أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد طاهر جلالة - إلى لَيْلِها الْحارِّ















المزيد.....



إلى لَيْلِها الْحارِّ


خالد طاهر جلالة

الحوار المتمدن-العدد: 2881 - 2010 / 1 / 7 - 19:26
المحور: الادب والفن
    


إلى لَيْلِها الْحارِّ ____
هو الفصل السادس من قصة شهوة في محكمة شمال "رواية ممنوعة من النشر" وسوف تنشر الاجزاء الاربعة عشر تباعا على موقع الحوار المتمدن..............
جميع حقوق النشر و الطبع محفوظة للمؤلف خالد طاهر جلالة

لمتابعة الفصل الاول و الثانى والثالث والرابع والخامس إضغط على هذا الرابط
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=190478
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&userID=0&aid=195578
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=196550
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=197557_____________________________________________________________________________________
إلى لَيْلِها الْحارِّ
--------
رغم ألامه بجناح غرفته فى إحدى مستشفيات العاصمة الفرنسية فعلقت له عديد من المحاليل وإلتصقت بجسده أذرع كثيرة لأجهزة طبية تنقل بيانات و منحنيات و ترسم تعرجات لشاشة الأجهزة الطبية ضحك المشير و هو يتابع الأخبار على شاشة التليفزيون التى تنقل تقرير إخبارية متلاحقة تتحدث على ظاهرة غريبة و عجيبة حيرت السلطات فعكفت على دارسة أسبابها منذ وصوله باريس دون أن تجد حلا لها فقد هاجمت أسراب كثيفة من الحمام المستشفى التى يقيم بها المشير حتى باتت تغطيه بالكامل و أصبح موضوع هجوم الطيور عنوانا أساسيا فى كل أخبار التليفزيون و صحف العالم ....

