أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الحسين شعبان - المثقف والهاجس المفقود















المزيد.....

المثقف والهاجس المفقود


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 3139 - 2010 / 9 / 29 - 17:46
المحور: الادب والفن
    


دوّنت حضارة بابل التي سُجّلت على الألواح الطينية “ملحمة كلكامش” التي تُجسِّد بحث الإنسان عن الخلود . فبعد مسيرة طويلة ومضنية اقتفاءً لأثر “أوتانابشيم” يقول كلكامش بطل الطوفان في حوار على لسان “سيدوري” إحدى حوريات الماء، التي التقاها بعد نجاته مهتّزاً لموت صديقه “أنكيدو” مردداً: وجدت حياتي..أينبغي، إذاً، أن أموت أنا أيضاً كما مات أنكيدو؟

ظلّ المثقف يبحث منذ أقدم العصور عن معنى الحياة والوجود وعن الفناء والخلود، وكانت الحرية الهاجس الإنساني ملازمة له، بل لصيقة به مثل ظلّه التي بسبب فقدانها أو شحّها، تستمر معاناته، حتى لتغدو مأساة حقيقية، وقد ازدادت هذه المسألة حساسية، لاسيما بعد الانهيارات الدراماتيكية التي عصفت بالنظام الدولي الثنائي القطبية، الذي نشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وسيادة قطبية أحادية، بعد سقوط النظام الاشتراكي العالمي، وانتهاء مرحلة “الحرب الباردة” وتحوّل الصراع الإيديولوجي الدولي، وبالأخص بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 الإرهابية والإجرامية، ليأخذ شكلاً جديداً بادعاء أن التهديد الإسلامي، لا بل إن “الإسلام” بالذات يشكّل الخطر الأكبر على العالم، لكونه المصدر الأساس للإرهاب، وذلك بالترافق مع ما سميَّ بالحرب الدولية على الإرهاب واحتلال أفغانستان والعراق .

إنّ هذه التطورات مجتمعة، بالإضافة إلى فشل المشاريع الماركسية اليسارية، والقومية السابقة، ووصول المشروع الإسلامي إلى طريق مسدود، أثّرت سلباً في المثقف، خصوصاً في البلدان النامية، ما زاد في تشاؤمه وانطفاء الكثير من أنوار روحه الداخلية، فهو إضافة إلى همومه العامة التي هي هموم المجتمع، ظلّت الحرية ولاسيما حق التعبير هاجسه المفقود، فتراه إمّا التحق تابعاً للسلطات ينمّق لها أطباق الأيديولوجيا على طريقة صاحبنا هلال الصابي، الذي كتب إلى عضد الدولة البويهي، كتاباً عن “بني بويه” فلمّا سأله أحدهم أحقاً فعلت ذلك؟ أجابه: نعم، إنها “أباطيل ننمقها وأكاذيب نلفقها” . أو على طريقة أبو حيان التوحيدي، الذي كتب، وناقش، وحاور، وجادل، وساجل، طيلة سبعة عقود قضاها في أتون المعركة الفكرية والثقافية في عصره، فلما بلغ شأوه، وهو على مشارف التسعين، أطعم كل ما كتبه إلى النيران قائلاً، إنه أحرقها لقلّة جدواها، وضّناً بها على من لا يعرف قدرها بعد موته .

أو كغاليلو، الذي تجرّع كأس السم على أيدي كهّان القرون الوسطى “المظلمة” ومحاكم التفتيش باسم الدين، لكن الأرض ظلّت تدور . وفي حالات أخرى فضلّ المثقف الانكفاء، أو الهروب إلى الأمام، فخسر نفسه أو خسرنا إبداعه لحين أو لكل الوقت .

