أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - يحيى غازي الأميري - مأتم عراقي مندائي من الذاكرة المهمومة















المزيد.....


مأتم عراقي مندائي من الذاكرة المهمومة


يحيى غازي الأميري

الحوار المتمدن-العدد: 2222 - 2008 / 3 / 16 - 06:22
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


" يا صاح دمعي نشف ما ضل دمع بالعين فراك الاحبهم صعب شك الكلب نصين"
"البيت لأحد الشعراء"

تحفظ ذاكرة العراقيين بشكل عام صورا ً ومواقف مرعبة ومفزعة ومحزنة وأليمة كثيرة ومتنوعة، فقد نالهم على مدى سنين طويلة حيف وظلم وضيم كبير فالاستبداد والاضطهاد والعنف، والمطاردات والسجون والتعذيب، والقتل والاغتيالات والجور والبؤس والفقر والتخلف، والتمييز بكل أشكاله ومصادرة الحريات الخاصة والعامة وأهوال الحروب وجرائمها وضحاياها ومعاناة أسراها، والمقابر الجماعية، والترويع والتركيع والتجويع هذا الثلاثي المرافق لحياة العراقيين، بالإضافة إلى الأحكام والقوانين والتعليمات الاستبدادية المؤقتة والطارئة والاستثنائية والدائمة والدكتاتورية ! هذه التعاريف جزءا ً من قائمة طويلة مؤلمة وموجعة من المنغصات والويلات، سمات واضحة وممارسات يومية دائمة، فقد أثرت فينا " بالعراقيين طبعا ً و أنا واحد منهم "، وطبعت لا بل حفرت هذه الحوادث والمعاناة والهموم والمآسي في نفوس وقلوب وعقول الشعب العراقي صورا ً ومواقف قاسية حزينة لا ولن تستطيع الذاكرة نسيانها أو إسقاطها أو إهمالها والتغاضي عنها.
أسترجع أحيانا ً صورة من تلك الصور، التي كنت قد حفظتها بخوف وحذر في زاوية من تلافيف ذاكرتي المهمومة و المكتظة بالوجع العراقي الذي عشت فيه بكل أهواله.
في بعض الأحيان، لا بل في اغلب الأحيان يأتي استرجاع بعض الصورة من خلال مشاهدة أو سماع أو قراءة لحدث مماثل أو قريب من ذلك الحدث رغم البعد الزمني والمكاني بالإضافة إلى تراكم آلاف الصورة المأساوية والمرعبة فوق تلك الصورة ، إذ لم يزل مستمرا ً بسيره مسلسل الموت والخراب إلى يومنا هذا،وهو يفتك بلا رحمة في العباد والبلاد،وتزداد وتتنوع وتتراكم معه الصور المأساوية الواحدة تلو الأخرى.

سوف أروي مشاهد من بعض تلك الصور، هذه الصور قديمة لكنها لم تزل ترافقني، قد تكون صورة مشابهة لها أو قريبة منها، ترافق عدة آلاف لا بل ولست مستكثرا ً أن قلت عدة ملايين من العراقيين .
الصورة الأولى :
سنة الحدث1965 " كان الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلد بشكل عام يمر بفترة كارثة عصيبة مرعبة في ظل سلطة بوليسية عسكرية امتداد لفترة سلطة انقلاب 8شباط 1963 الدموية، حيث آلاف من العراقيين بين قتيل ومفقود وسجين ومفصول من العمل وبين هارب ومتخفي من البطش والاعتقال، فيما يعاني عموم الشعب من الجوع والفاقة والبطالة والخوف والحذر!