نظر المشير إلى شئ يتحرك أسفل سريره فى منتصف الغرفة و إلى الحمام الجالس على شباك حجرته الذى نبهه الى قطة سوداء تصعد إلى سريره و تنام بجوار فخده الأيسر ...ففرح المشير و عجب أن يترك الفرنسيون قطط تتجول فى مستشفياتهم كما يحدث فى عالمه العربى ....و ظل يتمم بعبارة واحدة و قد أغلق عيناه
"كل شئ معد لنا سلفا ..فلماذا تطيل التفاوض يا ملك الإحتضار..."
و فجأة عندما فتح عيناه وجد القطة قد إختفت من على سريره حاول البحث عليها برأسه المرتكزة على وسادة السرير المعدني المثنى مرتفعا بظهره فلم يستطيع أن يراها فعاد ليردد مقولته مخاطبا نفسه بصوت مسموع مكرر بدون ملل "كل شئ معد لنا سلفا ..فلماذا تطيل التفاوض يا ملك الإحتضار..."
و رمش بجفن عينه من الألم الذي يسرى فى جسده فأبصر فوجد شهوة تلبس ثوبا أسود باريسيا أنيقا و مثيرا من الشيفون الشفاف يبرز من أسفله حلمتها المنتصبة دائما كعادتها و الإسترنج الأبيض المصنوع من الدانتيل ويفوح منها عطرها الأخاذ و تجلس بجوار فخده الأيسر على السرير فى موقع القطة فظل يحدق فيها و هى تراقبه وقد إستمر يردد جملته فى مناجاته الذاتية .. "كل شئ معد لنا سلفا ..فلماذا تطيل التفاوض يا ملك الإحتضار..."
قاطعته شهوة قائلة "هل تدرك أنى الشيطان "
إبتسم المشير و إستمر يردد مقولته بصوت خافت
"كل شئ معد لنا سلفا ..فلماذا تطيل التفاوض يا ملك الإحتضار ..."
قاطعته شهوة ثانية "هل لا تخاف مقابلة الشيطان "
نظر المشير إلى الحمام الواقف على النافذة ثم عاد ينظر لها قائلا "كل شئ معد لنا سلفا ..فلماذا تطيل التفاوض على معاهدة الصلح أيها الشيطان ... "
قالت شهوة "أذن أنت لا تخاف الموت أيضا؟"
ضحك المشير فإهتزت الخراطيم الطبية مع منحنيات المقياس الالكترونية على الشاشة المرتبطة بجسده الذى صار نحيفا ونحيلا ضعيفا وقال" لم أخاف الموت طيلة حياتي لأني أعلم أن أحد لا يموت فى الحقيقة ..."
علقت شهوة"لكنك فى طريقك إلى الموت أيها المشير"
نظر المشير إلى الحمام مرة أخرى على نافذة الغرفة و تنهد "لا أبالى بالشيطان كثيرا فقد كان على مقربة من الله وربما رأى ما لم نعلم ومع ذلك أقسم بعزته و جلاله أن يشن حربا يعلم أنه سيربحها ضد أغلب البشر ويخسرها بالكامل أمام الله ..."
تنهد المشير و تابع حديثه
" إبليس يالك من جبروت أيها الشيطان العابث لقد إخترت مصيرك وأدركت مأواك .. واليوم وأنا فى إنتظار الموت يفصلني نحو حياة أخرى لأجد لى مفرا سوى أن أتوسل من الله أن يرحمني على خطاياي و يرحم أمي و أبى و إسلافي "
تنفس المشير و عاد لينظر إلى شهوة قائلا :" عجيبا أنت أيها الشيطان كم أنت أبله ...لماذا لتغير إستراتيجيتك وتحاول الإلتفاف حول مصيرك المحدد سلفا منذ البداية ...لا يمكنك أن تكون فى فخ كبرياءك قد نسيت نفسك كل هذه السنون و حتى النهاية لقد كنت مخلوق من نار ومن كثرة حبك لله رفعك إلى مرتبة الملائكة المخلوقين من نور و لكنك عصيت ولم تسجد لآدم و وبذريعتك جاءنا هنا جميعا ....إلا يبدو عليك يوما إمارات الذكاء أو الندم فتقلب المائدة على الألهه و تستسلم و تعلن أن خطتك التى إستدرجت لها قد باءت بالفشل وتطلب صك العفو الألهى عسى أن يرحمك ربك ....."
مط المشير شفافية الجافة الملتصقة ورفع يده اليمنى مشيرا بإصبع السبابة نحو شهوة و هو ينظر لها و قد أغمض عينه اليسرى و هز رأسه إلى يمنيا و يسارا قائلا:
"و لكنك لن تفعل ...فقد عشقت لعبتك المفضلة و تمرست على لذة عرش ديكتاتورية الغواية...والحد من لذة الآلهة فى إفساد عبودية البشر... فكل شئ معد لنا سلفا ....نعم صدقت يا أبى كل شئ معد لنا سلفا؟"
عاد المشير ينظر إلى سقف الغرفة و قد سقطت يده بإصبعه على سريره و شرد ذهنه و طلب شهوة من أن تفتح نافذة الغرفة فإندفع الحمام وإقتحم الغرفة و ملأها و مكث حول سريره و هبط يداعب المشير الذى ظل يتمتم كأنه يخاطب نفسه فى منولوج حوار طويل ....
"أبى ..أبى ...كان راعيا لا يأكل أى طير من طيور السماء و يربى مثل أبوه الحمام الذي لا يأكله و لا يسمح لا أحد أن يأكله فى بيته سواء من أهله أو من ضيوفه ....
ومنذ طفولتي حتى أصبحت وزيرا كلما زرت المسجد للصلاة خفت من الهلع أن أحدا يسرق حذائي من على أعتاب الجامع فقد كان أبى يظن أن أي حذاء لا ينبغي أن يدنس حرمة الجامع الذي كان يزوره خمس مرات يوميا فيشق صفوف المصلين المنتظرين إقامة الصلاة إذا ذهب متأخرا فلا يرضى أن يصلى إلا فى الصف الأول وراء ظل الشيخ عبد الحميد عرنسه إمام الجامع الذى ظل مفتون بصوته الزاهد فى إقامة شعائر الصلاة و قد ترك حذائه على بوابة جامع المظلوم الكبير بجوار الحذاء المتهرئ لشيخه و عندما يفرغ من صلاته غالبا مالا يجد هذا الحذاء ..وكانت أمي تعنفه من كثرة عودته للمنزل حافي القدمين وعندما كان يصحبنى للصلاة يأمرني أن أخلع الحذاء خارج عتبات الجامع فأصاب بذعر وأظل أتلفت حوالي أراقب حذائي من على بعد من داخل المسجد خوفا من عتاب أمى إذا ضاع أو سرق ...وأبى ينهرني كونى لا أفكر فى ملاقاة ربى وعقلى و قلبى مشغول فى ضياع حذائي .. و فى النهاية كنت أعود معه إلى أمى غالبا حافيين و قد سرق حذائنا فتصب لعناتها على السارقين الذين أضاعوا رزقنا على شراء الأحذية الضائعة فى أرجلهم ... كان أبى يضحك معلقا أنها ضاعت فلا أحد يسرق أحذية المصلين فى بلاد المسلمين ... وكنت أكثر أقراني سعادة فقد كان حذائي أنيقا و لا معا و جديدا دائما ...و لكن أمي حرمتني من هذه المتعة فعندما شعرت أن أبى سيوزع أحذيته على لصوص بغداد ...أرسلت أختي الصغيرة خلفنا من ورائه لتراقب و تحمى أحذيتنا على أعتاب الجامع ...و لكن خطتها فجرت مأساة مفجعة منعت أبى من الذهاب للجامع أو الصلاة فيه حتى موته و أصيب قلبي أمي ألما و حزنا وهما و مرضا ووهنت و من رحمة ربها عليها خارت ذاكرتها فأصبحت تنسى أسماءنا ...فعندما عدت مع أبى ذات يوم من الجامع الكبير كعادتنا حافيين ولم تعود أختي الصغيرة إلى بيت أمها من ساعتها حتى الآن ....."
حاولت شهوة أن تبعد يمامة صغيرة طارت لتقف على بقايا شعر المشير الذى إبتسم و لوح لها أن تتركها ...و لكنه لاحظ أن يد منقبضة خيل انه رأها من قبل بسطت فوق رأسه فإنهمرت عليها حبوبا وإنسكب بعضا منها على صدره و سريره و جسده ....نظر المشير إلى صاحب اليد مستطلعا فإذ بها لأبوه حافيا ينظر إلى الحمام الذى يذهب و يجئ طائرا فى الغرفة وخلف النافذة ليلقى نظرة عابرة عليهم وكان بصحبته شيخه المفضل صاحب الصوت الزاهد عبد الحميد عرنسه حافيا أيضا مع أخت المشير المفقودة مبتسمة بطفولتها الضائعة وتمد بيدها بيمامة تمسكها إلى المشير الذى عاد محاورا يمامة أخته الواقفة تأكل من حبوب أبيه المتناثرة على صدره ..
"أبى ..أبى ...أبى عاش على مدى عمره غاضبا لأنى سرقت ماعزه و بعض من خرفانه وكان لايملك سواها و إبتعتها من وراء ظهره وقبضت ثمنها لأذهب إلى القتال فى فلسطين عام 48 و كلما رأنى ظل يناديني بلص بغداد إمام الجميع و لم يصدق أن جمال عبد الناصر كان معلمي فى الكلية الحربية و إستغرب أن يكون معلما للص ماعز يتجرأ على سرقة حمامه ليأكلها أو يبيعها لصوص على شكليتي ...