لعب المثقفون العرب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين دوراً متميّزاً مقتحمين ميادين مهمة شتى، فمن جمال الدين الأفغاني الذي دعا إلى الجامعة الإسلامية، إلى محمد عبده الذي اهتمّ بتطوير الفكر الديني، وصولاً إلى الكواكبي الذي شدّد على تغيير نظم الحكم وتحدّث عن طبائع الاستبداد . أما شبلي شميّل ومن بعده سلامة موسى فقد دعوا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، في إطار اشتراكي، وبلور علي عبد الرازق فكرة الأصول القائمة على الشرعية لنظام الحكم الإسلامي، وصولاً إلى حداثة طه حسين .

وترافق مع ذلك أمثلة تحديثية عديدة في العالم الإسلامي، كحركة المشروطة عام 1906 في إيران والحركة الدستورية عام 1908 و”الأتاتوركية” في ما بعد في تركيا، اللتين مالتا إلى تحديث نظم الحكم وفقاً لقواعد دستور يضمن ذلك .

وعلى الرغم من التطور الذي شهده العالم، فإن الحريات بشكل عام، وبخاصة حرية التعبير والتفكير واستقلالية البحث العلمي ظلت مفقودة أو شحيحة في الكثير من الأحيان في عالمنا العربي، لاسيما بسبب احتدام الأوضاع السياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث كان يُنظر اليها كمنطقة محرمّة، ممنوع الاقتراب منها أو تجاوزها، وإنْ سُمح لبعض الهوامش والفرص المحدودة، فقد صادفت حقولاً مفخخة تمّ زرعها بالعديد من الألغام .

ويزخر عالمنا العربي والإسلامي بنماذج عديدة لتحريم الفكر وتجريم التفكير، ومنع حرية التعبير والرأي، والتنكر للتعددية والتنوّع الثقافي وحق الاختلاف والتعايش مع الآخر، بل وسادت تحت يافطات مختلفة فكرة الرأي الواحد الإطلاقي الشمولي، الذي يدّعي امتلاك الحقيقة، ويوجب طاعة المحكومين للحكام، حتى وإنْ كانت سلطة الحكّام لا تستمد أساسها من العدل والشرعية والقانون .

إن ادعاء امتلاك الحقيقة يعني حجب حق الآخر في التعبير والتفكير، وحسب أدونيس، فإن ذلك يعني “اعتقال العقل”، عقل “الذات” الآخر، الذي تصبح صورته هي: صورة العدو، الخصم، المشبوه أو العميل بلغة السياسة والايديولوجيا، والكافر والملحد أو الزنديق والمارق، بلغة بعض رجال الدين المتطرفين .

ولعل ذلك هو الوجه الآخر للاستبداد، فمن لا يحترم الآخر، كيف يمكنه احترام الذات (نفسه)، “فليس للطغيان صورة واحدة بل صور متعددة” كما يضيف أدونيس .

شهدت معادلة الثقافي بالسياسي اختلالات كثيرة، سواءً في ظل سيادة الأفكار النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، أو من خلال هيمنة الستالينية ورائدها في الثقافة “جدانوف” في الاتحاد السوفييتي السابق، أو خلال فترة المكارثية في الولايات المتحدة حيث تعرّض الكثير من المثقفين إلى إرهاب منفلت من عقاله، أو في ظل حملة التكفير الإسلاموية بحجة الارتداد والمروق التي سادت في السنوات الثلاثين الماضية، وما رافقها من صراعات عسكرية ودينية وطائفية وصعود لقوى التطرف والتعصب، من دون نسيان دور “إسرائيل” منذ 6 عقود ونيّف من الزمان، فضلاً عن الممارسات الدكتاتورية واللاديمقراطية للعديد من الأنظمة، إزاء المثقفين .

