رقم 12
**اليعقوبيون هم أعضاء النادي اليعقوبي أثناء الثورة الفرنسية في نهاية القرن 18 والذين بقوا فيه بعد خروج الجيرونديين(مجموعة من الثوريين الفرنسيين الذين كان أغلب قادتهم من مقاطعة جيروند)العام 1792م.وكان قادة اليعقوبيين هم روبسبير ومارات ودانتون وسان جوست(المترجم)
*** رقم المرجع 13:بلانكي(1805-1881)اشتراكي فرنسي تآمري. باكونين(1814-1876) فوضوي متمرد، وعموماً فقد توقف بليخانوف كثيراً في مؤلفاته عند نقد التكتيك.
**** من الكلمةالألمانية(Lumpen) او بالانكليزية(Lumpish Proletaial، وهو مصطلح أورده ماركس للاشارة الى الشرائح الدنيا من الطبقة العاملة(حثالة البروليترايا ، اوالبروليتاريا الرثة)القاموس الموسوعي الكبير، سانت بطرسبورغ1998م.
وهذا الشعار مستعار من سان سيمون والفوضويين- النقابيين، انه علم الاصطلاح الماركسي.
تكتيك البلاشفة-هو تكتيك بلانكي مضاف الى العنف الطبقي غير المحدود بأية أطر. وايديولوجية البلشفية-هي ايديولوجية باكونين التي تم " إثراؤها" بأفكار الفوضويين-النقابيين، تلك الأفكار التي يعتبر دوميللا نيوينهيوس* الأب الروحي لها. وهي
موجهة، على حد تعبير باكونين الى "البروليتاريا الجائعة المتوحشة"، والى "عامة العمال الجامحين"....فالبلشفية هي بلانكية ممتزجة تماماً بالفوضوية-النقابية المنضوية تحت راية الماركسية...
لقد تم طرد البلانكيين والباكونيين من الأممية الأولى، والفوضويين-النقابيين من الثانية. وهكذا فالأب الروحي للينين في مجال التكتيك هو بلانكي. أما في مجال الايديولوجيا- باكونين ودوميللا نيوينهيوس...ولكن ما هو الجديد في البلشفية؟ شيء واحد فقط- العنف الطبقي الشمولي غير المحدود.. ان العنف الطبقي الذي يميل اليه البلاشفة كطريقة لتحقيق ديكتاتورية البروليتاريا يخفي وراءه خطراً هائلاً..وبدلاً من السلام الداخلي يقوم البلاشفة بتعريض روسيا لحرب أهلية بالغة القسوة.. وفي حال انتصار روسيا البلشفية، ستصبح وسط دائرة الدول الراسمالية التي لن تتوانى عن محاولات القضاء على البلاشفة الذين يصيحون في جنون بحتمية الثورة العالمية.
سوف يتحول العمال في ظل الاشتراكية اللينينية من عمال يستأجرهم الرأسمالي الى عمال تستأجرهم الدولة الاقطاعية. أما الفلاحون الذين سيتم انتزاع الأرض منهم بشكل او بآخر، والذين سيتم حتماً إلقاء كل ثقل تصنيع البلاد على عاتقهم-سيصبحون عبيداً لدى هذه الدولة الاقطاعية....ان الأغلبية المقهورة التي انضمت الى الحزب لا تعرف حتى مباديء الاشتراكية العلمية. فالجزء الذي صدق أفكار لينين ووعود البلاشفة سوف يصبح منفذاً أعمى لارادة زعيمه، والجزء الآخر الذي انضم الى الحزب لكي يختطف نصيبه من "الكعكة الثورية" في الوقت المناسب، سوف يكون مؤهلاً فقط للتصويت بـ"نعم"،وسيتحول هذا الجزء في المستقبل الى بيروقراطيين حزبيين أسوأ من الموظفين القيصريين، لأن الموظف الذي يقود الحزب سيتدخل في كل شيء ولن يكون مسؤولاً إلا امام الرفاق الحزبيين"..ومن دون حتى أن يعرفوا أي شيء عن الاشتراكية العلمية، سوف يرتكبون الجريمة وراء الأخرى دون أن يشكوا في ان العنف الثوري هو امر غير شرعي.
ان عملية نزع الملكية هذه سوف تقود حتماً الى فوضى اقتصادية شاملة، وستخلق طبقة واسعة من الناس الذين بدلاً من أن يعملوا، سوف يقومون "بسلخ الرقاب"، وسيلجؤون الى البنادق والشعارات الثورية ويبدأون في انتزاع آخر دجاجة لدى الفلاحين....
ولقد أكدت ولا زلت اؤكد: روسيا ليست جاهزة للثورة الاشتراكية، لا بمستوى تطور قوى الانتاج، ولا بتعداد البروليتاريا، بثقافة الجماهير ووعيها. ولذلك فالتجربة الاشتراكية التي اخترعها لينين لن يكون مصيرها إلا الفشل..ففي اكتوبر العام 1917 لم يساند لينين بشكل نشط سوى 1% من الروس. وبالتالي، فكل من ولو حتى على دراية بتكتيك بلانكي، سيوافق على أن ثورةاكتوبر هي ذلك الانقلاب البلانكي الذي ، على حد تأكيد إنغلز، يقر بحتمية ديكتاتورية منفذيه...وسرعان ما ستتحول ديكتاتورية البروليتاريا على الطريقة اللينينية الى ديكتاتورية الحزب الواحد، وديكتاتورية الحزب الواحد الى ديكتاتورية قائده الذي سيدعم سلطته في البداية بالعنف الطبقي ثم بعد ذلك بالعنف الشامل للدولة.. اذا كان لينين لم يعش طويلاً بل مات مبكراً جداً ولم يتجاوز عمرة 54 سنة، فان ستالين "كفّى ووفى" الى الحد الذي أعدم معه كل أعضاء المكتب السياسي، وبعث الى المكسيك من يقتل تروتسكي. فالبلاشفة لا يمكنهم اعطاء الشعب لا الديموقراطية ولا الحرية، لأنهم اذا فعلوا ذلك سيفقدون السلطة...وعن أية ديموقراطية يمكن أن يدور الحديث اذا كان البلاشفة في أقل من ستة أشهر قد أغلقوا قدراً من الصحف والمجلات أكبر مما أغلقته السلطة القيصرية طوال حكم أسرة رومانوف كله.وعن أية حرية وعمل يتوخى المصلحة العامة يمكن الحديث اذا كان قد تم اقرار "احتكار الخبز" ووضع قضية السخرة وجيوش العمل للمناقشة*
هامش
*المرجع: دوميللا نيوينهيوس 14 Nieuwenhuis (1846-1919) اشتراكي هولندي، ومحرض في أثناء الحرب ، انحاز الى الفوضويين بعد مؤتمر زيورخ الدولي العام 1893م، وتم طرده من الأممية الثانية العام 1896م.
ان تأكيد لينين بإمكانية انتصار الثورة الاشتراكية في بلد واحد- بلد مثل روسيا-لا يمكن أبداً أن يكون مدخلاً ابداعياً الى الماركسية، وانما هو انحراف عنها. وقد توصل لينين الى هذا الاستنتاج ليس بمحض المصادفة، فقد كان بحاجة ماسة اليه من أجل أن يلهم البلاشفة.
إن تقدير لينين بأن البروليتاريا الغربية سوف تقوم باستلهام الثورة في روسيا مجرد تقدير خاطئ، فلا يمكن أن يحدث أي شيء جدي في أوربا، لأن البروليتاريا الغربية تقريباً بعيدة اليوم أيضاً عن الثورة الاشتراكية كما كانت في زمن ماركس.
ان عدم نضج البروليتاريا(والبرجوازية أيضاً!) وأمية الجماهير، والفقر الحاد والاجهاد المضني لدى الشعب، والحرب القائمة،وانقسام الاشتراكيين الديموقراطيين الأوربيين والروس، وخمول الحكومة المؤقتة وعدم منطقيتها كانا التربة الخصبة التي نمت فيها سريعاً البذور الفوضوية اللينينية والعداء الطبقي...وسوف تقوم البرجوازية الغربية المرعوبة من الأحداث في روسيا بتقديم تنازلات جدية للطبقة العاملة.