الصورة للفقيد المرحوم نعيم خلف رمضان الأميري

أطلق سراح نعيم (1) من الاعتقال بعد ان عذب بشكل مؤلم في أقبية نازية حكومة 8شباط 1963 الدموية، والتي تتشابه تقريبا ًفي معظم دهاليزها وسجونها ومعتقلاتها وفي طرق وأساليب تعذيبها ففي جميع أماكن التعذيب والاستجواب يوجد التعليق بالمروحة السقفية، غرف مبردة تغطي أرضيتها المياه، سياط جلد تلهب الأبدان،يرافقها سيل من الشتائم والسباب وبذيء من الكلام.
قبل هذا الحدث ببضعة أيام كنا في آخر زيارة له في بيت عمي، كان" نعيم "يئن كثيرا ًمن أوجاع المرض الذي ابتلى بحمله، ومن لهيب سياط تعذيب الجلادين وما تركته في بدنه ونفسيته، حالته كانت ميؤوس منها، حسب ما أخبرهم الأطباء،هكذا كانت تدور الأحاديث بالهمس بين الأهل والأقارب، عاد أبي للبيت من محل عمله وهو يحمل برقية مختصرة " أحضر حالا ً" نعيم " يحتضر وهو في ساعاته الأخيرة " لقد مر أبي على دائرة البريد والبرق قبل أن يفتح محله لقد كان يتوقع أن تصله بين لحظة وأخرى هذه البرقية، كان قد أخبر مسؤول البريد قبل يومين بذلك، كنا نسكن في بلدة صغيرة"ناحية الزبيدية ــ لواء الكوت" والناس يعرف بعضهم بعض في مثل هذه المدن، فبين محل عمل والدي وبيتنا ودائرة البريد مسافة لا تزيد عن عدة مئات من الخطوات،جمعنا أغراضنا وغادرنا البيت بسرعة.

سيارة التاكسي تقل عائلتنا، قطعت شوارع وأماكن مختلفة، دخلت منطقة فارهة شوارعها عريضة نظيفة، هادئة، بيوتها محاطة بحدائق تدل على ان ساكنيها افضل حياة من بقية المناطق، منطقة مترفة، طوال الطريق الجميع يجلس صامتا ًفي السيارة، أمي تبكي بصمت، أبى يكظم غيظه، كان الوقت قبل الظهر،أبي يجول بنظره يتطلع المنطقة، وصلنا قرب "جامع الكبيسي" أبي يطلب من السائق السير على مهل، أشار والدي بيده إلى محل يقع في ركن من أحد الشوارع(2 ) وبصوت حزين طلب من السائق أن يتوقف بالقرب منه، ثم ناوله الأجرة !

ترجل الجميع من السيارة، بيت عمي يقع على بعد مسافة غير قليلة من مكان توقف التاكسي، أشار والدي بيده إلى موقع بيتهم في الفرع الأخر، كنت أعرف موقع بيتهم، فقد كنت أذهب إلى هذا المحل لشراء بعض الحلوى أو المرطبات عندما كنت اذهب لزيارتهم، كان قرب المحل الذي توقنا عنده تقف مجموعة من أقاربنا أخبروا والدي أن" نعيم " قد توفي .

بحركة سريعة عدل والدي من هيئته " ملابسه " وضع عباءته الرجالية على كتفيه، وجهه أصبح أكثر حدة وصرامة، عيناه تشع حزنا ً، والدي حث الخطى، نحن نتبعه. ما هي إلا بضع خطوات حتى بدأت أمي بموجة من صراخ متتال ٍ ممزوج بعويل حاد، صوت حزين طويل يخرج مع الصراخ والنحيب "يبوُ...يبوُ.. يبوُ".... "يماي ...يماي ...يماي " صرخاتها بدأت تشق سكون وصمت الشوارع الهادئة، البيوت توصد أبواب حدائقها، تكاد تكون الشوارع خالية لا حركة للناس فيها.

أمي تحث الخطى أسرع ، تركت نعليها خلفها، هي الآن تسير حافية، التقطت نعليها، كلما كانت تقترب أكثر من البيت المقصود كان صراخها وعويلها يزداد حدة وصلابة، فهي نموذج لصوت عراقي، جنوبي، حزين، مهموم، ذاق،وعرف اللوعات والفواجع!