و عندما انتصارنا عام 56 ذبح أضحية ووزعها على الفقراء و رقص الدبكة الفلسطينية و غنى و شرب عرق البلح العراقى و هو يقول أن إبنه اللص الذى تجرأ ذات يوم وأكل حمامه وسرق ماعزه هو ورفقائه رفعوا راية الأمة .....
وعندما هزمنا عام 67 عاد يلاحقني بإتهاماته القديمة ويطالبني بثمن ماعزه وحمامه المسروق و قد أصبح نصف مجنونا و أضاف شاكيا لكل من تقع عينه عليه أن رفقاء إبنه اللص الأغبياء أضاعوا وطنه فلسطين....و عندما مات جمال عبد الناصر جن جنونه و فقد صوابه تماما وكان يجلس على سقف سطح البيت بجوار حمامه قائلا مات الحلم و ترك لنا إبني اللص....فلما إنتصارنا عام 73 عدت له بأوسمة و قلادة النصر التى لم تشفع لى فنهرني وقال و الحمام يتمشى على كتفه و بين يديه و يقف على أرجله "كيف يتركون الأبطال الحقيقيين ويعطون للص أوسمة عسكرية أنهم مزيفون مثلك ...أبعدوا عنى هذا اللص " ....و طردني من سطح منزله و كانت أمى تواسني دائما و تقول لا تصغي لجنونه ....و عندما سمع أن السادات يريد زيارة إسرائيل ..
إستدعاني على ذات السطح أمام برج الحمام و قال لى أنه مستعد أن يعطيني كل ماعزه و خرافانه و كل ما يملكه من حمام و لا يتذكر بعد اليوم كوني يوما ما سرقته مقابل أن يكتفوا بسرقة أرضه و لا يغتالوا أحلامه أيضا..."
بدأت دموع المشير تتساقط و إقتربت منه شهوة لتجففها وتدعوه أن يرفق بنفسه وهى ترتب على صدره و لكنه إستمر فى الحديث "ماتت أمى فى إجتياح بيروت حزنا عندما فقدت هناك أختى و حفيدها و زوجها ابن أختها فى مخيم صبرا و شاتيلا ....و قبل أن يموت أبى قال لى فى سريريه تحت مظلته المفتوحة على سطح منزله أنه حرمني من الإرث فيه لأنى سرقت ماعزه بدون طائل و أضعت فلسطين و حلفنى أن أنفذ وصايته وأطلق الحمام الذى كان يربيه و أبيع منزله و مدخراته و أعطيها لشاعره المفضل محمود درويش مكأفاة منه على أشعاره التى كان يلمس فيه روح الارض ورائحة الزيتون و بهجة البرتقال و مذاق الكنافة النابلسية الساخنة التى كانت تصنعها أمه قبل أن يقتلها عصابة إشتيرن وأرجون الصهوينة بعد إغتصابها هى و أخته أمام أبيه الذى لحق بهما بعد إنتهاء حفلة الغزاة و قد قطعوا أطرافه و تركوه ينزف حتى يموت وهو يحاول أن يشتت أعينهم عن إبنه المختفي وراء قفص الحمام فى صحن بيتهم الريفي فى القرية التى هودها الصهاينة بعد أن ذبحوا أغلب أهلها فى البدايات الأولى لطوفان محرقة الإرهاب التى جاوز البطش النازى ...
رأى أبى إن شاعره يستطيع أن يستأمنه على صرف أمواله بشكل صحيح من أن يرثه إبنه لص الماعز ...و تعهدت أمامه بما فعلته طوال سنين عمري فلم أكل أى طير من طيور السماء منذ سرقتي الأولى و أن كان لم يصدقني طيلة عمره...."
توقف المشير لبرهة ينطر لخريطة قلبه البيانية على شاشة التلفاز الطبى ثم قال "..كل شئ معد لنا سلفا ..فلماذا لا تطيل التفاوض على معاهدة الصلح يا ملك الاحتضار .."
نام المشير و عاد مستيقظا على صوت الحرارة القادمة من مكيف الغرفة و المخلوطة بأصوات صادرة من التلفاز وطرقعة خطوات ظل شخص يقترب منه فحاول المشير إن يتفحص الضيف ولكنه فزع و إنتفض فجأءة وهبة فيه العافية وأسرع للقيام من سريره ليلقى التحية العسكرية على زائره ..فأسرع الزائر يقترب نحوه يثنيه عن القيام و يرتب على كتفه برفق مبتسما قائلا "هل لازالت تتذكرنى ؟" فصاح المشيروهو يبكى بكاءا شديدا "وهل هناك من ينساك يا بطل وقائد العرب ...أنى خاجل أمامك ..فسامحيني يارمز العروبة و الكرامة " إبتسم الزائر مرة أخرى قائلا " ليس لك أن تخجل أيها المشير فلا يهم أن تخسر معركة المهم إلا تنكسر و تبكى و تغنى لتكرس الهزيمة فمهما كان أخطاء التجربة إلا أن حلمنا لم يكن أبدا فاسد ...و الشعب العربى مهما وهن هو الملهم فالشعوب الحرة ..لاتموت الشعوب الحية ياأخى هى القادرة على أن تفرض كلمتها و تحلم لتصنع حاضرها ومستقبلها و سط الامم ... أن عقارب الساعة ياأخى لن تعود للوراء فقد مضى عهد الإستعباد و سيمضى عهد الاستعمار الجديد وسيأتى يوما على هذه الامة وتلد من ظلام اليأس فى رحمها أبطالها سيصونوا كرامتها وعزتها وقوميتها و عروبتها رجالا أكثر أيمان من إيمانا وأقوى عزم من عزيمتنا وأقل خطئنا من أخطاءنا و أشد عملا و بصيرة منا ..أن الإرادة هى المفتاح السحرى لعبور جبالا من اليأس و بإرادتهم سيحلمون ببناء هذ الأمة و سيبنون هذا المجد و سينتصرون بعون الله إنتصارات متتالية إنتصارات متتابعة ..بعضا من هؤلاء الرجال تعرفهم فنحن جزء من حاشية هامش فى تاريخ نضالهم .. جاءوا معى اليوم ليحيوك "
فتقدم نحو المشير و إنتشر حول سريره ثلاثة رجال و سيوفهم فى أغمادها يلبسون زيا عسكريا بعمامة مختلفة الطراز عن مسلسلات سحور رمضان التاريخية البالية أمسك أحدهم بحمامة كانت تقف على كتف المشير وقال " أنه تبدو حمامة دمشقية يا صلاح الدين" ضحك صلاح الدين ومد له ظهره يده ليضع عليها الحمامة مستكشفا و هو يمط حجبيه مرددا "تسألنى ياسيف الله المسلول و كأنك مازالت لم تبرح مشتاقا لملاقاة لشام "...ثم ووجهه حدثيه لثالثهم " إلا زالت لا تأكل الطيور أيها القائد قطز ؟" نظر قطز مبتسما إلى المشيروهو يرتب بيده على يده متحدثا" يبدو أن من لا يأكل الطيور فى عصوركم يموت مسموما" وسكب قطز بعض من الحبوب من قبضة يده إنهمرت على صدر المشير قائلا "فلنقرأ الفاتحة " و عندما فرغ ضيوف المشير من قراءتها و مسحوا بأيديهم على وجوههم تحدث الناصر صلاح الدين موجها خطابه للمشير ..سنتركك أيها المشير تستشهد و سننتظرك على موعد لنتحدث فيما بعد "
إنسحب الضيوف الأربعة فى هدوء مودعين وظل المشير صامتا ينظر لهم متابعا موكب رحيلهم مبتسما على سريره و حوله الحمام نائما يودعهم محركا أطراف أصابعه حتى بدأ يغفو ..
ولكن ملأ الحمام الغرفة و مرت حمامة وهبطت واقفه فوق رأس المشير فاستيقظ فوجد القطة سوداء نائمة على كتفه أيضا فأكمل حدثيه نحوهم متذكرا
"فى باريس قابلت مصطفى درويش الذى لم يعرف أو يقابل أبى طوال حياته و رجوته أن يقبل ميراث أبى كما أوصاني و أعطيته ورقة كتبها لشاعره المفضل كانت مكونة من سطر غامض ...لم أفهم شفرة رموزها وعندما قرائها محمود درويش سألته ماذا يعنى ما سطره أبى فى ورقته البالية فأدمعت عينيه قائلا "لا تهتم .." وخلع نظارته بعد أن فاض دمعه منهمرا وإحتضاننى كأنه أبى الذى لم يحضنني قطا بعد سرقتي لماعزه ...وإجهدنى شاعر أبى المفضل لإقناعه بقبول تنفيذ تركة أبى ووصايته و قد خلف له الله رزقا وثروة من أموال وفيرة .
و بعد سنوات تلقيت دعوة بالإقامة مع تذكرة إلى أشبليه لحضور أمسية شاعرية وجهها لى شاعر أبى المفضل و أكد على حضوري و على صوت العود المصاحب وقف محمود درويش يلقى عازفا قصيدته "أحد عشر كوكبا على أخر المشهد الأندلسي " فى مسرح مفتوح بقلعة عربية أثيرة فى أسبانيا تجمعت حولها عدد هائل من حمامات و اليمامات البيضاء.... لم أكن أحب قراءة الشعر طيلة عمري لكنى أدركت كم كنت أنا جاهلا وأبى كان محقا فى كوني مجرد لص ماعز وحمام عندما سمعت درويش يهز الزمان والمكان و أعماقي فيما مازالت أتذكره عن ظهر قلب قائلا ...

