حين تعلن واشنطن ان سورية لم تعد على خريطة الدول في العالم
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 13:10
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كأن المشهد الذي أعلنت فيه واشنطن عن رفع اسم سورية من الدول الراعية للإرهاب ، مجرد طقس للسياسة البيروقراطية الرتيبة، فقد خرج القرار من واشنطن كمن يزيح غباراً عن ملف قديم، رافعةً اسم دمشق من لائحة الدول الراعية للإرهاب. لكن ما لبث أن تكشّف، تحت طبقات اللغة الدبلوماسية الرمادية، عن حقيقة أكثر إيلاماً مما يوحي به الإجراء: فالقرار لم يكن منحاً لشرعيةٍ جديدة، بل إعلاناً رسمياً بغياب أية شرعية قائمة. إنّه ليس تأشيرة عبور نحو العالم، بل شهادة وفاةٍ لدولة اسمها سورية لم تعد قادرةً على أن تكون دولة.
ففي سيكولوجية القانون الأمريكي، لا يُرفع الاسم عن القائمة السوداء لأن الدولة أصبحت أكثر "استقامة"، بل لأنها أصبحت أكثر هشاشة. السودان خرج عندما سقط صندوق حكم البشير، وليبيا حين تهاوى صرح القذافي، والعراق بعد أن تمزّق نسيج دولته. في كل منعطف، كان الرفع اعترافاً بالانهيار، لا تتويجاً للنهوض. وسورية اليوم، في هذا السياق، ليست استثناءً عابراً، بل النموذج الأبلغ لفقدان الجوهر السيادي.
غير أنّ المرء قد يخطئ الظن فيقرأ المشهد عبر عدسة "العمالة"، متوهماً أن دمشق أصبحت مجرد "جهاز وظيفي" يتحرك بنبض الآخر، شبيهٌ بتلك الأجهزة الفاشية في الضفة الغربية التي باتت تعرف في الخطاب السياسي الفلسطيني بـ"عصابة دايتون". غير أنّ بين المفهومين بوناً شاسعاً، لا يقل عمقاً عن البون بين الجسد الحي والظل المسقط.
فثمة فرق جوهري بين الكيان الوظيفي والدولة الفاشلة. الأولى، كتلك الأجهزة التي تدير شؤون الأمن تحت سقف الاحتلال، تتغذى من تمويل ثابت، وعقيدة واضحة، وهدف سياسي محدد، وارتباط مباشر بالقوة المحتلة. إنها تمارس دوراً، مهما كان هشاً، في حماية نظام احتلالي قائم ، حتى تاريخ معين ، يبدو أنه شارف على الانتهاء .
أما سلطة دمشق الراهنة، فهي سلطة بقاء لا سلطة وظيفة. لا تحمل مشروعاً، ولا عقيدة، ولا حتى أدوات أولية للفعل. إنها كيان متجمد في عجزه، لا يحمي حدوده، ولا يصد الضربات، ولا يدير اقتصاداً، ولا يملك قراراً سيادياً. إنها سلطة لم تعد تهدد، لكنها لم تعد تحمي أيضاً. إنها، ببساطة، سلطة عاجزة، لا سلطة عميلة. والعجز، في منطق الأمم، قد يخدم الآخرين، لكنه ليس تعاوناً ولا تنسيقاً.
إنّ رفع اسم سورية من اللائحة الأمريكية الدول الراعية للإرهاب يعني أن واشنطن، في فكرها البراغماتي، لم تعد ترى في هذا الكيان لاعباً إقليمياً يمكن التلويح به، أو تهديداً يستدعي المواجهة، بل فضاءً مفتوحاً يتقاطع فوقه الجميع، دون أن يكون لأحدهم ثقل ذاتي. إنه اعتراف بتحول سورية إلى فراغ جيوسياسي، يتنازعه المصير دون أن يكون له صوت.
