د.محمد على مقلد في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: الدولة والعلمانية واليسار


محمد على مقلد
الحوار المتمدن - العدد: 3136 - 2010 / 9 / 26 - 12:26
المحور: مقابلات و حوارات     

أجرى الحوار : فواز فرحان


من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 7 - سيكون مع الأستاذ د.محمد على مقلد حول : الدولة والعلمانية واليسار.


 


1- عقدان من الزمن على نهاية الحرب الأهلية، هل تعتقد بأن لبنان لا يزال يعيش تبعاتها ونتائجها ، وما هو تأثيرها على مشروع الدولة والمقاومة؟


الحرب الأهلية خيار إلزامي في العالم العربي في غياب الديمقراطية
يذكر الأصدقاء في الحوار المتمدن أنني قلت هذا الكلام عن الخيارين في ندوة لي في كوبنهاغن قبل الاجتياح الأميركي للعراق ، وما زلت على اعتقادي هذا . وانطلاقا من ذلك أجيز لنفسي القول بأن الحرب الأهلية في لبنان لم تنته بعد ولن تنتهي طالما ظل النظام السياسي نظام محاصصة ، أي نظاما مستلهما من حضارة الحكم الوراثي ونظام الملل العثماني . من "الخطأ الشائع" إيهام الناس بإن الحرب الأهلية توقفت مع اتفاق الطائف ، أي في أوائل التسعينات. هذا خداع للرأي العام يسوقه الراغبون باستمرار الأزمة المتسترون على أسبابها الحقيقية . وفي اعتقادي أيضا أن السؤال عن الحرب الأهلية يطرح على اللبنانيين ، وكأنهم وحدهم المختصون بهذا النوع من الحروب ، حتى بات أي وضع مشابه ينعت باللبننة ، في حين أن معظم العالم العربي والعالم الإسلامي يعيش حروبا أهلية، بالمعنى الدقيق للكلمة ، حروبا تستعر حينا ثم تخمد كالنار تحت الرماد . انظروا إلى العالم العربي كله من المحيط إلى الخليج، من الجزائر إلى مصر والسودان والصومال واليمن والعراق ولبنان وأخيرا فلسطين، ففي كل هذه البلدان تستعر حروب أو تكمن أسباب للحروب الأهلية لا تقل ضراوة عن الأسباب اللبنانية . أما نحن اللبنانيينن فقد "تفلسفنا" كثيرا في البحث عن أسباب الحرب اللبنانية ، إلى أن لخصها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بقوله إنها أزمة بطوابق ثلاثة ، محلي وعربي ودولي . والحقيقة أنه مهما تعددت الأسباب أو تنوعت فأن هنالك سببا واحدا مشتركا تجدونه في كل البلدان " المؤهلة " لمثل هذه الحروب ، وسرعان ما يبادر منظمو الحروب الأهلية من القوى المحلية أو الخارجية ، وكلهم ممن لا تعوزهم الموهبة، فيعملون على "تأصيل" السبب المشترك الجاهزهذا وتطعيمه بالخصوصيات المحلية.
المشترك في الحروب الأهلية ليس التنوع الطائفي إذن ، ولا هو الوجود الفلسطيني ، على ما كان يحلو للبنانيين أن يقولوا ( لا وجود فلسطينيا مسلحا في السودان)، ولا "حروب الأخرين على أرضنا" ، وهذا أيسر السبل للتنصل من المسؤولية. قد تكون تبعات القضية الفلسطينية مسؤولة ، بمعنى ما ، جزئيا عن الصراع اللبناني الداخلي ، وقد يكون التنوع الطائفي مسؤولا كما هي الحال في لبنان ، والتنوع العرقي أوالديني أو الإتني كما هي الحال في السودان وأفغانستان ، وقد يكون التدخل الخارجي مسؤولا كما هي الحال في لبنان والعراق وأفغانستان ...غير أن حالة الصومال ، أو فلسطين مثلا، تعتبر نموذجية لنفي السبب الطائفي أو الديني. قد يقال إن الأسباب الاقتصادية والتفاوت الطبقي ومستوى التخلف ، الخ ، وهو ما ترزح الصومال تحت وطأته ، غير أن العراق الغني ( أعلى مستوى دخل فردي في العالم العربي قبل الحرب العراقية الإيرانية) ينفي هذا الاحتمال.
إذن السبب المشترك هو مواجهة الحداثة والخروج على الدولة
مصطلح الحرب الأهلية من مشتقات الحضارة الحديثة ، الحضارة الرأسمالية، وهو بالفرنسية guerre civile ، وهو مثل كل المصطلحات المترجمة ، انتقل إلى العربية مع التباسات ترجمته ( أهلية أم مدنية؟) . الحضارة الرأسمالية كلها انتقلت إلى عالمنا حاملة التباساتها ، ومن بين تلك الالتباسات ، مفهوم الدولة الحديثة.
في العالمين العربي والإسلامي حصلت " ممانعة " ضد الدخول في الدولة الحديثة ، وهي لا تعني غير الممانعة ضد الديمقراطية ، أي ضد التنوع ، أي ضد الاعتراف بالآخر ، وحيثما حلت هذا الممانعة في أرض حلت معها أسباب مضمرة لحرب أهلية داهمة أو مرجأة. ترجمت الأصوليات الماركسية والإسلامية والقومية هذه الممانعة عداء للديمقراطية وجسدتها بحكم الحزب الواحد ، ثم راحت تتنافس على ابتكار أحدث الأساليب في الإرهاب والاستبداد والقمع وإلغاء الرأي الآخر ، وبهذا المعنى ، كل رأي آخر ، أيا تكن طبيعة الاختلاف ، دينيا أو مذهبيا أو عرقيا أو سياسيا ...هو رأي ملغى في الأنظمة غير الديمقراطية، وسبل الإلغاء معروفة ، السجن أو النفي أو القتل ...لكن ، حين تتوافر بين المختلفين توازنات لا تسمح بأن يلغي طرف طرفا آخر ، يتحول الاختلاف، في غياب الديمقراطية والدولة الحديثة إلى حرب ، هي الحرب الأهلية بالتمام والكمال. كل نظام غير ديمقراطي هو ، بهذا المعنى ، مشروع حرب أهلية . طالما استمر توازن ما قائما بين الأطراف المتقاتلة تستمر الحرب الأهلية، وحين يرجح الميزان لصالح قوة من القوى تتوقف الحرب الأهلية(حالة مصر أو الجزائر)، لكن أسبابها تبقى كامنة طالما أن الدولة الديمقراطية لم تتحقق.
الحرب الأهلية في لبنان لم تنته إذن ، ولن تنتهي إلا بقيام نظام ديمقراطي ، أي بقيام الدولة ، دولة القانون والديمقراطية على أنقاض دولة المحاصصة، وفي ظل هذه الدولة يجري البحث عن حلول للمشاكل الداخلية ، الاقتصادية والاجتماعية وسواها ، وللمشاكل الخارجية ، ومنها موقع لبنان من القضية الفلسطينية والعلاقات اللبنانية السورية والعلاقات اللبنانية العربية عموما والعلاقة بإيران، الخ. ومفتاح النظام الديمقراطي الذي يتسع لكل صنوف التنوع الطائفي والمذهبي والسياسي هو قيام دولة القانون والمؤسسات ، بعد إقرار نظام انتخاب يعتمد لبنان دائرة واحدة على أساس التمثيل النسبي ، مع الاحتفاظ بالقيد الطائفي احتراما لصيغة المناصفة بين المسيحيين والمسلمين ، وهي صيغة ستبقى ضرورية للسلم الأهلي إلى أن تقوم في كل المنطقة العربية أنظمة علمانية بالمعنى الدقيق للكلمة.