ان الفلاح في حاجة الى الأرض، وليست له مصلحة في الاشتراكية، اذ ان العملية الزراعية بطبيعتها تجعل الفلاح أقرب الى الرأسمالية منه الى الاشتراكية...وزعامة البروليتاريا تهين الفلاحين عن عمد، وترى أن دورهم مجرد دور تابع. تلك النظرة الى الفلاحين من جانب البلاشفة تعطي الأزمة الاقتصادية ظلالاً سياسية.. فالبلاشفة مضطرون الى اعلان حرب شاملة على الفلاحين وابادة الجزء الأفضل منهم-أولئك الذين يستطيعون ويريدون العمل*



هامش
*المرجع 21: كان لينين قد طرح إقامة السخرة على مستوى عموم البلاد كلها في مؤلفاته العام 1917م، انظر على سبيل المثال الدائرة تنغلق (الوحدة العدد رقم157بتاريخ 6 ديسمبر/ ك11917م). *وقد تم اعلان الحرب على الفلاحين (الأعنياء) والفقراء أيضاً من خلال الاتجاه القسري للتصنيع أيام حكم ستالين.

..ان عملية تحلل السلطة البلشفية تبدأ من داخلها. ولكن عملية التحلل يمكن أن تمتد لعشرات السنين. ولأن روسيا لم تعرف أبداً الديموقراطية، فسوف يستوعب الروس السلطة المطلقة التالية-سلطة البلاشفة- في صبر واذعان..
ومن جهة أخرى، فان أحداً لا يمكنه أن يغير مسار تطور التاريخ! والشخصية البارزة لا يمكنها إلا أن تعجل أو تبطيء من هذا المسار...وانني أتفق مع فانديرفيلد** في أن كلمة "الدولة" يمكن تفسيرها بمفهوم ضيق وواسع. وأتفق أيضاً في أن ماركس وانجلز قد اسهما في تفسير هذه الكلمة في اطار المفهوم الضيق عندما تحدثا عن تلاشي الدولة... ولم ترتسم ملامحها بشكل واضح إلا في السنوات العشر الأخيرة فقط.....زد على ذلك أن دورها سوف يتنامى باستمرار كنتيجة لتنامي القضايا والمشاكل العالمية أو الكونية:التضخم السكاني على الأرض، استنزاف الموارد الأرضية، ندرة الطاقة، الحفاظ على الغابات والأراضي المزروعة، تلوث الكرة الأرضية والمياه، والجو، الصراع مع الكوارث الطبيعية..الخ.
هامش
**أميل فانديرفيلد Vandervelde(1866-1937) اشتراكي بلجيكي أصبح عضواً في البرلمان في العالم 1894. وفي الهام 1900صار مدير المكتب الاشتراكي الدولي للأممية الثانية، وفي العام 1914 ثم دخل الى الحكومة حتى العام 1937حيث شغل طوال هذه الفترة مناصب وزارية كثيرة(المترجم)
تعتبر مقدمة انجلز لطبعة "المانفستو" (بيان الحزب الشيوعي) باللغة الانكليزية العام 1888غاية الأهمية، حيث شدد على الدور المميز لعمليات التدرج الطبيعي للتطور الاجتماعي. المهم أيضاً هو أن هذه الطبعة التي تمت ترجمتها من اللغة الألمانية الى الانكليزية تحت اشراف انجلز المباشر، انتهت بشعار" ياشغيلة العالم، اتحدوا!" وهو الشعار الذي لا يتساوى ابداً مع شعار"ياعمال العالم، اتحدوا!"*...والجميع يعترف أن دور البناء السياسي الفوقي في ظل الاشتراكية يجب ان يتزايد نظراً لأن الدولة ستأخذ على عاتقها وظائف تنظيمية إضافية: التخطيط والرقابة والتوزيع..الخ، وبهذا المفهوم يكون البناء السياسي الفوقي في ظل الاشتراكية، والذي ينفي البناء السياسي الفوقي الرأسمالي، أكثر قرباً الى البناء الفوقي للإقطاع الاستبدادي منه الى البناء الفوقي للرأسمالية. ..ويمكن أن تتحول الدولة الى اقطاعي أكثر شراسة وفظاعة من الحاكم الأوحد المستبد، نظراً لأن الأخير-سواء كان انساناً أم دولة-هو آلة قاسية وبلا شخصية..
سوف يتحدد مستقبل روسيا بالفترة التي سيقضيها البلاشفة في السلطة،وان عاجلاً أو آجلاً سوف تعود الى الطريق الطبيعي للتطور. ولكن كلما طال وجود الديكتاتورية البلشفية، اصبحت هذه العودة أكثر صعوبة.
المجتمع الاشتراكي في مفهوم ماركس وانجلز ليس مجرد أمر يمكن انجازه في قرن واحد حتى في الدول الغربية، فما بالنا بروسيا؟
هامش
* المرجع( 39) مع الأسف، ففي ترجمات مقدمة انجلز للطبعة الانكليزية "للمانيفستو"(بيان الحزب الشيوعي) العام 1888لم تتم الاشارة في الفترة السوفييتية الى عمليات التدرج الطبيعي للتطور الاجتماعي للمجتم، ولم يتم تغيير شعار "ياعمال العالم، اتحدوا!"وهذا يعني أن العلوم التاريخية والحزبية السوفييتية قد قامت بتزييف وجهات نظر انجلز الأخيرة.
عود على بدء
وبعد أن أخذ لينين وقتاً طويلاً جداً في"أوراق من دفتر المذكرات- حول ثورتنا (بصدد مذكرات ن.سوخانوف) كتب يقول:
"وهكذا نراهم يستشهدون بذريعة في أقصى الابتذال حفظوها غيباً خلال تطور الاشتراكية-الديموقراطية في اوربا الغربية، وقوامها أننا لم ننضج للاشتراكية، وأننا لا نملك المقدمات الاقتصادية الموضوعية للاشتراكية، حسب تعبير السادة من علما ئـ"هم. ولا يخطر على بال أحد أن يتساءل: اذا ما جابه شعب وضعاً ثورياً كالوضع الذي تبدى لدى الحرب الامبريالية الاولى، أليس بوسع هذا الشعب أن يندفع تحت طائلة حالة لا مخرج منها، الى خوض نضال يوفر له ولو بعض الأمل بالظفر بشروط غير مألوفة تماماً من أجل تطوير مدنيته؟ *
"ان روسيا لم تبلغ، من حيث تطور القوى المنتجة، الدرجة الضرورية التي تجعل الاشتراكية أمراً ممكناً". ان هذه الموضوعة، انما يبرزها ويتباهى بها جميع فرسان الأممية الثانية بمن فيهم سوخانوف ، طبعاً. هذه الموضوعة التي لا جدال حولها، انما يلوكونها ويكررونها، بمختلف الأشكال ويبدو لهم انها حاسمة لتقدير ثورتنا.