في المساءِ الأخير ِ على هذهِ الأرْض نَقطَعُ أَيّامَنا


عَنْ شُجيّراتِنا ، ونَعُدُّ الضُلوعَ الَّتي سَوفَ نَحمِلُها مَعَنا


والضُلوعَ الَّتي سَوْفَ نَتْرُكُها هَهُنا ... في المَساءِ الأخيرْ


لا نُودِّعُ شَيئا ، ولا نَجِدُ الوَقتَ كَيْ نَنْتهي ...


كُلُّ شيءٍ يَظَلُ على حَالِهِ ، فَالمَكانُ يُبَدِّلُ أَحلامَنا


ويُبَدِّلُ زوّارَهُ . فَجأةً لَمْ نَعُدْ قادرينَ على السُخريَة


فَالمَكَانُ مُعَدٌ لِكَيْ يَستَضيفَ الهَباء ..
هُنا في الْمَسَاء الأَخيرْ

نَتَمَلى الْجِبالَ المُحيطَةَ بالْغَيْم : فَتْحٌ .. وَفَتْحٌ مُضادّ

وَزَمانٌ قَديمٌ يُسَلِمُ هذا الزَمَانَ الجَديدَ مَفاتيحَ أَبوابنا


فادْخلوا ، أَيُّها الْفاتِحونَ ، مَنازِلَنا واشربوا خَمرَنا


مِنْ مُوشَّحنا السَّهل . فاللّيْلُ نَحنُ إذا انتَصَفَ اللّيْلُ ،
لافَجْرَ يَحْمِلُهُ فارسٌ قَادِمٌ مِنْ نَواحي الأَذان الأَخيرْ ..


شايُنا أَخْضَرٌ سَاخِنٌ فاشْرَبوه ، وَفُستُقُنا طَازجٌ فَكُلوه


والأَسِرَّةُ خَضْراءُ مِنْ خَشَبِ الأَرْزِ ، فَاسْتَسلِموا لِلنُعاسْ


بَعْدَ هذا الْحِصارِ الطَّويلِ ، وَنَاموا على ريشِ أحْلامِنا


المُلاءاتُ جاهِزَةٌ ،
وَالعُطورُ على الْبابِ جاهِزةٌ ،
وَالمرايا كَثيرة

فَادخُلوها لِنَخْرُجَ مِنْها تََماما ،
وعَمَّا قَليلٍ
سَنَبْحَثُ عَمّا كانَ تاريخَنا حَوْلَ تاريخِكُمْ في الْبلاد الْبَعيدَة