2- ما هو تأثير الخارج في الشأن اللبناني؟


اللبنانيون استدرجوا الخارج واستقووا به بعضهم ضد بعض
ليست المرة الأولى التي تبنى فيها علاقات غير سوية بين قوى سياسية لبنانية مع الخارج العربي والدولي ضد الدولة اللبنانية ، أي ضد السيادة الوطنية ، ونحن اللبنانيين مسؤولون عن استدراج الخارج ضد دولتنا ، نحن استدرجنا سوريا وإسرائيل والقوات الدولية والعربية واليوم إيران: نحن اليساريين شبكنا علاقات رفاقية مع كل الأحزاب اليسارية في العالم ومع الأحزاب الشيوعية ، "وعلى رأسها الحزب الشيوعي السوفياتي" ، وشبكنا علاقات تعاون مع قوى عربية كسوريا وليبيا والجزائر والعراق ، وكان همنا ، من موقعنا اللبناني أن نتوسل دعم الخارج وأن نقدم له مقابل مساعدته ، فكنا كمن يأتي بالدب إلى زرعه، آملين أو متوهمين أننا بمساعدة الخارج نهيء "لحكم وطني ديمقراطي يفسح في المجال أمام الانتقال إلى الاشتراكية" ،وذلك لأننا لم نكن نعتبر لبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه ، فوطن الشيوعيين النهائي هو الاممية الاشتراكية. كذلك فعل القوميون على اختلاف صنوفهم حين ناضلوا ليستبدلوا الوطن اللبناني بالوطن العربي أو بالوطن السوري ، والانتماء إلى لبنان بالانتماء إلى مصر الناصرية أو سوريا وعراق البعث ، كذلك فعلت المارونية السياسية حين "ناضلت" لتجعل من لبنان الوطن القومي المسيحي، وما تمناه الإسلاميون هو تحقيق شعار " الإسلام هو الحل" . إذن كان لكل دولته التي هي أي شيء إلا دولة القانون والمؤسسات. ومن حظ لبنان أن كل هذه المشاريع باءت بالفشل لأسباب ليس الآن مكان نقاشها ، من بينها أن الأطراف الخارجية حين تتدخل ، لا تتدخل إلا من أجل مصالحها هي ، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة الوطنية العليا للشعب اللبناني وللدولة اللبنانية. ومن المؤسف أن كل أصحاب المشاريع الكبرى أو الصغرى ، المافوق وطنية والمادون وطنية لم يتعلموا من دروس فشلهم ومن دروس استدراج الخارج ، إذ ما زال يراودهم حنين إلى تكرار التجربة ، ومن موقع حنينهم هذا يتعاونون مع حزب الله ، حتى لو كانت هذه الرغبة من طرف واحد كما هي الحال مع اليسار اللبناني عموما ، وبصورة خاصة مع قيادة الحزب الشيوعي اللبناني الراهنة.
طرف واحد لم يكمل تجربته بعد ، هو حزب الله صاحب مشروع ولاية الفقيه .وهو ككل الأحزاب الأخرى يحاول أن يغلف مشروعه ، على سبيل التمويه ، بقضية القضايا ، القضية المقدسة لدى العرب والمسلمين ، قضية فلسطين . صحيح أن هذا ليس جديدا ، فاليسار توسل القضية ذاتها من أجل مشروعه الاشتراكي ، و الأصولية الاسلامية لم تتوان عن استخدامه حتى في الشيشان وفي يوغسلافيا السابقة.
ببساطة ، مشروع حزب الله هو الممانعة في قيام دولة القانون والمؤسسات، تحضيرا لانتصار مشروع شيعي عنوانه نظام ولاية الفقيه ، أو بانتظار أن يظهر الإمام المهدي المنتظر فيقوم حينئذ نظام عالمي ( أممي) على أساس الشريعة الإسلامية وحكم الإمام . هذا يذكر بكلام منسوب إلى ماركس عن المهزلة حين يحاول التاريخ أن يكرر نفسه؟!
 