صوت ينبعث من بيت عمي بدء يقابل بكائها وصرخاتها، بالبكاء والعويل، كأنه صدى الصوت في الجبال، أمام البيت يحتشد العديد من الرجال والنساء، يتحول الاستقبال إلى لطم وعويل، يتدخل مجموعة من الرجال لتهدئة الموقف وحث النساء المفجوعات الدخول داخل سياج حديقة البيت.
داخل حديقة البيت جموع غفيرة من الرجال والنساء والأولاد، البيت مزدحم بالناس، أمي تواصل عويلها و تشق طريقها ، تدلف داخل البيت، هنالك يعلو الصراخ الممزوج بالنواح والعويل واللطم الجماعي ، كتلة متراصة من النساء على شكل حلقات متتالية، صوت اللطم، يهز جداران وشبابيك المنزل، أمي غابت بين جموع النساء، كنت أراقب اللطم والعويل دموعي تنحدر مع شلال الأصوات المتهدجة النائحة، كان اللطم جماعيا ً، قسم من النسوة يضربن براحة اليد على الوجه والجبين، وقسم يضربن بعنف بيديهن المتعاقدتين على صدورهن، لطم وبكاء ونواح و نواعي حزينة حتى تخور القوى !

الصورة الثانية :

في الممر الموصل بين الحديقة وطارمة البيت، كانت أعواد صغيرة متناثرة من القصب والبردي وخوص من سعف النخيل، فيما كانت عدة حزم من البردي والقصب وسعف النخيل قد ركنت جانبا على سياج الحائط القريب من الممر المؤدي من الطارمة والهول إلى المطبخ .

كان الرجال قد اكملوا مراسيم عمل " النعش "(3) التابوت المصنوع من القصب والبردي وجريد سعف النخيل وعملت له حبال من خوص سعف النخيل، وعملوا معه المستلزمات الأخرى، يدخل مجموعة من الرجال إلى داخل البيت "صالة الاستقبال " يشتد العويل والصراخ ... الصراخ يزداد قوة وعنفا ً، صراخ هستيري !

يخرج بعد لحظات من باب صالة الاستقبال أربعة رجال وهم يرتدون جميعهم زيا ًموحدا ً،ملابس بيضاء "الرستة البيضاء" ويعتمرون عمامة بيضاء،ملثمين الوجوه،لا تشاهد شيء من وجوههم فقط العيون القلقلة الحزينة المضطربة!

أربعة من الرجال(4) يحملون نعش " نعيم " على أكتافهم، حفاة الأقدام، تدافع بين الجموع، همهمة وضجيج تختلط مع العويل وصراخ النسوة و الأطفال والرجال، وهم يقطعون المسافة " الممر" بين الطارمة حتى باب الحديقة الخارجي، بعد ان عبروا" المندلته" التي وضعت أمام باب صالة الاستقبال، في الشارع مقابل باب البيت تقف سيارة صغيرة تعتليها شبكة "سيباية " توضع الجنازة فوقها وبحركات سريعة تلف حولها الحبال وتوثق جيدا ً!

في هذه اللحظات تتحول السيارة إلى مركز تلتف حوله مجاميع من الدوائر من الجموع المحتشدة، نشيج صوت الرجال المتهدج يضيع في عاصفة الصراخ واللطم والعويل النسائي، فأصواتهن بدأت أكثر إيلاما ًوتفجعا ً، العويل والصراخ يصل ذروته " يبوُ..يبو ُ..يبوُ .. يماي .. يماي .. يماي"
يتوزع المشيعون على السيارات الواقفة التي تنطلق بهم إلى مقبرة أبو غريب!

في البيت بقيت مجموعة من النساء والرجال والشباب، توزعوا سريعا ً على واجبات ضرورية كانوا قد وزعت مهماتها عليهم، وترتب عليهم إنجازها، بالسرعة والوقت الذي خصص لها، ما هي إلا ساعات حتى نصبت خيمة كبيرة في حديقة البيت الأمامية، وخيمة أكبر منها في الشارع مقابل البيت، فيما تولت مجموعة أخرى توزيع الكراسى والقنفات والمناضد الصغيرة "الطبلات" بصفوف وتنسيق داخل الخيمتين، التي اكتملت أنارتهما بنشرة ضوئية .