وَسَنسْأَلُ أَنْفُسَنا فِي النِّهايَة
هَلْ كَانَتِ الأَندلس

هَهُنا أَمْ هُنَاكَ ؟ عَلى الأَرضِ ... أَمْ في الْقَصيدَة ؟

كَيْفَ أَكْتُبُ فَوْقَ السَّحابِ وَصِيَّةَ أَهْلي؟
وَأَهْلي
يَتْرُكونَ الزَّمانَ كَما يَتْرُكونَ مَعاطِفَهُمْ في الْبُيوتِ ,
وَأَهْلي كُلَّما شَيَّدوا قَلْعَةً
هَدَموها لِكَيْ يَرْفَعوا فَوْقَها
خَيْمَةً لِلْحَنينِ إِلى أَوَّلِ النَّخْل .
أَهْلي يَخُونونَ أَهْلي
في حُروبِ الدِّفاعِ عَنِ الْمِلْح
...لكِنَّ غَرْناطَةً مِنْ ذَهَب
مِنْ حَريرِ الْكَلامِ الْمُطَرَّزِ بِاللَّوْزِ,
مِنْ فِضَّةِ الدَّمْعِ في وَتَرِ الْعود.
غَرْناطَةٌ لِلصُّعودِ الْكَبيرِ إلى ذاتِها...
وَلَها أَنْ تَكونَ كَما تَبْتَغي أَنْ تَكونَ
الْحَنينَ إلى أَيِّ شَيْءٍ مَضى أَوْ سَيَمْضي
يَحُكُّ جَناحُ سُنونوَّةٍ
نَهْدَ امْرأَةٍ في السَّريرِ,
فَتَصْرُخُ غَرْناطَةٌ جَسَدي
وَيُضَيِّعُ شَخْصٌ غَزالَتَهُ في الْبَراري,
فَيَصْرُخُ؛
غَرناطَةٌ بَلَدي
وَأَنا مِنْ هُناكَ,
فَغَنّي لِتَبْنيَ الْحَساسينُ مِنْ أَضْلُعي
دَرَجاً لِلسَّماءِ الْقَريبَةِ.
غَنّي فُروسِيَّةَ الصّاعِدينَ إلى حَتْفِهِمْ
قَمَراً قَمَراً في زُقاقِ الْعشيقَةِ.
غَنّي طُيورَ الْحَديقَة
حَجَراً حَجَراً.
كَمْ أُحِبُّكِ أَنْتِ التَّي قَطَّعْتِني
وَتَراً وَتَراً في الطَّريقِ إلى لَيْلِها الْحارِّ
, غَنّي لا صَباحَ لِرائِحةِ الْبُنِّ بَعْدَكِ,
غَنّي رَحيلي عَنْ هَديلِ الْيَمامِ على رُكْبَتَيْكِ
وَعَنْ عُشِّ روحي
فِي حُروفِ اسْمِكِ السَّهْلِ
غَرْناطَةٌ لِلْغِناءِ فَغَنّي
لِيَ خَلْفَ السَّماءِ سَماءٌ لأَرْجِعَ ،
لكنَّني لَا أَزالُ أُلَّمعُ مَعْدَنَ هذا الْمَكان ،
وَأَحْيا ساعَةً تُبصِرُ الْغَيْبَ .
وأَعرِفُ أنَّ الزَّمانْ
لا يُحالِفُني مَرَّتَيْن ،
وَأَعرِفُ أَنّي سأَخرُجُ مِنْ
رايَتي طائِراً لا يَحِطُّ على شَجَرٍ فِي الْحَديقَةْ
سَوفَ يَهْبطُ بَعْضَ الْكَلام عَنِ الحُبِّ في
شِعْرِ لوركا الّذي سَوفَ يَسْكُنُ غُرفَةَ نَوْمي
وَيَرى ما رَأيتُ مِنَ الْقَمَرِ الْبَدَويِّ .
سَأَخْرُجُ مِنْ شَجَرِ اللَّوْزِ قُطناً على زَبَدِ البحر.
مَرَّ الغَريبْ حَامِلاً سَبْعَمائَةِ عامٍ مِنَ الْخَيْلِ .
مَرَّ الْغَريبْ ههُنا ،
كيْ يَمْرَّ الْغَريبُ هناك .
سَأخرُجُ بَعْدَ قَليل
مِنْ تَجاعيدِ وَقتي غَريباً عَنِ الشَّامِ وَ الأَنْدَلُسْ
هذهِ الأَرضُ لَيْستْ سَمائي ،
ولَكِنَّ هذا الْمَساءُ مَسائي
وَ المفاتيحَ لي ،
وَ الْمآذِنَ لي ،
وَ الْمصَابيحَ لي ،
وأَنا لِيَ أيْضاً .
َأَنا آدَمُ الْجَنَّتَيْنِ ،
فَقدتُهُما مَرَّتَينْ
فَاطرُدوني على مَهَلٍ ،
وَ اقْتُلوني على مَهَلٍ ،
تَحْتَ زَيْتونَتي ،
مَعَ لوركَا ..
...وأَنا واحِدٌ مِنْ مُلوكِ النِّهايَة...
أَقْفِزُ عَنْ فَرَسي في الشِّتاءِ الأَخيرِ
, أَنا زَفْرَةُ الْعَرَبيِّ الأَخيرَةْ
لاَ أُطِلُّ على الآسِ فَوْقَ سُطوحِ الْبُيوتِ,
ولا أَتَطلَّعُ حَوْلي
لِئَلا يَراني هُنا أَحَدٌ كانَ يَعْرِفُني
كانَ يَعْرِفُ أَنّي صَقَلْتُ رُخامَ الْكَلامِ
لِتَعْبُرَ امْرأَتي بُقَعَ الضَّوْءِ حافِيَةً,
لا أُطِلُّ على اللَّيْلِ كَيْ
لا أَرى قَمَراً
كانَ يُشْعِلُ أسْرارَ غَرْناطَةٍ كُلَّها جَسَداً جَسَداً.
لا أُطِلُّ على الظِّلِ كَيْ لا أَرى
أَحَداً يَحْمِلُ اسْمي وَيَرْكُضُ خَلْفي
خُذِ اسْمَكَ عَنّي
وَاعْطِني فِضَّةَ الْحَوْرِ.
لا أَتلَفَّتُ خَلْفي لِئلا
أَتَذَكَّرَ أَنّي مَرَرْتُ على الأَرْضِ,
لا أَرْضَ في هذهِ الأَرْضِ
مُنْذُ تَكَسَّرَ حَوْلي الزَّمانُ شَظايا شَظايا
لَمْ أَكُنْ عَاشِقاً كَيْ أُصَدِّقَ أَنَّ الْمِياهَ مَرايا,
مِثْلَما قُلْتُ لِلأَصْدِقاءِ الْقُدامى,
ولا حُبَّ يَشْفَعُ لي
مُنذْ قَبِلْتُ ((مُعاهَدَةَ الصُّلْحِ))
لَمْ يَبْقَ لي حاضِرٌكَيْ أَمُرَّ غَداً قُرْبَ أَمْسي.
سَتَرْفَعُ قَشْتالَةُ
تاجَها فَوْقَ مِئْذَنَةِ اللهِ.
أَسْمَعُ خَشْخَشَةً لِلْمَفاتيحِ في بابِ تاريخنا الذَّهَبيِّ
, وَداعاً لتِاريخنا
, هَلْ أَنا
مَنْ سَيُغْلِقُ باب السَّماءِ الأخيرَ؟
أَنا زَفْرَةُ الْعَرَبيِّ الأَخيرَةْ
ذاتَ يَوْمٍ سأجْلِسُ فَوْقَ الرَّصيفِ ... رّصيفِ الْغَريبَة
لَمْ أَكُنْ نَرْجِساً ، بَيْدَ أَنّي أُدافِعُ عَنْ صُورَتي
في الْمَرايا. أَما كُنْتَ يَوْماً ، هُنا ، يا غَريبْ ؟
خَمْسُمائَةِ عامٍ مَضى وَانْقَضى ،
وَالْقَطيعَةُ لَمْ تَكْتَمِلْ بَيْنَنا ،
هاهُنا ،
والرَّسائِلُ لَمْ تَنْقَطِعْ بَيْنَنا ،
وَالْحُروبْ
لَمْ تُغَيِّرْ حَدائِقَ غَرْناطَتي .
ذاتَ يَوْمٍ أَمُرُّ بِأَقْمارِها
وَأَحُكُّ بِلَيْمونةٍ رَغْبَتي ...
عانِقيني لأُولَدَ ثانِيَةً
مِنْ رَوائِحِ شَمْسٍ وَنَهْرٍ على كَتِفَيْكِ ،
وَمِنْ قَدَمَيْنْ
تَخْمُشانِ الْمَساءَ فَيَبْكي حَليباً لِلَيْلِ الْقَصيدَةْ ..
لَمْ أَكُنْ عَابِراً في كَلامِ المُغَنّين ...
كُنْتُ كَلامَ المُغَنّينَ ،
صُلْحَ أَثينا وَفارِسَ ،
شَرْقاً يُعانِقُ غَرْباً
في الرَّحيلِ إلى جَوْهَرٍ واحِدٍ .
عانِقيني لأُولَدَ ثانِيةً
مِنْ سُيوفٍ دِمَشْقِيَّةِ في الدَّكاكينِ .
لَمْ يَبْقَ منّي غَيْرُ دِرْعي الْقَديمَةِ ،
سَرْجِ حِصاني الْمُذَهَّبِ .
لَمْ يَبْقَ مِنّي غَيْرُ مَخْطوطةٍ لاِبْنِ رُشْدٍ ،
وَطَوْقِ الْحَمامَةِ ،
والتَّرْجَمات ...
كُنْتُ أَجْلِسُ فَوْقَ الرَّصيفِ على ساحَةِ الأُقْحُوانَة
وأَعُدُّ الْحَماماتِ
واحِدةً، اثْنَتَيْنِ، ثَلاثينَ ...
وأَعُدُّ َالْفَتَياتِ اللَّواتي يَتَخاطفْنَ ظِلَّ الشُّجَيْراتِ فَوْقَ الرُّخامِ ،
وَيَتْرُكْنَ لي وَرَقَ الْعُمْرِ ، أَصْفَرَ .
مَرَّ الْخَريف عليَّ وَلَمْ أَنْتَبِهْ
مَرَّ كُلُّ الْخَريفِ ،
وَتاريخُنُا مَرَّ فَوْقَ الرَّصيفِ ...
وَلَمْ أَنْتَبِهْ !
لِلْحَقيقَةِ وَجْهانِ وَالثَّلْجُ أَسْوَدُ فَوْقَ مَدينَتِنا
لَمْ نَعُدْ قادِرينَ على الْيَأْسِ أَكْثَرَ مِمّا يَئِسْنا,
وَالنِّهايَةُ تَمْشي إلى
السّورِ واثِقَةً مِنْ خُطاها
فَوْقَ الْبَلاطِ الْمُبَلَّلِ بِالدِّمْعِ
, واثِقَةً مِنْ خُطاها
مَنْ سَيُنْزِلُ أَعْلامَنا
نَحْنُ, أَمْ هُمْ ؟
وَمَنْ سَوْفَ يَتْلو عَلَيْنا((مُعاهَدَةَ الصُّلْحِ)), يا مَلِكَ الاحْتِضار؟
كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ لَنا سَلَفًا
, مَنْ سَيَنْزِعُ أَسْماءَنا عَنْ هُوِيَّتِنا: أَنْتَ أَمْ هُمْ؟
وَمَنْ سَوْفَ يَزْرَعُ فينا خُطْبَةَ التّيهِ
لَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نَفُكَّ الْحِصار
فَلْنُسَلِّمْ مَفاتيحَ فِرْدَوْسِنا لِوَزيرِ السَّلامِ وَنَنْجو...
لِلْحَقيقَةِ وَجْهانِ
, كانَ الشِّعارُ الْمُقَدَّسُ سَيْفاً لَنا وَعَلَيْنا
, فَماذا فَعَلْتَ بقَلعَتِنا قَبْلَ هذا النَّهار؟
لَمْ تُقاتِلْ لأَنَّكَ تَخْشى الشَّهادَةَ
, لكِن عَرْشَكَ نَعْشُكْ
فاحْمِلِ النَّعْشَ كَيْ تَحْفَظَ الْعَرْشَ
, يا مَلِكَ الاْنتِظار
إِنَّ هذا الرحيل سَيَتْرُكُنا حُفْنَةً مِنْ غُبار...
مَنْ سَيَدْفِنُ أَيّامَنا بَعْدَنا: أَنْتَ...أَمْ هُمْ؟
وَمَنْ سَوْفَ يَرْفَعُ راياتِهِمْ فَوْقَ أَسْوارِنا
أَنْتَ ...أَمْ فارِسٌ يائِسٌ؟
مَنْ يُعَلِّقُ أَجْراسَهُمْ فَوْقَ رِحْلَتِنا
أَنْتَ...أَمْ حارِسٌ بائِسٌ؟
كُلُّ شَيّءٍ مُعَدٌّ لَنا
فَلِماذا تُطيلُ التَّفاوُضَ, يا مَلِكَ الانتظار؟