3- هل المقاومة هي للاحتلال أم مقاومة لمشروع الدولة؟


بهذا المعنى لا تكون المقاومة في بعض الحالات سوى ذريعة ، تماما كما كانت مقاومة اليسار وسيلة " تفسح في المجال أمام " تحقيق المشروع الاشتراكي ،( المارونية السياسية كانت لها مقاومتها لتحرير لبنان من الاحتلال السوري، حسب تعبيرها)، ذلك لا يجعلنا نشيح النظر عن البطولات والتضحيات التي قدمتها المقاومة اللبنانية ، مقاومة حزب الله ومقاومة الحزب الشيوعي من قبلها ، من أجل تحرير التراب اللبناني من الاحتلال الصهيوني، ولا المقاومة الفلسطينية من أجل فلسطين ، لكنه لا يجعلنا نغفل أيضا أن فكرة المقاومة بعد تحرير الأرض لا يعود لها المعنى الذي كان لها قبل التحرير، وأن المقاومة حين توجه سلاحها ضد غير العدو المحتل تغدو جماعة مشاغبة على النظام وعلى القضية ، تماما كما حصل مع المقاومة الفلسطينية و"تجاوزاتها" أوحروب أهل الخندق الواحد في لبنان قبل الاجتياح الاسرائيلي ، أو المقاومة التي نسبتها المارونية السياسية لنفسها في حروب الإلغاء والتحرير، أو تلك التي حصلت بين إخوة السلاح في طرابلس الشام عام 1984( المجزرة التي نفذها أبو عمار والأصولية الإسلامية بحق الشيوعيين) أو في الجنوب اللبناني عام 1988-1989 بين طرفين شيعيين : أمل وحزب الله، أو في حرب "العلمين" سنة 1987 في أزقة بيروت ( بين أمل والحزب التقدمي الاشتراكي)، أو حرب إخوة الإيمان في برج إبي حيدر سنة 2010 ( بين حزب الله وجمعية المشاريع)، أو في الحرب الشنيعة بين فتح وحماس التي شقت الصف الفلسطيني والدولة المأمولة ، أو تلك الحروب المجانية في الصومال ، أو تلك التي فتكت بأرواح بريئة على أبواب المستشفيات أو المساجد في العراق ؟ أين الاحتلال من كل هذه الحروب ؟ لا ينقصها إلا الاحتلال فقط لتكون مقاومة ! وربما هي تستدرج الاحتلال لتقاومه، والمحتل جاهز لمن يستغيث ، على غرار ما فعل صدام حسين في حرب الخليج ، أو على غرار ما فعل حزب الله في تموز 2006؟
هذا عن علاقة القوى اللبنانية ، ومنها حزب الله، بالخارج ، أما علاقة الخارج بالقوى اللبنانية فلا تختلف من حيث الهدف : إنه الحؤول دون قيام مشروع الدولة الوطنية . هذا ما كانت تريده سوريا حين أدى دورها مع حلفائها إلى إلغاء الديمقراطية وتعطيل المؤسسات في الدولة اللبنانية ، وهذا كان دور إسرائيل حين عملت مع حلفائها اللبنانيين على قيام دويلات طائفية تبرر وجودها ، وهذا ما يؤول إليه تحالف حزب الله مع إيران : منع قيام الدولة ، دولة القانون والمؤسسات ، بانتظار قيام دولة ولاية الفقية ، وتوظيفا لدور الساحة اللبنانية في إطار صراع إيران مع المجتمع الدولي. من هذه الزاوية ، أجيز لنفسي القول إن الإصوليات الإسلامية والماركسية والقومية لعبت ولا تزال تلعب دورا معيقا في عملية النهضة وفي عملية الدخول في الحضارة الحديثة ، ذلك أن مفتاح الدخول في هذه الحضارة هو مشروع الدولة الديمقراطية ، المشروع الوحيد القادر على استيعاب التنوع والاختلاف ، وعلى استيعاب منجزات العلم والتطور التقني الهائل الذي انجزه البشر بعقولهم وسواعدهم.