مجموعة أخرى جلبت أغطية و افرشه و أواني للطعام أدخلت البيت ووضعت قسم من الأواني "أواني الطعام والطبخ " في الحديقة الخلفية للبيت ، فيما باشرت مجموعة أخرى بإعداد القهوة والشاي والطعام !

اكتملت مهمات نصب خيمة الفاتحة ، تستمر الفاتحة سبعة أيام بلياليها، كان هذا هو العرف السائد والمتعارف عليه، والتي يستمر فيها استقبال المعزين القادمين من مختلف الأماكن، ويستمر معها النواح والبكاء واللطم، مكثت مع عائلتي في بيت عمي سبعة أيام " الفاتحة " متدثرين بالحزن والفاجعة !

في اليوم الثالث يكون قد وصل عدد المعزين والمواسين من النساء والرجال أعلى الأرقام أي في ذروته، يكون بعد يومين من تاريخ الدفن.
غص البيت بالنساء المعزيات، النواح واللطم على اشده، كان صوت " الشاعرة " أو "الكوّالة " التي جلبت منذ اليوم الأول، صوتها لا يهدأ، وأشعارها لا تنقطع، كانت تتخذ لها موقعاً تتوسط فيه جموع النساء، تنوح بصوت حزين يكرب القلوب.
صوتها يعلو فوق صوت الأصوات الباكية النائحة، وهو ينطلق حزينا ً شجيا ً، يؤجج العواطف، ويثير الشجون، يتزامن مع إيقاع حزن ثقيل مع ضربات الأيادي على الصدور، ومعه أصوات النساء وهن يرددن " احو.. احو .. احا.. احا "، ومن حين لحين كان يرتفع صوت إيقاع اللطم ومعه يرتفع صراخ النائحات "يبوُ .. يبو ُ" ... "يماي .. يماي " فتثار معها اكثر غريزة النحيب ،فتنزل الدموع متفجرة من المآقي.

أطفال يقفون خلف شبابيك البيت ، يمسكون الشبابيك بأيديهم ، يشاهدون ما يجري وهم يبكون ويصرخون !

صورة لم تفارق مخيلتي أبدا ًسوف أدونها مع تلك الصور الحزينة ، الصورة في اليوم الثالث للفاتحة ، صوت اللطم والبكاء والنواح قد ارتفع بشكل قوي و مفاجئ ، كانت إحدى النسوة قد قامت بإخراج الملابس العسكرية " البدلات العسكرية "من درجها " الكنتور " وأتت بها إلى داخل الهول المزدحم بحلقات النساء وتضع الملابس " البدلات العسكرية "في وسط دائرة اللطم، فتثار العواطف والشجون، تتوسط حلقة النساء أم الفقيد " أم لعيبي " المفجوعة المهضومة المسكينة "رحمها الله " التي كانت قد قصت جدائلها الفضية، بعد لحظات من وفاته بسكين من المطبخ،وغطت شعر رئسها بطين من حديقة الدار، دلالة على قوة الفاجعة الحالة بالعائلة جميعاً تحتضن الملابس بعنف وحرقة لتضمها إلى صدرها. يطلب مجموعة من الرجال الجالسين في الخيمة بضرورة تدخل أحد الرجال ليقوم بإخراج "البدلات العسكرية " لتهدئة هذا الهيجان!
يقع الاختيار على والدي" رحمه الله" الذي يتصف بالجلد وقوة التحمل والصبر ورباطة الجأش، يدخل داخل البيت ويخرج من وسط حلقات النساء، وهو يحتضن الملابس بين يديه، إحدى البدلات كانت تتلألأ عليها نياشين ذهبية، و أخرى زرقاء وعليها أشرطة حمراء، وفوقها عصى التبختر التي يحملها الضباط، و سدارة الرأس تتقاطع على مقدمتها صورة بندقيتين متقاطعتين، في الطارمة وقف "والدي " وهو يحتضن الملابس بين يديه جال في نظراته ما بين الملابس والخيمة والوجوه المحملقة به، وبحركة مفاجئة، يجلس والدي مفترش الأرض من تحته واضعا ً "البدلات العسكرية "التي يحملها بين يديه أمامه، فاتحا ًذراعيه بعد ان وصل به الأسى والجزع والحزن واللوعة حد الاختناق والغصة فيصرخ بصوت شجي " يا بويه يا نعيم .. يا بويه يا نعيم " لتأخذه بعدها نوبة من البكاء بصوت مبحوح حزين .