"ولكن، ماذا إذا كان تراكم أصيل في الظروف قد قاد روسيا، في باديء الأمر، الى الحرب الامبريالية العالمية التي اشتركت بها جميع بلدان اوربا الغربية، التي تتمتع ولو ببعض النفوذ، واذا كان ذلك قد قاد تطور روسيا على حافة الثورات الناشئة والثورات التي بدأت جزئياً في الشرق، الى ظروف تتيح لنا أن نحقق بالضبط هذا الاتحاد بين "حركتي الفلاحين" والحركة العمالية، الذي كان يعتبره "ماركسي " كماركس، في 1856، احتمالاً من الاحتمالات الممكنة بالنسبة لبروسيا؟ وماذا اذا كان الوضع الذي لامخرج منه اطلاقاً، قد ضاعف قوى العمال والفلاحين عشرات المرات، فأتاح لنا امكانية الشروع بتوفير المقدمات الأساسية للمدنية، على نحو غير النحو الذي نحته جميع الدول الأخرى في أوربا الغربية؟ فهل تعدّل من جراء ذلك الخط العام لتطور التاريخ العالمي؟ هل تغيرت النسب الأساسية بين الطبقات الأساسية في كل دولة تنجر او انجرت في حركة التاريخ العالمي العامة؟ "إذا كان ينبغي، في سبيل انشاء الاشتراكية، بلوغ مستوى معيّن من الثقافة(مع العالم انه ما من أحد يستطيع أن يقول بدقة ما هو هذا "المستوى" المعين من "الثقافة"، لأنه يختلف في كل دول اوربا الغربية)، فلماذا لا يمكن لنا أن نبدأ أولاً بالظفر، عن طريق الثورة، بالشروط المسبقة لهذا المستوى المعين، لكي نتحرك فيما بعد للحاق بالشعوب الأخرى، مستندين الى حكم العمال والفلاحين والىالنظام السوفييتي؟"(67) وغني عن البيان أن هذه المرافعة التي كتبها لينين بعد وقت طويل نسبياً من قيام ثورة اكتوبر، وبعد انتهاء الحرب الأهلية والخ..تتضمن مغالطات ما أنزل الله بها من سلطان. وهي تتناقض على طول الخط مع كل ما سبق للينين أن أقره ودافع عنه. أولا، الانقلاب في قلب حزب "البلاشفة" حزب الاشتراكية الديموقراطية الروسية(الأكثرية) الذي قاده لينين. وتمثل هذا الانقلاب في الرسائل العديدة التي انهمرت على رأس اللجنة المركزية من لينين(الذي توارى بعد أحداث الثالث من تموز/يوليو عام 1917)، من منفاه المؤقت في قرية فنلندية على الحدود الروسية-الفنلندية. وفي 15/9 ناقشت اللجنة المركزية اقتراحات لينين للمرة الاولى، وعارضها كامينييف بصورة مطلقة،وطلب الى اللجنة المركزية بأن تحذر كل المنظمات الحزبية من اي حركة ذات طابع انتفاضي(ثوري). إلا أن اللجنة المركزية رفضت نصيحة كامينييف، ورفضت معها اقتراحات لينين(68) وجاء في تحذير زينوفييف وكامينييف أن"ليس من حقنا أمام التاريخ، واما البروليتاريا العالمية، امام الثورة الروسية والطبقة العاملة الروسية، أن نلعب بكل المستقبل استناداً الى ورقة الانتفاضة المسلحة بوجه الحصر(69)
وكانت أخطر هذه الرسائل ، تلك التي اخذت عنوان" الأزمة نضجت"في أدب الثورة الروسية عام 1917 (70) وقد جاء في هذه الرسالة المؤرخة بتاريخ 29أيلول/سبتمبر في القسم المسموح بطبعه ونشره "أن البلاشفة، اذا ما وقعوا في شرك الأوهام الدستورية، وشرك "الايمان" بمؤتمر السوفييتات*،وبعقد الجمعية التأسيسية**، وشرك "انتظار" مؤتمر السوفييتات، الخ-لاشك في أن هؤلاء البلاشفة سيكونون خونة حقراء لقضية البروليتاريا.
"انهم سيكونون خونة لها لأنهم سيخونون بسلوكهم العمال الثوريين الألمان الذي بدأوا الانتفاضة في الاسطول. وان "انتظار" مؤتمر السوفييتات وخلافه في أحوال كهذه انما هو خيانة للأممية خيانة الاشتراكية العالمية"***
هامش
67-لينين، المختارات 1966،م3،ج2،ص468-471
68 -اسحق دويتشر، النبي المسلح، ص310 69-المصدر نفسه،ص311
70-لينين، المختارات1966،م2 ج1، ص 234
*كان تروتسكي يعتقد أن من الأفضل أن يتحدد موعد الانتفاضة، وهو بالنسبة للانتفاضة يتفق مع لينين، إلاأنه يختلف معه بالنسبة الى الموعد الذي كان يحدده تروتسكي مع مؤتمر السوفييتات، أو أن يسبقه قليلاً..وأن تخاض الانتفاضة باسم سوفييت بتروغراد وليس باسم الحزب، حسب ما كان يدعو لينين(دويتشر ص 310)
**كان خصوم الانتفاضة في اللجنة المركزية لحزب البلاشفة يؤيدون الاشتراك في البرلمان التمهيدي الذي افتتحه كيرنسكي(رئيس حكومة الادارة المؤقتة)في أواخر ايلول/سبتمبر. وكان تروتسكي وستالين متفقان على مقاطعة البرلمان التمهيدي. أما كامينيف وزينوفييف فكانا يدافعان عن فكرة المشاركة. وصوّت المندوبون البلاشفة لصالح المشاركة, وأصر لينين على أن يعيدوا النظر بمواقفهم. واعترف تروتسكي أن المقاومة(مقاومة رأي لينين) في قمة الحزب كانت قوية (دويتشر ص313)
*** اعتقد لينين وعدد من البلاشفة ان الظروف في أوربا الغربية بشكل عام، وفي اوربا الوسطى وألمانيا بشكل خاص، كانت ناضجة جداً، وهي بانتظار الشرارة التي ستشعل الانتفاضة(ثورة اكتوبر). وقد كتب لينين في بدء الرسالة أعلاه "الأزمة نضجت" أن الثورة العمالية العالمية قد بدأت بأعمال أفراد مثلوا برجولة متفانية كل ما بقي شريفاً من "الاشتراكية" الرسمية المتعفنة، أي، بالفعل الاشتراكية الشوفينية: لبكنخت في ألمانيا، وادلر في النمسا، وماكلين في بريطانيا. هذه هي أشهر أسماء هؤلاء الأبطال المفردين الذين اخذوا على عاتقهم دوراً هو دور بشير الثورة العالمية.
"أما المرحلة الثانية من اعداد الثورة تاريخياً فقد كانها الغليان الجماهيري الواسع الذي ارتدى على السواء شكل انشقاق في الأحزاب الرسمية ونشر، الآن الأممية ليست في الجمل ولا في الاعراب عن التضامن، لا في القرارات، بل في العمل . "ان البلاشفة سيكونون خونة للفلاحين لأن الصبر على قمع الانتفاضة الفلاحية من جانب الحكومة التي تشبّهها حتى "ديلو نارودا" بالستولبين** سيعني اهلاك الثورة كلها، إهلاكها الى الأبد وبلا عودة. انهم يزعقون بالفوضى وبتعاظم عدم اكتراث الجماهير: ولكن كيف يمكن للجماهير أن لا تكون عديمة الاكتراث بالانتخابات، إذا كان الفلاحون قد دُفعوا الى حد الانتفاضة، بينا ما يسمى "الديموقراطية الثورية" تتحمل بصبر قمع هذه الانتفاضة عسكرياً ! ! !