4- ما هو برأيكم المفهوم الأمثل للعلمانية؟ وعلاقتها بدولة القانون والمواطنة ؟


العلمانية ليست شيئا آخر غير الديمقراطية و دولة القانون
قرن كامل من الزمن مضى ونحن نلوك الكلام ذاته عن العلمانية ، وحال العلمانية على أيدينا من سيء إلى أسوأ، ولم يخطر في بالنا أن نبحث عن أسباب فشلنا . نستقرب ونستظل نظرية المؤامرة : دائما هناك طرف خارجي و لا تعوزنا الحجة لنبرر عجزنا :هو الاستعمار ، و هو في المشرق العربي الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي. لكنني لن أتردد في القول إن السبب الأساس في الفشل هو إن من حملوا لواء العلمانية أو من اعتقدوا أنفسهم علمانيين، لم يكونوا علمانيين أبدا ، أما الذين حاربوها من جهلة الدين، فقد كان جهلهم في شأن العلمانية جزءا من جهالتهم الدينية. ولأن فاقد الشيء لا يعطيه ، فقد آن لنا أن نكف عن شتم الظروف الموضوعية والأعداء ، وأن نقرأ سلوكنا قراءة نقدية .
العلمانية في نظر رجال الدين المسلمين كفر وإلحاد . فمن الطبيعي إذن أن يكون الحوار معهم حول المسألة عقيما كحوار الطرشان . فلماذا أصر العلمانيون على هذا الشكل من الحوار إذن ؟ كتب كثيرة صدرت وحوارات مستفيضة حصلت في كل وسائل الإعلام ، وهي تكاد تكون هي هي من أول نسخة ظهرت في عالمنا العربي في القرن التاسع عشر ، يوم نشأ الاختلاف حول معنى العلمانية ، وحول ما إذا كانت مشتقة من العلم أو من العالم ، حتى آخر كلمة كتبت حولها منذ لحظات ، بما في ذلك في السؤال المطروح عليّ حول العلمانية.طبعا ينبغي أن يستمر الحوار ، لكن ينبغي أيضا إعادة صياغة الإشكالية .
غير أنني أرى أن الموقف من العلمانية هو هو الموقف من مشروع الدولة ، وهو هو الموقف من الدخول في الحضارة الحديثة. ذلك أن العلمانية مصطلح له شجرة عائلة . إن له أما وأبا، وظروفا نشأ في ظلها وترعرع ، ولم نتمكن نحن من تأصيله في بلادنا لأننا قطعناه من شجرة عائلته فصح فيه القول " مقطوع من شجرة"، أي لا أصل له ولا فصل ، ورحنا نبحث عن جذوره ، كما عن جذور سواه من مشتقات الحضارة الحديثة في أرومات حضارتنا وخبايا تراثنا( مثلما بحثنا عن الديمقراطية في الشورى وعن علوم الذرة في القرآن) ، وراح بعض المتنورين من رجال الدين المسلمين ينبشون مسوغات له في النص الديني ، و راح غلاة العلمانيين ، في المقابل ، يهاجمون الظلامية الدينية القروسطية وقصورها عن اللحاق بركب الحضارة ، ويدافعون عن العلمانية بصفتها المفتاح السحري للدخول في باب الحضارة الحديثة ، في طليعة هؤلاء العلمانيين كان مسيحيون في المشرق العربي، ثم يساريون وشيوعيون ، حتى غدت العلمانية هما مشرقيا بامتياز ، على ما قال محمد عابد الجابري ، وباتت تحمل في طياتها أسباب ضعفها ، فهي بحسب رأي جهلة الدين، مطلوبة من قبل جهتين " معاديتين" للإسلام ، المسيحية والشيوعية.
هذه صعوبة ، وهي صعوبة كبيرة من دون شك ، غير أن المأزق يكمن في محل آخر. فالعلمانية جزء من منظومة سياسية فكرية ثقافية اجتماعية نشأت مع فكرة الإنسان الفرد والحرية الفردية ، وفي ظروف نشوء النظام السياسي في الدولة الحديثة وقيامه على الديمقراطية ، وهي تنتمي إلى شجرة من المفاهيم مشتقة كلها من هذا النظام : المجتمع المدني ، الأحزاب ، دولة القانون والمؤسسات والفصل بين السلطات ، الكفاءة وتكافؤ الفرص،الخ الخ .بناء على ذلك ، لا يمكن أن يكون علمانيا من يكون معاديا للديمقراطية ، وهذا ما جعل علمانية الشيوعيين، المطعون بديمقراطية مؤسساتهم الحزبية والحكومية، تختزل بالكفر والإلحاد وبمجافاة الدين ، وما جعل علمانية الأحزاب القومية مطعونا بمصداقيتها بسبب إمعانها في قتل الديمقراطية وفي إلغاء الرأي الأخر ، بالنفي أو بالسجن أو بالاغتيال.
ما زاد الطين بلة هو أن العلمانيين لم يصوبوا حيث ينبغي أن يصوبوا ، أي على المؤسسة الدينية( الكنيسة والكهنوت )، بل راحوا يصوبون على الدين نفسه ، فانجروا إلى نقاشات عقيمة ، وهي عقيمة لأنها بين جهلة الدين وجهلة العلمانية ، فضاعت القضية وضاع موضوعها ، ونجح خصوم العلمانية في توريط أنصارها بنقاش فقهي ( أي خارج الموضوع)، وغير متكافئ وغير مثمر، لإنه نقاش بين فريقين لا يعترف الواحد منهما بالآخر: العلمانيون ملحدون في نظر المتدينين وينطبق عليهم قانون الردة والجهاد ، أي الإلغاء ، الجسدي أو المعنوي ( اغتيال ومحاولات اغتيال لم يكن آخرها تطليق نصر حامد أبو زيد من زوجته) واتهام المتدينين بأنهم من خارج العصر والتاريخ وبأنهم من حضارة بادت .