وهذا الفراغ يخدم الكلّ، كلٌّ من زاويته: يخدم إسرائيل لأنها تواجه دولة لا تردّ؛ وتركيا لأنها تتوغل في الشمال دون رادع؛ وواشنطن ذاتها لأنها تتعامل مع سورية كملف إنساني وأمني، لا كدولة ذات سيادة. لكن الفراغ لا يعني الوظيفة، والعجز لا يعني العمالة، والسقوط لا يعني الاصطفاف.
في معجم العلوم السياسية، تحضر الدولة الفاشلة باعتبارها كياناً: بلا سيادة على حدوده، ولا احتكار للعنف، ولا مؤسسات فاعلة، ولا اقتصاد قابل للحياة، ولا شرعية داخلية أو خارجية، ولا قدرة على الردع أو الإدارة. وسورية اليوم، في مشهدها المأساوي، تستوفي هذه المعايير حرفياً، وكأنها رسم بياني لدولة في حالة انهيار كامل.
وهنا يكمن جوهر المغالطة: الدولة الخاضعة تنفذ ما يُطلب منها، أما الدولة الفاشلة فلا تستطيع تنفيذ أي شيء أصلًا. الفارق ليس في "النية"، بل في "القدرة". ففي النموذج الدايتوني، هناك وظيفة قمعية محددة خادمة للاحتلال وتمويل خارجي وتنسيق يومي مع القوة المحتلة، أما هنا فكل هذه العناصر غائبة، فلا وظيفة ولا تمويل ولا تنسيق ولا عقيدة ولا هدف ولا قدرة. إنها ليست سلطة وظيفية، بل بقايا دولة تحتضر في غياب المشهد.
وإذا كان للقرار معنىً بالنسبة للشعب السوري، فهو أن واشنطن ترى الآن أن سورية ليست تهديداً، وليست لاعباً، وليست دولة، وليست قادرة على دعم الإرهاب أو منعه. وهذا، في منطق العلاقات الدولية، يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية، وممرات إغاثية، ومساومات حدودية وإعادة تموضع للقوى الإقليمية، لكنه يغلق الأبواب كلها أمام إعادة إعمار تعيد الروح، أو اعتراف سياسي يمنح الشرعية، أو عودة دولة تستعيد هيبتها. القرار، إذاً، ليس بداية جديدة، بل إعلان نهاية مرحلة.
سورية خارج خرائط الدول المعاصرة
إن رفع اسم سورية من لائحة الإرهاب ليس حدثاً سياسياً عابراً، بل حدثاً أنطولوجياً بامتياز. إنه إعلان بأن الدولة السورية، كما عرفها العالم منذ منتصف القرن العشرين، لم تعد موجودة في الوجدان السياسي العالمي، وأن السلطة القائمة لم تعد فاعلاً، بل أداة عاجزة لا تستطيع حتى أن تكون خصماً محترماً. وسورية اليوم لم تعد خارطة ترسم المصير، بل مساحة جغرافية تتقاطع فيها الأقدار.
القرار لا يمنح الشرعية، بل يعلن غيابها. ولا يفتح باباً، بل يكشف فراغاً. ولا يعيد سورية إلى الخارطة، بل يثبت أنها خرجت منها إلى الأبد.
……..
النسخة الساخرة :
سورية خارج الخريطة... أو: كيف تمنحك أمريكا شهادة وفاة وتظن أنك ستموت ضحكاً!
في مشهد يليق بأفلام الكوميديا السوداء التي تنتجها هوليوود في أوج أزماتها الإبداعية، خرج علينا البيت الأبيض ليلقي علينا تحفته الدبلوماسية: "سورية لم تعد دولة راعية للإرهاب!".
هل تتصورون؟ كأن الإرهاب كان ينتظر هذه اللحظة المهيبة ليصيح: "طردتموني! لا إله إلا الله!" بينما سورية تقف في الزاوية خجلة وكأنها طالب تم شطبه من قائمة المتفوقين ثم اكتشفوا أنه لم يكن متفوقاً أصلاً!
إنها أشبه بمن يزيح الغبار عن ملف قديم ليكتشف أنه ليس ملفاً بل شهادة ميلاد... لشخص ميت!