الصورة الثالثة : في صيف 1999

سوف اروي هذه الحادثة قد تكون المكملة للمقالة، في مساء صيف عام 1999 كنت بصحبة عائلتي المتكونة من" زوجتي و أبنائنا الثلاث " بعد أن ركنت سيارتي الخاصة قرب "محلات ومرطبات الخاصكي " في شارع المنصور/ ببغداد، قمنا بجولة للتبضع من المحلات القريبة منه دخلنا محل لبيع العطور و الشامبوات،وبينما نحن نتبضع وننتقي هذه العلبة أو تلك، سقطت إحدى علب الشامبو على أرضية المحل وانكسرت، كانت الأرضية مرمر مصقول لماع، ساحت محتويات العلبة على الأرض ، كان الموقف محرجاً، بدأنا بالاعتذار، تدخل صاحب المحل وبأسلوب مهذب لبق لطيف مخففا ً من إحراجنا وخجلنا، وبحركات رشيقة وسريعة منه، أزال العلبة المكسورة ونظف المكان .
اشترينا مجموعة من علب الشامبو وعلبة من العطور، ودفعنا له ثمنتها ، ونحن نكرر من أسفنا واعتذارنا، فيما راح هو يحملق فينا وابتسامة ترتسم على محياه.
وفيما نحن نخطو الخطوة الأولى خارج المحل، وإذا بصوت صاحب المحل يطلب منا برجاء فيه مودة ولطف التوقف، ويدعونا مجدداً الدخول للمحل،كان الرجل يوحي مظهره أنه قد شارف على نهاية الخمسينات من العمر،ضخم الجثة،أنيق المظهر، وقور لبق في حديثه .
وسألنا بشكل سريع "أني أريد أسألكم عن شخص أشبهكم به كثيرا " وألتفت إلى زوجتي وسألها هل أنت قريبة أو شقيقة "المرحوم "نعيم خلف " ؟
فبعد برهة من الذهول أجابته بالإيجاب نعم المرحوم " نعيم "شقيقي !
بدا الرجل حديثه:" أني شبهت بيكم على الشكل والدم ، أني أسمي "قاسم السماوي" كان المرحوم "نعيم "صديقي وآخي وحبيبي ،كان المرحوم "نعيم " زميلي وصديقي منذ الدراسة المتوسطة ، كان إنسان رائع ،شجاع ، قوي،كان مثال للشهامة والأخلاق ،استمرت علاقتنا حميمية حتى وفاته".

وخلال حديثه اخبرنا أنه كان ضابط في الجيش العراقي ،عسكري أيضا وأنه أحيل على التقاعد منذ زمن برتبة عقيد أو عميد " لا تذكر جيدا ً".
أخبرنا أن درجة التشابه" بيننا قوية جدا ً" واخبرنا أنه قد التقى أكثر من مرة بأشقاء المرحوم "نعيم " كل من"عزيز ورتاب " فأخبرته أنهم أولاد عمي أكيد الدم والشكل متقارب!
وبحركة سريعة فتح أحد أدراج المنضدة التي أمامه واخرج منها صورة فوتوغرافية قديمة، بالأسود والأبيض، ووضعها أمامنا، الصورة كانت تضم ثلاث شباب يجلسون حول مائدة، أشار بيده على أحد صور الجالسين الثلاثة موجها ً كلامه إلى زوجتي هل تعرفين هذا الشخص ؟
ما هي إلا لحظات وراحت عيناها تطلق الدموع فقد كانت أسرع إجابة من صوتها المتهدج نعم أعرفه أنه شقيقي" نعيم"

أخبرنا انه يحتفظ بهذه الصورة منذ اكثر من 37 سنة، واضعها دائما ً في مكان قريب مني،كان في الصورة المرحوم "نعيم "وصاحب المحل "قاسم السماوي "وشخص ثالث صديقهم.
كانت كلماته الأخيرة ونحن نودعه (لن أنسى أخي وصديقي العزيز " نعيم " فقد أخذ له مكان كبير في قلبي)!