يظهر ذلك بوضوح من خلال طرح السؤال عن العلمانية ، كما من خلال الإجابات عليها ، فالسؤال ،بل الأسئلة، هي عن علاقة الدين بالدولة ، أو عن الصراع بين الدين والدولة ، أو الفصل بين الدين والدولة ، والصحيح أن الدين ككيان معنوي والدولة ككيان معنوي ليسا هما اللذان يتصارعان ، بل المؤسسات التي تمثلهما : إنه الصراع بين سلطة الدولة وسلطة الكنيسة ، أو بين سلطة رجال الدولة وسلطة رجال الدين ...هو صراع بين الرجال ، أي بين البشر . وهو صراع لا يحسم بالمساومة ولا بالنقاش الفقهي أو اللاهوتي ، ولا بتسوية يتبادل أطرافها التنازلات ، بل بقرار حاسم يأخذه أهل السياسة "علمانيين ورجال دين" حسب تعبير المجامع الدينية المسيحية، للفصل فصلا قاطعا بين سلطة الدولة وسلطة الكنيسة ( مسيحية كانت الكنيسة أم إسلامية). وفي تاريخ أوروبا لم يكتب لهذا الصراع أن يبلغ خواتيمه السعيدة إلا حين أقدم نابليون بحزم على اعتقال البابا وإرغامه على الموافقة على الفصل بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة الناشئة . قال له : لنا سلطة الدولة والدنيا ولكم السلطة الروحية والدينية ، وخط التماس بينهما هو القانون الوضعي الذي يحكم علاقة المواطن بالمواطن وعلاقة المواطن بالدولة والنظام العام ، أما الكنيسة فلها تنظيم العلاقة بين الإنسان والله . واجب الدولة في هذا الاتفاق هو حماية حرية الإيمان وحرية الإلحاد على حد سواء ، وحرية الكنيسة جزء منها ،أي أن واجب الدولة حماية الديمقراطية والاعتراف بالآخر المختلف، ولم يكتب الاستقرار للعلمانية إلا بعدما صارت جزءا لا يتجزأ من الديمقراطية ودولة القانون. غير أن العلمانيين في بلادنا لم يكتفوا فحسب بأنهم لم يكونوا ديمقراطيين ، بل راحوا يرسمون خط التماس هذا بين السلطتين على " رمل " التكاذب" المتبادل ، فلم تتوضح تلك الحدود ، لأن السعي إلى إلغاء التناوب على السلطة ، أي إلى تأبيدها، هو تعبير عن أن الحاكم لا ينتمي إلى الحضارة الجديدة ، حضارة الانتخابات ، بل إلى أنظمة ترى في المؤسسة الدينية و"فتاويها" حاجة ملحة ومكملة للمؤسسة السياسية ولنظام الوراثة فيها. ولأنه اتفاق غير واضح الحدود فهو عرضة للنقض كلما سنحت الفرصة لأي من الفريقين بالانقضاض عليه ، فتنهض الحركات الإسلامية تارة وتخبو تارة أخرى.
بهذا المعنى ، أستطيع أن أحكم ، من دون تردد ، بأن ما نفتقر إليه من أجل قيام العلمانية ليس الأحزاب العلمانية ، بل ما نفتقر إليه هو الأحزاب في حد ذاتها ! ذلك أن الأحزاب ، بالمعنى الدقيق للكلمة ، وليس كما صادر حزب الله الإسم واستعاره من خارج سياقه، هي جزء من مؤسسات المجتمع المدني ، وهي الأطر الجديدة التي كان عليها أن تتولى ، مع الأندية والجمعيات والنقابات ، أمر تجميع الناس على غير الأسس القديمة للتجميع ، أي الأسس القبلية والعائلية وسواها ، كما أن عليها ، باعتبارها مؤسسات مدنية ، أي غير دينية وغير عسكرية ( هذه هي الدلالة الأولى لكلمة مدنية) أن تتوسل السبل الديمقراطية في تنظيم الناس . غير أن أحزابنا ، للأسف ، كل أحزابنا ، كانت عبارة عن تنظيمات سرية عسكرية تطمح إلى تغيير النظام بالقوة القهرية ، أو بالانقلاب العسكري أو بالعنف الثوري، وهذا كله مما ينفي عنها صفة الأحزاب الديمقراطية ، وينأى بها بالتالي عن أن تكون قادرة على حمل لواء العلمانية .
على ضوء كل ذلك يصعب الحديث عن مؤسسات مجتمع مدني في بلادنا ، حيث السلطات استبدادية وأحزاب التغيير أحزاب غير ديمقراطية . ولهذا فإن المؤسسات غير الحكومية نوعان ، نوع تديره قوى السلطة عبر أقارب المسؤولين ، لا سيما عبر زوجاتهم ، ونوع آخر هو بمثابة فروع للأحزاب في ميادين النشاط المختلفة ، الثقافية والنقابية والإعلامية والاجتماعية والصحية والانسانية، فتنتفي بذلك عنها صفة "غير الحكومية" ، وتتحول إلى مؤسسات سياسية مقنّعة ، تحمل كل عاهات العمل السياسي المجافي للديمقراطية و للعلمانية و لحقوق الإنسان . هذا ينطبق على وضع المرأة والمؤسسات الراعية لنضالاتها من أجل الحرية والمساواة .