"ان البلاشفة سيكونون خونة للديموقراطية والحرية لأن الصبر على قمع الانتفاضة الفلاحية في مثل هذا الظرف يعني افساح لتزييف الانتخابات الى الجمعية التأسيسية، تماماً-وبشكل أسوأ، وأشد فظاظة- كما جرى تزييف"الاجتماع الديموقراطي" و"البرلمان التمهيدي". الأزمة نضجت، ومستقبل الثورة الروسية كله في كف القدر. وشرف حزب البلاشفة موضع سؤال كله. ومستقبل الثورة العمالية العالمية من أجل الاشتراكية موضوع كله في كف القدر." وكتب لينين في القسم من الرسالة غير المسموح بطبعه وحصر توزيعه بأعضاء اللجنة المركزية ولجنة بتروغراد ولجنة موسكو والسوفييتات " فما العمل؟ يجب aussprechen was ist "قول ما هو موجود" الاعتراف بحقيقة أنه يوجد عندنا في مطبوعات سرية وشكل مظاهرات في الشوارع. وكلما اشتد الاحتجاج على الحرب، كلما ازداد عدد ضحايا الملاحقات الحكومية. وسجون البلدان التي اشتهرت بشرعيتها وحتى بحريتها- المانيا وفرنسا وايطاليا وبريطانيا- شرعت تمتلئ بعشرات ومئات الأممين وأخصام الحرب وأنصار الثورة العالمية. والآن جاءت المرحلة الثالثة التي يمكن تسميتها بعشية الثورة. فان اعتقالات زعماء الحزب بالجملة في ايطاليا الحرة ولا سيما بداية انتفاضات الجنود في المانيا، انما هي علائم لاشك فيها على انعطاف عظيم ، علائم عشية الثورة على الصعيد العالمي"(المصدر نفسه ص 514-517)
هامش
** ديلو نارودنا، صحيفة روسية، وستوليبين وزير داخلية روسيا البوليسي بعد أخماد ثورة 1905
اللجنة المركزية وفي قمم الحزب تيار أو رأي ينادي بانتظار مؤتمر السوفييتات، ضد أخذ السلطة على الفور، ضد الانتفاضة على الفور. يجب التغلب على هذا التيار او الرأي. "وإلا عيّر البلاشفة أنفسهم الى الأبد وصاروا صفراً كحزب. "لأن تفويت مثل هذا الظرف و "انتظار" مؤتمر السوفييتات هما غباوة تامة أو خيانة تامة. "خيانة تامة للعمال الألمان. ليس لنا أن ننتظر بداية ثورتهم! ! آنذاك سيوافق اليبردانيون* أيضاً على "تأييد"ها. ولكنه لا يسعها أن تبدأ طالما كيرنسكي وكيشين وشركائهما في السلطة.
"خيانة تامة للفلاحين. إن السماح بقمع انتفاضة الفلاحين، مع امتلاك سوفييتي(مجلسي) العاصمتين، يعني فقدان كل ثقة الفلاحين وفقدانها عن استحقاق، يعني أن يساوي البلاشفة، في عيون الفلاحين،الليبردانيين ومن لف لفهما من السفلة. "ان انتظار"مؤتمر السوفييتات هو غباوة تامة لأن هذا يعني تفويت أسابيع، بينا الأسابيع وحتى الأيام تقرر الآن كل شيء. هذا يعني العدول بحماقة عن أخذ السلطة، لأن أخذ السلطة سيكون في الأول والثاني من تشربن الثاني (نوفمبر) أمراً مستحيلاً(سياسياً وتكنيكياً)على السواء:سيحشدون القوزاق ليوم الانتفاضة "المعينة" ببلاهة**
"ان انتظار مؤتمر السوفييتات هو غباوة، لأن المؤتمر لن يعطي شيئاً، ولا يستطيع أن يعطي شيئاً !
"الأهمية المعنوية؟"مدهش! ! "أهمية" القرارات والأحاديث مع اللبردانيين، عندما نعرف أن السوفييتات تؤيد الفلاحين وان الانتفاضة الفلاحية تتعرض لأعمال القمع ! ! اننا بذلك ندفع السوفييتات الىالقيام بدور ثرثارين حقراء. تغلبوا أولاً على كيرنسكي، ثم اعقدوا المؤتمر.
هامش
*نسبة الى ليبر ودان زعيمي المناشفة.
**ملاحظة لينين "دعوة"مؤتمر السوفييتات الى الانعقاد في 20 تشرين الاول/اكتوبر للبت بأمر "أخذ السلطة"، بم يختلف ذلك عن "تعيين" يوم الانتفاضة ببلاهة؟؟ ان أخذ السلطة الآن ممكن، أما في 20-29تشرين الأول اذا سمحوا لك بأخذها.

"ان انتصار الانتفاضة مضمون الآن للبلاشفة:
1- في مستطاعنا* (اذا لم "ننتظر" مؤتمر السوفييتات) أن نضرب فجأة من ثلاث نقاط على السواء، من بتروغراد ومن موسكو ومن اسطول البلطيق.
2- لدينا شعارات تؤمن لنا التأييد: لتسقط الحكومة التي تقمع انتفاضة الفلاحين ضد الملاكين العقاريين ! 3- نحن أغلبية في البلد، 4- التفسخ تام في صفوف المناشفة والاشتراكيين الثوريين5- تتوافر لنا الامكانية التكتيكية لأخذ السلطة في موسكو(التي في مقدورها حتى أن تبدأ لكي تذهل العدو بالمفاجأة) 6- عندنا آلاف العمال والجنود المسلحين في بتروغراد، وفي مستطاعهم أن يأخذوا دفعة واحدة على السواء القصر الشتوي وهيئة الأركان العامة ومحطة التلفونات، وجميع المطابع الكبرى ، ولن يزحزحونا من هناك- بينا التحريض في الجيش سيجري بشكل يستحيل معه النضال ضد هذه الحكومة، حكومة السلام، حكومة الأرض للفلاحين، وهكذا دواليك.
"واذا ما ضربنا دفعة واحدة، فجأة، من النقاط الثلاث في بتروغراد وفي موسكو وفي اسطول البلطيق، فهناك 99بالمئة من الاحتمالات بأننا سننتصر بضحايا أقل مما في 3-5تموز(يوليو) لأن الجنود لن يسيروا ضد حكومة السلام. وحتى اذا كان لدى كيرنسكي خيالة "أمينة" وما أشبه في بتروغراد، فان كيرنسكي، في حال الضربة من جبهتين وفي حال عطف الجيش علينا، سيضطر الى الاستسلام. واذا لم نأخذ السلطة حتى في الاحتمالات كالمتوافرة الآن ، فان جميع الأحاديث عن السلطة للسوفييتات ستتحول الى كذب وخداع.
ان الامتناع عن أخذ السلطة الآن، و"الانتظار" والثرثرة في اللجنة التنفيذية المركزية، والاقتصار على "النضال من أجل الهيئة"(هيئة السوفييت)،"النضال من أجل المؤتمر"، يعني اهلاك الثورة. "ونظراً" لأن اللجنة المركزية تركت حتى بدون جواب الحاحي بهذه الروح منذ بداية الاجتماع الديموقراطي، ولأن الجريدة المركزية تشطب من مقالاتي الاشارات الى أخطاء صارخة اقترفها البلاشفة كالقرار المخزي بالاشتراك في البرلمان التمهيدي، ومنح المناشفة أماكن في هيئة رئاسة السوفييت، وهكذا دواليك وهلمجرا- نظراً لهذا، يجب عليّ أن أرى هناك تلميحاً "خفيفاً" الى عدم رغبة اللجنة المركزية حتى في بحث هذه المسألة، تلميحاً "خفيفاً" الى تسكير الفم والى الاقتراح عليّ بالانصراف. " وهكذا يتأتى لي أن أقدم عريضة بالاستقالة من اللجنة المركزية، وهذا ما افعله، وأترك لنفسي حرية التحريض في قواعد الحزب وفي مؤتمر الحزب. لأنني مقتنع تماماً بأننا سنهلك الثورة اذا ما "انتظرنا" مؤتمر السوفييتات وفوتنا الفرصة الآن.
"(ملاحظة أخيرة): إن جملة كاملة من الوقائع بينت أنّه حتى الأفواج القوزاقية لن تسير ضد حكومة السلام فكم عددها؟ أين هي؟ ترى، ألن يرسل الجيش كله وحدات الى جانبنا؟؟"

هامش
*ملاحظة من لينين: ماذا فعل الحزب لدراسة توزيع الجنود وخلافه؟ للقيام بالانتفاضة بوصفها "فنا"؟ فقط الأحاديث في اللجنة التنفيذية المركزية ! !