هوامش وتعاريف ضرورية مكملة لمقالنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفقيد الشهيد "نعيم خلف رمضان الأميري " هو أحد ضحايا التعذيب الفاشي، من مواليد عام 1943 كان يعمل ضابط في الجيش العراقي، كان الفقيد قد أنهى قبل انقلاب 8 شباط 1963 دورة خاصة في الكلية العسكرية ،تخرج منها برتبة "نائب ضابط تلميذ حربي" ومنح شارة ذهبية تعلق على الكتف خُط عيها عبارة "ن ض ت ح "والتي يرقى حاملها بعد خدمة محدودة إلى رتبة ملازم ثاني، وقد اخبرني شقيق الفقيد الأستاذ "عزيز خلف " أن صديق المرحوم "نعيم " "قاسم السماوي "كان قد تخرج من دورة مشابهة لدورة المرحوم "نعيم " ومنح نفس الرتبة " ن ض ت ح " بعد تخرجه واستمر "قاسم السماوي" بعدها بالتدرج بالرتب العسكرية حتى أحيل على التقاعد وهو برتبة "عقيد أو عميد "كما أسلفت ، أعتقل الفقيد "نعيم " بعد انقلاب 8 شباط 1963 مباشرة وهو في داخل وحدته العسكرية، وناله صنوف وأساليب قاسية من التعذيب، والاستجواب بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي، أطلق سراحه بعد فترة، لعدم إثبات شيء عليه، وأعيد لوظيفته العسكرية، لكنه بقى تحت المراقبة، ولم تمضي فترة قصيرة على ذلك، ظهر عليه آثار المرض العضال "مرض السرطان" في منطقة الكتف، من جراء سياط التعذيب والتعليق" التعليك" في المروحة السقفية في المعتقل، توفي بعد صراع مرير مع المرض والمعاناة النفسية التي نالها خلال فترة الاعتقال والاستجواب، وكانت وفاته بتاريخ 24/10/1965 وهو في ريعان شبابه، كان وسيما ًجسيما ً،غير متزوج . وقد سمعت من العديد من الذين عرفوه وزاملوه أنه كان مهذب مؤدب شجاع، مقدام .

ينتمي"نعيم " إلى عائلة وطنية تقدمية يسارية، كان قد أعتقل وأستجوب وسجن قبل وبعد انقلاب 8شباط 1963 معظم أشقائه والعديد من أقاربه، بالإضافة لتعرض بيتهم لمرات متعددة للمداهمات والتفتيش البوليسي، نتيجة انتمائهم وتبنيهم الأفكار اليسارية التقدمية.
أخبرني شقيقه الكبير الأستاذ " لعيبي خلف" وكذلك أكد لي شقيقه الأستاذ "عزيز خلف " أن الفقيد المرحوم "نعيم "كان رفيق شيوعي، عضو في الحزب الشيوعي، ملتزم، نشيط، ضمن تنظيمات الخط العسكري للحزب الشيوعي العراقي، وأستمر في ارتباطه بالحزب الشيوعي بعد إطلاق سراحه من الاعتقال والاستجواب حتى وفاته.