5- الرأسمالية قادرة على تجديد نفسها, أين اليسار من موضوع التجديد ؟

منذ عبارة " الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" في قاموس اليسار السياسي راح يسود الاعتقاد بأن الرأسمالية بلغت ذروة أزمتها، وأن الأفق بدأ ينفتح على الخيار الاشتراكي في كل المعمورة، ثم أخذ يتعزز هذا الاعتقاد مع ازمة 1929 ، ثم مع الحرب العالمية الثانية والانتصار السوفياتي ، ثم مع مرحلة الاستقلالات الوطنية ونهوض حركات التحرر في العالم ، واستمر الحديث عن تلك الأزمة وعن تفاقمها وعن التفاؤل التاريخي بأن هذا العصر هو عصر الانتقال إلى الاشتراكية ... إلى أن انهارت التجربة الاشتراكية .
مع هذا الانهيار سكنت فورة التفاؤل الاشتراكي وخفت حدتها ، وبرزت أصوات تتحدث عن أن "الرأسمالية قادرة على تجديد نفسها " ، وشاعت بلبلة في صفوف اليسار ، طالت أحزابا وقيادات ومفكرين، وقيل كلام بالأطنان عن أسباب انهيار التجربة المحققة ، وانقلب يساريون على تاريخهم وبلغ انقلابهم حد محاكمة لينين وستالين وماركس ومجمل المنظومة الفكرية التي تسلحوا بها لثمانية عقود، وجحدوا الانجازات الكبرى التي تحققت داخل الدول الاشتراكية ، أو التي تحققت بفضلها في الخارج ، وجحدوا كذلك الانجاز النظري الكبير الذي حققته النظرية الماركسية في حقل العلوم الاجتماعية وكذلك في حقل التاريخ وخصوصا في السياسة حيث تحولت الهموم الفلسفية من تفسير العالم إلى تغييره ، الخ. بعض هؤلاء الجاحدين، بمن فيهم بعض اليساريين المسيحيين، بهرهم انتصار الخمينية ، مثلما بهر سواهم انتصار الناصرية من قبل ، فانقلبوا على تاريخهم وتأسلموا .
غير أن النفر الأكبر من اليساريين توزع على ثلاثة تيارات: الأول لم يصدق أن ما حصل قد حصل ، وهو ما زال يبحث عن قيامة الاشتراكية على طريقة قيامة المسيح أو على طريقة المهدي المنتظر، وما زال يمني النفس بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء قرنا من الزمن. هذا هو بالضبط ما سمي باللغة الماركسية " مسخرة التاريخ ". الثاني راح يقرأ بعين نقدية ولهذا لم تعد تتسع له الأطر الحزبية الرسمية المتخشبة ، غير أن هذه القراءة لم تسفر بعد عن نقطة استقطاب نظرية ، ما خلا بعض البؤر المضيئة في العالم وفي العالم العربي ، من بينها كتابات المفكر الماركسي سمير أمين. أما الثالث ، وهو الأكثر عددا ، فهو الذي اعتكف عن النضال وعاش في حالة انتظار ويأس وخيبة على ضفاف الأحزاب اليسارية
هذه التيارات الثلاث تجسدت على الصعيد العملي ، خارج العالم العربي ، بأحزاب جددت نفسها وبأخرى صمدت أمام موجة الانهيارات العاتية وبانشقاقات وتفرعات وبطون وأفخاذ كلها خرجت من الأرحام الشيوعية وراحت تدعي لنفسها وصلا بالنسب الاشتراكي أو الشيوعي ، أو بدلت اسماءها، تمويها أو تنصلا، فنعتت بانها من الأحزاب الشيوعية سابقا ،ومنها من عاد إلى السلطة بأسماء أخرى وبرامج جديدة، الخ. غير أن التجربة الأبرز في هذا المجال هي التي تمثلت في التغييرات الحكومية والسلطوية في أميركا اللاتينية.
محصلة هذه التحولات الكبرى اختلاط حابل اليسار بنابل اليمين ، وضياع المعيار. فإذا كان المعيار هو التصنيف الذي يضع تعريفا بسيطا لليسار على أساس الخصومة مع اليمين المحلي ، فهل اليسار الأوروبي الذي شارك الولايات المتحدة الأميركية في ثلاث حروب كبيرة ، في العراق وأفغانستان ويوغسلافيا ، هل هو من اليسار؟ وإذا كان مقياس اليسارية هو العداء للامبريالية والصهيونية أو أدعاء هذا العداء، فهل المشاركة السورية في الغزو الأول للعراق تمت من منطلقات يسارية ، وهل تعد الثورة الفلسطينية( وهي بالتأكيد ضد الصهيونية) يسارية ، وهي التي ارتكبت مجزرة بحق الشيوعيين في طرابلس- لبنان ؟ وهل المقاومة التي تقتل أطفالا من شعبها على أبواب المستشفيات أو على أبواب المساجد أو في الأسواق الشعبية يسارية ؟ أين هو اليسار وأين هو اليمين ، هذه هي المعضلة الكبرى الناجمة عن انهيار المنظومة الاشتراكية. بهذه المعايير القديمة ، العداء للامبريالة الأميركية الآتي من زمن المعسكرين ، نحكم اليوم على يسارية الأنظمة الحاكمة في أميركا اللاتينية. غير أن هذا اليسار لم ينتبه إلى أن عنصرا أساسيا سقط من المعايير القديمة وهو الموقف من الرأسمالية، فأين تقع أنظمة أميركا اللاتينية في التصنيف الاقتصادي ؟