بَعْدَ لَيْلِ الْغَريبَة ؟
مَن أَنا بَعدَ ليلِ الغَريبةِ ؟
أَنهَضُ مِنْ حُلُمي
خَائِفاً مِنْ غُموضِ النَّهار عَلى مَرْمَرِ الدّارِ ،
مِنْ عَتْمَةِ الشَّمسِ في الْوَرْدِ ،
مِنْ مَاءِ نَافورَتيِ
خَائِفاً مِنْ حَليبٍ عَلى شَفَةِ الْتّين ،
مِنْ لُغَتي خَائِفاً ،
مِنْ هَواءٍ يُمَشِّطُُ صَفْصَافَةً خَائِفاً ،
خَائِفاً مِنْ وُضوحِ الْزَّمانِ الكَثيفِ ،
وَمِنْ حَاضِرٍ لَمْ يَعُدْ حَاضِراً ،
خَائِفاً مِنْ مُروري على عَالمٍ لَمْ يَعًُدْ عَالمي .
أَيُّها اليَأس كُنْ رَحْمَةً .
أَيُّها الْمَوْتُ كُنْ نِعمَةً للغَريبِ الَّذي يُبصِرُ الْغَيْبَ
أَوضَحَ مِنْ وَاقِعٍ لَمْ يَعُدْ واقِعاً .
سَوْفَ أَسقُطُ مِنْ نَجمَةٍ
فِي السَّماءِ إلى خَيْمَةٍ فِي الطَّريقِ ... إلى أَيْن ؟
أَيْنَ الطَّريقُ إلى أيِّ شيءٍ ؟
أرى الْغَيْبَ أَوضَحَ مِنْ شارعٍ لَمْ يَعُدْ شارِعي .
مَنْ أَنا بَعْدَ لَيْلِ الْغَريبَةْ ؟
كُنتُ أَمْشي إلى الذّات في الآخَرينَ ،
وَها أَنَذا أَخسَرُ الذّاتَ والآخَرينَ .
حِصَاني على سَاحِلِ الأَطلَسيَّ اخْتَفى
وَحِصاني على ساحِلِ المُتَوَسِّطِ يُغْمِدُ رُمْحَ الصَّليبيِّ فيّ
مَنْ أَنا بَعْدَ لَيْلِ الْغَريبَةِ .
لا أَستَطيعُ الرُّجوعَ إلى إخوَتي قُرْبَ نَخْلَةِ بَيْتي القَديم ،
ولا أَستَطيعُ النُّزولَ إلى
قَاع هاويَتي
أَيُّها الْغَيْبُ !
لا قَلْبَ لِلْحُبِّ ...
لا قَلْبَ لِلْحُبِّ أَسْكُنُهُ بَعْدَ لَيْلِ الْغَريبَة ...
كُنْ لِجيتارَتي وَتَراً أَيُّها الْماءُ؛
قَدْ وَصَلَ الْفاتِحون
وَمَضى الْفاتِحون الْقُدامى.
مِنَ الصَّعْبِ أَنْ أَتَذَكَّرَ وَجْهي
في الْمَرايا...
فَكُنْ أَنْتَ ذاكِرَتي كَيْ أَرى مافَقَدْت...
مَنْ أَنا بَعْدَ هذا الرَّحيلِ الْجَماعِيَّ؟
لي صَخْرَةٌ تَحْمِلُ اسْمِيَ فَوْقَ هِضابٍ
تُطِلُّ على ما مَضى وانْقَضى...
سَبْعُمائَةِ عامٍ تُشَيِّعُني خَلْفَ سُورِ المَدينَة...
عَبَثاً يَسْتَديرُ الزَّمانُ لأُنقِذَ ماضِيَّ مِنْ بُرْهَةٍ
تَلِدُ الآنَ تاريخَ مَنْفايَ فِيَّ... وَفي الآخَرين...
كُنْ لِجيتارَتي وَتَراً أَيُّها الْماءُ, قَدْ وَصَلَ الْفاتِحون
وَمَضى الْفاتِحونَ القُدامى جَنوباً شُعوباً تُرَمِّمُ أَيّامَها
في رُكامِ التَّحَوُّلِ
أَعْرِفُ مَنْ كُنْتُ أَمْس,
فَماذا أَكُونْ في غَدٍ تَحْتَ رَاياتِ كولومبسَ الأَطْلَسِيَّةِ؟
كُنْ وَتَراً كُنْ لِجيتارَتي وَتَراً أَيُّها الْمَاءُ
لامِصْرَ في مِصْرَ,
لافاسَ في فاسَ,
وَالشّامُ تَنْأَى.
لا صَقْرَ في رايَةِ الأَهْلِ,
لانَهْرَ شَرْقَ النَّخيلِ الْمُحاصَرْ
بِخُيولِ الْمَغولِ السَّريعَةِ.
في أيِّ أَنْدَلُسٍ أَنْتَهي؟
هاهُناأمْ هُناكَ؟
سأَعْرِف أَنّي هَلَكْتُ وأَنّي تَركْتُ هُنا
خَيْرَ مافِيَّ ماضِيَّ.
لَمْ يَبْقَ لي غَيْرُ جيتارتي
كُنْ لِجيتارَتي وَتراً أَيُّها الْماءُ.
قَدْ ذَهَبَ الْفاتِحون
وَأَتى الْفاتِحون...
في الرَّحيلِ الْكَبيرِ أَحِبُّكِ أَكْثَر ،
عَمّا قَليْلْ تُقْفِلينِ المَدينَةَ .
لا قَلْبَ لي في يَديكِ ،
وَلا دَرْبَ يَحمِلُني ،
في الرَّحيلِ الْكَبيرِ أُحِبُّكِ أَكْثَرْ
لا حَليبَ لِرُمّانِ شُرفَتِنا بَعْدَ صَدْرِكِ .
خَفَّ النَّخيلْ خَفَّ وَزنُ التِّلال ،
وَخَفَّتْ شَوارِعُنا في الأَصيلْ
خَفَّتِ الأرضُ إذْ وَدعَتْ أَرضَها .
خَفَّتِ الْكَلِمات والْحِكَاياتُ خَفَّت على دَرَجِ اللَّيل .
لَكِنَّ قَلْبي ثَقيلْ فَاترُكيهِ هُنا حَولَ بَيْتكِ يَعوي
وَيَبكي الزَّمانَ الْجَميلْ ،
لَيْسَ لي وَطَنٌ غَيْرَهُ ،
في الرَّحيل أُحِبُّكِ أَكْثَرْ
أُفْرِغُ الرّوح مِنْ آخِر الْكَلِمات أُحِبُّكِ أَكْثَر
في الرَّحيلِ تَقودُ الْفَراشاتُ أَرواحَنا ،
في الرَّحيلْ نَتَذَكَرُ زِرَّ الْقَميصِ الّذي ضاعَ مِنّا ،
وَنَنْسى تاجَ أَيامِنا ،
نَتَذَكَرُ رائِحَةَ الْعَرَقِ الْمِشمِشيِّ ،
وَنَنْسى رَقصَةَ الْخَيْلِ في لَيْلِ أَعْراسِنا ،
في الرَّحيلْ نَتَساوى مَعَ الطَّيْر ،
نَرْحَمُ أَيامَنا ،
نَكتَفي بِالْقَليلْ
أَكتَفي مِنْكِ بالْخَنْجَرِ الذَّهبيِّ
يُرَقِصُ قَلْبي الْقَتيلْ
فاقْتُليني ،
على مَهَلٍ كَيْ أَقولَ : أَحِبُّكِ أَكْثَرَ مِمّا
قُلْتُ قَبْلَ الرَّحيلِ الْكَبير .
أُحِبُّكِ . لا شَيءَ يوجِعُني
لا الْهَواءُ ، وَلا الْماءُ ...
لا حَبَقٌ فِي صَباحِكِ ،
وَلازَنْبَقٌ في مَسائِكِ يوجِعُني
لاشئ يوجعنى بَعْدَ هذا الرَّحيلْ ...
لا أُريدُ مِنَ الْحُبِّ غَيْرَ الْبِدايَةِ,
يَرْفو الْحَمام
فَوْقَ ساحاتِ غَرْناطَتي ثَوْبَ هذا النَّهار
في الْجِرارِ كَثيرٌ مِنَ الْخَمْرِ لِلْعيدِ مِنْ بَعْدِنا
في الأَغاني نَوافِذُ تَكْفي وَتَكْفي لِيَنْفَجِرَ الْجُلَّنار
أَتْرُكُ الْفُلَّ في الْمَزهَرِيَّةِ
, أَتْرُكُ قَلْبي الصَّغير
في خِزانَةِ أُمِّيَ,
أَتْرُكُ حُلْمِيَ في الْماءِ يَضْحَك
أَتْرُكُ الْفَجْرَ في عَسَلِ التّين
, أَتْرُكُ يَوْمي وأَمْسي
في الْمَمَرِّ إلى ساحَةِ الْبُرْتُقالَةِ حَيْثُ يَطيرُ الْحَمام
هَلْ أَنا مَنْ نَزَلْتُ إلى قَدَمَيْكِ, لِيَعْلُوَ الْكَلام
قَمَراً في حَليبِ لَياليكِ أَبْيَضَ... دُقّي الْهَواء
كَيْ أَرى شارِعَ النّايِ أَزْرَقَ... دُقِّي الْمَساء
كَيْ أَرى كَيْفَ يَمْرَضُ بَيْني وَبَيْنَكِ هذا الرُّخام.
الْشَّبابيكُ خالِيَةٌ مِنْ بَساتينِ شالِكِ.
في زَمَنٍ آخَرٍ كُنْتُ أَعْرِفُ عَنْكِ الْكَثيرَ,
وَ أَقْطُفُ غاردينيا
مِنْ أَصابِعِكِ الْعَشْرِ.
في زَمَنٍ آخَرٍ كانَ لي لُؤْلُؤٌ
حَوْلَ جِيدكِ,
وَاسْمٌ على خاتَمٍ شَعَّ مِنْهُ الظَّلام
لا أُريدُ مِنَ الْحُّبِ غَيْرَ الْبِدايَةِ,
طارَ الْحَمام فَوْقَ سَقْفِ السَّماءِ الأَخيرةِ,
طارَ الْحَمامُ وَطار
سَوْفَ يَبْقى كَثيرٌ مِنَ الْخَمْرِ.
مِنْ بَعْدِنا, في الْجِرار
وَقَليلٌ مِنَ الأَرْضِ يَكْفي لِكَيْ نَلْتَقي فوقها,
وَيَحُلَّ عليها السَّلام.
الكَمَنجاتُ تَبْكي مَعَ الْغَجَرِ الذَّاهِبينَ إلى الأَنْدَلُسْ
الكَمَنجاتُ تَبْكي على الْعَرَبِ الْخارِجينَ مِنَ الأَنْدَلُسْ
الكَمَنجاتُ تَبْكي على زَمَنٍ ضائِعٍ لا يَعودْ
الكَمَنجاتُ تَبْكي على وَطَنٍ ضائع قَدْ يَعودْ
الكَمَنجاتُ تُحْرِقُ غَاباتِ ذاكَ الظَّلامِ الْبَعيد الْبَعيدْ
الكَمَنجاتُ تُدْمي الْمُدى ، وَتَشُمُّ دَمي في الْوَريدْ
الكَمَنجاتُ تَبْكي مَعَ الْغَجَرِ الذَّاهِبينَ إلى الأَنْدَلُسْ
الكَمَنجاتُ تَبْكي على الْعَرَبِ الْخارِجينَ مِنَ الأَنْدَلُسْ
الكَمَنجاتُ خَيْلٌ على وَتَرٍ مِنْ سَراب ، وَماءٍ يَئِنُ
الكَمَنجاتُ حَقْلٌ مِنَ لَّيْلَكِ الْمُتَوَحِّشِ يَنْأى وَيَدنو
الكَمَنجاتُ وَحشٌ يُعَذِّبُهُ ظُفْرُ إمْرأةٍ مَسَّهُ ، وَابتَعَدْ
الكَمَنجاتُ جَيْشٌ يُعَمِّرُ مَقْبَرَةً مِنْ رُخاَمٍ وَمِنْ نَهَوَنْدْ
الكَمَنجاتُ فَوْضى قُلوب تُُُُجَنِّنُها الرِّيحُ في قَدَمِ الرَّاقِصةْ
الكَمَنجاتُ أْسْرابُ طَيْرٍ تَفِرُّ مِنَ الرَّايَةِ النَّاقِصَةْ
الكَمَنجاتُ شَكوى الْحَرير المُجَعَّدِ في لَيْلَةِ الْعَاشِقَِةْ
الكَمَنجاتُ صَوْتُ النَّبيذِ الْبَعيدِ على رَغْبَةٍ سابِقَةْ
الكَمَنجاتُ تَتْبَعُني ، ههُنا وَهُناكَ ، لِتَثْأرَ مِنِّي
الكَمَنجاتُ تَبْحَثُ عَنِّي لِتَقْتُلَني، أَيْنَما وَجَدَتْني
الكَمَنجاتُ تَبْكي على الْعَرَبِ الْخارِجينَ مِنَ الأَنْدَلُسْ
الكَمَنجاتُ تَبْكي مَعَ الْغَجَرِ الذَّاهِبينَ إلى الأَنْدَلُسْ