(2) كان يقع بيت عمي في منطقة "الداوودي "ببغداد/الكرخ في شارع 47 ويقع المحل الذي توقفنا قربه في شارع 46 اسمه "محل موحان" لبيع التجهزات المنزلية "كان يجاور بيتهم طيب الذكر بيت الأستاذ"أبو سعد" عائلة كريمة طيبة، وكان في شارعهم عدة بيوتات من الصابئة المندائيين بحدود عشرة بيوتات، ومن البيوتات التي أتذكرها ،طيبي الذكر، أمام بيتهم كان يقع بيت المرحوم "خيري يوسف الحيدرــ أبو حازم " وبيت المرحوم "نصرت باحور ــ أبو عائد" ويجاورهم بيت الأستاذ"حليم كثير الحيدر ــ أبو كريم "وفي طرف الشارع بيت الأستاذ "عبد الفتاح الزهيري ــ أبو زهير".

(3) من التقاليد الدينية المندائية،يجب أن يكون النعش أو التابوت الذي يوضع فيه المتوفي مصنوع من القصب والبردي وجريد سعف النخيل وتصنع الحبال من خوص سعف النخيل.

(4) ومن التقاليد المندائية الدينية يجب ان يكون من يحملون الجنازة، أربعة رجال"حلالية " وهي درجة دينية مندائية، يرتدون الملابس الدينية البيضاء "الرستة " عند حملهم الجنازة على الأكتاف، وهم ملثمو الفم والأنف وتسمى هذه اللثامة بالمندائية "بندامه " وهم حفاة، وقد شاهدت في السنوات الأخيرة في عدة أماكن ومناسبات "السويد مثلا ً" أن " الحلالية " او رجال الدين يلبسون جواريب بيضاء وينتعلون القبقاب وخصوصا ً في فصل الشتاء عند الدفن أو أجراء بعض الطقوس الدينية، وقد استفسرت من رجال الدين المندائيين عن هذه الظاهرة فأجابوني أنه يجوز ذلك، فحمدت الله على ذلك، فقد كنت قد شاركت أكثر من مرة في حمل الجنائز المندائية وذات مرة كانت في بغداد في 12/1 /1989 يوم قارص البرد، من ذلك الشتاء ،كانت الجنازة تعود إلى عمي رحمة الله (خلف رمضان الأميري) وكان الجو بارد جدا ً،ممطرا ً،وأرض المقبرة رطبة "طين " رغم توقف المطر أثناء تواجدنا في المقبرة، وقتها كنت أكاد أموت "أصطك" من شدة البرد الذي ضرب قدميي العاريتين، خلال فترة أجرائنا مراسيم الدفن وشعائرها ،إذ كنا حفاة الأقدام، ورغم ذلك البرد القارص كان قد تنافس أكثر من عشرة من الرجال "الحلالية "على حمل جثمان طيب الذكر العم " أبو لعيبي " لكونه كان محط احترام وتقدير وذا مقام كبير لدى أهله ومحبيه.
وكان قد شارك معي في حمل الجنازة طيبي الذكر المرحوم "عزت داخل علاوي ــ أبو ضياء " و " سعيد مسَّلم " و "نصرت يوسف عمارة ـ أبو مازن".

يكون أحد الرجال "الحلالية " الأربعة قائد للمجموعة ويذهبون برفقة الجنازة إلى المقبرة ويقومون بإنزال المتوفي في القبر و إكمال المراسيم الدينية المندائية الخاصة بالدفن، وعمل طعام الغفران الخاص بالمتوفى "اللوفاني " يقومون بعدها بالطماشة ومن ثم تبديل ملابسهم، ويتطلب بعد كذلك من الشخص الذي يحمل جنازة متوفي أي من "الحلالية " التعميد أي الصباغة على يد أحد رجال الدين.

ملاحظة مهمة : من خلال ما سمعته مرارا ً من رجال الدين المندائيين وقراءتي للعديد من الكتب التي تتحدث عن ديانة الصابئة المندائيين وعاداتها وشعائرها ،فقد وجدت في أكثر من مكان أنها تحرم وتنهي عن البكاء والنواح واللطم و تمزيق "شق" الملابس وقص الشعر أو الضفائر على الميت وأثناء الفاتحة. وكنت وأنا أكتب هذه السطور أقرأ ما يدور في البلد من ويلات وفواجع ونوائب وما يصيبنا فيها من ألم ولوعة وأسى بفقدان الأحبة وضياع الأمل، ومن ضمن ما قرأت عدة قصائد وأبيات من الشعر الدارمي والبوذية و أدناه بيت مما قرأت من الشعر"الدارمي" لم اعرف قائله،يقول فيه:
" يا صاح دمعي نشف ما ضل دمع بالعين فراك الاحبهم صعب شك الكلب نصين"