اليسار الجديد : تغيير داخل الرأسمالية عاجلا من أجل تغييرها آجلا
الرأسمالية التي تحدث عنها البيان الشيوعي ووصفها بأنها ثورة تقدمية بكل ما تعنيه الكلمة على الأنظمة التي كانت سائدة ، هذه الرأسمالية هي الثورة التي تحتاج إليها مجتمعات كثيرة في العالم ، وليست أفغانستان والصومال حالتين فريدتين. هذا ما قرره لينين غداة انتصار الثورة البلشفية : أن يعمل الشيوعيون على بناء الدولة الرأسمالية ، سياسة النيب ليست شيئا آخر أبدا. وهذا ما قرره واقع الثورة الاشتراكية في اليمن : الخروج من عصر القبيلة إلى رحاب الرأسمالية ، إي إلى النظام الديمقراطي ، قبل عزف النشيد الأممي ، وإلا فمصير النشيد والماركسية والاشتراكية في مهب الحرب الأهلية التي قضت على كل شيء ، بل قضت على اليمن السعيد من أساسه. هذا اليمن الذي لم تنفعه وحدته ، فانتقلت الحرب الأهلية إليه مرة أخرى ، وللسبب ذاته : إما الديمقراطية إما الحرب الأهلية.
أن يناضل الشيوعيون في سبيل الدولة الرأسمالية يعني أن يدافعوا عن منجزات الحضارة الرأسمالية ، يعني أن يعترفوا بأن لها منجزات ، يعني أن يقرأوا جيدا ما ورد في البيان الشيوعي ، ما سماه ماركس ثورة تقدمية : تقدم علمي وتقني ووفرة في إنتاج الخيرات وثورة تقدمية في علاقات الانتاج. إن توفرت الخيرات نبحث عن صيغة أكثر عدالة لتوزيعها قد نسميها الاشتراكية. وأن يدافعوا،على نحو خاص ، عن الديمقراطية فيناضلوا من أجل قيام دولة القانون والمؤسسات . هذه الدولة ليست شيئا آخر سوى الدولة الرأسمالية، ولا يخجلنَ المحبطون والخائبون من القول بإن البشرية في حاجة إلى الماركسية اليوم أكثر من أي وقت مضى لمواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية في الرأسمالية ( هذه الحاجة أثبتتها أزمة الرأسمالية العالمية في العامين الماضيين يوم نفد كتاب رأس المال من أسواق الرأسمالية) ، ولا يخجلن الماركسيون من الاعتراف بأن ماركس لم يول اهتماما كافيا للبنية السياسية ولموضوع الدولة ،وبأن الماركسية كادت تكون خلوا من أية كلمة عن الدولة لولا كتاب إنغلز عن "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" ، الذي لا يتناول مشروع الدولة الحديثة بل الدولة في التاريخ.