لم تكن هذه هي المرة الاولى التي يستخدم فيها لينين مثل هذه اللغة ومثل هذه المفردات التي تنم أول ما تنم عن الانفعال الناتج، ليس عن اختلافه مع كل رفاقه في الحزب الذي أسسه هو، وحسب، بل عن الخلافات العميقة ما بين ما يؤمن به، وما يطرحه، في وقت سنحت فيه الفرصة للاستيلاء على السلطة بأقل الخسائر. واضطر بسبب ذلك لأن لا يكون أميناً لا بالنسبة لما أطلق عليه اسم الثورة الأوربية بصورة عامة، والثورة في الاسطول الألماني بصورة خاصة، التي حاول أن يصور الثورة فيهما وكأنها كانت تنتظر على أحر من الجمر انتفاضة البلاشفة، ولا بالنسبة الى روسيا نفسها التي حاول أن يصور فيها تحركات الفلاحين وكأنها بداية ثورة حقيقية.
وبالاضافة الى كل ذلك استخدم لينين سلاح التهديد الشخصي الذي يعني أنّه سيستقيل من اللجنة المركزية للحزب اذا لم تخضع اللجنة المركزية، والنزول الى القواعد الحزبية مستخدماً ما لديه من هيبة ومن قوة اقناع واتخاذ قرار بتحريك الانتفاضة، ومن ثم العودة الى المسؤولين ومحاسبتهم حساباً عسيراً.
وخضعت اللجنة المركزية لحزب البلاشفة في اجتماع 10/10/1917 التاريخي، الذي حضره لينين، لآراء لينين باستثناء اثنين هما زينوفييف وكامينييف اللذين نشرا في الصحيفة الغوركية (نسبةالى مكسيم غوركي)"نوفايا جيزن-الحياة الجديدة" ما دار في هذا الاجتماع، وأُعتبرا بمثابة كاسري اضراب. وطالب لينين، أكثر من مرة، بمحاكمتهما وطردهما من الحزب.
الانقلاب الثاني المتمثل بالالتفات من أوربا الى آسيا
انتظر القادة البلاشفة بنفاذ صبر طويل الأمد بشائر الثورة في أوربا. وكانت كل مرحلة من النضالات السياسية والاجتماعية في اوربا تؤثر بشكل مباشر على مجرى الحرب الأهلية. فسقوط آل هوهنزلرن وآل هابسبورغ في ألمانيا والنمسا-المجر، مثلاً سمحا للسوفيات باستعادة الأرض التي خسرتها روسيا في صلح بريست-ليتوفسك الذي كان من المستحيل الوصول اليه في ما لو لم يتدخل لينين تدخلاً مماثلاً لتدخله الموصوف اعلاه. ومن ناحية أخرى، فقد كانت ألمانيا والجزء الأكبر من أوربا الوسطى في اللحظات المبشرة بانتفاضة تعد البلاشفة بشيء ينتظرونه بفارغ الصبر، وخصوصاً أن مجالساً لنواب السوفيات قد وجدت في برلين وفيينا وفارصوفيا، الى جانب الحكومات الاشتراكية الديموقراطية. وكان البلاشفة يرون بذلك نسخة طبق الأصل عن تجربتهم التي ظلوا يعتبرونها نموذجاً يجب أن يحتذى من قبل كل الشعوب بلا استثناء.
وأصبح واضحاً بعد وقت أن الطبقة العاملة الأوربية لم ولن تسير وراء النموذج الروسي. وما يقال عن الطبقة العاملة التي تطرقنا الى موقفها في غير هذا المكان، يقال أيضاً عن القادة الاشتراكيين الذين نعتهم لينين بأبشع النعوت، باستثناء عدد قليل لم يملك بعد وجهة النظر والتجربة اللتين كان يمتلكهما القادة المخضرمون الذين عارضوا لينين منذ بداية البداية.
ويعتبر الالتفات الى آسيا بمثابة انقلاب، إلا أن هذا الانقلاب يتمثل أول ما يتمثل في تنكر لينين لما كان يكتبه باستمرار عن ضرورة تحرر روسيا من آسيويتها. وكتب ذلك بوضوح في كتاب "خطتا الاشتراكية الديموقراطية في الثورة الديموقراطية الذي تحدثنا عنه طويلا. ولقد كان من أهم الاستنتاجات التي استنتجها لينين في تقريره الى المؤتمر الثاني لعامة روسيا للمنظمات الشيوعية لشعوب الشرق الاسلامية الذي انعقد في 22تشرين الثاني/نوفمبر 1919أن" البروليتاريا في جميع البلدان الراقية لن تحرز النصر بدون مساعدة جماهير الكادحين في جميع بلدان الشعوب المستعمرة المظلومة، وفي مقدمتها شعوب الشرق (71) في حين أن فريدريك انغلز كتب الى كارل كاوتسكي(1854-1938) في 12/9/1882"ان اعادة تنظيم اوربا وأميركا الشمالية توفر لنا فوراً قوة هائلة ومثالاً بليغاً الى حد أن البلدان شبه المتمدنة ستسير من تلقاء نفسها وراءنا، والحاجات الاقتصادية وحدها تتعهد بهذه المهمة"(72)
وذهب لينين أبعد مما قال في المؤتمر المذكور بكثير في تقريره بشأن اللجنة المختصة بالمسألة القومية ومسألة المستعمرات الذي انعقد في 26تموز/يوليو1920 بقوله أنه "يصبح من غير الصحيح التأكيد بأن مرحلة التطور الرأسمالي هي مرحلة محتومة بالنسبة للأقوام المتأخرة اذا ما قامت البروليتاريا الثورية الظافرة بدعاية منتظمة بين هذه الشعوب، واذا ما ساعدتها الحكومات السوفياتية بجميع الوسائل الموجودة تحت تصرفها"(73)
وبالاستناد الى تلك المعطيات فقد ظهر في تلك الأيام أن طريق الثورة الى بكين وشانغهاي، اذا لم يكن الى بومباي وكلكتا، أقصر من الطريق الىباريس ولندن، وأسهل بالتاكيد من طريق الثورة الىبرلين أو حتى الى بودابست(74) وهكذا فقد تحولت حركات تحرر وطني كثيرة الى أحزاب شيوعية، وأقامت ما أطلق عليها اسم أنظمة اشتراكية في بعض بلدان آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية.
والحق أنه وجد في اللجنة التي أشار اليها لينين من عارض فكرة لينين ووقف بشكل ثابت مدافعا عن ضرورة المرحلة الرأسمالية. إلا أن لينين تجاوز هذه المعارضة أيضاً،واقترح الانتقال مباشرة من العلاقات السابقة على الرأسمالية الى الاشتراكية . وهو أمر لا يمكن تصوره في ضوء كل ما ذكرنا. ناهيك عن الكوارث التي لحقت في العصر الحديث بمسيرة عدد كبير من الشعوب في كل من آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية بسبب قفز بعض الثوار أو بعض العسكريين الى سدة الحكم، وحكموا بقوة الحديد والنار بحجة توليهم مهام بناء الاشتراكية. وكان الاتحاد السوفياتي يدعمهم ويرى بهم حلفاء في المعارك التي كان يخوضها ضد الامبريالية.
هامش
71-لينين، المختارات، 1966،م2 ج1، ص 234
72-ماركس وأنغلز، المختارات، 4، ص36
73-لينين، المختارات،1966، م2،ج1،ص36
74-اسحق دويتشر، النبي المسلح، ص 470


الانقلاب الثالث المتمثل باحلال السلطة محل الحزب بعد أن أحلوا الحزب محل الطيقة العاملة (البروليتا ريا) وحلول البيروقراطية محل الجميع.