و عندما إنتهى صوته المتهدج فى قصيدته تسرب إلى وعاء ذاتي فيضا من المشاعر لا تفسير لها حول ما أرسله أبى له على ورقة بالية ولم أفهمه فى الوهلة الأولى رغم أنها عبارة قصيرة... (كل شئ معد لنا سلفا ..فلماذا تطيل التفاوض على معاهدة الصلح يا ملك الاحتضار) وعندما جاء دوري لأعناق محمود درويش محتضنا بعد أمسيته بكيت بكاء شديدا ندما على ما سرقته من ماعز أبى وطيوره بلا طائل .... وعجزت حتى أن أحقق حلمه وأخر أمنياته وأدفن ثرى جسده فى قريته القديمة لتفوح حوله رائحة الزيتون و ثمار البرتقال التى ذكها دماء أبوه و أمه و أخته الذين دفنوا فى مكان هناك لم ولن يعرفه أو أعرفه مع رفض الحكومة الإسرائيلية وصية أبى بزعم عدم وجود قرية بذات الاسم فربما صارت مستعمرة أو مدينة صهوينة... وظل قبر أبى فى بغداد كلما زرته جلبت معى حبوبا للحمام و اليمام و العصافير التى تأخذ عشا و مأوى لها منذ وفاة أمى هناك فقرأت له آيات قرآنية و بعض من أشعار محمود درويش لعله يغفر سرقتي الأولى ووصيته المرفوضة الأخيرة...."
قطعت حديث المشير الممرضة الفرنسية الشابة التى دخلت الغرفة بعربة صغيرة قائلة بلهجة مهجنة "السلام عليك" و نظرت إليه مبتسمة بإمتنان و حيته بالفرنسية ثانيا وكان المشير يراقبها فى معطفها الأبيض القصير و قد خلف من أسفله رداء سروالها البكيني الأبيض و أشياء من جسم صدرها المكنز من بين أزار المعطف الطبى وهى تطوف حول سريره تنظر إلى مؤشرات الأجهزة الطبية التى تعكس بيان لحالته الصحية المتردية وهى تغيير بعض المحاليل و الأدوية المعلقة بجانبه وتضع مقياس الحرارة فى فمه ثم دونت بعض الملحوظات على بطاقته الصحية ولبست قفاز أبيض وغيرت كيس التبول الملحق بقضيبه ثم خلعت قفزها مبتسمة وسحبت صدره نحوها وحضنته و ضربت على ظهره بيديها و أرجعته إلى سريره و تجولت بيدها الدافئة على صدره وبالأخرى ضغطت على يده مطمئنة بعينها الزرقتين وضحكتها السمحة المطلة من بشرتها الملونة أخبرته أن موعد مرور أطبائه بعد نصف ساعة و سيسمح لزوجته أن تزوره بعد ساعة ثم قبلته فى جبهته وتركته متمنية إلا يكون الحمام الذى تجمع حول المستشفى قد أزعجه..؟
عاد الحمام و شهوة بدون القطة السوداء إلى غرفة المشير بعدما اختفوا هربا من دخول الممرضة الفرنسية وعاد المشير أيضا إلى حدثيه معهم متذكرا ..
"و عندما دخل الأمريكان الى العراق رفضت أختى الأخرى وزوجها أن يسمعوا نصيحتي ويرحلوا إلى أى مكان أو يأتوا للعيش معى ...ماذا كان يمكنني أن أفعل و قد قتلوا إبنته وهى لم تتجاوز السابعة عشر ربيعا بعدما تناوبوا إغتصابها ثم قتلوا أخوها الصغير ثم أختي و زوجها ولا أدرى لماذا مزقوا أجسدهم و أحرقوا البيت على جثثهم هل من أجل حرية العراق كما يقولوا ..هل هذه هى الرجولة كما قال صدام قبل أن ينحروه كالشاه ؟ "
....كانت مؤشرات منحنيات تردد قلبه المنعكس على شاشة التلفاز تهبط و تدنو ببطء....فحضنته شهوة وبكت وكأنه إستردت جزءا من إنسانيتها ولو برهة فى سياق حياتها و همست له فى أذنه" أنهم قتلوك ... أنهم قتلوك "
كان المشير و قد ترك لها نفسه من شدة صراعه مع ألامه التي لاتنتهى ...يهمس فى أذنها أيضا بصوت يصاحبه بحة وهنة "أعلم ذلك فقد ماتت كل القطط التى أربيها و بعض من الحمام فى فناء حديقة منزلى ...كنت حريصا أن تأكل معى من ذات طعامي ..يا لها من طيور و قطط مسكينة لا ذنب لها فى معركة الخيانات.."
نظرت شهوة إلى عينيي المشير ضاحكة و دموعها تتساقط قائلة :
"تعلم أنى حلمت أنهم سيحملونك على عربة المدفع العسكري كما أنهم سيحملونى على مدفعهم ؟"
علق المشير"محمود درويش ....محمود درويش ....شاعر أبى ...لم يتسنى القدر أن أسئلة هل كان هو أيضا لا يأكل طيور السماء ...."
بينما ورأسه على كتف شهوة وجسده بين ذراعيها تقدم نحوه شاب ملتحي في جلباب أبيض ممزق بثقوب ملوثة ببقع من الدماء وكانت رأسه مشوهة من أثار طلقات رصاص إجتهد المشير ليتبين ملامحه ورفع يده ليلمس وجهه موجهه له الحديث :
"شئ يفطر القلب كم أنا تعيس وحزنت من أجلك يابنى لقد إخترت الشخص الخطأ لتبدأ من رأسه طريق قاعدة الجهاد ... لم أكن بطلا كصلاح الدين وقطز و لكنى لم أتوانى عن الدفاع عن وطنى الضائع قدر ما أستطاع قلبي وعقلي و جسدي وروحي ويدي ولم أستسلم كما تتصور ...كان أمل دنقل يصرخ لا تصالح حتى إنحلت سيور عربته و السيف في صدره و من خلفه الجدار .... ربما قد أساءت التقدير فرفقاء السلاح الذين حاربوا معى في الخندق قالوا إن الرسول صالح وعليك أن تعيد بناء قواتنا أثناء هدنة إلتقاط الأنفاس ولكن الرسول كان يعلم و نحن ما بعلمون بأنها كانت هى مصيدة لإرتخاء الأنفاس ..فالرفقاء تركوا سلاحهم ووطنهم طواعية في مقبرة مذبحة النسيان و إستدروا لوليمة على شرف الذئاب ...."
لايبدو إن الشاب قد إقتنع بما قاله المشير فأشار برأسه نحو شهوة دون إن ينظر لها وهى لاتزال تحتضن المشيرالذى إستمر فى حديثه وهو يتحسس وجه الشاب بأصابعه الواهنة قائلا" الأنبياء غير معصومين من الخطأ يا يونس ....ولكنى أراك اليوم قد تحولت إلى ملاك الحساب إلا تترك شئ لرحمة الرب أيها الإبن الضائع الشهيد ؟"
صمت المشير برهة وقد سقطت يده عن الشاب الذى تركه راحلا فإنتكس وجهه على كتف شهوة وتحدث بصعوبة متقاطعة قائلا "كيف طاوعتك نفسك فأردت قتل أبوك و جدك كان لايذبح الحمام أو يصوب فوهة بندقيته نحوها ؟"
كانت رغاوى من فم المشير تسيل على كتف شهوة و جسده يتحرك من فرط الآلام التى تعتصره و شهوة فى دموعها الحقيقية تنهمر على وجهه المشير وهى تحتضنه بقوة كطفلها وتطلبه أن يتوقف عن الكلام ويخلد للراحة ..
بدا له عزرائيل فى الأفق لكن المشير لم يتوقف عن الكلام وبصوت متقطع يحتله زفرة الموت الأخيرة موجها حدثيه لشهوة "يا لها من دموع حقيقية ...لم أعرف أن للشيطان دموع.... الحمام كان يدمع هو الأخر على أعتاب قبر محمود الدرويش فى يوم وفاته "