وهناك نماذج كثيرة من معاناة المثقفين على المستوى العالمي، من أمثال: لوكاش (المجري)، وغرامشي وتولياتي (الإيطاليان) وغارودي وآرغون (الفرنسيان) وبريخت (الألماني) وغوركي (الروسي) وعشرات الأمثلة . وفي عالمنا العربي، دفع أعلام كبار ضريبة التباس وتداخل المعادلة الثقافية السياسية، والأمثلة كثيرة مثل: الجواهري، وأدونيس، ومحمود درويش، وسعدي يوسف، وبلند الحيدري، وأميل حبيبي، وعبد الوهاب البياتي، ونجيب محفوظ، ومحمد حسنين هيكل، ومحمد باقر الصدر، ونصر حامد أبو زيد، وأحلام مستغانمي، والسياب، ومعين بسيسو، ومحمد حسين فضل الله، وعزيز السيد جاسم، وهادي العلوي، وعبد الرحمن منيف، وإدوارد سعيد، والطاهر وطار، والمهدي بن بركة، وحسين مرّوة، ومهدي عامل، وشفيق الكمالي، وشمران الياسري (ابو كاطع)، ومحمد محمود طه، وحيدر حيدر، وصادق جلال العظم، وعشرات غيرهم .

إنَّ السلطة أياً كانت أنظمتها ملكية أم جمهورية، حزبية أم غير حزبية، عسكرية أم مدنية، يمكن أن تصبح مُلكاً عضوضاً كما قالت العرب، اذا ترافقت مع محاولات فرض الرأي بالقوة وغياب الرقابة وضعف المساءلة وتعطيل مبدأ سيادة القانون، أمّا إذا صاحبتها وسائل تكنولوجية حديثة وأساليب مبتكرة للتضليل مترافقة بالدعاية السوداء وإغراءات مادية، فإنها ستغدو أشد قسوة ووحشية وبعداً عن الإنسانية، وبالأخص حين تستهدف انتزاع عقيدة أو التبرؤ منها بالتعذيب والإكراه أو بالديماغوجيا والتزييف، بأساليب غليظة أو ناعمة .

وعلى الرغم من كل المعاناة التي يعاني منها المثقف فإني مع قسطنطين زريق أقول: “إنّ حفظ المثقف لكرامته وكرامة ثقافته يقوم على مبلغ إخلاصه لهذه الثقافة” .






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد التعويض العراقي لأمريكيين من يعوّض العراقيين؟
- بلجيكا في مواجهة الانقسام
- المفارقات الكبيرة بين الرأسمالية المتوحشة والرأسمالية ذات ال ...
- الحريات الأكاديمية
- الغزو الأمريكي نجح عسكرياً وفشل سياسياً والفراغ الحكومي يعيد ...
- ما يريده بايدن من العراق
- التنمية الموعودة والشراكة المنشودة!
- اعتقال العقل
- الحق في التنمية
- كوسوفو وقرار محكمة لاهاي: أية دلالة مستقبلية؟
- جديد الفقه الدولي: كوسوفو وقرار محكمة لاهاي أية دلالات عربية ...
- جرائم بلا عقاب
- دلالات قمة نتنياهو أوباما نووياً
- ثلاث سلطات تلاحق المثقف
- الثقافة رؤية والسياسة تكتيك
- سلطة المعرفة وتفتيش الضمائر
- صدام الأصوليات وحيثيات التبرير!
- هرطقات ديمقراطية صهيونية
- نصر حامد أبو زيد ومحنة التفكير والتكفير!
- الثقافة والابداع من أجل التنمية!


المزيد.....




- إختطاف الممثلة الشابة إنتصار الحمادي وثلاث اخريات في العاصمة ...
- مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يعلن موعد دورته الجديدة
- سعيد يحضر أمسية فنية مصرية تونسية في دار الأوبرا احتفاء بزيا ...
- 4 فصول في دمشق.. كتاب لصحفية هولندية عن جحيم الفلسطينيين في ...
- أمسية عن المسرح الأنصاري
- السعودية تدعم صناع السينما المحليين بتخفض أسعار تذاكر الأفل ...
- جوائز بافتا: المخرجة البريطانية-الفلسطينية فرح النابلسي تقطف ...
- رواية -الرجل الذى صلب المسيح- للكاتب الفرنسي إيريك إيمانويل ...
- المجموعة القصصية -خيط العنكبوت وقصص أخرى-
- ذكرى ميلاد الشاعر المصري الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الحسين شعبان - المثقف والهاجس المفقود