6- هل ستعاد أيام اليسار؟


إقرأ أي تقرير عن إي حزب شيوعي في العالم سرعان ما يتراءى لك أنك تقرأ عن الحزب الشيوعي في بلادك . الأعراض ذاتها: انشقاقات، محاولات فاشلة للتجديد من الداخل ، قصور نظري وارتباك سياسي ، وبلبلة في التحالفات، الخ . هذا ما حل بالحزب الشيوعي اللبناني ، وفي سواه من الأحزاب الشقيقة والصديقة ، أخذا بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية. مع ذلك ، الحل ليس مستحيلا ، لأن حاجة لبنان إلى حزب يساري مبررة في كون اليسار عموما هو الوحيد القادر على إعادة توحيد الوطن ، لأنه الوحيد الموجود في كل المناطق والطوائف ، في حين تتوزع القوى السياسية الأخرى إما على المناطق أو على الطوائف والمذاهب.شرط نجاح مثل هذا اليسار أن يعيد بناء نفسه ومشروعه السياسي على أولويات جديدة عنوانها المصلحة الوطنية اللبنانية أولا : إعادة بناء الوطن ، وإعادة بناء الدولة ، دولة القانون والمؤسسات والديمقراطية والعدالة والكفاءة وتكافؤ الفرص. وانطلاقا من ذلك يبني تحالفاته الداخلية والخارجية، ويؤسس لعلاقات رفاقية مع القوى اليسارية في العالم، أي لبناء أممية جديدة تواجه العولمة والأحادية القطبية.
في أوائل التسعينات ، بعد المؤتمر السابع للحزب طرحنا على الحزب الشيوعي أفكارا واقتراحات للتجديد على الصعيد السياسي ، واقترحنا على القيادة أن تشجع على النقاش النظري وعلى إعادة قراءة التجربة بعين نقدية. اقترحنا مثلا أن يعاد النظر بمصطلح الفلاحين الوارد في اللازمة المتعلقة بتحديد هوية الحزب ، بصفته " حزب العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وصغار الكسبة والأجراء ، الخ ، الخ." وبررنا الاقتراح بأن الفلاح المقصود في هذه اللازمة لم يعد موجودا في لبنان ، بعد أن تحول الفلاحون إما إلى عمال زراعيين أو إلى مزارعين. رفضت القيادة الاقتراح بالتصويت " الديمقراطي" . قلنا لهم لو كانت الأمور العلمية تحسم بالاقتراع لكانت الشمس هي التي تدور حول الأرض حتى هذه اللحظة ... كان ينقصهم أن يقولوا " مع ذلك فهي تدور"
وإذا كانت الأمور النظرية شأنا معقدا ، وموقع المثقف في الحزب ، بصفته "خائنا" ( خائنا طبقته) يفاقم هذا التعقيد ، فمن المفترض أن يكون الشأن السياسي أكثر وضوحا وأقل كلفة . عرضنا على القيادة أن نعيد صياغة قضيتنا السياسية ، وخلاصة العرض( منشور على صفحتنا في الحوار المتمدن ، في مقالتين : مقدمة كتاب اغتيال الدولة ، و الشيوعيون بين اضمحلال الدولة وبناء الدولة) أن علينا ، بانتظار إعادة الاعتبار للفكر الاشتراكي وإعادة البحث عن صيغة للاشتراكية تكون مقبولة بعد انهيار التجربة المحققة ، وهذا جهد مطلوب من كل الفكر الاشتراكي في العالم لا من الشيوعيين اللبنانيين وحدهم ، بانتظار ذلك ، علينا أن ننكب على إعادة بناء بلدنا، تحت شعار ، إعادة بناء الوطن والدولة ، وذلك ضمن المفهوم الذي أوردناه أعلاه عن الدولة الحديثة والديمقراطية ، لا سيما وأن العناصر التي تجعل من لبنان وطنا باتت ، بفعل الحرب الأهلية والتدخل السوري والاحتلال الاسرائيلي ، غير موجودة أو تعرضت للتدمير. غير أن القيادة ضاقت ذرعا بهذا الاقتراح لأن المهمة الأساسية في نظرها هي مواجهة الأمبريالية، كما لو أننا لا نزال في قلب الصراع بين المعسكرين ، ولأن من شأن مثل هذا الاقتراح أن يقلب أولويات التحالف مع القوى السياسية المحلية والعربية ، التحالف الذي انبنى منذ لينين مع "الأحزاب الشيوعية في العالم الرأسمالي وحركات التحرر في العالم الثالث والمعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي".ولذلك عدوا شعار بناء الوطن والدولة بمثابة انقلاب على نهج تهديم الدولة الذي حكم سلوكنا تجاه الدولة باعتبارها دولة البرجوازية ، في حين يملي علينا واجبنا الثوري أن نهدمها لنبني بديلا عنها دولة الطبقة العاملة.
أعتقد أن ما يصح على الحزب الشيوعي يصح على سواه ، وما حصل مع الدعوات الإصلاحية فيه حصل مع مثيلاتها في سواه . ومن أبرز القضايا الشائكة التي واجهته موقفه من الأصوليات الإسلامية "المجاهدة" ضد الاستكبار العالمي وضد الصهيونية ، والموقف من العلاقة بسوريا . السؤال ذاته عن الأولوية طرح على الشيوعيين العراقيين والمصريين : إذا كانت دولة القانون هي الأولوية فالأصوليات ليست حليفا ، وإذا كانت مواجهة الإمبريالية هي الأساس فكل من رفع راية الكفاح المسلح ضد أميركا والشيطان الأكبر وضد الصهيونية وعملائها هو حليف لا يجوز التخلي عنه حتى لو كان ذلك على حساب الوحدة الوطنية وعلى حساب دماء الشيوعيين .


مع ذلك ، اليسار حاجة لأوطاننا وللبشرية أكثر من أي وقت مضى
بقليل من المبالغة أقول ، إنه ربما من حسن حظ اليسار في بلدان العالم أنه تيتم بانهيار الاتحاد السوفياتي، إذ صار على كل حزب أن يبحث عن صيغته اليسارية المناسبة لبلده ، بدل النسخ الآلي الذي ساد في مرحلة الأممية السوفياتية. ربما صارت المهمة أصعب على كل يسار محلي ، لكنها مهمة ممكنة التحقيق ، ألم نلاحظ أن انتصار اليساريين ، وليس انتصار اليسار، في أميركا اللاتينية حصل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؟
على كل يسار أن يعيد تعريف يساريته ، وأن يؤصلها ويجعلها بنت واقعه وملائمة لظروف بلاده. وفي تاريخ اليسار صفحات مشرقة ينبغي أن يعاد إليها الاعتبار ، كما ينبغي أن تقرأ التجربة بعين نقدية ، لأن بالنقد وحده يتقدم الفكر ، وشرط ذلك تأمين أفضل شروط الديمقراطية للحوار بين المتنوعين . هذا ممكن لأن التاريخ الحديث يشهد أن أعظم مفكري القرن الماضي وشعرائه وفلاسفته ورساميه وموسيقييه خرجوا من صفوف اليسار.