كانت أعداد من الأطباء و المساعدين تقفز متوافدة إلى قلب حجرة المشير
وإختفت شهوة و قد تجلت للمشير أطياف ملك الموت تتماوج أمامه مع أجنحة طيور الحمام وهو ذهاب إلى غيبوبته الأخيرة فقال " ونفس وما سواها فألهمها فجورها و تقوها..." ثم نظر متحدثا الى أمه التي بدت له بجواره تشد بيدها على يده فى وادعه "أمي .. أريت يا أمى ملاك الموت الرهيب الذى لا مفر منه القابض أرواحنا.....يا له من ملاك جبار لا يتوانى عن خدمة سيده ألهنا الديكتاتور الرحمن الرحيم العادل ...أرأيت ياأمى كم أنت مستضعفا أيها الإنسان فى عالمنا العابث....أيها الملاك المخيف سامحنى كان يجب إن أكون هلعا منك و من المجهول .... فهل تستطيع أن تردد معى لا الله إلا الله محمد رسول الله.... لا الله إلا الله محمد رسول الله.. لا الله إلا الله محمد رسول الله ".

عندئذ دوت صوت صفارة التلفاز الالكتروني متصلة وقد أصبحت منحنيات قلب المشير الإلكترونية على التلفز الطبى تخبو لترسم خطا مستقيما عندها تركت الحمام الأشجار حزينة تحمل جنازة أوراقها الصفراء و الحمراء وتفترش أرضا المستشفى ينتبها هياج عاصف يبعثرها فى أجواء أرجاء باريسية فى مقتبل الخريف و بعد صراع المشير مع السم اليهودي المزعوم طوال أسبوعين فى العاصمة الفرنسية كان قلبه مازال معلقا يتطلع إلى الأرض أثناء رحلة صعود روحه إلى برقها يراقب حذائه لعله يدرك من سرق و إغتصب أخته الصغيرة قبل أن يقتلها على أعتاب باب مسجد الجامع المظلوم الكبير وقد هبت كل الطيور التى كانت تحاصر المستشفى فى و داع روحه تغنى لغرناطة الروح والجسد على صوت البراق وقد إندفعت إلى ضمير السماء التى إنهمرت فى سيل من بكائها ورعدها وأسرت مع روحه وأقسمت ألا تعود مرة أخرى قاطبة للأرض .
و عندما عاد جثمان المفقود إلى مثواه الأخير فى مدينة العدالة والسلام كان فى إستقباله فى مطار العاصمة السيد الرئيس الذى كان على رأس جنازة المشير عبد الحكيم أبو حمامة العسكرية المهيبة حيث حملت جثمانه عربة المدفع التى تدافع خلافها جميع قادة و ملوك ورؤساء الولايات العربية المتحدة بالإضافة إلى العضو المنتسب إسحاق شارون رئيس حكومة ولاية إسرائيل ...
و تجمعت كل قطط المدينة تحاصر الجنازة بينما أسراب الحمام تشكل سحابة فى و وداعه رغم أن الشرطة إحتارت فى هذه الظاهرة المحيرة وطاردت القطط على الأرض و الحمام فى السماء بالقنابل المسيلة للدموع فلم تفلح فى تفريقها عن الجنازة فجربت الإبادة الجماعية و مع سقوط أنهار من الدماء إلا أن عددا من الحمام و القطط ظل يتوافد من كل فج عميق وراء الجنازة التى إمتلأ طريقها بالدماء الطيور ؟
وخص السيد الرئيس فى تصريح لبرنامج العدالة والسلام اليوم الفضائي اليومي على قناة
الأوربيت قال فيه أن العالم العربي فقد اليوم رجل من أعظم رجاله و أشجع أبنائه لم يتوان عن خدمة وطنه بالدم و الروح والعطاء و عزى أسرة المشير و دعي ربه للفقيد الرحمة والجنة وأن يلهم أهله الصبر و السلوان .. وعبر عن أسفه لأنه يفقد وينعى اليوم أخا و رفيقا و صديقا وزميلا مشوار درب و كفاح وسلاح......وأعقب التصريح تقريرا أهتم فيه المذيع عمرو أديب بظاهرة الحمام و القطط الضالة فى شوارع عاصمة ولاية العدل و السلام التى سببت حرجا كاد أن يوقف جنازة سيادة المشير .
و للحق كان الرئيس ذاته لا يدرك إلا أجزاء من الأسباب التى عجلت بنهاية المشير حيث صار الله وحده يعلم الحقيقة الكاملة التى دفعت الرئيس لإقالة المشير ثم نحره و أسرار إختفاء مذكرات المشير من بيته فى ظروف أشد ا غموضا وقد فرغا من كتابتها قبل مدة من وفاته .
ومع ذلك فأن ما أشيع فى مدينة العدالة و السلام حول مذكرات المشير أنها كانت تدور حول تخمينه لأسباب إقالته.. و سرب من أدعوا أنهم قرءوها من الدائرة المقربة منه أنه قام بتطوير صواريخ بالسيتية مع كوريا الشمالية و زرع جواسيس لسرقة معلومات و أجهزة تكنولوجية عسكرية حديثة ومعقدة خاصة برادارات حديثة من الولاية المتحدة الأمريكية وأعد لتنفيذ برنامج سرى لخطة تطوير أسلحة هجومية و إستراتيجية وبيولوجية للردع فى الشرق الأوسط بدون علم سيادة الرئيس إلا أن الأوراق التفسيرية لتكهنات نتوستراداموس المنزوع منه الصفحات الخاصة بما جاء فى مذكرات المشير أكد فيما تبقى من سطورها القليلة حول هذا الموضوع علم سيادة الرئيس بكافة ما كان يقوم به المشير و بالتنسيق معه لتطوير قدرات القوات المسلحة فى الولايات العربية المتحدة لكن المتابعين والمحللين رجحوا على ما يبدو أن خطط سيادة الرئيس قد صادفها تغيير مساراتها دون أن يدرك المشير ما يدور فى كواليس مسرح عقل الرئيس الذى تنصل أمام حلفائه الجدد من خطة الإستعداد للدفاع عن مكتسبات السلام الضائع و أصبح لزاما أبعاد المشير بإعتباره شخصا غير مرغوب فيه وعقبة أمام عهود من السلام الذى لا يأتي إلا بإستضعاف متواليا لوطن صامت فى سكون توغل إستسلام إحتلال العرق ....!

----------------------------------------------------------------------
إنتظروا "طقوس أبدية على مؤخرة الحياة"
الفصل القادم من قصة شهوة فى محكمة شمال "رواية ممنوعة من النشر"






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤامرة الديكتاتور المنتخب
- الحاج S.I.D
- - عضو صغير متقاعد -
- شهوة في محكمة شمال


المزيد.....




- ملف عمر الراضي.. السلطات المغربية تكذب مغالطات منظمات غير حك ...
- وفاة الفنان السوري كمال بلان في موسكو
- قصر أحمد باي يوثق حياة آخر حكام الشرق في -إيالة الجزائر-
- عرض مسرحية جبرا في بيت لحم
- فيما تؤكد الحكومة أن العلاقة مع المغرب وثيقة..خطط ستة وزراء ...
- القضاء المكسيكي يأمر منصة -نتفليكس- بإزالة مشهد يخرق قانون ا ...
- القضاء المكسيكي يأمر منصة -نتفليكس- بإزالة مشهد يخرق قانون ا ...
- -وحياة جزمة أبويا مش هنسكت-.. ابنة فنان شهير تتوعد رامز جلال ...
- الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان خالد النبوي
- لوحة رسامة روسية طليعية تباع في مزاد -كريستي- بـ680 ألف يورو ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد طاهر جلالة - إلى لَيْلِها الْحارِّ