وبرد فعل مني كتبت ولو أني لا أجيد الكتابة في هذا النوع من الفن "معذرة " لكن هذا ما كتبت :

يا صاح أريد أخبرك على الوكت و ما جرى، زادت هموم الناس و كلوبه موجره .
ويا صاح أخبرك تره عيوني بعدها ما بطلت لبجاي، من حيث كل يوم ليمر انكس منه الجاي !
في الختام اعتقد ان أبسط ردود الفعل عند الإنسان هو البكاء والنواح كتعبير ضد الجور والظلم والضيم والطغيان والحرمان.






حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمد عنوز في كتاب من منشورات تموز
- احتفالية لبعث الأمل ب ( طراسة ) * رجل دين مندائي جديد في سور ...
- الشاعر السوداني الكبير محجوب شريف يكتب كي يوقظ الضمير الإنسا ...
- أكتب إلى مهدي و ذكريات مهدي وعيون مهدي وضحكات مهدي/الحلقة ال ...
- أكتب إلى مهدي و ذكريات مهدي وعيون مهدي وضحكات مهدي/ الحلقة ا ...
- أكتب إلى مهدي و ذكريات مهدي وعيون مهدي وضحكات مهدي
- تأملات وأحلام قبل وبعد سقوط النظام
- الشيخ الجليل وصديق الحق و المدافع عن حقوق المظلومين علي القط ...
- في مؤتمر زيورخ ... دونت شهادة الصابئة ومعاناتهم بأمانة للتأر ...
- مات المندائي العراقي ( أبو نبيل ) بعيدا عن أرض الرافدين موطن ...
- الصابئة المندائيون .. مصير مجهول يلفه الضياع والتشرد والتشرذ ...
- مؤتمر زيورخ : صوت من أصوات المضطهدين والمهمشين على مدى العصو ...
- المتنبي والشطري يتناغمان
- عام جديد وملايين شعبي تبكي على مأساة الحسين ومأساة الوطن
- الذكريات والأحداث وأهمية تدوينا،، نعيم بدوي ، يشوع مجيد في و ...
- صديقي يشوع فقدانك المروع قد زاد من آلامي وأحزاني
- لليدي دراور* .. من كاتبة قصص خيالية وخواطر قلميه إلى أكبر مس ...
- إلى الأستاذ المناضل عزيز سباهي
- ناجية المراني شمعة عراقية مندائية لم تزل تنير الطريق بثبات و ...
- تقرير اخباري عن اجتماع اليوم الثاني للمؤتمر الرابع لاتحاد ال ...


المزيد.....




- تنعي الحركة التقدمية الكويتية فقيدها الرفيق صالح محمد المورج ...
- بالصّور || ألآف الكولومبيين يشاركون بمسيرات منددة بالسياسات ...
- البيشمركة: مقاتلو حزب العمال شنوا هجوما على قواتنا في سيدكان ...
- تركيا تطلق عملية جديدة ضد حزب العمال الكردستاني شرقي البلاد ...
- المحرر السياسي لطريق الشعب:ما هكذا يقطع دابر الكوارث!
- تفاصيل هجوم عناصر حزب العمال الكردستاني على البيشمركة في أرب ...
- محتجون في بوغوتا يحاولون اقتحام الكونغرس الكولومبي
- احتجاجات في عدة دول في يوم العمال
- عشرات الآلاف يحتجون في كولومبيا على قانون ضرائب جديد
- المحكمة الإسبانية العليا تنفي استدعاء زعيم -البوليساريو-


المزيد.....

- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - يحيى غازي الأميري - مأتم عراقي مندائي من الذاكرة المهمومة