كتب تروتسكي بعد أن طُرد من الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين ان "الحزب الحاكم للاتحاد السوفياتي هو الآلة السياسية لبيروقراطية محتكرة، لديها شيء تخشى من خسارته،ولم يعد لها ما تستولي عليه، ومصممة على الاحتفاظ بـ"الميدان المغذي لنفسها وحدها(75)
وبعد أكثر من ثلاثين سنة على صدور كتاب تروتسكي "الثورة المغدورة" كتب روجيه غارودي"أن معاودة ظهور البيروقراطية، بعد الثورة الاشتراكية، تعني عودة العلاقة الخارجية بين الشغيل ودولته، استلاباً جديداً ينزع الى أن يجعل هذا الشغيل من جديد موضوعاً للتاريخ لا ذاتاً له"(76)
وكتب ف.غاريلوف"أن الستالينية كانت أشبه ما تكون بثورة مضادة انتصرت بفعل عوامل كثيرة..فبعد أن يتبدد العالم البرجوازي،يبدأ على أنقاضه عالم برجوازي آخر، لأنه لم ينته من الداخل. وقد أثبت التاريخ فيما بعد، ان التناقض الرئيس للرأسمالية لم يلغ نتيجة اكتوبر، بل أخذ شكلاً جديداً فقط حيث حل استغلال الدولة للانسان مكان استغلال الانسان للانسان"
ومن جهة أخرى، فان عملية التصنيع التي طبلوا لها وزمروا كثيراً، واستبيحت من أجلها كل المحرمات تقريباً "لم تغير في العمق البنى الريفية لهذا البلد الشاسع ..وبقيت كقشرة خشبية ملصقة على هذا الجسد الريفي الهائل لروسيا القيصرية. وكانت الخسارة في الميدان الفكري ضخمة بشكل خاص، فقد أفرغت روسيا السوفياتية من مادتها الذهنية، ولم يكد يبقى هناك أي من المهندسين والأطباء او المعلمين"(77)
ولاحظ عالم الاجتماع جورجيس فريدمان في عام 1938 أن روسيا كانت لا تزال في القرون الوسطى. فقد كان بالامكان ازالة الماضي باصدار القوانين، ولكن لم يكن ممكناً اجتثاثه من وعي الناس، وكان يمكن تحطيمه بالقوة، ولم يكن بالامكان ابعاده فوراً من الروح الانسانية ولا من السلوك اليومي(78)
عطفاً على ماكتبه بليخانوف
بالاضافة الى الأخطاء الجسيمة،إن لم نقل الأخطاء القاتلة التي ارتكبت بالانقلابات المذكورة أعلاه، فقد أساء البلاشفة تقدير قوة المقاومة الرأسمالية والتكيف لديها، وسطوتها على الطبقات العاملة، إساءة بالغة. فقد كان التخمر الثوري في اوربا متقدماً بشكل كاف بحيث لا يؤدي الى سير أقلية من الطبقة العاملة على خطى البلاشفة. فالأكثرية كانت تجتهد لانتزاع إصلاحات من الحكومات والطبقات المالكة، ولكن حتى حين كانت تبدي تعاطفاً مع الثورة الروسية، لم يكن مزاجها يدفعها لسلوك طريق الثورة والحرب الأهلية، والتضحية بمستوى الحياة الذي بلغته،وبأمنها الشخصي، وبالاصلاحات التي حصلت عليها ، وتلك التي كانت تأمل في الحصول عليها(79)
هامش
75-تروتسكي ، الثورة المغدورة، تعريب جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط4،1978، ص85
76-روجيه غارودي، تذكر الاتحاد السوفياتي بين الأمس وما صار اليه، دار طلاس، دمشق، 1995،ص96
77-المصدر نفسه،
78-جان الينشتاين، ظاهرة ستالين، ترجمة د.مجيد الراضي، دار المدى بيروت، 1996، ص 14
79-المصدر نفسه، المصدر نفسه، ص 102
وكانت مأساة البلاشفة في تلك الفترة البطولية تتمثل برفض التسليم بتلك الوقائع وبعدم أخذها بالحسبان. فالقادة البلاشفة اعتقدوا أن النزعة المحافظة نسبياً للحركة العمالية الأوربية هي واجهة موهنة تخنق خلفها كل الغرائز الثورية للبروليتاريا، وكل ما يجب فعله انما هو كسر تلك الواجهة الرقيقة لتحرير الطاقات المعادية للرأسمالية التي كانت تخفيها. وهذه الرؤيا لم تكن ناتجة فقط عن خطأ في التقدير السياسي، بل كانت تعكس العجز السيكولوجي لدى البلاشفة عن وعي إنعزالهم عن العالم، وهو عجز يشارك فيه كل قادة الثورة(80)
ويُسجل لتروتسكي أنه لفت الانتباه منذ وقت مبكر نسبياً، وأقصد المؤتمر الاستثنائي للحزب البلشفي الذي عقد في قصر توريد في السادس من آذار/مارس 1918 الى"أننا جئنا قبل أواننا"(81) وقال لينين في صحواته القصيرة قبل موته، وعندما كان يسترجع قدرته على الكلام :"بدهي أننا أخفقنا، كن انريد أن نبني مجتمعاً اشتراكياً بتعويذة سحرية..ان عقائد الناس وألوان سلوكهم المكتسبة لا يمكن أن تتغير في لحظة"(82 )
هامش
80-اسحق دويتشر، النبي المسلح، ص 462 79-المصدر نفسه
81-المصدر نفسه، ص 310
82-جان الينشتاين، ظاهرة ستالين ص 220
وقيل الكثير في هذا الشأن من قبل الكثيرين وكان من أهمهم الأديب الفرنسي أندريه غيد الذي زار الاتحاد السوفياتي في عام 1936 بدعوة من القيادة العامة، واكتشف أن أسس المجتمع الرأسمالي القديمة قد تركزت في روسيا من جديد، ونشأ استبداد رهيب يبطش بالناس ويربي لديهم كل ما في عقلية العبيد من ذل ومهانة.
أما روجيه غارودي فقد وجد أن انهيار الاتحاد السوفياتي لم يكن بسبب هزيمة عسكرية، انما بسبب انفجار سياسي واقتصادي، وليس بسبب انه اتبع عقيدة ماركس بل لأنه خانها.
وكان فريدريك إنغلز قد كتب قائلاً:" أن أسوأ ما يمكن أن يقع لقائد حزب راديكالي أن يضطر الى تولي الحكم في فترة لا تكون الحركة قد نضجت بعد لتسمح بسيطرة الطبقة التي يمثلها وتطبيق الاجراءات التي تفرضها تلك السيطرة. ولا يتوقف ما يستطيع اداؤه على ارادته، بل على درجة التناقض بين الطبقات المختلفة، وعلى مدى تطور الوسائل المادية للعيش وعلى ظروف الانتاج والتجارة التي تقوم عليها دائماً التناقضات الطبقية. أما ما ينبغي أن يعمله وما يطلبه حزبه منه، فلا يتوقف عليه ولا على درجة تطور الصراع الطبقي وظروفه. فهو مرتبط بعقائد ومطالب أعلنت من قبل وهي ليست صادرة عن العلاقات الطبقية في اللحظة الراهنة، ولا على المستوى العابر للانتاج والتجارة، انما تصدر عن قدرته على النفاذ ببصيرته الى النتيجة العامة للحركة الاجتماعية والسياسية, وهكذا يجد نفسه بالضرورة في مازق لا مخرج منه. فما يستطيع عمله يتناقض مع أعماله السابقة ومع مبادئه ومع المصالح العاجلة لحزبه. وما ينبغي أن يقوم به لا يمكن القيام به. ويكلمة واحدة فهو مضطر لا الى تمثيل حزبه أو طبقته، بل الطبقة التي تكون الحركة قد نضجت عندئذٍ لسيطرتها(83)
" ومن أجل مصالح الحركة يُضطر الى تقديم مصالح غريبة. ولا يقدم لطبقته غير الوعود والكلمات وتأكيد أن مصالح تلك الطبقة
غريبة عن مصالح طبقته نفسها. وكل من يوضع في هذا المأزق الشائك يضيع نهائيا"(84)
ومع ذلك فقد كان لينين وحزب البلاشفة وتروتسكي نتاج الدولة في روسيا التي كانت تختلف عن الدول في أوربا الغربية في أن