القانون الأمريكي ونظريته في الطرد من القائمة السوداء:
عندما ترفع أمريكا اسم دولة من قائمة الإرهاب، فهذا ليس تكريماً، بل إعلان وفاة سياسي. تذكرون السودان؟ رفعوا اسمه عندما سقط البشير! وليبيا؟ حين تهاوى القذافي! والعراق؟ بعد أن تمزق! إنها كالنادلة في مطعم راقٍ تمسح الطاولة... ليس لأن الزبون أصبح أنيقاً، بل لأنّه لم يعد موجوداً على الكرسي!
الفرق الكوميدي بين "دولة عميلة" و"دولة فاشلة":
الدولة العميلة مثل الموظف المجتهد في شركة الاحتلال: له راتب، وبطاقة هوية، ومهمة واضحة، وحتى موقف سيارته مخصص! أما سورية اليوم، فهي ذلك الرجل الذي يقف في الطريق ولا يعرف إن كان سيذهب إلى اليمين أم اليسار، ثم يكتشف أنه ليس لديه رجلان أصلاً!
سلطة دمشق الحالية هي سلطة "البقاء للبقاء"، لا سلطة الفعل. إنها كالسمكة التي خرجت من الماء ولكنها تتمسك بذيلها ظناً منها أنها لا تزال تسبح! لا تحمي حدودها، ولا تدير اقتصادها، ولا تصد الضربات... إنها سلطة عاجزة، لا عميلة. والعجز، في سياسة الأمم، قد يخدم الآخرين لكنه ليس تعاوناً، بل هو كمن ينام في منتصف الطريق ويعتقد أنه يقوم بحركة مرورية!
سورية كفضاء جيوسياسي مفتوح:
واشنطن لم تعد ترى سورية لاعباً، بل أصبحت تراها كغرفة انتظار في مطار دولي، الكل يدخل ويخرج دون أن يسأل أحد عن جواز السفر! إسرائيل تدخل لتصطاد، وتركيا تتوغل شمالاً، وواشنطن توزع المساعدات كأنها توزع مناديل ورقية في مطعم سريع!
الدولة الفاشلة... أو: الدولة التي لم تعد دولة:
في كتب العلوم السياسية، الدولة الفاشلة هي التي:
· لا سيادة على حدودها (كمن لا يعرف حدود غرفته في منزل مهجور)
· لا احتكار للعنف (كشرطي بلا مسدس في حي عصابات)
· لا مؤسسات فاعلة (كتنظيم إداري يديره قطط)
· لا اقتصاد حياً (كمتجر يبيع الثلج في القطب الشمالي)
· لا شرعية داخلية أو خارجية (كمرشح رئاسي لا يصوت حتى لأمه)
وسورية اليوم، تستوفي هذه المعايير كما لو كانت قد درستها وتحضّرت لها! إنها رسم بياني لدولة في حالة انهيار، كمن يهوي من الطابق المائة ويقول في الطابق الخمسين: "لا زلت بخير!"
الخلاصة الكوميدية التراجيدية:
رفع اسم سورية من قائمة الإرهاب ليس بداية جديدة، بل إعلان نهاية قديم. إنها ليست تأشيرة عبور، بل شهادة وفاة بخط أمريكي أنيق. سورية لم تعد خارطة، بل أصبحت بقعة جغرافية تتقاطع فيها الأقدار كما تتقاطع أرجل النمل في عش مضطرب.
القرار لا يمنح الشرعية، بل يعلن غيابها. ولا يفتح باباً، بل يكشف عن غرفة خالية. ولا يعيد سورية إلى الخريطة، بل يثبت أنها خرجت منها... وكأنها كانت فيها أصلاً!
في النهاية، يبدو أن أمريكا تمنح سورية شهادة تقدير... على حسن أدائها في دور "الدولة الميتة سياسياً"! ولكن، كالعادة، أمريكا لم تكن تعلم أن سورية ترفض الجوائز التي تمنحها لها... لأن سورية، حتى في فشلها، ترفض أن تكون جزءاً من مسرحية أمريكية هزلية!