أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد البيتاوي - حكايات من المسطبة /10














المزيد.....

حكايات من المسطبة /10


محمد البيتاوي

الحوار المتمدن-العدد: 2053 - 2007 / 9 / 29 - 06:33
المحور: الادب والفن
    


احتراز
صرخت أم رياض في لوعة وحرقة:
- ولدي.. يا حسرة قلبي عليك يا رياض..

فشقت الصرخة جدران البيت القديم المتهالك، ووقف أبو رياض مبهوتاً مفزوعاً، وهو ذاهل عن نفسه.. أيمكن أن يكون ولده المحجوز في البيت، هو أول شهيد في القرية؟

وتردد صدى الصرخة في حارات القرية وأزقتها المحاصرة منذ ساعات، حتى دخل كل بيت وسقيفة وطابون.. ورددت صداه الوديان والجبال المحيطة بالقرية، حتى وصل إلى كل أُذن. وبدأت سلسلة من الحكايات، والأب ما زال يقف ذاهلاً عن نفسه، غير مصدق لما حدث.. فعندما اندلعت الأحداث، تطورت بشكل سريع، فانتشرت كالنار في الهشيم. إلا أن حزب الخوف والجزع، انسلخ عن الأحداث، وانكمش على نفسه، ولجأ إلى الجحور. والمترددون انقسموا على أنفسهم، فمنهم من جرتهم الأحداث قسراً، والآخرون أبقوا على ترددهم، وأخذوا يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى.. فقدم بعضهم خدمات صغيرة، كَبُرَ بعضها مع الأيام..

كان أبو رياض واحداً من أبرز قادة حزب الخوف والجزع، فشدّد قبضته على أبنائه منذ البداية، استقطعهم وعداً يلزمهم البقاء إلى جانبه، مبتعدين عن كل ما يمكن أن تأتي به الأحداث الجارية الجارفة على الساحة. وكلما كان يستشعر نبض تمردهم، كان يزداد قسوة عليهم، فيغلظ لهم القول، ويجبرهم على تجديد البيعة والعهد له. وأوفى الأنباء بعهدهم على مضض، فعاشوا أوقاتاً صعبة، كانت تتجاذبهم فيها الرغبة في الانطلاق والتمرد من جهة، والوفاء بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم لأبيهم من جهة ثانية.. وأخذت تتقاذفهم المشاعر المضطربة حتى انحرفت طباعهم، وباتوا كثيري التبرم والسخط وهم يستصغرون أنفسهم أمام أترابهم.

ومضت الأحداث، وتصاعدت، ولا شهيد حتى ذلك اليوم في قريتهم.. العشرات.. المئات سقطوا، في كل المناطق.. في المدن والقرى والمخيمات.. إلا أنه لم يسقط أي شهيد في قريتهم، رغم نشاط شبابها وجرأتهم على المواجهة..

واليوم فوجيء الكل بالقوة الكبيرة التي اقتحمت القرية.. انكمش الخائفون والجزعون في جحورهم بعد أن سدوا على أنفسهم النوافذ والأبواب، وتفرق الباقون في مجموعات صغيرة تبعثرت في أطراف القرية.. وما أن انطلقت الصفافير، حتى انهمرت الحجارة فوق رؤوس قوات الاحتلال كالمطر. ومن لا يعلم، عليه أن يعرف مدى قدرة ابن الريف الراعي على ضرب الحجر، ودقة إصابة الهدف به.. وكان رد فعل الجلاوزة عواصف مزمجرة من الرصاص، وقنابل الغاز، وقنابل الصوت التي انهمرت في كل الاتجاهات، مما حول جو القرية الهادئ، إلى جو عاصف رهيب.. وجرى ضرب، وتكسير، واقتحام منازل، وبعثرة أثاث ذكَّرت شيوخ القرية بأيام الاحتلال الإنجليزي يوم كانوا يخلطون الطحين بالسكر بالكاز.. وجاءت صرخة أم رياض التي عبر صداها إلى كل مكان، فكان أن تيقظت حواس الشباب، فاستطاعوا تحديد مصدر صرخة الفجيعة، فتقاطروا إلى منزل أبي رياض، حيث خطفوا الجثة، وقاموا بدفنها قبل أن تصل إليها يد الغزاة الذين كانوا يحتجزون جثث الشهداء ليزيدوا من معاناة أهاليهم..

وها هي الأحوال تتبدل في منزل أبي رياض.. وفي الأيام التالية، لاحظ أهل القرية أنَّ أبا رياض قد أرخى قبضته عن باقي أبنائه.. وكلما كان يواسيه أحدهم كان يردد بصوت خافت حزين، والدمعة عالقة بعينية:

- إنها مشيئة الله.. ولا رادّ لقضائه.. المكتوب ما في منه مهروب.. كم كنت غبياً، عندما اعتقدت بأن الحذر قد يوقف القدر.. لا إله إلاَّ أنت سبحانك.. إنها مشيئتك، لا اعتراض لي عليها.. قدر الله وما شاء فعل..






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكايات من المسطبة /9
- حكايات من المسطبة / 7
- حكايات من المسطبة / 8
- حكايات من المسطبة / 5
- حكايات من المسطبة / 6
- حكايات من المسطبة / 4
- حكايات من المسطبة / 2
- حكايات من المسطبة / 1
- بعض من ألم وعبرة
- هذيان خارج النص
- حواريات في الحب
- مقطع من رواية : اوراق خريفية
- الصوت والصدى
- بقايا من ثمالة
- قصص قصيرة


المزيد.....




- دعوات رسمية في إثيوبيا لدمج اللغة العربية في المنظومة التعلي ...
- من القهر إلى الثورة.. كيف أعادت السينما المصرية صياغة صورة ا ...
- فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب ...
- محمد القصبجي.. عبقري العود الذي أرسى دعائم الموسيقى العربية ...
- رحيل الفنان عبدالعزيز مخيون.. وداعاً مثقف الشاشة المصرية ومن ...
- السينما الغنائية العربية: من وهج البدايات إلى انحسار التيار ...
- حكاية لعبة 5: صرخة سينمائية في وجه الاغتراب الرقمي للأطفال
- ثقافة -البالة- في العراق: من ملاذ للفقراء إلى -صيد ذكي- للما ...
- السينما المصرية في مواجهة -سحر المونديال-: تراجع الإيرادات و ...
- ليلة -إيفان كوبالا- التاريخية.. طقوس الماء والنار والأساطير ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد البيتاوي - حكايات من المسطبة /10