الأولى نصف آسيوية ونصف أوربية وترتكز على مجتمع متخلف، غير متمايز، كان تطوره بطيئاً للغاية الى الحد الذي جعل تروتسكي يقول: أن " حتى الرأسمالية ظهرت في روسيا كواقع خلفته الدولة". فالدولة، لا المنشأة الخاصة، هي التي أرست أسس الصناعة الحديثة. ونتج عن ذلك أن روسيا دخلت القرن العشرين ببرجوازية مدينية محدودة تماما,, كان السكان المدينيون يمثلون في ظل بطرس الأكبر 3% من السكان، وفي
الحروب النابوليونية 5ر4%، ولا أكثر من13% حوالي نهاية القرن التاسع عشر. والمدينة الروسية القديمة، بعكس المدن الأوربية، لم تكن مركزاً صناعياً أو تجارياً، بل حامية أو قلعة..والمدينة الروسية كالمدينة الآسيوية، لم تكن تنتج بل تستهلك. فهي لم تتمكن من معرفة مراكمة الثروة أو قسمة العمل. وهكذا تعززت كل الحواجز الرهيبة التي وضعها المناخ واتساع الأرض في وجه تطور الحضارة. فلم تجد الرأسمالية في روسيا 1850 تلك الحرف الميدينة التي ولدت منها الصناعة الحديثة في اوربا الغربية، ولم تكن روسيا تعرف تقريباً غير الحرفة الريفية الصغيرة..ولم تكن توجد في روسيا تلك الطبقة الاجتماعية المؤلفة من الحرفيين، المركزة في المدن التي شكلت هيكل البرجوازية الفرنسية(85)
والى هذه العوامل يعود انقلاب لينين على مفاهيمه القديمة المستندة الى العلم ورآى مثل تروتسكي أن البرجوازية الروسية عاجزة عن قيادة الثورة الديموقراطية وأن على البروليتاريا الصناعية أن تضطلع بهذا الدور. لا، بل أنه مضى الى أبعد من ذلك، وكان يعتقد أنه لما كانت الطبقة العاملة تمسك بالتفوق السياسي فسيؤدي ذلك الى الانتقال بالثورة الروسية من الطور البرجوازي الى المرحلة الاشتراكية، وذلك قبل أن يستلم الاشتراكيون الاشتراكيون السلطة في الغرب. وتتجلى"ديمومة الثورة"-كما ذكرنا سابقاً- في واقع أنه يستحيل حصرها ضمن حدود انتفاضة برجوازية(86)
وبالتالي، يمكن للبروليتاريا في بلد متأخر اقتصادياً-حسب تروتسكي أيضاً- أن تستولي على السلطة بصورة أسرع مما في البلدان التي تكون الرأسمالية متقدمة فيها..فالثورة الروسية تجمع الشروط التي تسمح للبروليتاريا بأن تأخذ السلطة، قبل أن تتوافر لسياسيي الليبرالية البرجوازية امكانية اظهار عبقريتهم كرجال دولة(87)وأن ألف عامل من عمال السكك الحديدية يزنون في الميزان السياسي أثقل من مليون قروي مبعثرين(88) وقدر تروتسكي أن "الثورة ستنتصر قبل وقت طويل من تبلتر غالبية الأمة"(89)
ولسوء الحظ فان جملة من الأمور ساعدت البلاشفة على تحقيق انتصارهم بسرعة كبيرة. وكان من أهم هذه الأمور حاجة الشعوب في روسيا الى السلم والأرض والخبز. وقد وعد البلاشفة الشعب بالسلم والأرض والخبز,,وتعهدوا أيضاً بعقد سلم فوري لم يكن من الممكن أن يكون عادلاً، ولا ديموقراطياً. وكان ذلك مأزقهم الأول. أما حله فسيمليه عليهم انهاك الجنود الفلاحين الذين كانوا مستعجلين للتخلي عن بنادقهم من أجل المحاريث.
وقد وزع البلاشفة الأرض بين الفلاحين، أو بالأحرى صادقوا على التوزيع الذي تولاه الفلاحون بأنفسهم(90) والأهم أن السلطات التي كانت ستقاوم تحركاتهم قد غابت، فان لجان الجنود المنتخبة في الثكنات انتزعت من الضباط كل سلطة وكل وظيفة, وكذلك فعلت لجان العمال المنتخبة في المصانع والمناجم حين انتزعت معظم حقوق المالكين والمدراء وسحبت امتيازاتهم منهم، قبل مصادرة ملكياتهم أو صرفهم. وكانت الغريزة الشعبية من النوع الفوضوي أو الاشتراكي عائداً في جانب منه الى ميل طبيعي، وفي جانب آخر الى الفوضى السائدة آنذاك.. وهكذا لم يكن الرأسماليون وحدهم مهددين، بالحرمان من مواردهم الصناعية بل كذلك الأمة بأسرها. ولم يكن أمام البرجوازية إلا المقاومة الاقتصادية والتخريب..وأدت الحرب الأهلية الى التأميم الفظ المبكر لكل الصناعة، الذي صدر بمرسوم في خزيران/يونيو1918(91) في حين "أن تحويل وسائل الانتاج او المواصلات الى ملكية الدولة لم يكن تقدماً اقتصادياً،. وكان الشعب يتجه الى تحطيم تماسك الصناعة. وكأن هذا التوجــــــــه لن يكون خطوةً جديدةً في الطريق الى امتلاك المجتمع لجميع القوى المنتجة، إلا حين تصبح وسائل الانتاج أو المواصلات كبيرة فعلاً الى حد يغدو من المتعذر على الشركات المساهمة ان تديرها، إلا حين يصبح تحويلها الى ملكية الدولة ضرورة اقتصادية لا مناص منها،حتى وان قامت به الدولة العصرية"(92)
وتخيل البلاشفة بناء دولة العمال والفلاحين "من دون جيش دائم أو شرطة، أو بيروقراطية. وكانت قد شاركت في ثورة اكتوبر، حفنة لا تتعدى 25 أو30ألف في حدها الأعلى. وبهذا المعنى، كانت الثورة عمل أقلية ضئيلة، بعكس ثورة شباط/فبراير التي شهدت طاقة الجماهير العظيمة، الفياضة والعفوية، تكنس الملكية..وسهل عدد كبير من الناس انتصار البلاشفة بتعاطفهم العملي والسلبي، وكثيرون آخرون بتبنيهم كل أنواع الحياد الممكنة..وفي الانتخابات الى الجمعية التأسيسية لم يحصل البلاشفة على أكثر من أقلية مهمة من الأصوات. كانت روسيا الريفية الواسعة، والأمية، والتي تغلي تمرداً وروح انتقام..كانت مرتبكة، ومتبلدة، ومتناقضة(93)
واذا عدنا الى الأسباب التي أدت الى تفجير الثورة في غير أوانها،وفي غير زمانها، فلا يستبعد أن تكون شهوة السلطة
حسب تعبير مارتوف، وكرر الكلمات نفسها تروتسكي " وهي التي وضعت الحزب في عام 1903 وما بعده في حالة طواريْ، وفرض لينين قبضته الحديدية عليه( 94) ولعل ذلك هو الذي جعل بليخانوف يلح على المندوبين الى المؤتمر الثاني التأسيسي للحزب عام 1903 لكي يبنوا صيغاً تعني بوضوح أنهم لن يتراجعوا في مرحلة ثورية حيال الغاء المؤسسات البرلمانية أو الحد من الحريات العامة.
ومن دون أدنى شك اثرت المجزرة العالمية التي لم تكن البشرية قد شهدت لها
مثيلاً تأثيراً بالغاً على كلٍ من تروتسكي ولينين. وكان لينين قبل عدد قليل من السنين قد رد على صان يات صن رئيس جمهورية الصين الذي اقترح بناء نظام اشتراكي في الصين بواسطة الآلات المستوردة من الولايات المتحدة الأميركية، قائلاً بأن على الصين والبلدان المتخلفة الأخرى أن تنتظر انتصار الاشتراكية، في بلد أو في مجموعة بلدان متطورة. ومن ثم تقدم البروليتاريا المنتصرة المساعدة التي تخرج الصين وغيرها من وهدة تخلفها.
ألا أن الحرب نفسها، بالتالي، شكلت أكبر اغراء للينين وغير لينين للقيام بالانتفاضة بسبب انشغال القوات الأساسية للنظام في صد ومناوشة العدو الخارجي في ساحات القتال. وهذه ما حدا بستالين لأن يربط بين الحرب وبين الانتصارات التي أُحرزت في صالح النظام (الاشتراكي) وأن يعتبر الحرب عموماً، الشرط الأول من شروط انتصار الثورة. ولاحظ اسحق دويتشر أن فكرة الثورة عن طريق الفتح، نفذت الى أعماق الروح البلشفية،وتخمرت فيها وأفسدتها(95)
وأخيراً، لم يكن امام روسيا إلا أن تسير في السبيل الذي انتهجته، فمن جهة سارت في سبيل رأسمالية الدولة، ومن جهة أخرى، تشكلت طبقة برجوازية بيروقراطية أوجدت لنفسها امتيازات ومكاسب مادية، اضافة الى الامتيازات التي يوفرها احتلال المناصب الرفيعة. وتم الفرز في صفوف هذه البيروقراطية ما بين نخبة تشغل أعلى المراكز في قمة الهرم الحزبي والحكومي بلغ عددها في الأيام الأخيرة للعهد السوفياتي(الشيوعي) في الاتحاد السوفياتي 400 ألف شخص يطلقون عليهم اسم الـ"نيمانكلاتورا" وقاعدة بيروقراطية واسعة قدر عددها في الفترة نفسها ما بين 17و18مليون نسمة. ويكمن الفارق بين الفئتين في ان الاولى كانت تسحب القشدة وتعيش وفق النماذج الامبراطورية، في حين لم تحصل الثاني الا على فتات الموائد (96)
وأدى التناقض مابين طرفي المعادلة المذكورة الى ارتفاع قيمة المواد الأولية المستخدمة في الانتاج دون جدوى، في السنوات الأخيرة من عمر السلطة السوفياتية الى 400 مليار روبل، اي ما يعادل 14 مليون سنة/عمل. وقد تم انفاق 570مليارروبل على انتاج سلع لا يمكن للمجتمع أن يستخدمها. وبلغت قيمة المواد الأولية غير المصنعة من نفط وغاز وخشب وغيره 62% من مجمل الصادرات السوفياتية. وفي المقابل فان أعداداً كبيرة من العاملين لم تكن تنتج شيئاً ذي قيمة، ولم يقل عن 50 مليون أجير كانوا يبحثون عن عمل اضافي، وقدر عدد العاملين بالأسود بـ17 مليون شخص. وفي الوقت الذي امتلأت المكتبات في العالم الرأسمالي بالكتب والمجلات والجرائد التي كانت ولا تزال تغص بالبحوث العلمية العميقة التي تتناول مختلف جوانب الحياة، وافسح المجال رحباً لأوسع نهضة علمية، كان العالم الشرقي"المعسكر الاشتراكي" يغط في نوم عميق، مكتفياً بالمهرجانات الخطابية الخادعة،والمقالات البائسة إما في المديح والثناء أو في القدح والذم. ولم يشهد العالم بحثاً جديراً بهذا اللقب بعد كتاب لينين "المادية ومذهب النقد التجريبي" الذي صدر في عام 1909.
إلا أن كل ما ذكرنا لم يمنع شخصاً معادياً للشيوعية مثل زبيغنيو بريجنسكي من القول:" ان ظاهرة الشيوعية المتولدة من المثالية نافذة الصبر التي رفضت الظلم والأمر الواقع، كانت تسعى الى اقامة مجتمع افضل وأكثر انسانية..وقد عكست بكثير من التفاؤل ايماناً بقوة العمل وقدرته على بناء مجتمع كامل.
وبعض أكثر القلوب ولعاً بالمثالية..فقد كانت الشيوعية طامحة الى الجمع بين العقلانية السياسية والأخلاقية الاجتماعية عبر العمل المنظم (97) و"ان النظرة الماركسية الى التاريخ جزء من تراث العالم الفكري"(98) وقال كارل بوبر"إن قيم الاشتراكية بمعية قيم التنوير هي أنبل ما حملته الفلسفة"(99)
هامش
83-فريدريك اينغلز، حرب الفلاحين في ألمانيا، دار دمشق ، بدون تاريخ، ص139
84-المصدر نفسه
85-اسحق دويتشر،النبي المسلح، ص177و178
86-المصدر نفسه، ص 176
87-المصدر نفسه، ص 179و180
88-المصدر نفسه، ص 182
89-المصدر نفسه، ص 183
90-المصدر نفسه، ص 332،333
91-المصدر نفسه، ص 334و335
92- فريدريك إنغيلز، الاشتراكية الطوباوبة..، ص 123
93-اسحق دويتشر، النبي المسلح، ص338
94-المصدر نفسه، ص 338
95-المصدر نفسه، ص 482
96-أرنست مانديل، الاتحاد السوفياتي الى اين في ظل غورباتشوف؟ دار الفارابي بيروت، 1991، ص 137
97-زبيغنيو برجنسكي، الاخفاق الكبير، ميلاد الشيوعية وموتها، دار كنعان، دمشق، 1990، ص 227
98- المصدر نفسه
99-كارل بوبر، الاطار، دار المعرفة، الكويت، 2004، ص 8





====================================================================================================






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وثيقة نظرية حول الإمبريالية الجديدة
- طريق اليسار - العدد24: تشرين الثاني/ 2010
- طريق اليسار - العدد 23
- طريق اليسار - العدد 22: آب / 2010
- طريق اليسار العدد 21:
- الكيان الصهيوني في مواجهة قافلة الحرية ثقافة الوحشية والهمجي ...
- جدل - العدد 7 أيار / مايو 2010
- طريق اليسار - العدد 20: أيار/ 2010 /
- طريق اليسار - العدد 19: آذار/مارس 2010
- طريق اليسار - العدد 18: كانون الثاني 2010
- طريق اليسار ملحق العدد 17
- طريق اليسار العدد 17: كانون الأول 2009
- نعوة مناضل - الرفيق سهيل الشبلي المدلجي
- طريق اليسار - العدد 16: تشرين الأول 2009
- جدل - العددالسادس - تشرين الأول2009
- جدل - العدد الخامس- أيار2009
- طريق اليسار - العدد 15: سبتمبر/ أيلول 2009
- طريق اليسار - العدد 14: تموز 2009
- طريق اليسار - العدد 13: حزيران 2009
- طريق اليسار العدد 12: أيار 2009


المزيد.....




- بلينكن: المحادثات النووية مع طهران لا يمكن أن تستمرّ -إلى ما ...
- إقبال على تلقي اللقاحات المضادة لكورونا في العراق مع تزايد ...
- واشنطن: المحادثات النووية -لن تستمر للأبد والكرة في ملعب إير ...
- بلينكن: المحادثات النووية مع طهران لا يمكن أن تستمرّ -إلى ما ...
- إقبال على تلقي اللقاحات المضادة لكورونا في العراق مع تزايد ...
- إثر دعوتها لإنهاء الصراع والتوجه للمفاوضات.. واشنطن: الحوثيي ...
- بريطانيا تدعو الأطراف اليمنية إلى العمل على تحقيق السلام وإن ...
- مقتل 3 مواطنين وإصابة 11 أخرين بانفجار لغم حوثي جنوبي الحديد ...
- إقبال على تلقي اللقاحات المضادة لكورونا في العراق مع تزايد ع ...
- مصدر: قاآني زار بغداد لتكليف الفصائل العراقية بهذه المهمة


المزيد.....

- في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد / ياسين الحاج صالح
- حزب العمل الشيوعي في سوريا: تاريخ سياسي حافل (1 من 2) / جوزيف ضاهر
- بوصلة الصراع في سورية السلطة- الشارع- المعارضة القسم الأول / محمد شيخ أحمد
- تشظي الهوية السورية بين ثالوث الاستبداد والفساد والعنف الهمج ... / محمد شيخ أحمد
- في المنفى، وفي الوطن والعالم، والكتابة / ياسين الحاج صالح
- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - تجمع اليسار الماركسي في سورية - جدل - مجلة نظرية- فكرية- ثقافية العدد 8